حائلاً (١)؛ ففي الرُّجوع عليها روايتان (٢).
ومنها: لو غاب الزَّوج، فأنفقت الزَّوجة من ماله، ثمَّ تبيَّن موته؛ فهل يرجع عليها بما أنفقته بعد موته؟ على روايتين.
ومنها: لو دفع زكاة ماله أو كفَّارته إلى من يظنُّه فقيراً، فبان أنَّه غنيٌّ؛ ففي وجوب الضمان عليه روايتان؛ أصحُّهما: أن لا ضمان (٣).
وكذلك لو كان العامل هو الدَّافعَ، قاله القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة».
وقال في «المجرَّد»: لا يضمن الإمام بغير خلاف؛ لأنَّه أمين، ولم يفرِّط؛ لأنَّ هذا لا يمكن الاحتراز منه.
وإن بان عبداً أو كافراً أو هاشميًّا؛ فقيل: هو على الخلاف، وبه جزم ابن عقيل في «الفنون».
وكذلك ذكر القاضي في آخر «الجامع الصغير»؛ إلَّا أنَّه خرَّج الخلاف في الضَّمان هنا على القول بعدمه في الغِنى.
وقيل: لا يجزئه رواية واحدة؛ لظهور التَّفريط في الاجتهاد، فإنَّ هذه الأوصاف لا تخفى، بخلاف الغنى.
стр. 807
وإن بان بأنَّه (١) نسيب نفسه؛ فطريقان:
أحدهما: لا يجزئ قولاً واحداً، كما لو بان عبد نفسه (٢).
والثَّاني: هو كما لو بان غنيًّا.
والمنصوص ههنا الإجزاء؛ لأنَّ المانع خشية المحاباة؛ وهو منتفٍ مع عدم العلم.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وعلى قياس ذلك مال الفيء والخمس، والأموال الموصى بها والموقوفة، إذا ظنَّ المتصرِّف فيها أنَّ الآخذ مستحِقٌّ فأخطأ.
стр. 808
قاعدة [٩٦]
من وجب عليه أداء عين مال، فأدَّاه عنه غيره بغير إذنه ؛ هل يقع موقعه وينتفي الضَّمان عن المؤدِّي؟
هذا على قسمين:
أحدهما: أن تكون العين ملكاً لمن وجب عليه الأداء، وقد تعلَّق بها حقُّ الغير:
فإن كان المتصرِّف له ولاية التَّصرُّف؛ وقع الموقع ولا ضمان، ولو كان الواجب ديناً.
وإن لم يكن له ولاية:
فإن كانت العين متميِّزة بنفسها؛ فلا ضمان ويجزئ.
وإن لم تكن متميِّزة من بقيَّة ماله؛ ضمن ولم يجزئ، إلَّا أن يجيز المالك التَّصرُّف، ونقول بوقف عقود الفضوليِّ على الإجازة.
ويتفرَّع على هذا مسائل:
منها: لو امتنع من وفاء دينه وله مال، فباع الحاكم ماله ووفَّاه عنه؛ صحَّ، وبرئ منه ولا ضمان.
ومنها: لو امتنع من أداء الزكاة، فأخذها الإمام منه قهراً؛ فإنَّها تجزئ عنه ظاهراً وباطناً في أصحِّ الوجهين، وهو ظاهر كلام أحمد
стр. 809
والخرقيِّ؛ لأنَّ للإمام ولاية على الممتنع، وهذا حقٌّ تدخله النِّيابة، فوقع موقعه.
ومنها: لو تعذَّر استئذان من وجبت عليه الزَّكاة؛ لغَيبة أو حبس، فأخذ السَّاعي الزَّكاة من ماله؛ سقطت عنه.
ومنها: وليُّ الصبي والمجنون يخرج عنهما الزَّكاة ويجزئ؛ كما يؤدِّي عنهما سائر الواجبات الماليَّة من النَّفقات والغرامات.
ومنها: إذا عيَّن أضحية، فذبحها غيره عنه بغير إذنه (١)؛ أجزأت عن صاحبها، ولم يضمن الذَّابح شيئاً، نصَّ عليه؛ لأنَّها متعيِّنة للذَّبح ما لم يبدلها، وإراقة دمها واجب (٢)؛ فالذَّابح قد عجَّل الواجب، فوقع موقعه (٣).
ولا فرق عند الأكثرين بين أن تكون معيَّنة ابتداء، أو عن واجب في الذِّمَّة.
وفرَّق صاحب «التَّلخيص» بين ما وجب في الذِّمَّة وغيره (٤)، وقال: المعيَّنة عن واجب في الذِّمَّة يشترط لها نيَّة المالك عند الذَّبح، فلا يجزئ ذبح غيره لها بغير إذنه؛ فيضمن.
ومنها: لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، فأطلقه غيره بغير إذنه؛ فقال القاضي والأكثرون: لا يضمن؛ لأنَّه فعل الواجب عليه، كما لو
стр. 810
أدَّى عنه دينه في هذه الحال.
وفي «المبهج» للشيرازيِّ: أنَّه يضمن؛ لأنَّ ملكه لم يزل عنه، وإرسال الصَّيد إتلاف يوجب الضَّمان؛ فهو كقتله، اللَّهم إلَّا أن يكون المرسِل حاكماً أو وليَّ صبيٍّ؛ فلا ضمان للولاية.
وهذا كلُّه بناءً على قولنا: يجب عليه إرساله وإلحاقه بالوحش، وهو المنصوص.
وأمَّا (١) إن قلنا: يجوز له نقل يده إلى غيره بإعارة أو إيداع، كما قاله القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في باب (٢) العارية؛ فالضَّمان واجب بغير إشكال (٣).
ومنها: لو نذر الصَّدقة بمال معيَّن، فتصدَّق به عنه غيره؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا ضمان عليه؛ كالأضحية، وهو اختيار أبي الخطَّاب في «الانتصار»، سواء قيل بزوال ملكه وامتناع الإبدال كما اختاره، أو ببقاء الملك وجواز الإبدال؛ إذ لا فرق بين الدَّراهم المنذورة وبين الأضحية في ذلك.
والثَّاني: الضَّمان، وهو قول القاضي وابن عقيل.
ويشكل الفرق بينه وبين الأضحية، لا سيَّما والنُّقود لا تتعيَّن بالتَّعيين
стр. 811
في العقود على إحدى الرِّوايتين، بخلاف الحيوان.
وقد يقال في الفرق: إنَّ الأضحية إنَّما يجوز إبدالها بخير منها، والنُّقود متساوية غالباً؛ فلا معنى لإبدالها (١).
وقد أشار القاضي إلى الفرق: بأنَّ النَّذر يحتاج إخراجه إلى نيَّة كالزَّكاة.
وهذا ممنوع، بل نقول في نذر الصَّدقة بالمعيَّن ما نقول في الأضحية المعيَّنة.
وأمَّا إذا أدَّى غيره زكاته الواجبة من ماله أو نَذْرِه الواجب في الذِّمَّة، أو كفَّارته من ماله بغير إذنه، حيث لا ولاية له عليه؛ فإنَّه يضمن في المشهور؛ لأنَّه لا يسقط به فرض المالك؛ لفوات النِّيَّة المعتبرة منه وممَّن يقوم مقامه.
وخرَّج الأصحاب نفوذه بالإجازة من نفوذ تصرُّف الفضوليِّ بها.
وهذا الَّذي ذكرناه (٢) في العبادات؛ كالزَّكاة والأضحية والنَّذر؛ إنَّما هو إذا نواه المخرِج عن المالك.
فأمَّا إن نوى عن نفسه، وكان عالماً بالحال؛ فهو غاصب محض، فلا يصحُّ تصرُّفه لنفسه بأداء الزَّكاة، ولا بذبح الأضحية والهدي ولا غيرهما؛ لأنَّه وقع من أصله تعدِّياً، وذلك ينافي التَّقرُّب.
وخرَّج بعض الأصحاب وجهاً: بوقفه على الإجازة، من القول
стр. 812
بوقف تصرُّف الغاصب.
وربَّما ذكره بعضهم رواية في الزَّكاة.
وخرَّجه ابن أبي موسى وجهاً في العتق، لكن إذا التزم ضمانه في ماله، وهذا شبيه بتصرُّف الفضوليِّ.
وهل يجزئ عن المالك في هذه الحال أم لا؟ حكى القاضي والأكثرون في الأضحية روايتين.
والصَّواب: أنَّ الرِّوايتين تتنزَّل على اختلاف حالين لا على اختلاف قولين؛ فإن نوى الذَّابح الذَّبح عن نفسه مع علمه بأنَّها أضحية الغير؛ لم تجزئ؛ لغصبه واستيلائه على مال الغير وإتلافه له عدواناً، وإن كان يظنُّ الذَّابح أنَّها أضحيته؛ لاشتباهها عليه؛ أجزأت عن المالك.
وقد نصَّ أحمد على الصُّورتين في رواية ابن القاسم وسندي، مفرِّقاً بينهما مصرِّحاً بالتَّعليل المذكور، وكذلك الخلَّال فرَّق بينهما وعقد لهما بابين منفردين؛ فلا تصحُّ التَّسوية بعد ذلك.
ومتى قيل بعدم الإجزاء؛ فعلى الذَّابح الضَّمان، لكن هل يضمن أرش الذَّبح أو كمال القيمة؟
أمَّا على رواية تحريم ذبيحة الغاصب؛ فضمان القيمة متعيِّن.
وأمَّا على القول بالحلِّ - وهو المشهور-؛ فقد يقال: إن كانت معيَّنة عن واجب في الذِّمَّة؛ فحكم هذا الذَّبح حكم عطبها، وإذا عطبت؛ فهل ترجع إلى ملكه؟ على روايتين.
فإن قيل: برجوعها إلى ملكه؛ فعلى الذَّابح أرش نقص الذَّبح خاصَّة.
стр. 813
وإن قيل: لا ترجع إلى ملكه؛ فالذَّبح حينئذ بمنزلة إتلافها بالكليَّة؛ فيضمن الجميع، ويشتري المالك بالقيمة ما يذبحه عن الواجب عليه، ويصرف الكلَّ مصرف الأضحية (١).
وإن كانت معيَّنة ابتداء أو تطوُّعاً؛ فقد فوَّت على المالك التَّقرُّب بها، وكونها أضحية أو هدياً، لكن على وجه لا يلزمه بدلها.
فيحتمل أن يتصدَّق بلحمها، كالعاطب دون محلِّه، ويأخذ أرش الذَّبح من الذَّابح ويتصدَّق به.
ويحتمل أن يضمنه قيمتها، وهو أظهر؛ لأنَّه فوَّت عليه التَّقرُّب بها، على وجه لا يعود إليه منها شيء؛ فهو كإتلافها.
وأمَّا إذا فرَّق الأجنبيٌّ اللَّحم؛ فقال الأصحاب: لا يجزئ؛ لأنَّ أحمد قال في رواية ابن منصور فيما إذا ذبح كلُّ واحد أضحية الآخر يعتقد أنَّها أضحيته: إنَّهما يترادَّان اللَّحم (٢).
قالوا: وإن تلف؛ فعليه ضمان قيمته.
وأبدى ابن عقيل في «فنونه» احتمالاً بالإجزاء؛ لأنَّ التَّفرقة ليست واجبة على المالك، بدليل ما لو ذبحها فسرقت.
ويشهد له قول أحمد في رواية المروذيِّ وغيره، في رجل اشترى لقوم نسكاً، فاشترى لكلِّ واحد شاة، ثمَّ لم تُعرف هذه من هذه؛ قال: يتراضيان ويتحالّان (٣)، ولا بأس أن يأخذ كلُّ واحد شاة بعد التَّحليل.
стр. 814
فدلَّ على أنَّ التَّفريق إذا وقع عن غير قصد ولا تعمُّد أنه يجزئ، ولولا ذلك لم تجز التَّضحية بهذه الأضحية المشتبهة، وقد يكون عن واجب في الذِّمَّة، ويحمل قوله: (يترادَّان اللَّحم) مع بقائه.
القسم الثَّاني: أن يكون الواجب أداؤه غير مملوك له؛ فأدَّاه الغير إلى مستحِقِّه، فإن كان مستحِقُّه معيَّناً؛ فإنَّه يجزئ ولا ضمان، وإن لم يكن معيَّناً؛ ففي الإجزاء خلاف.
ويندرج تحت ذلك مسائل:
منها: الغصوب والودائع إذا أدَّاها أجنبيٌّ إلى المالك؛ أجزأت ولا ضمان.
ومنها: إذا اصطاد المحرِم صيداً في إحرامه، فأرسله غيره من يده؛ فلا ضمان.
ومنها: إذا دفع أجنبيٌّ عيناً موصًى بها إلى مستحِقٍّ معيَّن؛ لم يضمن، ووقعت موقعها.
وكذا لو كانت الوصيَّة بمال غير معيَّن، بل مقدَّر.
وإن كانت لغير معيَّن؛ ففي الضَّمان وجهان.
ونصَّ أحمد في رواية حنبل فيمن بيده وديعة موصًى (١) بها لمعيَّن: أنَّ المودَع يدفعها إلى الموصى له والورثة، قيل له: فإن دفعها إلى الموصى له يضمن؟ قال: أخاف. قيل له: فيعطيه القاضي؟ قال: لا، ولكن يدفعه إليهم.
стр. 815
ونصَّ أحمد (١) في رواية مهنَّى على ضمانه بالدَّفع إلى الموصى له، وهذا محمول على أنَّ الوصيَّة لم تثبت ظاهراً.
وصرَّح الأصحاب بأنَّه لو كان عليه دين ووصَّى به صاحبه لمعيَّن؛ كان مخيَّراً بين دفعه إلى الورثة والموصى له؛ لأنَّه صار حقًّا له؛ فهو كالوارث المعيَّن.
وعلى هذا يتخرَّج دفع مال الوقف إلى مستحِقِّه المعيَّن مع وجود النَّاظر فيه (٢).
стр. 816
قاعدة [٩٧]
من بيده مال أو في ذمَّته دين يَعرف مالكه، ولكنَّه غائب يرجى قدومه ؛ فليس له التَّصرُّف فيه بدون إذن الحاكم، إلَّا أن يكون يسيراً تافهاً؛ فله الصَّدقة به عنه، نصَّ عليه في مواضع (١).
وإن كان قد أيس من قدومه؛ بأن مضت مدَّة يجوز فيها أن تتزوَّج (٢) امرأته، ويقسم ماله، وليس له وارث؛ فهل يجوز التَّصرُّف في ماله بدون إذن الحاكم؟
قد يتخرجَّ على وجهين، أصلهما الرِّوايتان في امرأة المفقود: هل تتزوَّج (٣) بدون إذن (٤) الحاكم أم لا؟
стр. 817
والمنصوص في رواية صالح: جواز التَّصدُّق به، ولم يعتبر حاكماً.
وإن لم يَعرف مالكه بل جهل؛ جاز التَّصدُّق به عنه بشرط الضَّمان بدون إذن حاكم قولاً واحداً على أصحِّ الطَّريقين.
وعلى الثَّانية فيه روايتان، وهي طريقة القاضي في «كتاب الرِّوايتين»، وفي موضع من «المجرد».
وجزم في موضع آخر منه: بتوقُّف التَّصرُّف على إذن الحاكم، والأولى أصحُّ.
ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل:
منها: اللُّقَطَةُ الَّتي لا تملك إذا أجزنا الصَّدقة بها (١)، أو الَّتي يخشى فسادها إذا أراد التَّصدُّق بها؛ فالمنصوص جواز الصَّدقة بها من غير حاكم.
وذكر أبو الخطَّاب رواية أخرى: أنَّه إن كان يسيراً؛ باعه وتصدَّق به، وإن كان كثيراً؛ رفعه إلى السُّلطان، وقال: نقلها مهنَّى.
ورواية مهنَّى إنَّما هي فيمن باع من رجل شيئاً، ثمَّ مات المشتري قبل قبضه، وخشي البائع فساده، وهذا ممَّا له مالك معروف ويمكن الاطِّلاع على معرفة ورثته؛ فليست المسألة، نبَّه على ذلك الشَّيخ مجد الدِّين.
стр. 818
ومنها: اللَّقيط إذا وُجد معه مال؛ فإنَّه ينفق عليه منه بدون إذن الحاكم (١)، ذكره ابن حامد.
قال أبو الخطَّاب: وروى عنه أبو الحارث ما يدلُّ على أنَّه لا ينفق عليه إلَّا بإذن الحاكم.
قال الشَّيخ مجد الدين: وهذه الرِّواية إنَّما هي في المودَع أنَّه لا ينفق على زوجة المستودِع وأهله في غيبته إلَّا بإذن الحاكم (٢).
وليس هذا نظير مسألتنا؛ لأنَّ الولاية هنا على معروف، فنظيره من وجد طفلاً معروف النَّسب وأبوه غائب (٣).
ومنها: الرُّهون الَّتي لا يُعرف أهلها، نصَّ أحمد على جواز الصَّدقة بها (٤) في رواية أبي طالب وأبي الحارث وغيرهما (٥).
стр. 819
وتأوَّله القاضي في «المجرد» وابن عقيل: على أنَّه تعذَّر إذن الحاكم؛ لما روى عنه أبو طالب أيضاً: إذا كان عنده رهن وصاحبه غائب وخاف فساده؛ يأتي إلى السُّلطان ليأمر ببيعه، ولا يبيعه بغير إذن السُّلطان. (١)
وأنكر ذلك الشَّيخ مجد الدين وغيره، وأقرُّوا النُّصوص على وجوهها؛ فإن كان المالك معروفاً لكنَّه غائب؛ رفع أمره إلى السلطان، وإن كان مجهولاً؛ جاز التَّصرُّف فيه بدون حاكم، وإن كان (٢) علم صاحبه لكنَّه أيس منه؛ تصدَّق به (٣) عنه، نصَّ عليه في رواية أبي الحارث (٤).
ومنها: الودائع الَّتي جُهل ملَّاكها؛ يجوز التَّصدُّق بها بدون حاكم، نصَّ عليه.
وكذلك إن فقد ولم يُطَّلَع على خبره وليس له ورثة؛ تُصدِّق به، نصَّ عليه، ولم يعتبر حاكماً.
قال القاضي في «المجرَّد»: فيحتمل أن يحمل على إطلاقه؛ لأنَّه من فعل المعروف، ويحتمل أن يحمل عند تعذُّر إذن الحاكم؛ لأنَّ هذا المال مصرفه إلى بيت المال، وتفرقة مال بيت المال موكول إلى اجتهاد الإمام، انتهى.
стр. 820
والصَّحيح: الإطلاق، وبيت المال ليس بوارث على المذهب المشهور، وإنَّما يحفظ فيه المال الضَّائع، فإذا أُيِسَ من وجود صاحبه؛ فلا معنى للحفظ، ومقصود الصَّرف في مصلحة المالك يحصل بالصَّدقة به عنه، وهو أولى من الصَّرف إلى بيت المال؛ لأنَّه ربَّما صُرف عند فساد بيت المال إلى غير مصرفه.
وأيضاً؛ فالفقراء مستحِقُّون من مال بيت المال، فإذا وصل إليهم هذا المال على غير يد الإمام؛ فقد حصل المقصود، ولهذا قلنا على أحد الوجهين: إذا فرَّق الأجنبيُّ الوصية، وكانت لغير معيَّن كالفقراء؛ فإنَّها تقع الموقع، ولا تضمن؛ كما لو كانت الوصيَّة لمعيَّن.
وعلى هذا الأصل: يتخرَّج جواز أخذ الفقراء (١) الصَّدقة من يد من ماله حرام؛ كقطَّاع الطَّريق، وأفتى القاضي بجوازه.
ونصَّ أحمد في رواية صالح على أن من (٢) كانت عنده وديعة، فوكَّل في دفعها، ثمَّ مات، وجُهل ربُّها، وأيس من الاطِّلاع عليه؛ يتصدق بها عنه الوكيل، وورثه الموكِّل في البلد الَّذي كان صاحبها فيه حيث يرون أنَّه كان، وهم ضامنون إذا ظهر له وارث.
واعتبار الصدقة في موضع المالك - مع الجهل به -؛ قد نصَّ على مثله في الغصب وفي مال الشُّبهة (٣).
стр. 821
واحتجَّ بأن عمر جعل الدِّية على أهل القرية؛ يعني: إذا جهل القاتل (١).
وجه الحجَّة منه: أنَّ الغرم لمَّا اختصَّ بأهل المكان الَّذي فيه الجاني؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الجاني أو عاقلته المختصِّين بالغرم لا يخلو المكان عنهم؛ فكذلك الصَّدقة بالمال المجهول مالكه ينبغي أن تختصَّ بأهل مكانه؛ لأنَّه أقرب إلى وصول المال إليه إن كان موجوداً أو إلى ورثته، ويراعى في ذلك الفقر؛ لأنَّها صدقة؛ كما يراعى في وضع الدِّية الغنى.
ومنها: الغصوب الَّتي جهل ربُّها، فيتصدَّق بها أيضاً، وقد نصَّ على ذلك في رواية جماعة (٢).
ولم يذكر أكثر الأصحاب فيه خلافاً.
وطرد القاضي في «كتاب الرِّوايتين» فيه الخلاف؛ بناءً على أنَّه مستحَقٌّ لبيت المال.
وكذلك حكم المسروق ونحوه، نصَّ عليه.
ولو مات المالك ولا وارث له يعلم؛ فكذلك يتصدَّق به عنه، نصَّ عليه أيضاً.
стр. 822
تنبيهان:
أحدهما: الدُّيون المستحَقَّة كالأعيان؛ يتصدَّق بها عن مستحِقِّيها، نصَّ عليه.
مع أنَّه نصَّ على أنَّ من قال لغريمه: تصدَّق عني بديني الَّذي لي عليك؛ لم يبرأ بالصَّدقة عنه، ولو وكَّله في قبضه من نفسه حيث لم يتعيَّن المدفوع ملكاً له؛ فإنَّ الدَّين لا يتعيَّن ملكه فيه بدون قبضه أو قبض وكيله.
وفرَّق القاضي في «خلافه» بين أن يكون المأمور بالدَّفع إليه معيَّناً أو غير معيَّن؛ فإن كان معيَّناً؛ برئ بالدَّفع إليه كالوكيل.
وخرَّج في «المجرد» المسألة على بيع الوكيل من نفسه؛ نظراً إلى أنَّ العلَّة هي القبض من نفسه، حيث وكَّله المالك في التَّعيين والقبض.
وقد أطلق ههنا جواز الصَّدقة به عنه، فإمَّا أن يكون هذا رواية ثانية بالجواز مطلقاً، أو محمولاً على حالة تعذُّر وجود المالك أو وكيله، وهو الأقرب.
وكذلك نصَّ في رواية أبي طالب فيمن عليه دين لرجل وقد مات، وعليه ديون للنَّاس، فقضى عنه دينه بالدَّين الذي عليه: (أنَّه يبرأ به في الباطن).
والثَّاني: إذا أراد من بيده عين جهل مالكها أن يتملَّكها ويتصدَّق بقيمتها عن مالكها؛ فنقل صالح عن أبيه الجواز فيمن اشترى آجرًّا، وعلم أنَّ البائع باعه ما لا يملك، ولا يُعرف له أربابٌ: أرجو إن أخرج
стр. 823
قيمة الآجرِّ وتصدَّق (١) به أن ينجوَ من إثمه.
وقد يتخرَّج فيه خلافٌ من جواز شراء الوكيل من نفسه.
ويشهد له اختلاف الرِّواية عنه فيمن له دين وعنده به رهن، وانقطع خبر صاحبه وباعه؛ هل له أن يستوفيَ دينه منه ويتصدَّق بالفاضل، أم يتصدَّق به كلِّه؟ على روايتين؛ لأنَّ فيه استيفاءً للحقِّ بنفسه من تحت يده.
واختار ابن عقيل جوازه مطلقاً، وخرَّجه من بيع الوكيل من نفسه، ومن مواضع أخر.
стр. 824
قاعدة [٩٨]
من ادَّعى شيئاً ووصفه؛ دُفِعَ إليه بالصِّفة إذا جهل ربُّه، ولم تثبت عليه يدٌ مِن جهة مالكه ، وإلَّا فلا.
ويتخرَّج على ذلك مسائل:
منها: اللُّقطة يجب دفعها إلى واصفها، نصَّ عليه (١).
وإن وصفها اثنان؛ فهي لهما.
وقيل: يقرع بينهما.
وإن استقصى أحدهما الصِّفات، واقتصر الآخر على القدر الَّذي يجزئ في الدَّفع؛ فوجهان مخرَّجان من التَّرجيح بالنَّسَّاج والنَّتَّاج (٢)(٣)،
стр. 825
ذكره ابن عقيل في «مفرداته».
ومنها: الأموال المغصوبة والمنهوبة والمسروقة؛ كالموجودة مع اللُّصوص وقطَّاع الطَّريق ونحوهم؛ يكتفى فيها بالصِّفة (١).
ومنها: تداعي المُؤْجِر والمستأجر دِفناً في الدَّار؛ فهو لواصفه منهما، نصَّ عليه في رواية الفضل بن زياد.
ومنها: اللَّقيط إذا تنازع اثنان أيُّهما التقطه، وليس في يد أحدهما؛ فمن وصفه منهما فهو أحقُّ به.
ومنها: من وجد ماله في الغنيمة قبل القسمة؛ فإنَّه يستحقُّه بالوصف ونحوه ممَّا يدلُّ على أنَّه له، هذا ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل.
وسئل: أيزيد على ذلك (٢) بينة؟ قال: لا بدَّ من بيانٍ يدلُّ على أنَّه له، وإن علم ذلك دفعه إليه الأمير، انتهى.
وقد قضى سعد بن أبي وقاص في هذا بالعلامة المحضة (٣).
стр. 826
قاعدة [٩٩]
ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان (١) ولا ضرر في بذله ؛ لتيسُّره وكثرة وجوده، أو المنافع المحتاج إليها (٢)؛ يجب بذله مجَّاناً بغير عوض (٣).
ويندرج تحت ذلك مسائل:
منها: الهرُّ لا يجوز بيعه على أصحِّ الرِّوايتين (٤)، وفي (٥) «صحيح مسلم» النَّهي عنه (٦)، ومأخذ المنع ما ذكرنا.
ومنها: الماء الجاري والكلأ يجب بذل الفاضل منه للمحتاج إلى
стр. 827
الشُّرب وإسقاء بهائمه.
وكذلك زروعه على الصَّحيح أيضًا.
وسواء قلنا: يملكه من هو في أرضه أو لا.
والصَّحيح: أنَّ مأخذ المنع من بيعه ما ذكرنا (١)، لا أنَّه غير مملوك بملك الأرض؛ فإنَّ النُّصوص متكاثرة عن أحمد بملك المباحات النَّابتة في الأرض.
ويشهد له أيضاً ما نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور في اللُّقاط: (لا أرى لصاحب الأرض أن يبيعه (٢)، النَّاسُ فيه سواء) (٣)، مع أنَّه مملوك له بلا إشكال، ولا يقال: زال ملكه عنه بمصيره منبوذاً مرغوباً عنه؛ لأنَّ المنع والبيع ينافي ذلك.
ومنها: وضع الخشب على جدار الجار إذا لم يضرَّ به.
وكذلك إجراء الماء في أرضه على إحدى الرِّوايتين.
ومنها: إعارة الحليِّ، ظاهر كلام أحمد وجماعة من الأصحاب وجوبه، وصرَّح به بعض المتأخرين.
стр. 828
واختار بعضهم وجوب بذل الماعون، وهو ما خفَّ قدره وسهل؛ كالدَّلو والفأس والقِدر والمُنْخُل، وإعارة الفحل للضِّراب، وهو اختيار الحارثيِّ، وإليه ميل الشَّيخ تقيِّ الدِّين (١).
ومنها: المصحف تجب إعارته لمن احتاج إلى القراءة فيه ولم يجد مصحفاً غيره، نقله القاضي في «الجامع الكبير»، وذكر ابن عقيل في كلام له (٢) مفرد أنَّ الأصحاب علَّلوا قولهم: لا يقطع بسرقة المصحف؛ بأنَّ (٣) له فيه حقَّ النَّظر لاستخراج أحكام الشَّرع إذا خفيت عليه، وعلى صاحبه بذله.
لذلك قال ابن عقيل: وهذا (٤) تعليل يقتضي التَّسوية بين سرقته وسرقة كتب السُّنن؛ فإنَّها مضمَّنة (٥) من الأحكام أمثال ذلك، والحاجة إليها داعية، وبذلها للمحاويج إليها من القضاة والحكَّام وأهل الفتاوى واجب على مالكها، انتهى.
ومنها: ضيافة المجتازين، والمذهب وجوبها، وأمَّا إطعام المضطرين؛ فواجب، لكن لا يجب بذله مجَّاناً، بل بالعوض.
وأمَّا المنافع المضطرُّ إليها كمنفعة الظَّهر للمنقطعين في الأسفار، وإعارة ما يضطرُّ إليه؛ ففي وجوب بذلها مجَّاناً وجهان.
стр. 829
واختار الشيخ تقي الدِّين: (أنَّ المضطرَّ إلى الطعام إن كان فقيراً؛ وجب بذله له مجَّاناً؛ لأنَّ إطعامه فرض كفاية؛ فلا يجوز أخذ العوض عنه، بخلاف الغنيِّ؛ فإنَّ الواجب معاوضته فقط) (١)، وهذا حسن.
وحكى الآمديُّ رواية: أنَّه لا يضمن المضطرُّ الطَّعام الَّذي أخذه من صاحبه قهراً؛ لمنعه إيَّاه.
ومنها: رباع مكَّة، لا يجوز بيعها ولا إجارتها على المذهب (٢) المنصوص.
واختلف في مأخذه؛ فقيل: لأنَّ مكَّة فتحت عنوة، فصارت وقفاً أو فيئاً؛ فلا ملك فيها لأحد، وعلى هذا؛ فينبني الخلاف في البيع (٣) والإجارة على الخلاف في فتحها عنوة أو صلحاً.
وقيل: بل لأنَّ الحرم حريم البيت والمسجد الحرام، قد (٤) جعله الله للنَّاس؛ سواء العاكف فيه والباد؛ فلا يجوز لأحد التَّخصيص بملكه وتحجره، بل الواجب أن يكون النَّاس فيه شرعاً واحداً؛ لعموم الحاجة إليه، فمن احتاج إلى ما بيده منه سكنه، وإن استغنى عنه وجب بذل فاضله للمحتاج (٥) إليه، وهو مسلك ابن عقيل في «نظريَّاته»، وسلكه
стр. 830
القاضي في «خلافه» أيضاً (١).
واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢)، وتردَّد كلامه في جواز البيع؛ فأجازه مرَّة؛ كبيع أرض العنوة عنده، ويكون نقلاً لليد بعوض (٣)، ومنع منه أخرى؛ إذ الأرض وأنقاض البناء من الحرم غير مملوك للباني، وإنَّما له التَّأليف، وقد رُجِّح به بتقديمه في الانتفاع؛ كمن بنى في أرض مسبلة للسُّكنى بناء من ترابها وأحجارها.
ونقل ابن منصور عن أحمد ما يدلُّ على جواز البيع دون الإجارة (٤)، وتأوَّله القاضي.
وعلى هذا المأخذ؛ فقد يختصُّ المنع بالقول بفتحها عنوة لمصير الأرض فيئاً، وقد نصَّ أحمد في رواية حنبل على أنَّ علَّة الكراهة أنَّها فتحت عنوة (٥)؛ فصار المسلمون فيها شركاً (٦) واحداً، قال: (وعمر إنَّما
стр. 831
ترك السَّواد لذلك)، قال: (ولا يعجبني منع منازل السَّواد ولا أرضيهم) (١)، وهذا نصٌّ بكراهة (٢) المنع في سائر أراضي العنوة.
وبكلِّ حال؛ فلا يجب الإسكان في دور مكَّة إلَّا في الفاضل عن حاجة السَّاكن، نصَّ عليه (٣).
стр. 832
قاعدة [١٠٠] (١)
الواجب بالنَّذر هل يلحق بالواجب بالشَّرع أو بالمندوب (٢)؟
فيه خلاف تتنزَّل عليه مسائل:
стр. 833
منها: الأكل من أضحيّة النَّذر، وفيه وجهان، اختار أبو بكر الجواز (١).
ومنها: فعل الصَّلاة المنذورة في وقت النَّهيِ، وفيه وجهان، أشهرهما الجواز.
ومنها: نذر صيام أيَّام التَّشريق والصَّلاة في وقت النَّهيِ، وفيه وجهان أيضاً.
واختار ابن عقيل: أنَّه كنذر المعصية؛ لأنَّ الملتَزَم بالنَّذر هو التَّطوع المطلق.
ومنها: لو نذر صلاة؛ فهل تجزئه ركعة، أو لا بدَّ من ركعتين؟ على روايتين.
ومنها: لو نذر عتق رقبة؛ لم يجزئه إلَّا سليمة، ذكره القاضي؛ حملاً له على واجب الشَّرع.
ويحتمل أنَّه يجزئه ما يقع عليه الاسم؛ كالوصيَّة؛ فإنَّ القاضي سلَّمها، مع أنَّ المنصوص عن أحمد فيمن وصَّى بعتق رقبة: لا يعتق عنه إلَّا مسلمة.
стр. 834
قاعدة [١٠١]
من خُيِّر بين شيئين، وأمكنه الإتيان بنصفيهما معاً؛ فهل يجزئه أم لا ؟
فيه خلاف يتنزَّل عليه مسائل:
منها: لو أعتق في الكفَّارة نصفي رقبتين، وفيها وجهان.
وقيل: إن كان باقيهما حرًّا؛ أجزأ وجهاً واحداً؛ لتكميل الحريَّة به.
وخرَّجوا على الوجهين: لو أخرج في الزَّكاة نصفي شاتين (١).
وزاد صاحب «التلخيص»: لو أهدى نصفي شاتين. وفيه نظر؛ إذ المقصود من الهدي اللَّحم، ولهذا أجزأ فيه شقص من بدنة، وقد روي عن أحمد ما يدلُّ على الإجزاء ههنا.
ومنها: لو أخرج الجبران في زكاة الإبل شاة وعشرة دراهم؛ فهل يجزئه؟ على وجهين.
ومنها: لو كفَّر يمينه بإطعام خمسة مساكين وكسوة خمسة؛ فإنَّه يجزئ على المشهور.
وفيه وجه مذكور في «شرح الهداية» في زكاة الفطر.
стр. 835
ومنها: لو أخرج في الفطرة صاعاً من جنسين؛ والمذهب الإجزاء.
ويتخرَّج فيه وجه آخر.
ومنها: لو كفَّر في محظورات الحجِّ بصيام (١) يومٍ وإطعام أربعة مساكين؛ فالأظهر منعه (٢).
وفي «أحكام القرآن» للقاضي: يحتمل الجواز؛ لأنَّها على التَّخيير، بخلاف كفَّارة اليمين (٣).
وعلى قياس هذا: لو أعتق في كفَّارة اليمين ثلث رقبة (٤)، وأطعم أربعة مساكين، وكسا أربعة: أنَّه يجزئه. وفيه بُعْد.
стр. 836
ومنها: لو أخرج عن أربعمائة من الإبل أربع حقاق وخمس بنات لبون؛ جاز بغير خلاف عندنا (١)؛ لأنَّه عمل بمقتضى قوله: «في كلِّ أربعين بنت لبون، وفي كلِّ خمسين حقَّة» (٢)، لأنَّ هذه واجبات متعدِّدة؛ فهي ككفَّارات متعدِّدة.
فإن أخرج بتشقيص؛ كما لو أخرج عن مائتين حقَّتين وبنتي لبون ونصفاً؛ فهو كإخراج نصفي شاتين على ما سبق.
стр. 837
قاعدة [١٠٢]
من أتى بسبب يفيد الملك أو الحلَّ أو يسقط الواجبات (١) على وجه محرَّم ، وكان مما تدعو النُّفوس إليه؛ ألغي ذلك السَّبب (٢)، وصار وجوده كالعدم، ولم يترتَّب عليه أحكامه.
ويتخرَّج على ذلك مسائل كثيرة:
منها: الفارُّ من الزَّكاة قبل تمام الحول بتنقيص النِّصاب أو إخراجه عن ملكه؛ تجب عليه الزَّكاة.
ولو أكثر صرف أمواله في تملُّك ما لا زكاة فيه؛ كالعقار والحليِّ؛ فهل ينزل منزلة الفار؟ على وجهين.
ومنها: المطلِّق في مرضه لا يَقطع طلاقُه حقَّ الزَّوجة من إرثها منه، إلَّا أن تنتفي التُّهَمة بسؤال الزَّوجة ونحوه؛ ففيه روايتان.
ومنها: القاتل لمورِّثه (٣) لا يرثه، وسواء كان متَّهماً أو غير متَّهم عند أكثر (٤) الأصحاب.
стр. 838
وحكى ابن عقيل في «مفرداته» و «عمد الأدلَّة» وجهاً: أنَّه متى انتفت التُّهَمة؛ كقتل الصَّبيِّ والمجنون؛ لم يمتنع الإرث، قال: وهو أصحُّ عندي.
ومنها: قتل الموصى له الموصيَ؛ فإنَّه يبطل الوصيَّة رواية واحدة على أصحِّ الطَّريقين.
ومنها: السَّكران بشرب الخمر عمداً يُجعل كالصَّاحي في أقواله وأفعاله فيما عليه في المشهور من المذهب.
بخلاف من سكر ببنج ونحوه، أو أزال عقله؛ بأن ضرب رأسه فجنَّ؛ فإنَّه لا يقع طلاقه على المنصوص؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا تدعو إليه النُّفوس، بل في الطَّبع وازع عنه، ولذلك لا يجب عليه قضاء الصَّلاة إذا جُنَّ في هذه الحالة على الصَّحيح.
ومنها: تخليل الخمر لا يفيد حلَّه ولا طهارته على المذهب الصَّحيح.
ومنها: ذبح الصَّيد في حقِّ المحرم لا يبيحه بالكليَّة، وذبح المحلِّ للمحرم لا يبيحه للمحرم المذبوح له أيضاً، وفي حلِّه لغيره من المحرِمين وجهان.
ولا يَرِد على هذا ذبح الغاصب والسَّارق؛ لأنَّ ذبحهما لا يترتَّب عليه الإباحة لهما؛ فإنَّه باق على ملك المالك ولا إباحة بدون إذنه، مع أنَّ أبا بكر التزم تحريمه مطلقاً، وحكاه رواية.
стр. 839
ويلتحق بهذه القاعدة:
قاعدة (١)
من تعجَّل حقَّه، أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرَّم؛ عوقب بحرمانه .
ويدخل فيها من مسائل:
الأولى: مسألة قتل الموروث والموصى له.
ومنها: الغالُّ من الغنيمة يُحرَم سهمَه منها على إحدى الرِّوايتين.
ومنها: من تزوَّج امرأة في عدَّتها؛ حرُمت عليه على التَّأبيد على رواية.
ومنها: من تزوَّجت بعبدها؛ فإنَّه يحرم عليها على التَّأبيد؛ كما روي عن عمر ﵁، نصَّ عليه أحمد في رواية عبد الله (٢).
ذكره الخلَّال في أحكام العبيد عن الخضر بن المثنَّى الكنديِّ عنه، والخضر هذا مجهول، ينفرد عن عبد الله برواية المناكير الَّتي لا يتابع عليها (٣).
стр. 840
ومنها: من اصطاد صيداً قبل أن يحلَّ من إحرامه؛ لم يحلَّ له وإن تحلَّل، حتَّى يرسله ويطلقه.
وأمَّا إذا قتل الغريمُ غريمَه؛ فإنَّه يحلُّ دينه عليه، كما لو مات، صرَّح به جماعة من الأصحاب.
ويتخرَّج فيه وجه آخر: أنَّه لا يحلُّ؛ طرداً للقاعدة.
стр. 841
قاعدة [١٠٣]
الفعل الواحد يُبنى بعضه على بعض مع الاتِّصال المعتاد، ولا ينقطع بالتَّفرُّق اليسير .
ولذلك صور:
منها: مكاثرة الماء القليل النَّجس بالماء الكثير يعتبر له الاتِّصال المعتاد، دون صبِّ القلَّتين دفعة واحدة.
ومنها: الوضوء إذا اعتبرنا له الموالاة؛ لم يقطعه التَّفرُّق اليسير.
وهل الاعتبار فيه بالعرف، أو بجفاف الأعضاء؟ على روايتين.
ومنها: الصَّلاة؛ يجوز البناء عليها إذا سلَّم منها ساهياً مع قرب الفصل، ولا تبطل بذلك.
ومنها: المسافر إذا أقام مدَّة يومين؛ فهو سفر واحد، يبنى بعضه على بعض، وإن زاد لم يبن.
ومنها: إذا ترك العمل في المعدِن التَّركَ المعتاد أو لعذر، ولم يقصد الإهمال، ثم عاد إلى الاستخراج؛ ضمَّ الثَّاني إلى الأوَّل في النِّصاب.
ومنها: الطَّواف إذا تخلَّله صلاة مكتوبة أو جنازة؛ يُبنى عليه؛ سواء قلنا: الموالاة فيه سنَّة أو شرط، على أشهر الطَّريقين للأصحاب.
ومنها: لو حلف: لا أكلت إلَّا أكلة واحدة في يومي هذا؛ فأكل
стр. 842
متواصلاً؛ لم يحنث، وإن تفرَّق التَّفرُّق المعتاد على الأكلة الواحدة؛ ولو طال زمن الأكل، وإن قطع ثمَّ عاد بعد طول الفصل؛ حنث، ذكره القاضي في «خلافه» في القطع في السَّرقة.
وقياسه: لو حلف لا وطئها إلَّا مرَّة واحدة، فإنَّ الوطء في العرف عبارة عن الوطء التَّام المستدام إلى الإنزال، ولا يبعد أن يقال مثل ذلك فيمن رتَّب حكماً على مطلق الوطء.
وفي «الترغيب»: أنَّه ظاهر كلام أصحابنا فيما إذا قال: إن وطئتك فوالله لا وطئتك.
ولكنَّ المنصوص الحنث بالتقاء الختانين.
وقد ذكر القاضي وجهاً: أنَّه لا حدَّ على من أكمل الوطء المعلَّق عليه الطَّلاق الثَّلاث بإتمامه إلى الإنزال.
ومنها: لو أخرج السَّارق من الحرز بعض النِّصاب، ثمَّ دخل وأخرج باقيه، وكلٌّ منهما بانفراده لا يبلغ نصاباً، فإن لم يطل الفصل بينهما؛ قطع.
وإن طال؛ ففيه وجهان ذكرهما القاضي في «خلافه «، وصاحب «المحرَّر»، وعمُّه في «التَّرغيب»، وقال: (اختار بعض شيوخي أنَّه لا قطع مع طول الفصل).
ومنها: إذا ترك المرتضع الثَّدي بغير اختياره، ثمَّ عاد إليه قبل طول الفصل؛ فهي رضعة واحدة عند ابن حامد.
وكذا ذكر الآمدي: أنَّه لو قطع باختياره لتنفُّس أو إعياء يلحقه ثمَّ
стр. 843
عاد ولم يطل الفصل؛ فهي رضعة واحدة، قال: (ولو انتقل من ثدي إلى آخر ولم يطل الفصل؛ فإن كان من امرأة واحدة؛ فهي رضعة واحدة، وإن كان من امرأتين؛ فوجهان).
وحكى أبو الخطاب عن ابن حامد نحو (١) ذلك في جميع الصُّور، إلَّا في صورة المرأتين، وذكر أيضاً أنَّه ظاهر كلام الخرقي، وحكى عن أبي بكر أنَّها تكون رضعتين في جميع ذلك، وأنَّه ظاهر كلام أحمد.
стр. 844
قاعدة [١٠٤]
الرِّضا بالمجهول قدراً، أو جنساً، أو وصفاً؛ هل هو رضًا معتبرٌ لازم ؟
إن كان الملتزَم عقداً أو فسخاً يصحُّ إبهامه بالنِّسبة إلى أنواعه، أو إلى (١) أعيان من يرد عليه؛ صحَّ الرِّضا به، ولزم بغير خلاف.
وإن كان غير ذلك؛ ففيه خلاف.
فالأوَّل له صور:
منها: أن يُحرِم بمثل ما أحرم به فلان، أو بأحد الأنساك؛ فيصحُّ.
ومنها: طلَّق إحدى زوجاته؛ فيصحُّ، وتُعَيَّن بالقرعة على المذهب.
ومنها: أعتق أحد عبيده؛ فيصحُّ، ويُعيَّن بالقرعة أيضاً على الصَّحيح.
وأمَّا الثَّاني؛ فله صور:
منها: إذا طلَّق بلفظ أعجمي من لا يفهم معناه، والتزم مُوجَبَه عند أهله؛ ففي لزوم الطَّلاق له وجهان.
والمنصوص في رواية أبي الحارث: أنَّه لا يلزمه الطَّلاق، وهو قول القاضي وابن عقيل والأكثرين.
стр. 845
ومنها: إذا طلَّق العجمي بلفظ الطَّلاق، ولم يفهم معناه، ولكنه التزم مُوجَبَه عند العرب، وفيه الخلاف.
ومنها: إذا أعتق العجمي أو العربي بغير لغته، ولم يفهم معناه، وفيه الخلاف.
ونصَّ أحمد في رواية عبد الله: أنَّه لا يلزمه العتق (١).
ومنها: إذا قال لامرأته: أنت طالق مثل ما طلَّق فلان زوجته، ولم يعلم عدده؛ فهل يلزمه مثل طلاق فلان بكلِّ حال، أو لا يلزمه أكثر من واحدة؟ فيه وجهان.
ومنها: إذا قال: أيمان البيعة تلزمني لأفعلنَّ كذا، ولم يعلم ما هي، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تنعقد يمينه بالكليَّة.
والثَّاني: تنعقد إذا التزمها ونواها، وبه أفتى أبو القاسم الخرقيُّ فيما حكاه عنه ابن بطَّة.
قال أبو القاسم: (وكان أبي يتوقَّف فيها ولا يجيب بشيء).
والثَّالث: ينعقد فيما عدا اليمين بالله بشرط النِّيَّة؛ بناء على أنَّ اليمين بالله لا تصحُّ بالكناية.
وفيه وجه رابع، وهو ظاهر كلام القاضي في «خلافه»: أنَّه يلزمه موجَبُها، نواها أو لم ينوها، وصرَّح به في بعض «تعاليقه»، وقال: لأنَّ