قال القاضي وابن عقيل: هو غاصب لنصف من رفع يده فقط، ورجَّحه الشيخ تقي الدين، مستدلًّا بأنَّ «الأعمال بالنِّيَّات» (١).
فعلى هذا، لو استغلَّ (٢) الغاصب والشَّريك الملك، أو انتفعا به؛ لم يلزم هذا الشَّريكَ لشريكه المُخرَجِ شيءٌ، ولو (٣) باعا العين؛ صحَّ في نصيب الشَّريك البائع كلِّه، وبطل في النِّصف الذي باعه الغاصب.
والمنصوص عن أحمد يدلُّ على خلاف ذلك؛ لأنَّه نصَّ في رواية حرب على أنَّ من غصب من قوم ضيعة، ثمَّ ردَّ إلى أحدهم نصيبه مشاعاً؛ لم يَطِبْ للمردود عليه الانفرادُ بما رَدَّ عليه، وهو يشبه أصله المنصوص عنه في منع إجارة (٤) المشاع من غير الشَّريك؛ لتعذُّر تسليمه بانفراده.
فعلى هذا ليس للشَّريك الَّذي لم يرفع يده التَّصرفُ إلَّا في الرُّبع خاصَّة، والرُّبع الآخر حقٌّ لشريكه المغصوب منه، ولم يجتمع ههنا يد المالك مع يد الغاصب في شيء.
стр. 772
قاعدة [٩٣]
من قبض مغصوباً من غاصبه، ولم يعلم أنَّه مغصوب؛ فالمشهور بين الأصحاب: أنَّه بمنزلة الغاصب في جواز تضمينه ما كان الغاصب يضمنه من عين ومنفعة.
ثمَّ إن كان القابض قد دخل على ضمان عين أو منفعة؛ استقرَّ ضمانها عليه، ولم يرجع على الغاصب.
وإن ضمَّنه المالك ما لم يدخل على ضمانه، ولم يكن حصل له بما ضمنه نفع؛ رجع به على الغاصب.
وإن كان حصل له به نفع؛ فهل يستقرُّ ضمانه عليه، أم يرجع به على الغاصب؟ على روايتين.
هذا ما ذكره القاضي والأكثرون، وفي بعضه (١) خلاف نشير إليه في موضعه (٢) إن شاء الله تعالى (٣).
стр. 773
وهذه الأيدي القابضة من الغاصب مع عدم العلم بالحال عشرة (١):
الأولى: الغاصبة، ويتعلَّق بها الضَّمان كأصلها، ويستقرُّ عليها مع التَّلف تحتها، ولا يطالب بما زاد على مدَّتها.
الثَّانية: الآخذة لمصلحة الدَّافع؛ كالاستيداع والوكالة بغير جُعْل؛ فالمشهور: أنَّ للمالك تضمينها، ثمَّ يرجع بما ضمنت على الغاصب؛ لتغريره.
стр. 774
وفيه وجه آخر: باستقرار الضَّمان عليها؛ لتلف المال (١) تحتها من غير إذن، صرَّح به القاضي في «المجرَّد» في باب المضاربة، وسيأتي أصله.
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يجوز تضمينها بحال، من الوجه المحكيِّ كذلك في المرتهن ونحوه، وأولى.
وخرَّجه الشيخ تقيُّ الدِّين من مودَع المودَع، حيث لا يجوز له الإيداع، فإنَّ الضَّمان على الأوَّل وحده (٢)، كذلك قال القاضي في «المجرد» وابن عقيل في «الفصول»، وذكرا أنَّه ظاهر كلام أحمد.
ومن الأصحاب من منع ظهوره.
وعلى تقدير أنَّه كذلك: فرَّقوا (٣) بين مودع المودع ومودع الغاصب؛ بأنَّ الموجِب للضَّمان في الأوَّل القبض، وهو سبب واحد؛ فلا يجب به الضَّمان من جهتين، بخلاف مودع الغاصب؛ فإنَّ قبضه صالحٌ لتضمينه
стр. 775
حيث كان (١) الضَّمان مستقرًّا على الغاصب قبله، وبأنَّ الضَّمان ترتَّب على التَّقبيض؛ فهو متأخِّر عنه، والتَّقبيض (٢) وقع من يدٍ أمينة ولا عدوان فيه؛ لعدم العلم، فاختصَّ الضَّمان بالتَّعدي، بخلاف مودع الغاصب؛ لقبضه من يد ضامنة قبل القبض.
واعلم أنَّ ما ذكره الأصحاب في الوكالة والرَّهن: أنَّ الوكيل والأمين (٣) في الرَّهن إذا باعا وقبضا الثَّمن، ثمَّ بان المبيع مستحقًّا؛ لم يلزمهما شيء؛ لا يناقض هذه المسألة كما يتوهَّمه من قصر فهمه؛ لأنَّ مراد الأصحاب بقولهم: (لم يلزم الوكيل شيء) أنَّه لا يطالبه المشتري بالثَّمن الذي أقبضه إيَّاه؛ لأنَّ حقوق العقد تتعلَّق بالموكِّل دون الوكيل، أمَّا أنَّ الوكيل لا يطالبه المستحقُّ للعين بالضَّمان؛ فهذا لم يتعرَّضوا له ههنا البتَّة (٤)، وهو بمعزل عن مسألتهم بالكليَّة.
الثَّالثة: القابضة لمصلحتها (٥) ومصلحة الدَّافع؛ كالشَّريك
стр. 776
والمضارب والوكيل بجُعْل والمرتهن؛ فالمشهور: جواز تضمينها أيضاً، ويرجع بما ضمنت (١)؛ لدخولها على الأمانة.
وذكر القاضي في «المجرد»، وابن عقيل، وصاحب «المغني» في الرَّهن احتمالين آخرين:
أحدهما: أنَّه يستقر الضمان على القابض؛ لتلف مال الغير تحت يده الَّتي لم يؤذن لها في القبض؛ فهي كالعالمة بالحال، وحكوا هذا الوجه في المضارب أيضاً.
والثَّاني: لا يجوز تضمينها بحال؛ لدخولها على الأمانة.
وينبغي أن يكون هذا هو المذهب، وأنَّه لا يجوز تضمين القابض ما لم يدخل على ضمانه في جميع هذه الأقسام؛ فإنَّ المنصوص عن أحمد فيمن اشترى أرضاً فغرس فيها، ثمَّ ظهرت مستحقَّة: أنَّه لا يملك المستحقُّ قلعه إلَّا مع ضمان نقصه؛ كالغراس المحترم الصادر عن إذن المالك (٢).
فجعل المغرور كالمأذون له؛ فلا يضمن ابتداء ما لم يلتزم ضمانه.
وكذلك نقل حرب وغيره (٣) عن أحمد في المغرور في النِّكاح: أنَّ فداء ولده على من غرَّه، ولم يجعل على الزَّوج مطالبة (٤).
стр. 777
وقريب من ذلك ما نقل عنه مهنَّى فيمن بعث رجلاً إلى رجل له عنده مال، فقال له: خذ منه ديناراً، فأخذ منه أكثر (١): أنَّ الضَّمان على المرسِل؛ لتغريره، ويرجع هو على الرَّسول.
وحكى القاضي وغيره في المضاربة وجهاً آخر: أنَّ الضَّمان في هذه الأمانات يستقرُّ على من ضمن منهما، فأيُّهما ضمن لم يرجع على الآخر (٢).
الرَّابعة: القابضة لمصلحتها خاصَّة، إمَّا باستيفاء العين؛ كالقرض (٣)، أو باستيفاء المنفعة؛ كالعارية؛ فهي داخلة على الضَّمان في العين دون المنفعة، فإذا ضمنت العين والمنفعة؛ رجعت على الغاصب بضمان المنفعة؛ لأنَّ ضمانها كان بتغريره.
وفي المذهب رواية ثانية: لا يرجع بضمان المنفعة إذا تلفت بالاستيفاء، ويستقرُّ الضَّمان عليها في مقابلة الانتفاع؛ لاستيفائها بدله، كيلا يجتمع لها العوض والمعوض.
وأصل الرِّوايتين: الرِّوايتان في رجوع المغرور بالمهر على من غرَّه.
стр. 778
وإن ضمن الغاصب المنفعة ابتداء؛ ففيه طريقان:
أحدهما: البناء على الرِّوايتين، فإن قلنا: لا يرجع القابض عليه إذا ضمن ابتداء؛ رجع الغاصب هنا عليه، وإلَّا فلا، وهو (١) طريق أبي الخطاب ومن اتَّبعه، والقاضي وابن عقيل في موضع.
والثَّاني: أنَّه لا يرجع الغاصب على القابض قولاً واحداً، وقاله القاضي وابن عقيل في موضع آخر.
وأمَّا العين؛ فلا يرجع بضمانها حيث دخلت على ضمانها.
وعلى الاحتمال الأوَّل في القسم الَّذي قبله: يستقرُّ ههنا عليها ضمان العين والمنفعة، سواء تلفت المنفعة باستيفاء أو بتفويت.
وعلى الاحتمال الآخر - وهو أنَّه لا يجوز تضمينها بالكليَّة -: فلا تطالب (٢) هذه بضمان ما لم تلتزم (٣) ضمانه ابتداء، ويستقرُّ عليها ضمان ما دخلت على ضمانه، سواء ضمنته ابتداء أو ضمنه الغاصب (٤).
ويتخرَّج لنا (٥) وجه آخر: أنَّه لا يستقرُّ عليها ضمان شيء بحال، وسنذكر أصله في القسم الَّذي بعده.
الخامسة: القابضة تملُّكاً بعوض مسمًّى عن العين بالبيع؛ فهي داخلة على ضمان العين دون المنفعة، فإذا ضمنت قيمة العين والمنفعة؛
стр. 779
لم ترجع بما ضمنت من قيمة العين؛ لدخولها على ضمانها، لكنها تستردُّ (١) الثَّمن من الغاصب؛ لأنَّه لم يملكه، لانتفاء صحة العقد، وسواء كانت القيمة الَّتي ضمنت للمالك وفق الثَّمن أو دونه أو فوقه على ما اقتضاه كلام الأصحاب ههنا، وفي البيع الفاسد، وفي ضمان المغرور للمهر (٢).
وفي «التَّلخيص» احتمال: إن كانت القيمة أزيد؛ رجعت بالزِّيادة على الغاصب حيث لم تدخل على الضَّمان بأكثر من الثمن المسمى، وبه جزم ابن المنِّي في «خلافه»، وقد سبق في قاعدة ضمان العقود الفاسدة بالمسمَّى أو بعوض المثل ما يشبه هذا.
ولو طالب المالك الغاصب بالثَّمن كلِّه إذا كان أزيد من القيمة؛ فقياس المذهب: أنَّ له ذلك، كما نصَّ عليه أحمد في المتَّجر في الوديعة من غير إذن: أنَّ الرِّبح للمالك (٣).
ثمَّ من الأصحاب من يبنيه على القول بوقف العقود على الإجازة،
стр. 780
وهي طريقة القاضي في «خلافه» وابن عقيل، ومنهم من يطلق ذلك.
وكذا في المضارب إذا خالف.
وعنه رواية أخرى: يتصدَّق بالرِّبح؛ لأنَّه ربح ما لم يضمن.
وهل للمضارب أجرة المثل؟ على روايتين، وطردهما أبو الفتح الحلوانيُّ في «الكفاية» في الغاصب.
وحكى صاحب «المغني» في باب الرَّهن رواية أخرى: باستقرار الضَّمان على الغاصب في البيع؛ فلا يرجع على المشتري بشيء ممَّا (١) ضمنه، وحكاه في «الكافي» في باب المضاربة وجهاً، وصرَّح القاضي بمثل ذلك في «خلافه» في مسألة رجوع المغرور بالمهر.
وهو عندي قياس المذهب؛ حيث قلنا في إحدى الرِّوايتين برجوع المغرور بنكاح الأمة على من غرَّه مع استيفائه منفعة البضع واستهلاكها ودخوله على ضمانها، ولهذا طرد محقِّقو الأصحاب هذا الخلاف فيما إذا زوَّجها الغاصبُ ووطئها الزَّوج؛ هل يرجع بالمهر على الغاصب سواء ضمَّنه المالك المهر أو لم يضمِّنه (٢)؟
وأيضاً؛ فإن المنصوص عن أحمد: أنَّ البائع إذا دلَّس العيب، ثمَّ تلف عند المشتري؛ فله الرُّجوع بالثَّمن (٣).
стр. 781
وكذلك لو نقص أو تعيَّب وهو موجود؛ فإنَّه يرده بغير شيء، ويأخذ الثَّمن، إلَّا أن يكون حصل له انتفاع بما نقصه، فإنَّه يردُّ عوضه على أحد الوجهين؛ إلحاقاً له بلبن المصرَّاة، مع أنَّه قد دخل على ضمان العين بالثَّمن، ولكن سقط عنه؛ لتدليس البائع العيب (١)، وهو لا يمنع صحَّة العقد على الصَّحيح من المذهب، فلَأَن لا يستقرَّ الضَّمان على المشتري من الغاصب مع تدليس الغاصب عليه وعدم صحَّة العقد أولى.
وأمَّا المنافع إذا ضمنها المالك للمشتري - بناء على أنَّ منافع المغصوب مضمونة، وهو المذهب -؛ فيرجع بذلك على الغاصب؛ لدخوله على استيفائها في ملكه بغير عوض، وسواء انتفع بها أو تلفت تحت يده.
وعن أحمد رواية أخرى: لا يرجع بما انتفع به؛ لاستيفائه عوضَه كما تقدَّم، وهي اختيار أبي بكر وابن أبي موسى.
وحكم الثَّمرة والولد الحادث من المبيع حكم المنافع، إذا ضمنها رجع ببدلها على الغاصب، وكذلك الكسب، صرَّح به القاضي في «خلافه»؛ إلَّا أن يكون انتفع بشيء من ذلك؛ فيخرَّج على الرِّوايتين.
وقد أشار أحمد إلى هذا في رواية ابن منصور؛ فيمن باع ماشية أو شاة فولدت، أو نخلاً لها ثمرة، فوجد بها عيباً أو استُحِقَّ: أخذ منه قيمة الثَّمرة وقيمة الولد، إن كان أحدث فيهم شيئاً، أو كان باع، أو
стр. 782
استهلك، فإن كان مات أو ذهبت (١) به الرِّيح؛ فليس عليه شيء (٢).
فأوجب عليه ضمان ما انتفع به من الثَّمرة والنِّتاج، دون (٣) ما تلف في يده بغير فعله، ولم يذكر رجوعاً على الغاصب، وظاهر كلامه: أنَّ ما تلف في يده من النَّماء؛ فليس للمالك تضمينه ابتداء؛ لأنَّه لم يدخل على ضمانه ولم ينتفع به، وهذا يقوِّي التَّخريج المذكور في القسم الَّذي قبله.
وكذلك ظاهر كلام ابن أبي موسى: أنَّه لا يضمن المشتري إلَّا ما يستقرُّ عليه ضمانه، سواء دخل على ضمانه، أو لم يدخل عليه لكن انتفع به؛ كالخدمة ومهر المشتراة، وأمَّا قيمة الأولاد؛ فيرجع بها عنده؛ لأنَّ نفعها لغيره لا له.
وأوجب على الغاصب قيمة غرس المشتري غير مقلوع إذا قلعه المالك، ومراده: ما نقص بقلعه، وإنَّما أجاز للمالك قلع الغراس من غير ضمان نقصه؛ لأنَّ ذلك ليس من باب تضمين القابض من الغاصب، بل هو من باب امتناع المالك من الضَّمان له، فإنَّ تفريغ الأرض من الغراس الَّذي لم يأذن فيه لا بدَّ من تمكينه منه، ولا ضمان عليه فيه، حيث لم يأذن فيه، وإنَّما الضَّمان على الغارِّ؛ لتعدِّيه، كما أنَّ تضمين القابض ما لم يلتزم (٤) ضمانه ممتنعٌ، حيث أمكن تضمين
стр. 783
الغاصب؛ لالتزامه الضَّمان (١) وتعدِّيه.
فظهر بهذا أنَّ الَّذي يدلُّ عليه كلام أحمد أنَّ القابض لا يضمن إلَّا ما حصل له به نفع (٢) فيضمنه.
وهل يرجع به؟ على روايتين؛ كرجوع المغرور في النِّكاح بالمهر (٣).
تنبيه: لو أقرَّ المشتري للبائع بالملك؛ فلا رجوع له عليه.
ولو أقرَّ بصحَّة البيع؛ ففي الرُّجوع احتمالان ذكرهما القاضي.
وقد يخرَّج كذلك في الإقرار بالملك حيث علم أنَّ مستنده اليد، وقد بان عدوانها.
اليد السادسة: القابضة (٤) عوضاً مستحَقًّا بغير عقد البيع؛ كالصَّداق، وعوض (٥) الخلع والعتق والصُّلح عن دم عمد (٦) إذا كان معيَّناً، أو كان القبض وفاءً لدين مستقرٍّ في الذِّمة؛ من ثمن مبيع، أو أجرة، أو صداق، أو قيمة متلف ونحوه، فإذا تلفت هذه الأعيان في يد من قبضها، ثمَّ استُحِقَّت؛ فللمستحِقِّ الرُّجوع على القابض ببدل العين
стр. 784
والمنفعة على ما تقرَّر.
ويتخرَّج وجه آخر: أنْ لا مطالبة له عليه، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى في الصَّداق، والباقي مثله.
وعلى القول بالتَّضمين؛ فيرجع على الغاصب بما غرم من قيمة المنافع؛ لتغريره؛ إلَّا ما انتفع به؛ فإنَّه مخرَّج على الرِّوايتين.
وأمَّا قيم الأعيان؛ فمقتضى ما ذكره القاضي ومن اتَّبعه: أنَّه لا يرجع بها؛ لأنَّه دخل على أنَّها مضمونة عليه بحقِّه، وسواء كانت القيمة المضمونة وفق حقِّه أو دونه أو أزيد منه، إلَّا على الوجه المذكور في البيع بالرُّجوع بفضل القيمة.
ثمَّ إن كان القبض وفاءً عن دين ثابت في الذِّمة؛ فهو باق بحاله، وإن كان عوضاً معيَّناً في العقد؛ لم ينفسخ العقد ههنا باستحقاقه، ولو قلنا: إنَّ النِّكاح على المغصوب لا يصحُّ؛ لأنَّ القول بانتفاء الصِّحَّة مختصٌّ بحالة العلم، كذلك ذكره ابن أبي موسى، ويرجع على الزَّوج بقيمة المستحَقِّ في المنصوص، وهو قول القاضي في «خلافه».
وقال في «المجرد»: يجب مهر المثل.
وأمَّا عوض الخلع والعتق والصُّلح عن دم العمد؛ ففيها وجهان:
أحدهما: يجب الرُّجوع فيها بقيمة العوض المستحقِّ، وهو المنصوص؛ لأنَّ هذه العقود لا تنفسخ باستحقاق أعواضها؛ فيجب قيمة العوض، وهو قول القاضي في أكثر كتبه، وجزم به صاحب «المحرر».
والثَّاني: تجب قيمة المستحقِّ في الخلع والصُّلح عن الدَّم، بخلاف
стр. 785
العتق؛ فإنَّ الواجب فيه قيمة العبد؛ لأنَّ العبد له قيمة في نفسه، فيرجع بقيمته، بخلاف البُضع والدَّم؛ فإنَّ القيمة لعوضهما لا لهما، وهو قول القاضي في البيع في «خلافه» (١).
ويشبه قول أصحابنا فيما إذا جعل عتق أمته صداقها، وقلنا: لا ينعقد به النِّكاح، وأبت أن تتزوَّجه على ذلك: أنَّ عليها قيمة نفسها، لا قيمة مهر مثلها.
وعلى الوجه المخرَّج في البيع أنَّ المغرور يرجع بقيمة العين على الغاصب: فههنا كذلك.
اليد السَّابعة: القابضة بمعاوضة عن المنفعة، وهي يد المستأجر؛ فقال القاضي والأكثرون: إذا ضمنت المنفعة؛ لم يرجع بها.
ولو زادت أجرة المثل على الأجرة المسمَّاة؛ ففيه ما مرَّ من زيادة قيمة العين على الثَّمن، وإذا ضمنت قيمة العين؛ رجعت بها على الغاصب لتغريره.
وفي «تعليقة أبي البركات على الهداية»: يتخرَّج لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنَّ المستأجر لا ضمان عليه بحال؛ كقول الجمهور.
والثَّاني: يضمن العين، وهل القرار عليه؟ لنا وجهان: أحدهما: عليه. والآخر: على الغاصب، وهو الَّذي ذكره القاضي في «خلافه»، انتهى.
стр. 786
والوجه الأوَّل منزَّل على القول بأنَّ المغرور لا يضمن شيئاً ابتداء ولا استقراراً.
والوجه الآخر في قرار ضمان العين عليه؛ يتنزَّل على الوجه المذكور في استقرار الضَّمان على المرتهن ونحوه بتلف العين تحت يده.
اليد الثَّامنة: القابضة للشركة، وهي المتصرِّفة في المال بما ينمِّيه بجزء من النَّماء؛ كالشَّريك والمضارب (١) والمزارَع والمساقى، ولهم الأجرة على الغاصب؛ لعملهم له بعوض لم يسلم.
فأمَّا المضارب والمزارع بالعين المغصوبة وشريك العنان، فقد دخلوا على أن لا ضمان عليهم بحال، فإذا ضمنوا على المشهور؛ رجعوا بما ضمنوا، إلَّا حصَّتهم من الرِّبح؛ فلا يرجعون بضمانها؛ لدخولهم على ضمانها عليهم بالعمل، كذلك ذكره القاضي وابن عقيل في المساقى، والمزارع نظيره.
أمَّا المضارب والشَّريك؛ فلا ينبغي أن يستقرَّ عليهم ضمان شيء بدون القسمة، سواء قلنا: ملكوا الرِّبح بالظهور أوْ لا؛ لأنَّ حصَّتهم وقاية لرأس المال، وليس لهم الانفراد بالقسمة؛ فلم يتعيَّن لهم شيء مضمون.
وحكى الأصحاب في المضارب للمضارب بغير إذنٍ وجهاً آخر: أنَّه لا يرجع بما ضمنه؛ بناءً على الوجه المذكور باستقرار الضَّمان على من تلف المال بيده.
стр. 787
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يملك المالك تضمينهم بحال؛ لدخولهم على الأمانة.
وقد ذكرنا فيما (١) تقدَّم حكم ضمان الشَّريك والمضارب للمال، وإنَّما أعدناه ههنا؛ لذكر النَّماء (٢).
وأمَّا المساقى إذا ظهر الشَّجر مستحقًّا بعد تكملة العمل؛ فللعامل أجرة المثل لعمله على الغاصب.
وأمَّا الثَّمر إذا تلف؛ فله حالتان:
إحداهما: أن يتلف بعد القسمة؛ فللمالك تضمين كلٍّ من الغاصب والعامل ما قبضه، وله أن يضمِّن الكلَّ للغاصب، فإذا ضمَّنه الكلَّ؛ رجع على العامل بما قبضه لنفسه؛ لأنَّه أخذ العوض؛ فهو كالمشتري من الغاصب.
وفي «المغني» احتمال: لا يرجع عليه لتغريره، فأشبه من قال لغيره: كُلْ هذا فإنَّه طعامي، ثمَّ بان مستحَقًّا.
وهو قريب من الوجه السَّابق باستقرار ضمان المبيع على الغاصب بكلِّ حال.
وهل للمالك أن يضمِّن العامل جميع الثَّمرة؟ ذكر القاضي فيه احتمالين:
стр. 788
أحدهما: نعم؛ لأنَّ يده ثبتت على الكلِّ مشاهدة بغير حقٍّ، ثمَّ يرجع العامل على الغاصب بما قبضه من الثَّمر على المشهور، وبالكلِّ على الاحتمال المذكور.
والثَّاني: لا؛ لأنَّه لم يكن قابضاً على الحقيقة، وإنَّما كان مراعياً حافظاً.
ويشهد لهذا: ما قاله ابن حامد فيما إذا اختلف المساقى والمالك في قدر المشروط للعامل من الثَّمر، وأقاما بيِّنتين: أنَّه يقدم بيِّنة العامل؛ لأنَّه خارج، والمالك هو الدَّاخل؛ لاتِّصال الثَّمر بملكه.
ولو اشترى ثمرة شجر شراء فاسداً، وخلَّى البائع بينه وبينه على شجره؛ لم يضمنه بذلك؛ لعدم ثبوت يده عليه، ذكر بعض أصحابنا أنَّه محلُّ وفاق (١).
الحالة الثَّانية: أن يتلف الثَّمر قبل القسمة؛ إمَّا على الشَّجر، أو بعد جَدِّه؛ ففي «التَّلخيص» في مطالبة العامل بالجميع احتمالان، وكذا لو تلف بعض الشَّجر.
وهو ملتفت إلى أنَّ يد العامل هل تثبت على الشَّجر والثَّمر الذي عليه أم لا؟
والأظهر: أن لا؛ لأنَّ الضمان عندنا لا ينتقل في الثَّمر المعلَّق على شجرة بالتَّخلية.
إلَّا أن يقال: يده ههنا على الثَّمر حصلت تبعاً لثبوت يده على
стр. 789
الشَّجر؛ فيقال: وفي ثبوت يده على الشَّجر هنا (١) تردُّد ذكرناه آنفاً، حتَّى لو تلف بعض الشَّجر؛ ففي تضمينه للعامل الاحتمالان، صرَّح به في «التَّلخيص» أيضاً.
ولو اشترى شجرة بثمرها؛ فهل يدخل الثَّمر في ضمانه تبعاً لشجره؟ قال ابن عقيل في «فنونه»: لا يدخل.
ويتخرَّج وجه آخر بدخوله (٢)؛ تبعاً لانقطاع عُلَق البائع عنه من السَّقي وغيره.
وبكلِّ حال؛ فيتوجَّه أن يضمن العامل الثَّمر التَّالف بعد جداده واستحفاظه، بخلاف ما على الشَّجر.
اليد التَّاسعة: القابضة تملُّكاً لا بعوض؛ إمَّا للعين بمنافعها بالهبة والوقف والصَّدقة والهديَّة والوصية، أو للمنفعة؛ كالموصى له بالمنافع.
فالمشهور: أنَّها ترجع بما ضمنته بكلِّ حال؛ لأنَّها دخلت على أنَّها غير ضامنة لشيء؛ فهي مغرورة، إلَّا ما حصل لها به نفع؛ ففي رجوعها بضمانه الرِّوايتان.
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّها لا تضمن ابتداء ما لا يستقر ضمانها عليه (٣).
стр. 790
وذكر القاضي وابن عقيل رواية: أنَّها لا ترجع بما ضمنته بحال، وهو منزَّل على القول باستقرار الضَّمان على من تلف تحت يده، وإن كان أميناً كما سبق.
ثمَّ اختلف الأصحاب في محلِّ الرِّوايتين في الرُّجوع بما انتفعت به على طرق ثلاثة:
إحداهنَّ: أنَّ محلَّهما إذا لم يقل الغاصب: هذا ملكي، أو ما يدلُّ عليه؛ فإن قال ذلك؛ فالقرار عليه بغير خلاف؛ لاعترافه باستقرار الضَّمان عليه ونفيه عن القابض، وهي طريقة «المغني».
والثَّانية: إن ضمَّن المالكُ القابضَ ابتداء؛ ففي رجوعه على الغاصب الرِّوايتان مطلقاً، وإن ضمَّن الغاصبَ ابتداء، فإن كان القابض (١) قد أقرَّ بالملكيَّة؛ لم يرجع على القابض رواية واحدة، ولو قلنا: إنَّ ما ينتفع به يستقرُّ عليه ضمانه (٢)؛ لأنَّه بإقراره بالملك معترف بأنَّ المستحِقَّ ظالم له بالتَّغريم؛ فلا يرجع بظلمه على غير ظالمه، وهي طريقة القاضي.
والثَّالثة: الخلاف في الكلِّ من غير تفصيل، وهي طريقة أبي الخطاب وجماعة.
واليد (٣) العاشرة: المتلفة للمال نيابة عن الغاصب؛ كالذَّابح
стр. 791
للحيوان والطَّابخ له؛ فلا قرار عليها بحال، وإنَّما القرار على الغاصب؛ لوقوع الفعل له، فهو كالمباشر، كذا قال القاضي وابن عقيل والأصحاب.
ويتخرَّج وجه آخر: بالقرار عليها فيما أتلفته؛ كالمودَع إذا تلف تحت يده، وأولى؛ لمباشرتها للإتلاف.
ويتخرَّج وجه آخر: لا ضمان عليها بحال، من نصِّ أحمد فيمن حفر لرجل في غير ملكه بئراً؛ فوقع فيها إنسان، فقال الحافر: ظننت أنَّها في ملكه؛ فلا شيء عليه. (١)
وبذلك جزم القاضي وابن عقيل في كتاب الجنايات، مع (٢) اشتراك الحافر والآمر في التَّسبب وانفراد الحافر بمباشرة السَّبب، وإنَّما سقط الضَّمان عنه (٣)؛ لعدم علمه بالحال، وههنا أولى؛ لاشتراكهما في ثبوت اليد.
ولو أتلفته على وجه محرَّم شرعاً عالمة بتحريمه؛ كالقاتلة للعبد المغصوب، والمحرِقة للمال بإذن الغاصب؛ ففي «التَّلخيص»: يستقرُّ عليها الضَّمان؛ لأنَّها عالمة بالتَّحريم؛ فهي كالعالمة بأنَّه مال الغير.
стр. 792
ورجَّح الحارثيُّ (١) دخولها في قسم المغرور؛ لأنَّها غير عالمة بالضَّمان؛ فتغرير الغاصب لها حاصل، والله أعلم.
стр. 793
قاعدة [٩٤]
وقبض مال الغير من يدٍ قابضة بحقٍّ بغير إذن مالكه؛ إن كان يجوز له إقباضه ؛ فهو أمانة عند الثَّاني إن كان الأوَّل أميناً، وإلَّا فلا.
وإن لم يكن إقباضه جائزاً؛ فالضَّمان عليهما.
ويتخرَّج فيه وجه آخر: ألا يضمَن غيرُ الأوَّل.
ويندرج تحت ذلك صور:
منها: مودَع المودَع، فإن كان حيث يجوز الإيداع؛ فلا ضمان على واحد منهما، وإن كان حيث لا يجوز؛ فالضَّمان على الأوَّل، وفي الثَّاني وجهان سبق ذكرهما.
ومنها: المستأجر من المستأجر، فإن كان حيث يجوز الإيجار؛ بأن كان لمن يقوم مقامه في الانتفاع؛ فلا ضمان، وإلَّا ثبت الضَّمان عليهما، وقراره في العين على الأوَّل.
ويتخرَّج وجه آخر: أن لا ضمان على الثَّاني بحال من المودَع.
ومنها: مضارَب المضارَب - حيث يجوز -؛ فهو أمين.
وهل الثَّاني مضارَب للمالك والأوَّل وكيل في العقد لا شيء له من الرِّبح، أو هو مضارَب للأوَّل فالرِّبح بينهما؟ على وجهين:
جزم القاضي في «المجرَّد» بالأوَّل.
стр. 794
ثمَّ اختار الثَّاني فيما إذا دفعه مضاربة وقلنا: لا يجوز له ذلك.
وحيث مُنع من دفعه مضاربة؛ فللمالك تضمين أيِّهما شاء، ويرجع الثَّاني على الأوَّل إن (١) لم يعلم بالحال؛ لدخوله على الأمانة.
وفيه وجه آخر: لا يرجع؛ لحصول التَّلف تحت يده، وقد سبق أصله.
ويتخرَّج: ألَّا يضمن الثَّاني بحال.
وإن علم بالحال، فهل هو كالغاصب لا أجرة له، أو كالمضارب المتعدِّي له أجرة المثل؟ يحتمل وجهين، قاله صاحب «التَّلخيص»، وحكاهما صاحب «الكافي» روايتين من غير تقييد بحالة العلم.
ومنها: وكيل الوكيل حيث لا يجوز له التَّوكيل، وهو كالمضارب في (٢) الضَّمان.
ومنها: المستعير من المستعير، فإن قلنا بجوازه؛ فكلٌّ منهما ضامن للعين دون المنفعة؛ لدخوله على ذلك على بصيرة.
وإذا تلفت (٣) عند الثَّاني؛ ضمَّنه المالك كما لو كان هو المعير له، ولم يرجع على الأوَّل؛ لانتفاء التغرير.
وإن قلنا بالمنع - وهو المشهور -؛ فللمالك مطالبة كلٍّ منهما بضمان العين والمنفعة والقرار على الثَّاني؛ لحصول التلف في يده إن
стр. 795
كان عالماً بالحال، ومع عدم العلم يستقرُّ عليه ضمان العين دون المنفعة؛ فإنَّه يستقرُّ ضمانها على الأوَّل لتغريره، كذا قال الأصحاب.
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يضمن الثَّاني إذا لم يعلم بالحال.
ومنها: المستعير من المستأجر، قال في «التلخيص»: هو أمين على (١) الصَّحيح؛ لقبضه من يد أمين؛ فلا يكون ضامناً (٢).
ومنها: المشتري من الوكيل المخالف مخالفة يفسد بها البيع إذا تلف المبيع في يده؛ فللموكِّل تضمين القيمة من شاء من الوكيل والمشتري على المشهور، ثمَّ إن ضمن الوكيل؛ رجع على المشتري؛ لتلفه في يده.
стр. 796
قاعدة [٩٥]
من أتلف مال غيره وهو يظن أنَّه له، أو تصرَّف فيه يظن لنفسه ولاية عليه ، ثمَّ تبيَّن خطأ ظنِّه:
فإن كان مستنداً إلى سبب ظاهر من غيره، ثمَّ تبيَّن خطأ المتسبِّب، أو أقرَّ (١) بتعمده للجناية: ضمن المتسبِّب.
وإن كان مستنداً إلى اجتهاد مجرَّد؛ كمن دفع مالاً تحت يده إلى من يظنُّ أنَّه مالكه، أو أنَّه يجب الدَّفع إليه، أو أنَّه يجوز ذلك، أو دفع ماله الَّذي يجب عليه إخراجه لحقِّ الله تعالى إلى من يظنُّه مستحِقًّا، ثمَّ تبين الخطأ: ففي ضمانه قولان.
وإن تبيَّن أنَّ المستند لا يجوز الاعتماد عليه، ولم يتبيَّن أنَّ الأمر بخلافه: فإن تعلَّق به حكم فنُقِض؛ فالضَّمان على المتلف، وإلَّا فلا ضمان.
ويندرج تحت هذه الجملة مسائل:
منها: أن يشهد شاهدان بموت زيد، فيقسم ماله بين ورثته، ثمَّ يتبيَّن (٢) بطلان الشَّهادة بقدومه حيًّا؛ فنصَّ أحمد في رواية الميمونيِّ:
стр. 797
أنَّهما يضمنان المال، ولم يتعرَّض للورثة (١)، وظاهر كلامه استقرار الضمان (٢) على الشُّهود واختصاصهم (٣) به، وهو في الجملة موافق لقوله المشهور عنه في تقرير الضَّمان على الغارِّ كما سبق.
وقال القاضي: يحتمل أن يكون أغرم الورثة، ورجعوا بذلك على الشُّهود لتغريرهم، ولا ضمان هنا على الحاكم؛ لأنَّه مُلجأ إلى الحكم من جهة (٤) الشهود.
ونقل أبو النَّضر العجليُّ (٥) عن أحمد في حاكم رجم رجلاً بشهادة أربعة بالزِّنى، ثمَّ تبين أنَّه مجبوب (٦): أنَّ الضَّمان على الحاكم، ولعلَّ تضمينه ههنا لتفريطه؛ إذ المجبوب (٧) لا يخفى أمره غالباً؛ فترك الفحص عن حاله تفريط.
ومنها: لو حكم الحاكم بمال، ثمَّ رجع الشُّهود وصرَّحوا بالخطأ، أو التَّعمُّد لشهادة الزَّور؛ فإن الضَّمان يختصُّ بهم لاعترافهم، ولا
стр. 798
ينقض حكم الحاكم بمجرَّد ذلك، ولا يرجع على المحكوم له بشيء؛ كما لو باع عيناً أو وهبها (١) أو أقرَّ بها لرجل، ثمَّ أقرَّ بها بعد ذلك لآخر؛ فإنَّه لا يقبل إقراره على الأوَّل، ويضمَن للثَّاني (٢).
ومنها: أن يحكم الحاكم بمال ويُستَوفَى، ثمَّ تبيَّن أنَّ الشُّهود فسَّاق أو كفَّار؛ فإنَّ حكمه في الباطن غير نافذ بالاتفاق، نقله (٣) أبو الخطاب في «انتصاره».
وأمَّا في الظاهر؛ فهو نافذ، وهل يجب نقضه؟ المذهب: وجوبه، وهو قول الخرقيِّ والقاضي (٤)؛ لتبيُّن انتفاء شرط الحكم، فلم يصادف محلًّا، ثمَّ يجب ضمان المال على المحكوم له به؛ لإتلافه له مباشرة.
قال القاضي: ولو كان المحكوم له معسراً، فللمستحقِّ مطالبة الإمام، وقرار الضَّمان على المحكوم له، ولا شيء على المزكِّين بحال.
ولو حكم لآدميٍّ بإتلاف نفس أو طرف؛ فطريقان:
أحدهما: هو كالمال؛ لأنَّ المستوفي هو المحكوم له، والإمام ممكِّن لا غير، وهي طريقة «المحرَّر».
والثَّاني: يضمنه الحاكم، صرَّح به القاضي في «المجرد»، وهو وفق إطلاق الأكثرين؛ لأنَّ المحكوم له لم يقبض شيئاً؛ فنسب الفعل إلى خطأ
стр. 799
الإمام، كما لو كان المستوفَى حقًّا لله ؛ فإنَّ ضمانه على الإمام.
وحكى القاضي وغيره رواية أخرى: أنَّه لا ينقض الحكم إذا بان (١) الشُّهود فسَّاقاً، ويضمن الشُّهود؛ كما لو رجعوا عن الشَّهادة.
وهذا ضعيف جداً، ولا أصل لذلك في كلام أحمد، وإنَّما أخذوه من رواية الميمونيِّ في المسألة الأولى، وتلك لا فسق فيها؛ لجواز غفلة الشُّهود، وإنَّما ضمنوا؛ لتبيُّن بطلان شهادتهم بالعيان؛ فهو أعظم من الرُّجوع، ولا يمكن بقاء الحكم بعد تبيُّن فساد المحكوم به عياناً (٢)، ولا يصحُّ إلحاق الفسق في الضَّمان بالرُّجوع؛ لأنَّ الرَّاجعين اعترفوا ببطلان شهادتهم وتسبُّبهم إلى انتزاع مال المعصوم، وقولهم غير مقبول على نقض الحكم؛ فتعيَّن تغريمهم، وليس ههنا اعتراف ينبني عليه التَّغريم؛ فلا وجه له؛ فالصَّواب: الجزم بأنَّه لا ضمان على أحد على القول بأنَّ الحكم لا ينقض، كما جزم به في «المحرر».
ومنها: إذا أوصى (٣) إلى رجل بتفريق ثلثه، ففعل، ثمَّ تبيَّن أنَّ عليه ديناً مستغرِقاً للتَّركة؛ ففي ضمانه روايتان (٤)،
ولكن هنا لم يتصرَّف في
стр. 800
ملك الغرماء، بل فيما تعلَّق (١) به حقُّهم، ولكنَّه تعلُّق قويٌّ، لا سيَّما إن قلنا: لم ينتقل إلى الورثة، ولهذا قال أحمد في رواية ابن منصور: التَّركة هي للغرماء لا للورثة (٢)، ولهذا لا يملك الورثة التَّصرُّف فيها إلَّا بشرط الضَّمان.
وخرَّج (٣) الشيخ تقيُّ الدين على هذا الخلاف: كلَّ من تصرف بولاية في مال، ثمَّ تبيَّن أنَّه مستحَقٌّ.
ومنها: لو وصَّى لشخص بشيء، فلم يُعْرَف الموصى له؛ صرفه (٤) الوصيُّ أو الحاكم فيما يراه من أبواب البرِّ.
فإن جاء الموصى له وأثبت ذلك؛ فهل يضمن المفرِّق ما فرَّقه؟ على
стр. 801
روايتين، قال ابن أبي موسى: أظهرهما: لا ضمان عليه (١).
وقال أبو بكر في «الشَّافي»: إن فعله الوصيُّ بإذن الحاكم لم يضمن، وإن كان بدون إذنه ضمن.
ومنها: لو اشترى الورثة عبداً من التركة وأعتقوه تنفيذاً لوصيَّة موروثهم بذلك، ثمَّ ظهر دين مستغرِق؛ فإنَّهم يضمنون للغرماء، ذكره القاضي وابن عقيل.
ويتخرَّج فيه وجه آخر: بانتفاء الضَّمان من مسألة الوصيِّ. (٢)
ومنها: لو اشترى المضارَب مَن يعتق على ربِّ المال (٣)؛ صحَّ، وعتق عليه، وهل يضمن العامل؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يضمن بكلِّ حال، سواء كان عالماً بالحال أو جاهلاً، قاله القاضي في «المجرَّد»، وأبو الخطاب.
والثَّاني: إن كان جاهلاً لم يضمن، وإن كان عالماً ضمن؛ كما لو عامل فاسقاً أو مماطلاً، أو سافر سفراً مخوفاً، أو دفع الوصيُّ أو أمين (٤) الحاكم مالَ اليتيم مضاربة إلى من ظاهره العدالة، فبان بخلافه؛
стр. 802
فإنَّه لا ضمان في ذلك كلِّه إلَّا مع العلم، وهو قول أبي بكر في «التَّنبيه»، والقاضي في «خلافه».
والثَّالث: لا ضمان بكلِّ حال، حكاه أبو بكر.
وعلى الضَّمان؛ فهل يضمنه بالثَّمن المشترى، أو بقيمة المثل ويكون شريكاً في الربح الزَّائد؟ على قولين ذكرهما أبو بكر.
ومنها: إذا دفع القصَّار ثوب رجل إلى غيره خطأً، فتصرَّف فيه المدفوع إليه بقطع، أو لُبْسٍ يظنُّه ثوبه؛ فنقل حنبل عن أحمد في قصَّارٍ أبدل الثَّوب، فأخذه صاحبه فقطعه وهو لا يعلم أنَّه ثوبه؛ قال: على القصَّار إذا أبدل، قيل له: فإن كان مالاً فأنفقه؟ قال: ليس هذا مثل المال الَّذي (١) أنفقه؛ لأنَّه مال تلف (٢).
ففرَّق بين المال إذا أنفق وتلف، وبين الثَّوب إذا قطع؛ لأنَّ العين ههنا (٣) موجودة فيمكن الرُّجوع فيها، ويضمن نقصها القصَّار بجنايته (٤) خطأ.
وظاهر كلامه: أنَّه لا يضمن القاطع؛ لأنَّه مغرور، ولم يدخل على الضَّمان.
أما إن دفع إليه دراهم غيره يظنُّه صاحبها، فأنفقها؛ فالضَّمان على المنفق وإن كان مغروراً؛ لتلف المال تحت يده بانتفاعه به، وذلك مقرِّر
стр. 803
للضمان مع التَّعزير في إحدى الرِّوايتين.
ونقل محمَّد بن الحكم عن أحمد في هذه المسألة أنَّه ذُكر له قول مالك: لا يغرم الَّذي لبسه، ويغرم الغسَّال لصاحب الثَّوب، فقال: لا يعجبني ما قال، ولكن إذا هو لم يعلم، فلبسه؛ فإنَّ عليه ما نقص، ليس على القصَّار شيء (١).
فأوجب هنا الضَّمان على اللَّابس لاستيفائه المنفعة، دون الدَّافع؛ لأنَّه لم يتعمَّد الجناية، فكان إحالةُ الضَّمان على المستوفي للنَّفع أولى.
وهذه الرِّواية توافق ما قبلها في تقرير الضَّمان على المنتفع، لا سيَّما والدَّافع هنا معذور، وإنَّما ضمن القصَّار القطع؛ لأنَّه تلف لم يحدث من انتفاع القابض؛ فكان ضمانه على الدَّافع لتسبُّبه إليه، فالرِّوايتان إذن متَّفقتان.
ومن الأصحاب من جعلهما مختلفتين: في أنَّ الضَّمان هل هو على القصَّار، أو على المدفوع إليه؟
ثمَّ منهم من حمل رواية ضمان القصَّار على أنَّه كان أجيراً مشتركاً، فيضمن جناية يده، ورواية عدم ضمانه على أنَّه كان أجيراً خاصًّا؛ فلا يضمن جنايته ما لم يتعمدها، وأشار القاضي في «المجرَّد» إلى ذلك.
ومنها: لو دفع الملتقط اللُّقَطَة إلى واصفها، ثمَّ أقام غيرُه البيِّنة أنها له، فإن كان الدَّفع بحكم حاكم؛ فلا ضمان على الدَّافع، وإن كان بدونه؛ فوجهان:
стр. 804
أحدهما: لا ضمان؛ لوجوب الدَّفع عليه، فلا ينسب إلى تفريط.
والثَّاني: عليه الضَّمان، وهو قول القاضي، ثمَّ يرجع به على الواصف؛ إلَّا أن يكون قد أقرَّ له بالملك.
أمَّا لو دفع الوديعة إلى من يظنُّه صاحبها، ثمَّ تبيَّن الخطأ؛ فقال الأصحاب: يضمن لتفريطه.
ويتخرَّج فيه وجه آخر: أنَّ الضَّمان على المتلف وحده، وهو ظاهر ما نقله حنبل عن أحمد في مسألة القصَّار.
ولو قتل من يظنُّه قاتل أبيه؛ لاشتباهه به في الصُّورة؛ قُتل به لتفريطه في اجتهاده، ذكره ابن عقيل في «مفرداته».
ويتخرَّج: أن لا قَوَدَ، وأنَّه يضمن بالدِّية، كما لو قطع يسار قاطع يمينه ظانًّا أنَّها اليمين (١)؛ فإنَّه لا قَوَد (٢)، وسواء كان الجاني عاقلاً أو مجنوناً، وفي وجوب الدية له وجهان.
ومنها: لو مضى على المفقود زمن يجوز فيه قسمة ماله، فقُسِم، ثمَّ قدم؛ فذكر القاضي أنَّ أبا بكر حكى في ضمان ما تلف في أيدي الورثة منه روايتين.
والمنصوص عن أحمد في رواية الميمونيِّ، وابن منصور،
стр. 805
وأبي داود (١): عدم الضَّمان (٢)، وهو الَّذي ذكره أبو بكر في «التنبيه».
ووجهه: أنَّه جاز اقتسام المال في الظَّاهر والتَّصرف فيه، ولهذا يباح لزوجته أن تتزوَّج، وإذا قدم خُيِّر بينها وبين المهر؛ فجعل التَّصرُّف فيما يملكه من مال وبضع موقوفاً على تنفيذه وإجازته ما دام موجوداً، فإذا تلف؛ فقد مضى الحكم فيه ونفذ، فإنَّ إجازته وردَّه (٣) إنمَّا يتعلَّق بالموجود لا بالمفقود.
وقد نصَّ أحمد في رواية أبي طالب على أنَّه إذا قدم بعد أن تزوجت زوجته وماتت؛ فلا خيار له ولا يرثها (٤).
ويشبه ذلك: اللُّقطة إذا قدم المالك بعد الحول والتَّملُّك وقد تلفت؛ فالمشهور: أنَّه يجب ضمانها للمالك.
وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى: أنَّه لا يجب الضَّمان مع التَّلف، وإنَّما يجب الرَّدُّ مع بقاء العين.
ومنها: لو قبضت المطلقة البائن النَّفقة، تظنُّ أنَّها حامل، ثمَّ بانت
стр. 806
حائلاً (١)؛ ففي الرُّجوع عليها روايتان (٢).
ومنها: لو غاب الزَّوج، فأنفقت الزَّوجة من ماله، ثمَّ تبيَّن موته؛ فهل يرجع عليها بما أنفقته بعد موته؟ على روايتين.
ومنها: لو دفع زكاة ماله أو كفَّارته إلى من يظنُّه فقيراً، فبان أنَّه غنيٌّ؛ ففي وجوب الضمان عليه روايتان؛ أصحُّهما: أن لا ضمان (٣).
وكذلك لو كان العامل هو الدَّافعَ، قاله القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة».
وقال في «المجرَّد»: لا يضمن الإمام بغير خلاف؛ لأنَّه أمين، ولم يفرِّط؛ لأنَّ هذا لا يمكن الاحتراز منه.
وإن بان عبداً أو كافراً أو هاشميًّا؛ فقيل: هو على الخلاف، وبه جزم ابن عقيل في «الفنون».
وكذلك ذكر القاضي في آخر «الجامع الصغير»؛ إلَّا أنَّه خرَّج الخلاف في الضَّمان هنا على القول بعدمه في الغِنى.
وقيل: لا يجزئه رواية واحدة؛ لظهور التَّفريط في الاجتهاد، فإنَّ هذه الأوصاف لا تخفى، بخلاف الغنى.
стр. 807
وإن بان بأنَّه (١) نسيب نفسه؛ فطريقان:
أحدهما: لا يجزئ قولاً واحداً، كما لو بان عبد نفسه (٢).
والثَّاني: هو كما لو بان غنيًّا.
والمنصوص ههنا الإجزاء؛ لأنَّ المانع خشية المحاباة؛ وهو منتفٍ مع عدم العلم.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وعلى قياس ذلك مال الفيء والخمس، والأموال الموصى بها والموقوفة، إذا ظنَّ المتصرِّف فيها أنَّ الآخذ مستحِقٌّ فأخطأ.
стр. 808
قاعدة [٩٦]
من وجب عليه أداء عين مال، فأدَّاه عنه غيره بغير إذنه ؛ هل يقع موقعه وينتفي الضَّمان عن المؤدِّي؟
هذا على قسمين:
أحدهما: أن تكون العين ملكاً لمن وجب عليه الأداء، وقد تعلَّق بها حقُّ الغير:
فإن كان المتصرِّف له ولاية التَّصرُّف؛ وقع الموقع ولا ضمان، ولو كان الواجب ديناً.
وإن لم يكن له ولاية:
فإن كانت العين متميِّزة بنفسها؛ فلا ضمان ويجزئ.
وإن لم تكن متميِّزة من بقيَّة ماله؛ ضمن ولم يجزئ، إلَّا أن يجيز المالك التَّصرُّف، ونقول بوقف عقود الفضوليِّ على الإجازة.
ويتفرَّع على هذا مسائل:
منها: لو امتنع من وفاء دينه وله مال، فباع الحاكم ماله ووفَّاه عنه؛ صحَّ، وبرئ منه ولا ضمان.
ومنها: لو امتنع من أداء الزكاة، فأخذها الإمام منه قهراً؛ فإنَّها تجزئ عنه ظاهراً وباطناً في أصحِّ الوجهين، وهو ظاهر كلام أحمد
стр. 809
والخرقيِّ؛ لأنَّ للإمام ولاية على الممتنع، وهذا حقٌّ تدخله النِّيابة، فوقع موقعه.
ومنها: لو تعذَّر استئذان من وجبت عليه الزَّكاة؛ لغَيبة أو حبس، فأخذ السَّاعي الزَّكاة من ماله؛ سقطت عنه.
ومنها: وليُّ الصبي والمجنون يخرج عنهما الزَّكاة ويجزئ؛ كما يؤدِّي عنهما سائر الواجبات الماليَّة من النَّفقات والغرامات.
ومنها: إذا عيَّن أضحية، فذبحها غيره عنه بغير إذنه (١)؛ أجزأت عن صاحبها، ولم يضمن الذَّابح شيئاً، نصَّ عليه؛ لأنَّها متعيِّنة للذَّبح ما لم يبدلها، وإراقة دمها واجب (٢)؛ فالذَّابح قد عجَّل الواجب، فوقع موقعه (٣).
ولا فرق عند الأكثرين بين أن تكون معيَّنة ابتداء، أو عن واجب في الذِّمَّة.
وفرَّق صاحب «التَّلخيص» بين ما وجب في الذِّمَّة وغيره (٤)، وقال: المعيَّنة عن واجب في الذِّمَّة يشترط لها نيَّة المالك عند الذَّبح، فلا يجزئ ذبح غيره لها بغير إذنه؛ فيضمن.
ومنها: لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، فأطلقه غيره بغير إذنه؛ فقال القاضي والأكثرون: لا يضمن؛ لأنَّه فعل الواجب عليه، كما لو
стр. 810
أدَّى عنه دينه في هذه الحال.
وفي «المبهج» للشيرازيِّ: أنَّه يضمن؛ لأنَّ ملكه لم يزل عنه، وإرسال الصَّيد إتلاف يوجب الضَّمان؛ فهو كقتله، اللَّهم إلَّا أن يكون المرسِل حاكماً أو وليَّ صبيٍّ؛ فلا ضمان للولاية.
وهذا كلُّه بناءً على قولنا: يجب عليه إرساله وإلحاقه بالوحش، وهو المنصوص.
وأمَّا (١) إن قلنا: يجوز له نقل يده إلى غيره بإعارة أو إيداع، كما قاله القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في باب (٢) العارية؛ فالضَّمان واجب بغير إشكال (٣).
ومنها: لو نذر الصَّدقة بمال معيَّن، فتصدَّق به عنه غيره؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا ضمان عليه؛ كالأضحية، وهو اختيار أبي الخطَّاب في «الانتصار»، سواء قيل بزوال ملكه وامتناع الإبدال كما اختاره، أو ببقاء الملك وجواز الإبدال؛ إذ لا فرق بين الدَّراهم المنذورة وبين الأضحية في ذلك.
والثَّاني: الضَّمان، وهو قول القاضي وابن عقيل.
ويشكل الفرق بينه وبين الأضحية، لا سيَّما والنُّقود لا تتعيَّن بالتَّعيين