← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فأجاز النَّقل في المقاعد خاصَّة؛ لأنَّها منافع دنيويَّة، فهي كالحقوق الماليَّة. ومنها: الطَّعام المباح في دار الحرب؛ يجوز نقل اليد فيه إلى من هو من أهل الاستحقاق من المغنم أيضاً؛ لاشتراك الكلِّ في استحقاق الانتفاع، ولا يكون ذلك تمليكاً؛ لانتفاء ملكه بالأخذ، حتَّى لو احتاج إلى صاع من برٍّ جيِّد وعنده صاعان رديئان؛ فله أن يبدلهما بصاع؛ إذ هو مأخوذ على الإباحة دون التَّمليك، صرَّح به القاضي وابن عقيل. ومنها: المباح أكله من مال الزَّكاة والأضاحي؛ يجوز إطعامه الضِّيفان (١) ونحوهم؛ لاستقرار الحقِّ فيه، بخلاف طعام الضِّيافة، ولا تجوز المعاوضة عن شيء من ذلك. ومنها: منافع الأرض الخراجيَّة؛ فيجوز نقلها بغير عوض إلى من يقوم مقامه فيها، وينتقل إلى الوارث؛ فيقوم مقام مورِّثه (٢) فيها. وكذلك يجوز جعلها مهراً، نصَّ عليه في رواية عبد الله (٣). ونصَّ في رواية ابن هانئ وغيره: على جواز دفعها إلى الزَّوجة عوضاً عمَّا تستحقُّه عليه من المهر (٤)، وهذا معاوضة عن منافعها المملوكة.

стр. 737

فأمَّا البيع؛ فكرهه أحمد ونهى عنه (١). واختلف قوله في بيع العمارة الَّتي فيها؛ لئلَّا يتَّخذ طريقاً إلى بيع رقبة الأرض الَّتي لا تملك، بل هي إمَّا وقف وإمَّا فيء للمسلمين جميعاً (٢). ونصَّ في رواية المروذيِّ (٣): على أنَّه يبيع آلات عمارته بما يساوي عرضاً (٤)، وكره أن يبيع بأكثر من ذلك لهذا المعنى. وكذلك نقل عنه ابن هانئ: أنَّه قال: يُقوِّم دكانه وما (٥) فيه من غلق وكلَّ شيء يحدثه فيه؛ فيعطى ذلك، ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكانٍ (٦).

стр. 738

ورخَّص في رواية عنه في شرائها دون بيعها (١)؛ لأنَّ شراءها استنقاذ لها بعوض ممَّن يتعدَّى بالتَّصرف فيها، وهو جائز. ورخَّص في رواية المروذيِّ أيضاً في بيع ما يحتاج إليه للنَّفقة منها، وإن كان فيه فضل عن النَّفقة تصدَّق به (٢). وكلُّ هذا بناءً على أنَّ رقبة هذه الأرض ومنافعها (٣) وقفها عمر ﵁ (٤). ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى (٥): بجواز البيع مطلقاً؛ كالحلوانيِّ وابنه، وكذلك خرَّجها ابن عقيل من نصِّ أحمد على صحَّة وقفها (٦)، ولو كانت وقفاً؛ لم يصحَّ وقفها.

стр. 739

وكذلك وقع في كلام أبي بكر، وابن شاقْلا، وابن أبي موسى: ما يقتضي الجواز، وله مأخذان: أحدهما: أنَّ الأرض ليست وقفاً، وهو مأخذ ابن عقيل. وعلى هذا؛ فإن كانت مقسومة؛ فلا إشكال في ملكها، وإن كانت فيئاً لبيت المال - وأكثر كلام أحمد يدلُّ عليه -؛ فهل يصير وقفاً بنفس الانتقال إلى بيت المال أم لا؟ على وجهين. فإن قلنا: لا يصير وقفاً؛ فللإمام بيعها وصرف ثمنها في المصالح، وهل له إقطاعها إقطاع تمليك؟ على وجهين، ذكر ذلك القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة». والمأخذ الثَّاني: أنَّ البيع هنا وارد على المنافع دون الرَّقبة، فهو نقل للمنافع (١) المستحَقَّة بعوض. وهذا اختيار الشيخ تقي الدين (٢)، ويدلُّ عليه من كلام أحمد أنَّه أجاز دفعها عوضاً عن المهر، ويشهد له ما تقدَّم من المعاوضة عن المنافع في مسائل متعدِّدة. وإن كان القاضي وابن عقيل والأكثرون صرَّحوا بعدم (٣) صحَّة بيع

стр. 740

المنافع المجرَّدة. والتَّحقيق في ذلك أنَّ المنافع نوعان: أحدهما: منافع الأعيان المملوكة الَّتي تقبل المعاوضة مع أعيانها؛ فهذه قد جوَّز الأصحاب بيعها في مواضع. منها: أصل وضع الخراج على أرض العنوة إذا قيل: هي فيء؛ فإنَّه ليس بأجرة، بل هو شبيه بها ومتردِّد بينها وبين البيع. ومنها: المصالحة بعوض على وضع الأخشاب وفتح الأبواب ومرور المياه ونحوها، وليس بإجارة محضة؛ لعدم تقدير المدَّة، وهو شبيه بالبيع. ومنها: لو أعتق عبده (١)، واستثنى خدمته سنة؛ فهل له أن يبيعها منه؟ على روايتين، ذكرهما ابن أبي موسى، وهما منصوصتان عن أحمد. ولا يقال: هو لا (٢) يملك بيع العبد في هذه الحال؛ لأنَّ هذه المنافع كان يملك (٣) المعاوضة عنها في حال الرِّقِّ، وقد استبقاها بعد زواله؛ فاستمرَّ حكم المعاوضة عليها كما يستمرُّ حكم وطء المكاتبة إذا استثناه في عقد الكتابة، وهل الكتابة إلَّا عقد معاوضة على المنافع؟! النَّوع الثَّاني: المنافع الَّتي ملكت مجرَّدة عن الأعيان، أو كانت

стр. 741

أعيانها غير قابلة للمعاوضة؛ فهذا محلُّ الخلاف الَّذي نتكلم فيه ههنا، والله أعلم.

стр. 742

قاعدة [٨٨] في الانتفاع وإحداث ما يُنتفع به في الطُّرق المسلوكة في الأمصار والقرى وهوائها وقرارها . أمَّا الطَّريق نفسه: فإن كان ضيِّقاً، أو أحدث فيه ما يضرُّ بالمارة؛ فلا يجوز بكلِّ حال. وأمَّا مع السَّعة وانتفاء الضَّرر: فإن كان المحدَث فيه متأبِّداً؛ كالبناء والغراس؛ فإن كان لمنفعة خاصَّة بآحاد (١) النَّاس؛ لم يجز على المعروف من المذهب، وإن كان لمنفعة عامَّة؛ ففيه خلاف معروف: منهم من يطلقه (٢)، ومنهم من يخصُّه بحالة انتفاء إذن الإمام فيه. وإن كان غير متأبِّد ونفعه خاصٌّ؛ كالجلوس وإيقاف الدَّابَّة: ففيه خلاف أيضاً. وأمَّا القرار الباطن؛ فحكمه حكم الظَّاهر على المنصوص.

стр. 743

وأمَّا الهواء؛ فإن كان الانتفاع به خاصًّا بدون إذن الإمام؛ فالمعروف منعه، وبإذنه فيه خلاف. ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة: منها: إذا حفر في طريقٍ واسعٍ بئراً، فإن كان لنفع المسلمين؛ ففيه طريقان: أحدهما: إن كان بإذن الإمام؛ جاز، وإن كان بدون إذنه؛ فروايتان (١)، قاله القاضي وابن عقيل وصاحب «المحرر». والثَّاني: فيه روايتان على الإطلاق، قاله أبو الخطاب وصاحب «المغني»؛ إذ البئر مَظِنَّة العطب. وإن كان الحفر لنفسه ضمن بكلِّ حال؛ ولو كان في فنائه، نصَّ عليه (٢)، ولا يجوز إذن الإمام فيه عند الأصحاب. وفي «الأحكام السُّلطانيَّة» للقاضي: إنَّ له التَّصرف في فنائه بما شاء من حفر وغيره إذا لم يضرَّ، وأمَّا في فناء غيره؛ فإن أضرَّ بأهله؛ لم يجز، وإن لم يضرَّ؛ جاز، وهل يعتبر إذنهم أو إذن الإمام في فناء المسجد؟ على وجهين. ومنها: إذا بنى مسجدًا في طريق واسع ولم يضرَّ بالمارَّة؛ قال الأكثرون من الأصحاب: إن كان بإذن الإمام؛ جاز، وإلَّا فروايتان.

стр. 744

وقال أحمد في رواية ابن الحكم: أكره الصَّلاة في المسجد الَّذي يؤخذ من الطريق إلَّا أن يكون بإذن الإمام. (١) ومنهم من أطلق الرِّوايتين، وكلام أحمد أكثره غير مقيَّد، قال في رواية المروذيِّ: المساجد الَّتي في الطرُّقات حكمها أن تهدم (٢). وقال إسماعيل الشَّالنجيُّ: سألت أحمد عن طريق واسع للمسلمين عنه غنًى، وبهم إلى أن يكون هناك مسجد حاجة؛ هل يجوز أن يبنى هناك مسجد؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يضرَّ بالطريق (٣). قال (٤): وسألت أحمد: هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامَّة؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يضرَّ بالطَّريق. قال الجوزجانيُّ في «المترجم» (٥): والَّذي عنى أحمد من الضَّرر بالطَّريق: ما وقَّت النبي ﷺ من السبع الأذرع. كذا قال. ومراده: أنَّه يجوز البناء إذا فضل من الطَّريق سبعة أذرع. والمنصوص عن أحمد أنَّ قول النَّبيِّ ﷺ : «إذا اختلفتم في الطَّريق؛

стр. 745

فاجعلوه سبعة أذرع» (١)، في أرض مملوكة لقوم أرادوا البناء فيها، وتشاجروا في مقدار ما يتركونه منها (٢) للطَّريق. وبذلك فسره ابن بطَّة وأبو حفص العكبريُّ والأصحاب، وأنكروا جواز تضييق الطَّريق الواسع إلى أن يبقى منه سبعة أذرع. ومنها: بناء غير المساجد في الطُّرقات؛ فإن كان البناء للوقف على المسجد؛ فهو كبناء المسجد، قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣). وكذا إن كان لمصلحة عامَّة؛ كخان مسبَّل (٤) ونحوه. وإن كان لمنفعة تختصُّ بآحاد النَّاس؛ فالمشهور: عدم جوازه؛ لأنَّ الطَّريق مشترك؛ فلا يملك أحد إسقاط الحقِّ المشترك فيه (٥) والاختصاص به، ولا يملك الإمام الإذن في ذلك. وفي كتاب الطُّرقات لابن بطَّة: إن بعض الأصحاب أفتى بجوازه، وأخذه من نصِّ أحمد في بناء المسجد، والفرق واضح؛ لأنَّ المسجد حقُّ الاشتراك فيه باقٍ، غير أنَّه انتقل من استحقاق المرور إلى

стр. 746

استحقاق اللُّبث للعبادة (١). وكلام أحمد يدلُّ على المنع، قال في رواية ابن القاسم: إذا كان الطَّريق قد سلكه النَّاس وصُيِّر طريقاً؛ فليس لأحد أن يأخذ منه شيئاً قليلاً ولا كثيراً. وقال في رواية العباس بن موسى (٢): إذا نضب الماء عن جزيرة؛ لم يبن فيها؛ لأنَّ فيها (٣) ضرراً، وهو أنَّ الماء يرجع (٤). قال القاضي: معناه: إذا بنى في طريق المارَّة، فيضرُّ بالمارَّة في ذلك الطَّريق؛ فلم يجوِّزه. وكره في رواية ابن بختان أن يطحن في الغروب، وقال: ربَّما غرقت السُّفن. وقال في رواية مثنَّى: إذا كانت في طريق النَّاس؛ فلا يعجبني (٥). والغروب: كأنَّها طاحونة، تصنع في النَّهر الَّذي تجري فيه السُّفن. وكره شراء ما يُطحن فيها. وذكر ابن عقيل في الغربة في النَّهر: إن كان وضعها بإذن الإمام، والطَّريق واسع، والجريان معتدل بحيث يمكن الاحتراز منه؛ جاز، وإلَّا

стр. 747

لم يجز. ولعلَّ الغربة -كالسَّفينة- لا يتأبَّد، بخلاف البناء. وحكم الغراس حكم البناء، وقد قال أحمد في النَّخلة المغروسة في المسجد: إنَّها غُرست بغير حقٍّ؛ فلا أحبُّ الأكل منها، ولو قلعها الإمام كان أولى. ومن الأصحاب من أطلق فيها الكراهة؛ كصاحب «المبهج» (١)، وجعل ثمرها لجيران المسجد الفقراء. ونصَّ أحمد في رواية ابن هانئ وابن بختان، في دار السَّبيل يُغرَس فيها كرمٌ؛ قال: إن كان يضرُّ بهم؛ فلا. وظاهره: جوازه مع انتفاء الضَّرر، ولعلَّ الغرس كان لجهة (٢) السَّبيل أيضاً. ومنها: اختصاص آحاد النَّاس في الطَّريق بانتفاع لا يتأبَّد. فمن ذلك: الجلوس للبيع والشِّراء؛ فقال الأكثرون: إن كان الطَّريق واسعاً، ولا ضرر في الجلوس بالمارَّة؛ جاز بإذن الإمام ودون إذنه، وإلَّا لم يجز، وللإمام (٣) أن يقطعه من شاء. وذكر القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة» في جوازه بدون إذن الإمام روايتين.

стр. 748

وحكى في كتاب «الرِّوايتين» في المسألة روايتين: بالجواز (١) والمنع، وحملهما (٢) على اختلاف حالين؛ فالجواز إذا لم يضرَّ بالمارة، والمنع إذا أضرَّ، وجعل حقَّ الجلوس كحقِّ الاستطراق؛ لأنَّه لا يعطِّل حقَّ المرور بالكليَّة؛ فهو كالقيام فيها لحاجة. وأظنُّ ابن بطة حكى قبله (٣) روايتين مطلقتين في الجواز وعدمه، وكذلك ذكر صاحب «المقنع» في الجلوس في الطَّريق الواسع؛ هل يوجب ضمان ما عثر به؟ على وجهين، وذلك يدلُّ على الخلاف في جوازه. وأمَّا القاضي؛ فقال: لا يضمن بالجلوس رواية واحدة. ومن ذلك: لو ربط دابَّته أو أوقفها في الطرَّيق، والمنصوص: منعه. قال في رواية أبي الحارث: إذا أقام دابَّته (٤) في (٥) الطَّريق؛ فهو ضامن لما جنت، ليس له في الطريق حقٌّ (٦). وكذلك نقل عنه أبو طالب وحنبل ضمان جناية الدَّابَّة إذا ربطها في الطَّريق (٧).

стр. 749

وكذلك أطلق ابن أبي موسى وأبو الخطاب من غير تفريق بين حالة الضِّيق والسَّعة؛ ومأخذه: أنَّ طبع الدَّابَّة الجناية بفمها أو برجلها، فإيقافها في الطَّريق كوضع الحجر ونصب السِّكين فيه. وحكى القاضي في كتاب «الرِّوايتين» رواية أخرى بعدم الضَّمان إذا وقف في طريق واسع؛ لقول أحمد في رواية أحمد بن سعيد: إذا وقف على نحو ما يقف النَّاس، أو في موضع يجوز أن يقف في مثله، فنفحت بيد أو رجل؛ فلا شيء عليه، قال القاضي: ظاهره أنَّه لا ضمان إذا كان واقفاً لحاجة وكان الطَّريق واسعاً (١)، فهو كالقيام فيها لحاجة (٢). وأمَّا الآمديُّ؛ فحمل المنع على حالة ضيق الطَّريق، والجواز على حالة سعته، فالمذهب (٣) عنده: الجواز مع السَّعة وعدم الإضرار رواية واحدة. ومن المتأخرين من جعل المذهب: المنع رواية واحدة. وصرَّح صاحب «التلخيص» بجريان الخلاف في صورتي القيام والرَّبط. وخالف بعض المتأخرين، وقال: الرَّبط عدوان بكلِّ حال. وربط السَّفينة وإرساؤها في النَّهر المسلوك؛ قال ابن عقيل: إن كان

стр. 750

بإذن الإمام والطَّريق واسع والجريان معتدل؛ جاز، وإلَّا لم يجز. وخالف بعض الأصحاب في اعتبار إذن الإمام في هذا؛ لتكرُّره، قال الميمونُّي: ملت أنا وأبو عبد الله إلى الزَّواريق - يعني: في دجلة -، فاكترى زورقاً من الزَّواريق، فرأيته يتخطَّى زواريق عدَّة لأناس، ولم أره استأذن أحداً منهم؛ قال بعض الأصحاب: لأنَّه حريم دجلة، وهو مشترك بين المسلمين، فلما ضيَّقوه؛ جاز المشي عليه. وعلى قياس ذلك: لو وُضع في المسجد سريرٌ ونحوه؛ جازت الصَّلاة عليه من غير استئذان، بخلاف ما إذا بسط فيه مصلًّى، وقلنا: لا يثبت به السَّبق؛ فإنَّه يُرفع ويُصلَّى موضعه، ولا يصلَّى عليه؛ لأنَّ رفعه لا مشقَّة فيه. ومن ذلك: الانتفاع بالطَّريق بإلقاء الكناسة والأقذار، فإن كانت (١) نجاسة؛ فهو كالتَّخلي في الطريق، وهو منهيٌّ عنه، لكن هل هو نهي كراهة أو تحريم؟ كلام الأصحاب مختلف في ذلك. وإن كان ممَّا يحصل به الزَّلق؛ كرشِّ الماء وصبِّه، وإلقاء قشور البطيخ، أو يحصل به العثور كالحجر؛ فلا يجوز، والضَّمان واجب به، وقد نصَّ عليه أحمد في رشِّ الماء. قال في «التَّرغيب»: إلَّا أن يرشَّه؛ ليسكن الغبار؛ فهو مصلحة عامَّة، فيصير كحفر البئر للسَّابلة، وفيه روايتان. ومنها: الحفر في الطَّريق، وهو ممنوع، سواء تركه ظاهراً أو غطَّاه

стр. 751

وأسقف (١) عليه، قال المرُّوذيُّ: سألت أبا عبد الله عن الرَّجل يحفر في فنائه البئر أو المخرج المعلَّق؟ قال: لا، هذا طريق المسلمين (٢)، قلت: إنَّما هي بئر تحفر ويُسدُّ رأسها، قال: أليس في طريق المسلمين؟! أكره هذا كلَّه (٣). فمنع من التَّصرُّف في باطن الطَّريق بالحفر. ونقل عنه ابن هانئ وابن بختان والفضل بن زياد: في رجل في داره شجرة، فنبت من عروقها شجرة في دار رجل آخر: لمن الشَّجرة؟ قال: ما أدري ما هذا؟ ربَّما كان ضرراً على صاحب الأرض (٤). قال القاضي: وظاهر هذا أنَّه إذا لم يكن فيها ضرر، وهو أن تكون (٥) عروقها تحت الأرض، لا يؤخذ بقلعها؛ لأنَّ الضَّرر إنَّما يكون بظهورها على وجه الأرض، انتهى. وفيه نظر ظاهر (٦)، وصرَّح ابن عقيل في «الواضح في أصول الفقه» بوجوب إزالة عروق شجره (٧) من أرض غيره.

стр. 752

ومنها: إشراع الأجنحة والساباطات والخشب والحجارة في الجدار إلى الطَّريق؛ فلا يجوز، ويضمن به، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب وابن منصور ومهنَّى وغيرهم (١)، ولم يعتبر إذن الإمام في ذلك، وكذا ذكر القاضي في «المجرَّد»، وصاحب «المغني». وقال القاضي في «خلافه» والأكثرون: يجوز بإذن الإمام مع انتفاء الضَّرر به. وفي «شرح الهداية» للشَّيخ مجد الدِّين في كتاب الصَّلاة: إن كان لا يضرُّ بالمارة جاز. وهل يفتقر إلى إذن الإمام؟ على روايتين: إحداهما: يفتقر؛ لأنَّه ملك مشترك بين المسلمين؛ فلا يجوز تخصيصه بجهة خاصَّة إلَّا للإمام. والثَّانية: لا يفتقر؛ لأنَّ منفعة الطَّريق المرور، وهو لا يختلُّ (٢) بذلك. وأمَّا الميازيب ومسيل المياه؛ فكذلك عند الأصحاب، قال المروذيُّ: سُقِّف لأبي عبد الله سطح الحاكة، وجعل مسيل الماء إلى الطَّريق، وبات تلك اللَّيلة، فلما أصبح قال: ادع إليَّ النَّجَّار يحوِّل الميزاب إلى الدَّار، فدعوته له، فحوَّله (٣).

стр. 753

وهذا لا يدلُّ على التَّحريم؛ لأنَّه لو اعتقده محرماً لم يفعله ابتداء، وإنَّما حوَّله؛ تورعاً لحصول الشُّبهة فيه. وفي «المغني» احتمال بجوازه مطلقاً مع انتفاء الضَّرر، واختاره طائفة من المتأخِّرين. وقال الشَّيخ تقي الدِّين: إخراج الميازيب إلى الدَّرب النَّافذ هو السُّنَّة (١)، وذكر حديث العبَّاس في ذلك (٢). والمانعون يقولون: ميزاب العبَّاس وضعه النَّبيُّ ﷺ بيده؛ فكان أبلغ من إذنه فيه (٣)، ولا كلام فيما أذن فيه (٤) الإمام، والله أعلم (٥).

стр. 754

قاعدة [٨٩] أسباب الضَّمان ثلاثة: عقد، ويد، وإتلاف . أمَّا عقود الضَّمان؛ فقد سبق ذكرها (١)، وكذلك سبق ذكر الأيدي الضَّامنة. وأمَّا الإتلاف؛ فالمراد به: أن يباشر الإتلاف بسببٍ يقتضيه؛ كالقتل والإحراق، أو ينصب سبباً عدوانيًّا (٢)، فيحصل به الإتلاف؛ كأن يحفر بئراً في غير ملكه عدواناً، أو يؤجِّج ناراً في يوم ريح عاصف، فيتعدَّى إلى إتلاف مال الغير، أو كان المال محتبساً بشيء وعادته الانطلاق؛ فيزيل احتباسه، وسواء كان له اختيار في انطلاقه أو لم يكن؛ فدخل تحت ذلك ما إذا حلَّ وكاء زقٍّ مائع فاندفق، أو فتح (٣) قفصاً عن طائر فطار، أو حلَّ قيد عبد آبق فهرب، هذا هو الَّذي ذكره ابن حامد والقاضي والأكثرون؛ لأنَّه تسبَّب إلى الإتلاف بما يقتضيه عادة. واستثنى ابن عقيل في «فنونه»: ما كان من الطُّيور يألف البروج

стр. 755

ويعتاد العود؛ فقال: لا ضمان في إطلاقه وإن لم يعد؛ لأنَّ العادة جارية بعوده؛ فليس إطلاقه إتلافاً. وقال أيضاً في «الفنون»: الصَّحيح التَّفرقة بين ما يُحال الضَّمان على فعله؛ كالآدميِّ، وما لا يُحال عليه الضَّمان؛ كالحيوانات والجمادات، فإذا حلَّ قيد العبد؛ لم يضمن؛ لأنَّ العبد له اختيار، ويصحُّ إحالة الضمان عليه؛ فيقطع مباشرتُه للتَّلف تَسبُّبَ مطلقِه. وهذا الَّذي قاله إنَّما يصحُّ لو كان العبد من أهل الضَّمان لسيِّده، فأمَّا إذا لم يكن من أهل الضَّمان للسَّيِّد؛ تعيَّن إحالة الضَّمان على المتسبب، ولهذا قال الأصحاب: إنَّ جناية العبد المغصوب على سيِّده مضمونة على الغاصب، حيث لم يكن العبد من أهل الضمان للسيد، فأُحيل على الغاصب؛ لتعدِّيه بوضع يده عليه، مع أنَّه ليس سبباً للجناية. ولكن خرَّج ابن الزاغونيِّ في «الإقناع» وجهاً آخر: أنَّه لا ضمان على الغاصب؛ لأنَّ الجناية من أصلها غير قابلة للتَّضمين؛ لتعلُّقها (١) بالرَّقبة المملوكة للمجنيِّ عليه؛ فلا يلزم الغاصبَ منها شيء، ولا يلزم مثله في مُطْلِق العبد؛ لأنَّه متسبب إلى الإتلاف، فإذا لم يمكن إحالة الضَّمان على المباشر أحيل على المتسبِّب؛ صيانةً للجناية على مال المعصوم عن الإهدار مهما أمكن. وخرَّج الآمديُّ وجهًا آخر: أنَّ جناية العبد على سيِّده مضمونة عليه

стр. 756

في ذمَّته، يتبع بها بعد عتقه. وههنا فرع يتردَّد (١) فيه بين ضمان اليد والإتلاف: وهو ما إذا حفر بئراً عدواناً أو نصب شبكة أو منجلاً للصَّيد، ثمَّ مات، ثمَّ وقع في البئر حيوان مضمون، أو عثر بآلات الصَّيد حيوان مضمون؛ فإن جعلناه من باب الإتلاف؛ ضمن من التَّركة، وبه صرَّح القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» في باب الرَّهن؛ حتَّى قالا: لو بيعت التَّركة لفُسِخ في قدر الضَّمان منها؛ لسبق سببه، ولو كانت التَّركة عبداً فأعتقه الورثة قبل الوقوع؛ ضمنوا قيمة العبد؛ كالمرهون، صرَّح به القاضي في «الخلاف». وإن جعلناه من ضمان اليد؛ فهل يجعل كيده المشاهدة بعد الموت، أو يجعل اليد لمن انتقل الملك إليه؟ يحتمل وجهين أصلهما اختلاف الأصحاب فيما لو نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته؛ هل هو تركةٌ موروثةٌ؛ جعلاً لها كيده المشاهدة، أو هو ملك للورثة؛ لأنه صار (٢) كأيديهم؟ والذي صرَّح به القاضي وابن عقيل: أنَّه تركة موروثة. وقال أبو الخطَّاب في «الانتصار»: بل (٣) هو ملك للوارث بانتقال ملك الشَّبكة إليه، كما يتولَّد من النِّتاج الموروث ويثمر من الشَّجر (٤).

стр. 757

وأمَّا في العدوان المجرَّد؛ فيحتمل أن ينقطع حكمه بالموت، ويحتمل أن يكون ضمانه من تركة المتعدِّي؛ لانعقاد سببه في حياته. ويشبه ذلك: الاختلاف (١) فيمن مال حائطه، فطولب بنقضه، فباعه، ثمَّ سقط؛ هل يسقط عنه الضَّمان؟ فيه وجهان سبق ذكرهما. وهل يجب الضَّمان على من انتقل إليه الملك (٢) إذا استدامه أم لا؟ الأظهر وجوبه عليه؛ كمن اشترى حائطاً مائلاً؛ فإنَّه يقوم مقام البائع فيه، فإذا طولب بإزالته فلم يفعل؛ ضَمِن على رواية. ولو حفر عبده بئراً عدواناً بغير إذنه، ثمَّ أعتقه، ثمَّ تلف بها مالٌ أو غيره؛ ففي «المغني»: الضَّمان على العبد؛ لاستقلاله بالجناية. وفي «التَّلخيص»: هو على السَّيِّد بقدر قيمة العبد فما دون؛ لثبوته عليه (٣) قبل العتق بذلك؛ فقد وجد السَّبب في ملكه، فلا ينتقل، وهو بعيد. تنبيه: لو أتلف الغاصب المغصوب؛ ضمنه ضمان إتلافٍ ويدٍ. وقد نصَّ أحمد على أنَّ من أمسك صيداً في الحرم، ثمَّ كفَّر عنه، ثمَّ ذبحه: أنَّه يجزئه. وهذا يدلُّ على أنَّه جعله ضمان يد، وإلَّا لما جاز تقديم كفَّارة الإتلاف عليه، ويدلُّ أيضاً على جواز تقديم الكفَّارة، وإن كان يمكن أن

стр. 758

توجبها معصيته (١). وفيه وجه بالمنع ذكره القاضي في «تعليقه»؛ لأنَّ التَّقديم رخصة؛ فلا تستباح بمحرَّم (٢).

стр. 759

قاعدة [٩٠] الأيدي المستولية على مال الغير بغير إذنه ثلاثة: يدٌ يمكن أن يثبت باستيلائها الملك؛ فينتفي الضَّمان عمَّا تستولي عليه، سواء حصل الملك به أو لم يحصل. ويدٌ لا يثبت لها الملك وينتفي عنها الضَّمان. ويدٌ لا يثبت لها الملك ويثبت عليها الضَّمان. أمَّا الأولى؛ فيدخل فيها صور: منها: استيلاء المسلمين على أموال أهل الحرب. ومنها: استيلاء أهل الحرب على أموال المسلمين؛ لأنَّهم يملكون علينا بالاستيلاء، وهو المشهور عند الأصحاب. وينتفي الضَّمان عنهم فيما لم يملكوه أيضاً ممَّا تثبت (١) عليه الأيدي؛ كأمِّ الولد، وما لم يحوزوه إلى دارهم وما شرد إليهم من دوابِّ المسلمين وأرقَّائهم (٢) على قولنا: إنَّهم لا يملكون ذلك. ومنها: استيلاء الأب على مال الابن، فإن كان استيلاء يحصل به الملك؛ فلا إشكال في انتفاء الضَّمان، وإن كان على غير وجه

стр. 760

التَّمليك (١)؛ فلا يثبت به الضَّمان ولو أتلفه على أصحِّ الوجهين، وهو المذهب عند صاحب «المحرَّر» (٢). وأمَّا اليد الثَّانية؛ فيدخل فيها صور: منها: من له ولاية شرعية بالقبض. ومنها: من قبض المال لحفظه على المالك؛ فإنَّه لا يضمنه، وقد نصَّ أحمد فيمن أخذ آبقاً ليردَّه على سيِّده، فهرب منه: أنَّه لا ضمان عليه (٣)، لكن (٤) أخذ الآبق فيه إذن شرعيٌّ (٥). وفي «التَّلخيص» وجه آخر بالضَّمان في المستنقذ من الغاصب للردِّ (٦)؛ لعدم الولاية، وهو ضعيف.

стр. 761

ولو كان القابض حاكماً؛ فهو أولى بنفي الضَّمان؛ لعموم ولايته. وفي «التَّلخيص» فيما إذا حمل المغصوب إليه ليدفعه إلى مالكه؛ هل (١) يلزمه قبوله؟ على وجهين، وصحَّح اللُّزوم، وهو تفريق بين الحاكم وغيره. وفي «المجرد» و «الفصول» و «المغني»: ليس للحاكم انتزاع مال الغائب المغصوب إلَّا أن يكون له ولاية عليه بوجه ما؛ مثل أن يجده في تركة ميت ووارثه غائب؛ فله الأخذ؛ لأنَّ له ولاية على تركة الميت بتنفيذ (٢) وصاياه وقضاء ديونه، أو يجدها في يد سارق فيقطعه وينتزع منه العين تبعاً لولاية القطع. والمسألة مذكورة في مسألة وجوب القصاص للغائب، ومسألة قطع السَّارق لمال الغائب. ومنها: الطَّائفة الممتنعة عن حكم الإمام؛ كالبغاة؛ لا يضمن الإمام وطائفته ما أتلفوه عليهم حال الحرب. وفي تضمينهم ما أتلفوه على الإمام في تلك الحال روايتان، أصحُّهما: نفي الضَّمان؛ إلحاقاً لهم بالمحاربين (٣). وأمَّا أهل الرِّدَّة إذا لحقوا بدار الحرب، أو اجتمعوا بدار منفردين ولهم مَنَعةٌ؛ ففي تضمينهم روايتان أيضاً، واختار أبو بكر: عدم

стр. 762

التَّضمين؛ إلحاقاً لهم بأهل دار الحرب (١). وأمَّا اليد الثَّالثة؛ فهي اليد العادِيَةُ الَّتي يترتَّب عليها الضَّمان.

стр. 763

قاعدة [٩١] يضمن بالعقد وباليد الأموال المحضة المنقولة إذا وجد فيها النَّقل . فأمَّا غير المنقول؛ فالمشهور عند الأصحاب: أنَّه يضمن بالعقد وباليد أيضاً، كما يضمن في عقود التَّمليكات بالاتِّفاق. ونقل ابن منصور عن أحمد: أنَّ العقار لا يضمن بمجرَّد اليد في الغصب من غير إتلاف (١)، وكذلك قال أبو حفص العكبريُّ في العارية فيما قرأته بخطِّ القاضي. وأمَّا المنقول؛ فإن حصل نقله؛ ترتَّب عليه ضمان اليد والعقد. وإن لم يوجد النَّقل؛ فهل يضمن بالعقد؟ فيه كلام سبق في أحكام المقبوض (٢).

стр. 764

وأمَّا اليد المجرَّدة؛ فقال القاضي في «خلافه»: لا يتوقَّف الضَّمان بها على النَّقل أيضاً كالعقد، وكما يصير المودع ضامناً بمجرَّد جحود الوديعة من غير نقل ولا إزالة يد. ورتَّب على ذلك: أنَّه لو باع الغاصب العين المغصوبة، وخلَّى بينها وبين المشتري، فتلفت قبل النَّقل، ثمَّ جاء المالك: أنَّ له تضمين المشتري، قال: وإن سلمناه؛ - يعني: منع تضمينه (١) -؛ فلأنَّه لم يحصل كمال الاستيلاء، وهو النَّقل فيما يمكن نقله. وجزم ابن عقيل في «نظرياته»: بأنَّ المشتري ههنا لا يضمنه ضمان غصب، وإن كان يضمنه في البيع الصَّحيح ضمان عقد بمجرَّد التَّخلية؛ وقاسه على العقار، فإنَّ البائع إذا خلَّى بينه وبين المشتري؛ صار من ضمانه بالعقد، ولو ظهر له مستحقٌّ لم يضمنه بذلك ضمان غصب، وإنَّما تردَّد في هذا؛ لأنَّه فرع متردِّد بين الضَّمان بالعقد وباليد. وفي «التلخيص»: إثبات اليد فيما ينقل بالنَّقل، إلَّا في الدَّابَّة فإنَّ ركوبها كاف، وكذلك الجلوس على الفرش؛ لأنَّه غاية الاستيلاء، وصرَّح القاضي في «خلافه» بمثل ذلك في الدَّابَّة. وأمَّا غير الأموال المحضة؛ فنوعان: أحدهما: ما فيه شائبة الحريَّة؛ لثبوت بعض أحكامها دون حقيقتها؛ كأمِّ الولد والمكاتب والمدبَّر؛ فيضمن باليد على ما ذكره القاضي والأصحاب.

стр. 765

وكذلك يضمن بالعقد الفاسد في قياس المذهب، قاله أبو البركات في «تعليقه على الهداية». والثَّاني: الحرُّ المحض؛ هل تثبت عليه اليد، فيترتَّب عليها الضَّمان أم لا؟ المعروف من المذهب: أنَّ الحرَّ لا تثبت عليه اليد؛ فلا يضمن بها بحال، ولو كان تابعاً لمن يثبت (١) عليه اليد؛ كمن غصب أمة حاملاً بحرِّ، ذكره القاضي في «خلافه» بما يشعر أنَّه محلُّ وفاق. وحكى القاضي أيضاً (٢) في «خلافه»، وتابعه صاحب «المحرر» في ثبوت اليد على الحرِّ الصَّغير وضمانه بالتلف تحتها روايتين منصوصتين (٣)؛ لشبهه بالعبد، حيث يتمكَّن من دعوى نسبه مع جهالته ودعوى رقِّه. وقال القاضي في مواضع متعدِّدة من «خلافه»: تثبت اليد على الحرِّ الكبير بالعقد دون اليد. وبنى على ذلك: أنَّ الأجير الخاصَّ إذا سلَّم نفسه إلى مستأجره فلم يستعمله؛ استقرَّت له الأجرة؛ لتلف منافعه تحت يده. وكذلك يجب المهر بالخلوة في النِّكاح الفاسد عندنا؛ لدخول

стр. 766

المنفعة تحت اليد بالتَّمكن من الاستيفاء. وكذلك لو تداعى اثنان زوجيَّة امرأة، وأقاما البيِّنة، وهي في يد أحدهما؛ فهي له؛ ترجيحاً باليد، كذا ذكره القاضي، وإنَّما يتوجَّه على قولنا بتقديم بيِّنة الدَّاخل. وحكى صاحب «التَّلخيص» وجهاً بثبوت اليد على منافع الحرِّ دون ذاته، ورتَّب عليه صحَّة إجارة المستأجر للأجير الخاصِّ. وجزم الأزجيُّ في «النِّهاية» بصحَّته، وبنى عليه جواز إجارة الكافر للمسلم المستأجر معه، وذكر احتمالين. وبنى صاحب «التَّلخيص» أيضاً على ذلك: مسألة (١) غصب الحرِّ وحبسه عن العمل، فإنَّ في وجوب ضمان أجرته وجهين. تنبيه: من الأصحاب من قال: منفعة البُضع لا يدخل تحت اليد، وبه جزم القاضي في «خلافه» وابن عقيل في «تذكرته» وغيرهما، وفرَّعوا عليه صحَّة تزويج الأمة المغصوبة، وأنَّ الغاصب لا يضمن مهرها ولو حبسها عن النِّكاح حتى فات بالكبر. وخالف ابن المنيِّ، وجزم في «تعليقه» بضمان مهر الأمة بتفويت النِّكاح، وذكر في الحرَّة تردُّداً؛ لامتناع (٢) ثبوت اليد عليها. وقد يتفرَّع على ذلك: أنَّ الأمة الموطوءة بغير إذن المالك لو حملت، ثمَّ تلفت من الولادة؛ ضمنها الواطئ، بخلاف الحرَّة إذا زنى

стр. 767

بها كرهاً، فحملت، ثمَّ ماتت من الطَّلق؛ قال في «التَّلخيص»: لأنَّ الاستيلاد كأنَّه (١) إثبات يد، وهلاك تحت اليد المستولية على الرَّحم، والحرَّة لا تدخل تحت اليد، ومجرَّد السَّببِ ضعيفٌ. وفي «المغني»: يضمنها مطلقاً لحصول (٢) التَّسبُّب في التَّلف.

стр. 768

قاعدة [٩٢] هل تثبت (١) يد الضَّمان مع ثبوت يد المالك أم لا؟ في المسألة خلاف . وقد قال أحمد في رواية ابن الحكم فيمن أسره أهل الحرب ومعه جاريته: إنَّها ملكه، مع أنَّ مذهبه المشهور عنه: أنَّ الكفَّار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء. والأظهر: أنَّه إن زال امتناع المالك وسلطانه؛ ثبت الضَّمان، وإلَّا فلا. ويتفرَّع على ذلك مسائل: منها: لو غصب دابة عليها مالكها ومتاعه؛ ففي «الخلاف الكبير»: لا يضمن. وكذا (٢) قال الأصحاب: لو استولى على حرٍّ كبير لم يضمن ثيابه؛ لأنَّها في يد المالك. ولو كان الحرُّ صغيراً، وقلنا: لا تثبت اليد عليه؛ ففي ثيابه وجهان؛

стр. 769

نظراً إلى أنَّ يده لا قوَّة لها على المنع، وهذا يشهد لاعتبار بقاء الامتناع (١) في انتفاء الضَّمان. ومنها: لو استأجر الدَّابَّة إلى مسافة فزاد عليها، أو لحمل شيء فزاد عليه، وهي في يد المُؤْجِر فتلفت؛ قال في «المجرد»: يضمن؛ لتعدِّيه بالزِّيادة، وسكوت المالك لا يمنع الضَّمان؛ كمن خرق ثوبه وهو لا يمنع. وفي «التَّلخيص»: لا يضمن إذا تلفت بفعل الله تعالى، وإن تلفت بالحمل؛ ففي تكميل الضَّمان عليه وتنصيفه وجهان. ويتوجَّه التفريق بين أن يكون قادراً على الامتناع، أو لا يكون كذلك؛ فيجب الضَّمان مع عدم القدرة؛ كمن غصب دابَّة وأكره المالك على أن يحمل له عليها متاعه، فإنَّ هذا زيادة عدوان؛ فلا يسقط به الضَّمان. ومنها: الأجير المشترك إذا جنت يده على العين المستأجَر على العمل فيها، ويد صاحبها ثابتة عليها؛ فلا ضمان، قاله القاضي في «المجرَّد»، قال: لأنَّه ليس بأكثر من الغاصب، والغاصب لا يضمن ما دام يد صاحبه ثابتة عليه، انتهى. ومراده بثبوت (٢) يد صاحبه: ثبوت سلطنته وتصرُّفه، ولهذا لو أعاد الغاصب المغصوب إلى يد المالك على وجه لا يعود تصرُّفه إليه؛ مثل:

стр. 770

إن رهنه عنده، أو استأجره للعمل فيه؛ لم يبرأ بذلك على الصَّحيح؛ إلَّا أن يعلم أنَّه ملكه. ومنها: لو دخل دار إنسان بغير إذنه أو جلس على بساطه بغير إذنه، والمالك جالس في الدَّار أو على البساط؛ ففي «الخلاف الكبير»: لا ضمان؛ وعلَّل بانتفاء الحيلولة ورفع اليد. وكذلك قال فيمن ركب دابَّة غيره: إن حال بينه وبينها ورفع يده عنها؛ ضمن، وهذا يرجع إلى اشتراط القهر والحيلولة للضَّمان. وفي «التَّلخيص»: لو دخل دار المالك وهو فيها قاصداً للغصب؛ فهو غاصب للنِّصف؛ لاجتماع يدهما واستيلائهما، بشرط قوَّة الدَّاخل وتمكُّنه من القهر، وإن كان المالك غائباً؛ فالدُّخول غصب بكلِّ حال؛ لحصول الاستيلاء به. وذكر بعض أصحابنا في «خلافه»: أنَّ الجالس على بساط غيره بغير إذنه يكون ضامناً لما جلس عليه منه، والدَّاخل إن دخل بنيَّة الغصب؛ صار غاصباً. ومنها: لو أردف المالكَ خلفه على الدَّابة، فتلفت؛ فهل يضمن الرَّديف نصف القيمة؛ لكونه مستعيراً، أم لا؛ لثبوت يد المالك عليها؟ ذكر في «التَّلخيص» احتمالين، وصحَّح الثَّاني. تنبيه: لو كانت العين ملكاً لاثنين، فرفع الغاصب يد أحدهما ووضع يده موضع يده، وأقرَّ الآخر على حاله؛ فهل يكون غاصباً لنصيب من رفع يده خاصَّة، أم هو غاصب لنصف العين من الشَّريك مشاعاً؟

стр. 771

قال القاضي وابن عقيل: هو غاصب لنصف من رفع يده فقط، ورجَّحه الشيخ تقي الدين، مستدلًّا بأنَّ «الأعمال بالنِّيَّات» (١). فعلى هذا، لو استغلَّ (٢) الغاصب والشَّريك الملك، أو انتفعا به؛ لم يلزم هذا الشَّريكَ لشريكه المُخرَجِ شيءٌ، ولو (٣) باعا العين؛ صحَّ في نصيب الشَّريك البائع كلِّه، وبطل في النِّصف الذي باعه الغاصب. والمنصوص عن أحمد يدلُّ على خلاف ذلك؛ لأنَّه نصَّ في رواية حرب على أنَّ من غصب من قوم ضيعة، ثمَّ ردَّ إلى أحدهم نصيبه مشاعاً؛ لم يَطِبْ للمردود عليه الانفرادُ بما رَدَّ عليه، وهو يشبه أصله المنصوص عنه في منع إجارة (٤) المشاع من غير الشَّريك؛ لتعذُّر تسليمه بانفراده. فعلى هذا ليس للشَّريك الَّذي لم يرفع يده التَّصرفُ إلَّا في الرُّبع خاصَّة، والرُّبع الآخر حقٌّ لشريكه المغصوب منه، ولم يجتمع ههنا يد المالك مع يد الغاصب في شيء.

стр. 772

قاعدة [٩٣] من قبض مغصوباً من غاصبه، ولم يعلم أنَّه مغصوب؛ فالمشهور بين الأصحاب: أنَّه بمنزلة الغاصب في جواز تضمينه ما كان الغاصب يضمنه من عين ومنفعة. ثمَّ إن كان القابض قد دخل على ضمان عين أو منفعة؛ استقرَّ ضمانها عليه، ولم يرجع على الغاصب. وإن ضمَّنه المالك ما لم يدخل على ضمانه، ولم يكن حصل له بما ضمنه نفع؛ رجع به على الغاصب. وإن كان حصل له به نفع؛ فهل يستقرُّ ضمانه عليه، أم يرجع به على الغاصب؟ على روايتين. هذا ما ذكره القاضي والأكثرون، وفي بعضه (١) خلاف نشير إليه في موضعه (٢) إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 773

وهذه الأيدي القابضة من الغاصب مع عدم العلم بالحال عشرة (١): الأولى: الغاصبة، ويتعلَّق بها الضَّمان كأصلها، ويستقرُّ عليها مع التَّلف تحتها، ولا يطالب بما زاد على مدَّتها. الثَّانية: الآخذة لمصلحة الدَّافع؛ كالاستيداع والوكالة بغير جُعْل؛ فالمشهور: أنَّ للمالك تضمينها، ثمَّ يرجع بما ضمنت على الغاصب؛ لتغريره.

стр. 774

وفيه وجه آخر: باستقرار الضَّمان عليها؛ لتلف المال (١) تحتها من غير إذن، صرَّح به القاضي في «المجرَّد» في باب المضاربة، وسيأتي أصله. ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يجوز تضمينها بحال، من الوجه المحكيِّ كذلك في المرتهن ونحوه، وأولى. وخرَّجه الشيخ تقيُّ الدِّين من مودَع المودَع، حيث لا يجوز له الإيداع، فإنَّ الضَّمان على الأوَّل وحده (٢)، كذلك قال القاضي في «المجرد» وابن عقيل في «الفصول»، وذكرا أنَّه ظاهر كلام أحمد. ومن الأصحاب من منع ظهوره. وعلى تقدير أنَّه كذلك: فرَّقوا (٣) بين مودع المودع ومودع الغاصب؛ بأنَّ الموجِب للضَّمان في الأوَّل القبض، وهو سبب واحد؛ فلا يجب به الضَّمان من جهتين، بخلاف مودع الغاصب؛ فإنَّ قبضه صالحٌ لتضمينه

стр. 775

حيث كان (١) الضَّمان مستقرًّا على الغاصب قبله، وبأنَّ الضَّمان ترتَّب على التَّقبيض؛ فهو متأخِّر عنه، والتَّقبيض (٢) وقع من يدٍ أمينة ولا عدوان فيه؛ لعدم العلم، فاختصَّ الضَّمان بالتَّعدي، بخلاف مودع الغاصب؛ لقبضه من يد ضامنة قبل القبض. واعلم أنَّ ما ذكره الأصحاب في الوكالة والرَّهن: أنَّ الوكيل والأمين (٣) في الرَّهن إذا باعا وقبضا الثَّمن، ثمَّ بان المبيع مستحقًّا؛ لم يلزمهما شيء؛ لا يناقض هذه المسألة كما يتوهَّمه من قصر فهمه؛ لأنَّ مراد الأصحاب بقولهم: (لم يلزم الوكيل شيء) أنَّه لا يطالبه المشتري بالثَّمن الذي أقبضه إيَّاه؛ لأنَّ حقوق العقد تتعلَّق بالموكِّل دون الوكيل، أمَّا أنَّ الوكيل لا يطالبه المستحقُّ للعين بالضَّمان؛ فهذا لم يتعرَّضوا له ههنا البتَّة (٤)، وهو بمعزل عن مسألتهم بالكليَّة. الثَّالثة: القابضة لمصلحتها (٥) ومصلحة الدَّافع؛ كالشَّريك
следующие страницы →