قاعدة [١٠٣]
الفعل الواحد يُبنى بعضه على بعض مع الاتِّصال المعتاد، ولا ينقطع بالتَّفرُّق اليسير .
ولذلك صور:
منها: مكاثرة الماء القليل النَّجس بالماء الكثير يعتبر له الاتِّصال المعتاد، دون صبِّ القلَّتين دفعة واحدة.
ومنها: الوضوء إذا اعتبرنا له الموالاة؛ لم يقطعه التَّفرُّق اليسير.
وهل الاعتبار فيه بالعرف، أو بجفاف الأعضاء؟ على روايتين.
ومنها: الصَّلاة؛ يجوز البناء عليها إذا سلَّم منها ساهياً مع قرب الفصل، ولا تبطل بذلك.
ومنها: المسافر إذا أقام مدَّة يومين؛ فهو سفر واحد، يبنى بعضه على بعض، وإن زاد لم يبن.
ومنها: إذا ترك العمل في المعدِن التَّركَ المعتاد أو لعذر، ولم يقصد الإهمال، ثم عاد إلى الاستخراج؛ ضمَّ الثَّاني إلى الأوَّل في النِّصاب.
ومنها: الطَّواف إذا تخلَّله صلاة مكتوبة أو جنازة؛ يُبنى عليه؛ سواء قلنا: الموالاة فيه سنَّة أو شرط، على أشهر الطَّريقين للأصحاب.
ومنها: لو حلف: لا أكلت إلَّا أكلة واحدة في يومي هذا؛ فأكل
стр. 842
متواصلاً؛ لم يحنث، وإن تفرَّق التَّفرُّق المعتاد على الأكلة الواحدة؛ ولو طال زمن الأكل، وإن قطع ثمَّ عاد بعد طول الفصل؛ حنث، ذكره القاضي في «خلافه» في القطع في السَّرقة.
وقياسه: لو حلف لا وطئها إلَّا مرَّة واحدة، فإنَّ الوطء في العرف عبارة عن الوطء التَّام المستدام إلى الإنزال، ولا يبعد أن يقال مثل ذلك فيمن رتَّب حكماً على مطلق الوطء.
وفي «الترغيب»: أنَّه ظاهر كلام أصحابنا فيما إذا قال: إن وطئتك فوالله لا وطئتك.
ولكنَّ المنصوص الحنث بالتقاء الختانين.
وقد ذكر القاضي وجهاً: أنَّه لا حدَّ على من أكمل الوطء المعلَّق عليه الطَّلاق الثَّلاث بإتمامه إلى الإنزال.
ومنها: لو أخرج السَّارق من الحرز بعض النِّصاب، ثمَّ دخل وأخرج باقيه، وكلٌّ منهما بانفراده لا يبلغ نصاباً، فإن لم يطل الفصل بينهما؛ قطع.
وإن طال؛ ففيه وجهان ذكرهما القاضي في «خلافه «، وصاحب «المحرَّر»، وعمُّه في «التَّرغيب»، وقال: (اختار بعض شيوخي أنَّه لا قطع مع طول الفصل).
ومنها: إذا ترك المرتضع الثَّدي بغير اختياره، ثمَّ عاد إليه قبل طول الفصل؛ فهي رضعة واحدة عند ابن حامد.
وكذا ذكر الآمدي: أنَّه لو قطع باختياره لتنفُّس أو إعياء يلحقه ثمَّ
стр. 843
عاد ولم يطل الفصل؛ فهي رضعة واحدة، قال: (ولو انتقل من ثدي إلى آخر ولم يطل الفصل؛ فإن كان من امرأة واحدة؛ فهي رضعة واحدة، وإن كان من امرأتين؛ فوجهان).
وحكى أبو الخطاب عن ابن حامد نحو (١) ذلك في جميع الصُّور، إلَّا في صورة المرأتين، وذكر أيضاً أنَّه ظاهر كلام الخرقي، وحكى عن أبي بكر أنَّها تكون رضعتين في جميع ذلك، وأنَّه ظاهر كلام أحمد.
стр. 844
قاعدة [١٠٤]
الرِّضا بالمجهول قدراً، أو جنساً، أو وصفاً؛ هل هو رضًا معتبرٌ لازم ؟
إن كان الملتزَم عقداً أو فسخاً يصحُّ إبهامه بالنِّسبة إلى أنواعه، أو إلى (١) أعيان من يرد عليه؛ صحَّ الرِّضا به، ولزم بغير خلاف.
وإن كان غير ذلك؛ ففيه خلاف.
فالأوَّل له صور:
منها: أن يُحرِم بمثل ما أحرم به فلان، أو بأحد الأنساك؛ فيصحُّ.
ومنها: طلَّق إحدى زوجاته؛ فيصحُّ، وتُعَيَّن بالقرعة على المذهب.
ومنها: أعتق أحد عبيده؛ فيصحُّ، ويُعيَّن بالقرعة أيضاً على الصَّحيح.
وأمَّا الثَّاني؛ فله صور:
منها: إذا طلَّق بلفظ أعجمي من لا يفهم معناه، والتزم مُوجَبَه عند أهله؛ ففي لزوم الطَّلاق له وجهان.
والمنصوص في رواية أبي الحارث: أنَّه لا يلزمه الطَّلاق، وهو قول القاضي وابن عقيل والأكثرين.
стр. 845
ومنها: إذا طلَّق العجمي بلفظ الطَّلاق، ولم يفهم معناه، ولكنه التزم مُوجَبَه عند العرب، وفيه الخلاف.
ومنها: إذا أعتق العجمي أو العربي بغير لغته، ولم يفهم معناه، وفيه الخلاف.
ونصَّ أحمد في رواية عبد الله: أنَّه لا يلزمه العتق (١).
ومنها: إذا قال لامرأته: أنت طالق مثل ما طلَّق فلان زوجته، ولم يعلم عدده؛ فهل يلزمه مثل طلاق فلان بكلِّ حال، أو لا يلزمه أكثر من واحدة؟ فيه وجهان.
ومنها: إذا قال: أيمان البيعة تلزمني لأفعلنَّ كذا، ولم يعلم ما هي، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تنعقد يمينه بالكليَّة.
والثَّاني: تنعقد إذا التزمها ونواها، وبه أفتى أبو القاسم الخرقيُّ فيما حكاه عنه ابن بطَّة.
قال أبو القاسم: (وكان أبي يتوقَّف فيها ولا يجيب بشيء).
والثَّالث: ينعقد فيما عدا اليمين بالله بشرط النِّيَّة؛ بناء على أنَّ اليمين بالله لا تصحُّ بالكناية.
وفيه وجه رابع، وهو ظاهر كلام القاضي في «خلافه»: أنَّه يلزمه موجَبُها، نواها أو لم ينوها، وصرَّح به في بعض «تعاليقه»، وقال: لأنَّ
стр. 846
مِن (١) أصلنا وقوعَ الطَّلاق والعتاق بالكتابة (٢) بالخطِّ وإن لم ينوه.
ومنها: لو قال: أيمان المسلمين تلزمني؛ ففي «الخلاف» للقاضي: يلزمه اليمين بالله والطَّلاق والعتاق والظِّهار والنَّذر، نوى ذلك أو لم ينوه، وهو مفرَّع على قوله في أيمان البيعة.
قال الشَّيخ مجد الدِّين: (وذِكْرُه اليمين بالله والنَّذر مبني على قولنا بعدم تداخل كفَّارتهما، فأمَّا على قولنا بالتَّداخل؛ فيجزئه لهما كفَّارة يمين).
وقياس المشهور عن أصحابنا في يمين البيعة: أنَّه لا يلزمه شيء حتَّى ينويه بالكلية (٣) ويلتزمه، أو لا يلزمه شيء بالكليَّة حتَّى يعلمه، أو يفرَّق بين اليمين بالله وغيرها، مع أنَّ صاحب «المحرَّر» لم يحك خلافاً في اللُّزوم ههنا، وإن لم ينوها؛ لأنَّ أيمان المسلمين معروفة بينهم، لا سيَّما اليمين بالله وبالطَّلاق والعتاق، بخلاف أيمان البيعة.
ومنها: البراءة من المجهول:
وأشهر الرِّوايات: صحَّتها مطلقاً، سواء جهل المبرِئ قدره أو وصفه، أو جهلهما معاً، وسواء عرفه المبرَأ أو لم يعرفه.
والثَّانية: لا يصحُّ إذا عرفه المبرَأ، سواء علم (٤) المبرِئ بمعرفته أو لم يعلم.
стр. 847
وفيه تخريج آخر (١): أنَّه إن علم بمعرفته به (٢)؛ صحَّ، وإن ظنَّ جهله به؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه غارٌّ له.
والثَّالثة: لا تصحُّ البراءة من المجهول وإن جهلاه، إلَّا فيما تعذَّر علمه للضَّرورة.
وكذلك البراءة من الحقوق في الأعراض والمظالم.
ومنها: البراءة من (٣) عيوب المبيع إذا لم يُعيَّن منها شيء، وفيه روايتان:
أشهرهما: أنَّه لا يبرأ.
والثَّانية: يبرأ إلَّا من عيب علمه، فكتمه؛ لتغريره وغشِّه.
وخرَّج أبو الخطَّاب وجهاً آخر بالصِّحَّة مطلقاً، من البراءة من المجهول.
ومنها: إجازة الوصيَّة المجهولة، وفي صحَّتها وجهان.
стр. 848
قاعدة [١٠٥]
في إضافة الإنشاءات والإخبارات إلى المبهمات .
أمَّا الإنشاءات؛ فمنها العقود، وهي أنواع:
أحدها: عقود التَّمليكات المحضة؛ كالبيع، والصُّلح بمعناه، وعقود التَّوثُّقات؛ كالرَّهن والكفالة، والتَّبرُّعات اللَّازمة بالعقد أو بالقبض بعده؛ كالهبة والصَّدقة.
فلا تصحُّ (١) في مبهم من أعيان متفاوتة؛ كعبد من عبيد، وشاة من قطيع، وكفالة أحد هذين الرجلين، وضمان أحد هذين الدَّينين، وفي الكفالة احتمال؛ لأنَّه تبرُّع؛ فهو كالإباحة والإعارة.
وتصحُّ في مبهم من أعيان متساوية مختلطة؛ كقفيز من صبرة، ورطل من زبرة.
فإن كانت (٢) متميِّزة متفرِّقة؛ ففيه احتمالان ذكرهما في «التلخيص»، وظاهر كلام القاضي الصِّحَّة؛ فإنَّه ذكر في «الخلاف» أنَّه يصحُّ إجارة
стр. 849
عين من أعيان متقاربة النَّفع (١)؛ لأنَّ المنافع لا تتفاوت كالأعيان.
وإن كانت مختلفة من جنس واحد؛ كصبرةٍ مختلفةِ الأجزاء؛ فوجهان:
أحدهما: البطلان؛ كالأعيان المتميِّزة.
والثَّاني: الصِّحَّة، وله من كلِّ نوع بحصَّته.
والثَّاني: عقود معاوضات غير متمحِّضة؛ كالصَّداق، وعوض الخلع، والصُّلح عن دم العمد؛ ففي صحَّتها على مبهم من أعيان مختلفة وجهان، أصحُّهما: الصِّحَّة.
وفي الكتابة طريقان:
أحدهما: أنَّها كذلك، وهي طريقة القاضي.
والثَّاني: لا يصحُّ وجهاً واحداً؛ لأنَّ عوضها مال محض.
والثَّالث: عقد تبرُّعٍ معلَّقٌ بالموت؛ فيصحُّ في المبهم بغير خلاف؛ لما دخله من التَّوسُّع؛ كعبد من عبيده وشاة من قطيعه.
وهل تُعيَّن بتعيين الورثة أو بالقرعة؟ على روايتين.
ومثله: عقود الإباحات؛ كإعارة أحد هذين الثَّوبين، وإباحة أحد هذين الرَّغيفين.
وكذلك عقود المشاركات والأمانات المحضة، مثل أن يقول: ضارب بإحدى هاتين المائتين - وهما في كيسين- ودع الأخرى عندك
стр. 850
وديعة، أو ضارب من هذه المائة بخمسين؛ فإنَّه يصحُّ؛ للتَّماثل، ذكره صاحب «التَّلخيص».
وأمَّا (١) إن كان الإبهام في المتملِّك (٢):
فإن كان على وجه يؤول إلى العلم؛ كقوله: أعطوا أحد هذين كذا؛ صحَّت الوصيَّة، كما لو قال في الجعالة: من ردَّ عبدي فله كذا.
وإن كان على وجه لا يؤول إلى العلم؛ كالوصيَّة لأحد هذين؛ ففيه روايتان، وعلى الصِّحَّة يُميَّز بالقرعة.
ومنها الفسوخ؛ فما وضع منها على التَّغليب والسِّراية؛ صحَّ في المبهم؛ كالطَّلاق والعتاق.
وخرَّج صاحب «التَّلخيص» وجهاً في الوقف: أنَّه كالعتق؛ لما فيه من التَّحرير.
والمذهب خلافه؛ لأنَّ الوقف عقد تمليك؛ فهو بالهبة أشبه.
وأمَّا الإخبارات:
فما كان منها خبراً دينيًّا، أو كان يجب به حقٌّ على المخبِر؛ قُبل في المبهم.
وإن تعلَّق به وجوب حقٍّ له على غيره؛ لم يقبل إلَّا فيما يظهر فيه عذر الاشتباه؛ ففيه خلاف.
وإن تعلَّق به وجوب الحقِّ على غيره لغيره؛ فحكمه حكم إخبار من
стр. 851
وجب عليه الحقُّ.
ويتخرَّج على ذلك مسائل:
منها: لو أخبره أن كلباً ولغ في أحد هذين الإنائين لا بعينه؛ قُبِل، وصار كمن اشتبه عليه طاهر بنجس.
وكذلك لو أخبره بنجاسة أحد الثَّوبين، أو أنَّ أحد هذين اللَّحمين ميتة والآخر مذكَّاة، ونحو ذلك.
ومنها: الإقرار؛ فيصحُّ بالمبهم، ويلزم بتعيينه، مثل أن يقول: أحد هذين ملك لفلان، أو له عندي درهم أو دينار (١).
ويصحُّ للمبهم؛ كما لو أقرَّ أنَّه أعتق أحد هذين العبدين، أو أعتقه موروثه.
وكذلك إذا أقرَّ أنَّه زوَّج إحدى بناته من رجل ولم يسمِّها، ثمَّ مات؛ فإنَّها تُميَّز بالقرعة على المنصوص.
وكذا لو أقرَّ أنَّ هذه العين الَّتي في يده لأحد هذين وديعة ولا أعلمه عيناً؛ فإنَّهما يقترعان عليها، نصَّ عليه.
وكذا لو أقرَّ أنَّه باع هذه العين من أحد هذين، وهما يدَّعيانها؛ فإنَّهما يقترعان عليها، ولو كانت في يد أحدهما، نصَّ عليه في رواية ابن منصور في رجلين ادَّعى كلٌّ منهما أنَّه اشترى من رجل ثوباً، وقال أحدهما: اشتريته بمائة، وقال الآخر: بمائتين، وأقرَّ البائع أنَّه باعه بمائتين ولم يعيِّن؛ فإنَّه يقرع بينهما وإن أقاما بينتين وكان الثَّوب في يد
стр. 852
أحدهما (١)، وهو اختيار أبي بكر، ولا اعتبار بهذه اليد للعلم بمستندها.
وعنه رواية أخرى ثانية: أنَّها يد معتبرة؛ فتكون العين لصاحبها.
ومع تعارض البيِّنتين يخرج على الخلاف في بيِّنة الدَّاخل والخارج.
ومنها: الدَّعوى بالمبهم؛ فإن كانت بما (٢) يصحُّ وقوع العقد عليه مبهماً؛ كالوصيَّة والعبد المطلق في المهر ونحوه؛ فإنَّها تصحُّ.
وقال (٣) في «التَّرغيب»: وألحق أصحابنا الإقرار بذلك، قال: والصَّحيح عندي أنَّ دعوى الإقرار بالمعلوم لا تصحُّ (٤)؛ لأنَّه ليس بالحقِّ ولا مُوجَبِه؛ فكيف بالمجهول؟!
وأمَّا الدَّعوى على المبهم؛ فلا تصحُّ، ولا تسمع، ولا يثبت بها قسامة ولا غيرها، فلو قال: قَتَل أبي أحدُ هؤلاء الخمسة؛ لم يسمع.
قال في «التَّرغيب»: ويحتمل أن تُسمع للحاجة؛ فإنَّ مثله يقع كثيراً،
стр. 853
ويحلف كلُّ واحد منهم، قال: وكذلك يجري في دعوى الغصب والإتلاف والسَّرقة، ولا يجري في الإقرار والبيع إذا قال: نسيت؛ لأنَّه مقصِّر.
ومنها: الشَّهادة بالمبهم؛ فإن كان المشهود به يصحُّ مبهماً؛ صحَّت الشَّهادة به؛ كالعتق والطَّلاق والإقرار والوصيَّة، وإلَّا لم يصحَّ (١)، لا سيَّما الشَّهادة الَّتي لا تصحُّ بدون دعوى؛ فإنَّها تابعة للدَّعوى في الحكم.
أمَّا إن شهدت البيِّنة أنَّه أعتق، أو طلَّق، أو أبطل وصيَّة معيَّنة، وادَّعت نسيان عينها؛ ففي القبول وجهان، حكاهما في «المحرَّر».
وجزم ابن أبي موسى بقبول الشَّهادة بالرُّجوع عن إحدى الوصيَّتين مطلقاً.
وكذلك حُكي عن أبي بكر.
ونقل ابن منصور عن أحمد في شاهدين شهدا على رجل أنَّه أخذ من يتيم ألفاً، وشهد آخران على آخر أنَّه هو الَّذي أخذها: يأخذ الوليُّ بأيِّهما شاء.
ولعلَّ المراد: أنَّه إذا صدَّق إحدى البيِّنتين؛ حكم له بها.
стр. 854
فصل
ولو تعلَّق الإنشاء باسم لا يتميَّز به مسمَّاه لوقوع الشَّركة فيه:
فإن لم ينو به في الباطن معيَّناً؛ فهو كالتَّصريح بالإبهام.
وإن نوى به معيَّناً؛ فإن كان العقد ممَّا لا يشترط له الشَّهادة؛ صحَّ، وإلَّا ففيه خلاف.
والإخبار تابع للإنشاء في ذلك.
ويتخرَّج على ذلك مسائل:
منها: ورود عقد النِّكاح على اسم لا يتميَّز مسمَّاه؛ لا يصحُّ، فلو قال: زوَّجتك بنتي وله بنات؛ لم يصحَّ (١).
وأمَّا إن عيَّنا في الباطن واحدة، وعقدا العقد عليها باسم غير مميِّز، نحو أن يقول: بنتي، وله بنات، أو يسمِّيها باسم، وينويا في الباطن غير مسمَّاه (٢)؛ ففي الصِّحة وجهان:
اختار القاضي: الصِّحَّة في موضع (٣).
стр. 855
وأبو الخطَّاب، والقاضي في موضع آخر (١): البطلان.
ومأخذه: أنَّ النِّكاح يشترط له الشَّهادة، ويتعذَّر الإشهاد على النِّيَّة.
وعن أبي حفص العكبريِّ: إن كانت المسمَّاة غلطاً لا يحلُّ نكاحها؛ لكونها مزوَّجة، أو غير ذلك (٢)؛ صحَّ النِّكاح، وإلَّا فلا.
ولو وقع مثل هذا في غير النِّكاح ممَّا لا يشترط له الشَّهادة؛ فإن قلنا في النِّكاح: يصحُّ؛ ففي غيره أولى، وإن قلنا في النِّكاح: لا يصحُّ؛ فمقتضى تعليل من علَّل باشتراط الشَّهادة أن يصحَّ في غيره ممَّا لا يعتبر الإشهاد عليه لصحَّته.
ومنها: الوصيَّة لجاره محمَّد، وله جاران بهذا الاسم؛ وله حالتان:
إحداهما: أن يعلم بقرينة أو غيرها أنَّه أراد واحداً منهما معيَّناً، وأشكل علينا معرفته؛ فههنا تصحُّ الوصيَّة بغير تردُّد، ويخرج المستحِقُّ منهما بالقرعة على قياس المذهب في اشتباه المستحقِّ للمال بغيره من الزَّوجة المطلَّقة والسِّلعة المبيعة وغيرهما.
والحالة الثَّانية: أن يُطْلِق، وقد يذهل عن تعيين أحدهما بعينه؛ فهو كالوصيَّة لأحدهما مبهماً، ولذلك حكى الأصحاب في الصِّحَّة روايتين.
ولكنَّ المنصوص عن أحمد الصِّحَّة، قال صالح: سألت أبي عن رجل مات وله ثلاثة غلمان، ثلاثتهم اسمهم فرج، فأوصى عند موته،
стр. 856
فقال: فرج حرٌّ، وفرج له مائة، وفرج ليس له شيء. فقال (١): يقرع بينهم، فمن أصابته القرعة؛ فهو حرٌّ، وأمَّا صاحب المائة؛ فلا شيء له، وذلك أنَّه عبد، والعبد هو وماله لسيِّده.
وهذا يدلُّ على صحَّة الوصيَّة مع اشتراك الاسم؛ لأنَّه إنَّما علَّل البطلان ههنا بكونه عبداً؛ فدلَّ على أنَّه لو كان حرًّا لاستحقَّ.
وزعم صاحب «المغني» أنَّ رواية صالح تدلُّ على بطلان الوصيَّة، وخالفه صاحب «المحرَّر».
ونقل حنبل: قال أبو عبد الله في رجل له غلامان اسمهما واحد، فأوصى عند موته، فقال: فلان حرٌّ بعد موتي، لأحد الغلامين، وله مائتا درهم، وفلان ليس هو حرٌّ، واسمهما واحد؛ قال: يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة؛ فهو حرٌّ، وأمَّا صاحب المائتين؛ فليس له شيء، وذلك أنَّه عبد، والعبد وماله لسيِّده (٢).
وهذه تدلُّ على مثل ما دلَّت عليه رواية صالح، لكنَّ السُّؤال يقتضي أن الموصى له بالمائتين هو العتيق، والجواب يدلُّ على خلافه.
ومن ثمَّ زعم صاحب «المحرَّر» (٣) أنَّها تدلُّ على بطلان الوصيَّة
стр. 857
للإبهام. وليس كذلك؛ لأنَّه إنَّما علَّل بكونه عبداً لم يعتق.
وتأوَّلها القاضي وابن عقيل على أنَّ الوصيَّة لم تصحَّ؛ لكونه عبداً حال الإيصاء، ولا تكفي حريَّته حال الاستحقاق، وعلى هذا فلا تصحُّ الوصيَّة لأمِّ الولد والمدبَّر.
وهو ضعيف جدًّا، وجواب أحمد إنَّما يتنزَّل على أنَّ الموصى له بالدَّراهم غير المعتَق.
ونقل يعقوب بن بختان: أنَّ أبا عبد الله سئل عن رجل له ثلاثة غلمان، اسم كلِّ واحد منهم فرج؛ فقال: فرج حرٌّ، ولفرج مائة درهم، فقال: يقرع بينهم، فمن خرج سهمه؛ فهو حرٌّ، والَّذي أوصى له بالمائة لا شيء له؛ لأنَّ هذا ميراث.
وهذه الرِّواية من جنس ما قبلها، حيث عَلَّل فيها بطلان الوصيَّة بكون العبد الموصى له ميراثاً للورثة.
فهذه الرِّوايات الثلاثة (١) الَّتي ساقها الخلَّال في «الجامع»، وكلُّها دالَّة على الصِّحَّة، وهو قول القاضي.
وساقها أبو بكر في «الشَّافي» على أنَّ الموصى له بالدَّراهم هو المعتق، وأنَّ أحمد صحَّح الوصيَّة له في رواية صالح، وأبطلها في رواية حنبل، قال أبو بكر: وبالصِّحَّة أقول.
وفي «الخلَّال» أيضاً عن مهنَّى: أنَّ أحمد قال في رجلين شهدا على رجل أنَّه أوصى عند موته، فقال: لفلان بن فلان من أصحاب فلان
стр. 858
ألف درهم، أو أحاله بها والشُّهود لا يعرفون فلان بن فلان، كيف يصنعون وقد مات الرجل؟ فقال: ينظرون في أصحاب فلان فيهم فلان بن فلان من أصحاب فلان، قلت: فإن جاء رجلان، فقال كلُّ واحد منهما: أنا فلان بن فلان من أصحاب فلان؛ قال: فلا يدفع إليهم شيء، حتَّى يكون رجل واحد.
والظَّاهر أنَّ أحمد لم يتوقَّف في الدَّفع إلَّا ليتيقن المستحقَّ من غيره، لا لصحَّة الوصيَّة؛ فإنهَّا ههنا لمعيَّن في نفس الأمر، وإنمَّا اشتبه علينا لاشتراك الاسمين؛ فلذلك وقف الدَّفع على معرفة عين المستحقِّ إذا رُجي انكشافُ الحال، وأمَّا مع الإياس من ذلك؛ فيتعيَّن تعيين المستحقِّ بالقرعة، قاله بعض أصحابنا المتقدِّمين، وهو الحقُّ.
ومنها: اشتباه المدَّعى عليه إذا كتب القاضي إلى قاضٍ ببلد آخر: إنَّ لفلان على فلان بن فلان المسمَّى الموصوف كذا، فأحضره المكتوب إليه بالصِّفة والنَّسب، فادَّعى أنَّ له مشاركاً في ذلك، ولم يثبت؛ حَكَم عليه.
وإن ثبت له مشارك في الاسم والنَّسب والصِّفة؛ وقف حتَّى يُعلم الخصم منهما، ولم يجز القضاء مع عدم العلم.
أمَّا لو كان المدَّعى المكتوب فيه حيوانًا أو عبداً موصوفاً، ولم يثبت له مشارك؛ ففيه وجهان:
أشهرهما: أنَّه يسلَّم إلى المدَّعي مختوم العنق، ويؤخذ منه كفيل حتَّى يأتي القاضي الكاتب فيشهد الشُّهود على عينه، ويقضى له به،
стр. 859
ومتَّى لم يشهدوا على عينه؛ وجب ردُّه إلى الحاكم الَّذي سلَّمه، ويكون في ضمان الَّذي أخذه؛ لأنَّه أخذه بغير استحقاق.
والوجه الثَّاني: لا يسلَّم إلَّا بالشَّهادة على عينه.
والفرق بينها وبين الَّتي قبلها: أنَّ الحرَّ قد طابق قول المدَّعى اسمه ونسبه وصفته، فيبعد الاشتراك في ذلك، والعبد والحيوان إنَّما حصل الاتِّفاق في وصفه أو في وصفه واسمه، والوصف كثير الاشتباه وكذلك الاسم.
ونظير هذا ما ذكروه في شهادة الأعمى أنَّه إن عرف المشهود عليه باسمه ونسبه؛ قبلت شهادته، وإن عرفه برؤية قَبْل عمَاه فوصفه؛ ففي قبولها وجهان؛ لأنَّ الوصف المجرَّد يحصل فيه الاشتراك.
ومنها: لو كان له ابنتان اسمهما واحد، فوهب لإحداهما شيئاً، أو أقرَّ لها، ثمَّ مات ولم يبيِّن، فقال القاضي في بعض تعاليقه: قياس المذهب: إخراج المستحقَّة منهما بالقرعة؛ كما لو أقرَّ أنَّه زوَّج إحدى بناته، ثمَّ مات ولم يبيِّن.
وهذا صحيح؛ لأنَّ الهبة والإقرار هنا وقع لمعيَّن في الباطن، وإنمَّا أشكل علينا الوقوف عليه، فيميَّز بالقرعة.
ومنها: لو وجد في كتاب وقف: أنَّ فلانًا (١) وقف على فلان وبني بنيه، واشتبه؛ هل المراد ببني (٢) بنيه: جمع ابن، أو بني بنته؛ واحدة البنات؟
стр. 860
قال ابن عقيل في «فنونه»: يكون بينهما عندنا؛ لتساويهما؛ كما في تعارض البيِّنات.
وقال (١) الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ليس هذا من تعارض البيِّنات، بل هو بمنزلة تردُّد البيِّنة الواحدة، ولو كان من تعارض البيِّنات؛ فالقسمة عند التَّعارض رواية مرجوحة، وإلَّا فالصَّحيح: إمَّا التَّساقط وإمَّا القرعة، فيحتمل أن يقرع ههنا؛ لأنَّ الحقَّ ثبت لإحدى الجهتين، ولم تعلم عينها، ويحتمل أن يرجَّح بنو البنين؛ لأنَّ العادة أنَّ الإنسان إذا وقف على ولد بنته لا يخصُّ بنيها الذُّكور، بل يعمُّ أولادها، بخلاف الوقف على ولد الذُّكور فإنَّه يخصُّ ذكورهم كثيراً كآبائهم، ولأنَّه لو أراد ولد البنت لسمَّاها باسمها أو لشرَّك بين ولدها وولد سائر بناته، قال: وهذا أقرب إلى الصَّواب.
وأفتى فيمن وقف على أحد أولاده، وله عدَّة أولاد، وجهل اسمه: أنَّه يميَّز بالقرعة.
стр. 861
قاعدة [١٠٦]
ينزَّل المجهول منزلة المعدوم، وإن كان الأصل بقاءه ، إذا يئس من الوقوف عليه أو شقَّ اعتباره.
وذلك في مسائل:
منها: الزَّائد على ما تجلسه المستحاضة من أقلِّ الحيض أو غالبه إلى منتهى أكثره حكمه حكم المعدوم، حيث حكمنا فيها للمرأة بأحكام الطَّاهرات كلِّها، فإنَّ مدَّة الاستحاضة تطول، ولا غاية لها تنتظر، بخلاف الزَّائد على الأقلِّ في حقِّ المبتدأة على ظاهر المذهب، حيث تقضي الصَّوم الواقع فيه قبل ثبوت العادة بالتَّكرار؛ لأنَّ أمره ينكشف بالتَّكرار عن قرب.
وكذلك النِّفاس المشكوك فيه؛ تقضي فيه الصَّوم؛ لأنَّه لا يتكرر.
ومنها: اللُّقطة بعد الحول؛ فإنَّها تتملَّك (١) لجهالة ربِّها، وما لا يتملَّك منها (٢) يتصدَّق به عنه على الصَّحيح (٣).
стр. 862
وكذلك الودائع والغصوب ونحوها.
ومنها: امرأة المفقود لغيبة ظاهرها الهلاك فيما بعد أربع سنين تباح للأزواج، وكذلك يقسم ماله بين الورثة؛ كالميِّت.
لكن هل يثبت له أحكام المعدوم من حين فقده، أو لا يثبت إلَّا من حين إباحة أزواجه وقسمة ماله؟ على وجهين.
ينبني عليهما: لو مات له في مدَّة انتظاره من يرثه؛ فهل يحكم بتوريثه منه أم لا؟
ونصَّ أحمد على أنَّه يزكَّى ماله بعد مدَّة انتظاره، معلِّلا بأنَّه مات وعليه زكاة، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يحكم له (١) بأحكام الموتى إلَّا بعد المدَّة، وهو الأظهر.
ومنها: مال من لا يعلم له وارث؛ فإنَّه يوضع في بيت المال؛ كالضَّائع، مع أنَّه لا يخلو من بني عمٍّ أعلى؛ إذ النَّاس كلُّهم بنو آدم، فمن كان أسبق إلى الاجتماع مع الميِّت في أب من آبائه؛ فهو عصبته، ولكنَّه مجهول فلم يثبت له حكم، وجاز صرف ماله في المصالح.
стр. 863
وكذلك لو كان له مولىً معتِق؛ لورثه في هذه الحال، ولم يلتفت إلى هذا المجهول.
ولنا رواية أخرى: أنَّه ينتقل إلى بيت المال إرثاً لهذا المعنى، فإن أريد أنَّ اشتباه الوارث بغيره يوجب الحكم بالإرث للكلِّ؛ فهو مخالف لقواعد المذهب، وإن أريد أنَّه إرث في الباطن لمعيَّن؛ فيحفظ ميراثه في بيت المال، ثمَّ يصرف في المصالح للجهل بمستحقِّه عيناً، فهو والأوَّل بمعنًى واحد.
وينبني على ذلك مسألة اقتصاص الإمام ممن قتل من لا وارث له، وفي المسألة وجهان:
منهم من بناهما على أنَّ بيت المال هل هو وارث أو لا؟
ومنهم من قال: لا ينبني على ذلك، ثمَّ لهم طريقان:
أحدهما: أنَّه لا يقتصُّ ولو قلنا بأنَّه وارث؛ لأنَّ في المسلمين الصَّبيَّ والمجنون والغائب، وهي طريقة أبي الخطاب.
والثَّاني: يجوز الاقتصاص وإن قلنا: ليس بوارث؛ لأنَّ ولاية الإمام ونظره في المصالح قائم مقام الوارث، وهو مأخذ ابن الزَّاغوني.
ومنها: إذا اشتبهت أخته بنساء أهل مصر؛ جاز له الإقدام على النِّكاح من نسائه، ولا يحتاج إلى التَّحرِّي في ذلك على أصحِّ الوجهين.
وكذلك لو اشتبهت ميتة بلحم أهل مصر أو قرية، أو اشتبه حرام قليل بمباح كثير ونحو ذلك (١)؛ إلَّا أن يكثر الحرام ويغلب؛ فتخرج
стр. 864
المسألة على تعارض الأصل والظَّاهر؛ كثياب الكفَّار وأوانيهم.
ومنها: طين الشَّوارع محكوم بطهارته على الصَّحيح المنصوص.
ومنها: إذا طلَّق واحدة من نسائه وأنسيها؛ فإنَّها تميَّز بالقرعة، ويحلُّ له وطء البواقي على المذهب الصَّحيح المشهور.
وكذلك لو أعتق واحدة من إمائه.
ومنها: إذا أحرم بنسك وأنسيه، ثمَّ عيَّنه بقران؛ فإنه يجزئه عن الحجِّ.
وهل يجزئه عن العمرة؟ على وجهين:
أشهرهما عند المتأخِّرين: لا يجزئه؛ لجواز أن يكون أحرم بحجٍّ أوَّلاً ثمَّ أدخل عليه العمرة بنيَّة القران؛ فلا تصحُّ عمرته.
والثَّاني: يجزئه؛ لأنَّه إنَّما يمنع من إدخال العمرة على الحجِّ مع العلم، فأمَّا مع عدمه؛ فلا؛ تنزيلاً للمجهول كالمعدوم؛ فكأنَّه ابتدأ الإحرام بهما من حين التعيين.
стр. 865
قاعدة [١٠٧]
تمليك المعدوم والإباحة له نوعان:
أحدهما: أن يكون بطريق الأصالة؛ فالمشهور: أنَّه لا يصحُّ.
والثَّاني: أن يكون بطريق التَّبعية؛ فيصحُّ في الوقف والإجازة.
وهذا إذا صرَّح بدخول المعدوم، فأمَّا إن لم يصرِّح، وكان المحلُّ لا يستلزم المعدوم؛ ففي دخوله خلاف.
وكذا لو انتقل الوقف إلى قوم فحَدَث من يشاركهم.
ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل:
منها: الإجازة لفلان ولمن يولد له، فإنَّه يصحُّ، وفعل ذلك أبو بكر بن أبي داود، وهو من أعيان أصحابنا (١)، أجاز لشخص ولولده ولحبل الحبلة.
ومنها: الإجازة لمن يولد لفلان ابتداء، فأفتى القاضي فيها بالصِّحَّة، نقله عنه أبو بكر الخطيب.
стр. 866
وقياس قوله في الوقف: عدم الصِّحَّة.
ومنها: الوقف على من يولد له (١)؛ فصرَّح القاضي في «خلافه» بأنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّه وقف على من لا يملك في الحال، واقتصر عليه؛ فلم يصحَّ؛ كالوقف على العبد.
وقال أحمد في رواية صالح: الوقف يكون: أن يوقفه على ولده، أو من يكون من أقاربه، فإذا انقرضوا؛ فهو صدقة على المساكين أو من رأى (٢).
قال الشَّيخ مجدُ الدِّين: (ظاهره يعطي صحَّة الوقف ابتداء على من يولد له، أو يوجد من أقاربه، وهذا عندي وقف معلَّق بشرط) انتهى.
ويمكن أن يحمل على أنَّ مراده من يكون موجوداً من أقاربه، فتكون (كان) ناقصة، وخبرها محذوفاً.
ومنها: لو وقف على ولده وولد ولده أبداً، أو ومن يولد له؛ فيصحُّ
стр. 867
بغير إشكال، نصَّ عليه (١).
ومنها: لو وقف على ولده، وله أولاد موجودون، ثمَّ حدث له ولد آخر؛ ففي دخوله روايتان.
وظاهر كلام أحمد دخوله في المولود قبل تأبير النَّخل، وقد سبق، وهو قول ابن أبي موسى أيضاً، وظاهر كلام القاضي وابن عقيل، وأفتى به ابن الزَّاغونيِّ.
ومنها: لو وقف على ولده، ثمَّ على ولدهم أبداً، على أنَّ من مات عن ولد فنصيبه لولده، ومن مات عن غير ولد؛ فنصيبه لمن في درجته، فكان في درجته عند موته اثنان مثلاً، فتناولا نصيبه، ثمَّ حدث ثالث؛ فهل يشاركهم؟
يُخرَّج فيه وجهان من الَّتي قبلها، والدُّخول هنا أولى، وبه أفتى ابن أبي عمر المقدسيُّ؛ لأنَّ الوقف على الأولاد قد يلحظ فيهم أعيان الموجودين عند الوقف، بخلاف الدَّرجة والطَّبقة؛ فإنَّه لا يلحظ فيه إلَّا مطلق الجهة.
وعلى هذا؛ لو حدث من هو أعلى من الموجودين، وكان في الوقف استحقاق الأعلى فالأعلى؛ فإنَّه ينتزعه (٢) منهم.
فأمَّا حكم الوصيَّة؛ فإنَّها لا تصحُّ لمعدوم بالأصالة؛ كمن تحمل هذه الجارية، صرَّح به القاضي وابن عقيل.
وفي دخول المتجدِّد بعد الوصيَّة وقبل موت الموصي روايتان.
стр. 868
وذكر القاضي أيضاً فيمن وصَّى لمواليه، وله مدبَّرون وأمَّهات أولاد؛ أنَّهم يدخلون، وعلَّل بأنَّهم مَوالٍ حال الموت، والوصيَّة تعتبر بحال الموت.
وخرَّجه الشَّيخ تقيُّ الدِّين على الخلاف في المتجدِّد بين الوصيَّة والموت، قال: بل هذا متجدِّد بعد الموت فمنعه أولى.
وهذا الَّذي قاله متوجِّه (١) إن علَّقنا (٢) الوصيَّة بصدق الاسم، فأمَّا إن كان قصد الموصي الوصيَّة لأعيان رقيقه، فسمَّاهم باسم يحدث لهم؛ فإنَّهم يستحقُّون الوصيَّة بغير توقُّف.
وأفتى (٣) أيضاً بدخول المعدوم في الوصيَّة تبعاً؛ كمن وصَّى بغلَّة ثمره للفقراء إلى أن يحدث لولده ولد فيكون له، وهو قريب من تعليق الوصيَّة بشرط آخر (٤) بعد الموت.
والمنصوص عن أحمد في رواية أحمد بن الحسين بن حسَّان (٥) فيمن أوصى أن يتصدَّق في سكَّة فلان بكذا وكذا، فسكنها قوم بعد موت الموصي، قال: إنَّما كانت الوصيَّة للَّذين كانوا، ثمَّ قال: ما أدري
стр. 869
كيف هذا؟ قيل: فيشبه هذا الكُورة (١)؟ قال: لا، الكُورة وكثرة أهلها خلاف هذا المعنى، ينزل قوم ويخرج قوم، يقسم بينهم.
ففرَّق بين الكُورة والسِّكَّة؛ لأنَّ الكُورة لا يلحظ الموصي فيها قوماً معيَّنين؛ لعدم انحصار أهلها، وإنَّما المراد تفريق الوصيَّة الموصى (٢) بها، فيستحقُّ المتجدِّد فيها، بخلاف السِّكَّة، فإنَّه قد يلحظ أعيان سكَّانها الموجودين لحصرهم.
ويفارق الوقف في ذلك الوصيَّة؛ لأنَّ الوقف تحبيس وتسبيل يتناول المتجدِّد من الطِّباق، فكذا من الطَّبقة الواحدة، بخلاف الوصيَّة فإنَّها تمليك، فيستدعي موجوداً في الحال.
стр. 870
قاعدة [١٠٨]
ما جُهل وقوعه مترتِّباً أو متقارناً؛ هل (١) يحكم عليه بالتَّقارن أو بالتَّعاقب ؟
فيه خلاف، والمذهب: الحكم بالتَّعاقب؛ لبُعْد (٢) التَّقارن.
ويندرج تحت ذلك صور:
منها: المتوارثون إذا ماتوا جملة بهدم أو غرق أو طاعون، وجهل تقارن موتهما وتعاقبه؛ حكمنا بتعاقبه على المذهب المشهور، وورَّثنا كلَّ واحد منهما من الآخر من تلاد ماله، دون ما ورثه من صاحبه.
وخرَّج أبو الخطَّاب رواية أخرى: بعدم التَّوارث؛ للشَّكِّ في شرطه.
وكذلك لو علم سبق أحدهما بالموت وجهل عينه، أو علم عينه ثمَّ نسي على المذهب، لكن هذا يستند إلى أنَّ يقين الحياة لا تشترط للتَّوريث.
ومنها: إذا أقيم في المصر جُمعتان لغير حاجة، وشكَّ هل أحرم بهما معاً فيبطلان وتعاد الجمعة، أو أحرم بهما مترتِّبتين؛ فيصلِّي الظُّهر؟ على وجهين:
стр. 871
أصحُّهما: تعاد الظُّهر؛ لأنَّ التَّقارن مستبعد.
وعلى الثَّاني: تعاد الجمعة؛ إمَّا لاحتمال المقارنة، أو تنزيلاً للمجهول كالمعدوم.
ومنها: إذا زوَّج الوليَّان، وجهل هل وقع العقدان معاً؛ فيبطلان، أو مترتِّبين فيصحَّح أحدهما بالقرعة؟ ففيه وجهان أيضاً:
أحدهما: يبطلان؛ لاحتمال التَّقارن.
والثَّاني: لا؛ لاستبعاده (١).
ومنها: إذا أسلم الزَّوجان الكافران قبل الدُّخول، واختلفا هل أسلما معاً أو متعاقبين؛ فهل القول قول مدَّعي التَّقارن فلا ينفسخ النِّكاح، أو مدَّعي التَّعاقب؛ لأنَّ الظَّاهر معه؟ على وجهين، يرجعان إلى تعارض الأصل والظَّاهر.
ومنها: إذا كان في يد رجل عبد، فادَّعى رجلان كلٌّ منهما أنَّه باعه هذا العبد بألف، وأقاما بذلك بيِّنتين، ولم يؤرِّخا؛ فهل يصحُّ العقدان، ويلزمه الثَّمنان؛ لجواز أن يكونا في عقدين في وقتين (٢) مختلفين، وجد استرجاع العبد بينهما، أو تتعارض البيِّنتان؛ لجواز أن يكونا عقداً واحداً، فيسقطان، والأصل براءة ذمَّته؟ على وجهين.
стр. 872
قاعدة [١٠٩]
المنع من واحد مبهم من أعيان، أو معيَّن مشتبه بأعيان يؤثر الاشتباه فيها المنع ؛ يمنع التَّصرُّف في تلك الأعيان قبل تمييزه.
والمنع من الجمع يمنع التَّصرُّف في القدر الَّذي يحصل به الجمع خاصَّة، فإن حصل الجمع دفعة واحدة؛ منع من الجميع مع التَّساوي، فإن كان لواحد منها (١) مزيَّة على غيره؛ بأن يصحَّ وروده على غيره ولا عكس؛ اختصَّ الفساد به على الصَّحيح.
والمنع من القدر المشترك كالمنع من الجميع يقتضي العموم.
وللأوَّل أمثلة:
منها: إذا طلَّق واحدة مبهمة؛ مُنع من وطء زوجاته حتَّى تُميَّز (٢) بالقرعة على الصَّحيح.
وحكى رواية أخرى: أنَّه يميِّزها بتعيينه.
ومنها: إذا أعتق أمة من إمائه مبهمة؛ مُنع من وطء واحدة منهنَّ حتَّى يُميِّز (٣) المعتَقة بالقرعة.
стр. 873
وفيه وجه بالتَّعيين.
ومنها: إذا اشتبهت المطلَّقة ثلاثاً بزوجاته؛ مُنع من وطء واحدة منهنَّ حتَّى يميِّز (١) المطلَّقة، وتميُّزها (٢) بالقرعة على ظاهر المذهب.
ومنها: لو اشتبهت أخته بعدد محصور من الأجنبيَّات؛ مُنع من التَّزوُّج بكلِّ واحدة منهنَّ حتَّى يعلم أخته من غيرها.
ومنها: إذا اشتبهت ميتة بمذكَّاة؛ فإنَّه يمنع من الأكل منهما حتَّى يعلم المذكَّاة.
ومنها: اشتباه الآنية النَّجسة بالطَّاهرة، يمنع من الطَّهارة بواحد منها حتَّى يتيقَّن عين الطَّاهر.
ومنها: لو حلف بالطَّلاق لا يأكل تمرة، فاختلطت في تمر (٣)؛ فإنَّه يمنع من أكل تمرة منه حتَّى يعلم عين التَّمرة، وإن كنَّا لا نحكم عليه بالحنث بأكل واحدة.
ومنها: لو حلف بطلاق زوجاته ألَّا يطأ واحدة منهنَّ، ونوى واحدة (٤) مبهمة؛ فإنَّه يمنع من الوطء حتَّى يميِّزها بالقرعة.
وقيل: بتعيينه.
ومنها: لو أعطينا الأمان لواحد من أهل حصن، أو أسلم واحد منهم، ثمَّ تداعوه؛ حرم قتلهم بغير خلاف.
стр. 874
وفي استرقاقهم وجهان:
أحدهما: وهو المنصوص: أنَّه يحرم مع التَّداعي (١).
والثَّاني: أنَّه يخرج واحد منهم بالقرعة ويرقُّ الباقون، وهو قول أبي بكر والخرقيِّ، ورجَّحه ابن عقيل في روايتيه؛ إلحاقاً له باشتباه المعتَق بغيره، وكما لو أقرَّ أنَّ أحد هذين الولدين من هذه الأمة ولده، ثمَّ مات ولم يوجد قافة؛ فإنَّا نقرع لإخراج الحريَّة، وإن كان أحدهما حرَّ الأصل.
والصَّحيح الأوَّل؛ لأنَّ أهل الحصن لم يسبق لهم رقٌّ، فإرقاقهم إلَّا واحداً يؤدِّي إلى ابتداء الإرقاق مع الشَّكِّ في إباحته، بخلاف ما إذا كان أحد المشتبهين رقيقاً؛ فأخرج غيره بالقرعة، فإنَّه إنَّما يستدام الرقُّ مع الشَّكِّ في زواله.
وللثَّاني أمثلة:
منها: إذا ملك أختين أو أمًّا وبنتاً؛ فالمشهور: أنَّ له الإقدام على وطء واحدة منهما ابتداء، فإذا فعل؛ حرمت الأخرى.
وعن أبي الخطَّاب: أنَّه يمنع من وطء واحدة منهنَّ حتَّى يحرِّم الأخرى، ونقل ابن هانئ عن أحمد ما يدلُّ عليه، وهو راجع إلى تحريم إحداهما مبهمة.
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ المحرَّم هو ما يحصل به الجمع.
стр. 875
ومنها: إذا وطئ الأختين واحدة بعد الأخرى؛ فهل يمنع من وطئهما جميعاً حتَّى يحرِّم إحداهما؛ لثبوت استفراشهما جميعاً، أم تباح له الأولى إذا استبرأ الثَّانية؛ لأنَّها أخصُّ بالتَّحريم، حيث كان الجمع حاصلاً بوطئها؟
على وجهين، والأظهر ههنا الأوَّل؛ لثبوت الفراش لهما جميعاً، فيكون الممنوع منهما واحدة مبهمة.
ومنها: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة، فأسلمن أو كنَّ كتابيَّات؛ فالأظهر: أنَّ له وطء أربع منهنَّ، ويكون اختياراً منه؛ لأنَّ التَّحريم إنَّما يتعلَّق بالزِّيادة على الأربع.
وكلام القاضي قد يدلُّ على هذا، وقد يدلُّ على تحريم الجميع قبل الاختيار.
ومنها: لو قال لزوجاته الأربع: والله لا وطئتكنَّ، وقلنا: لا يحنث بفعل البعض:
فأشهر الوجهين: أنَّه لا يكون مولياً حتَّى يطأ ثلاثاً؛ فيصير حينئذ مولياً من الرَّابعة، وهو قول القاضي في «المجرَّد» وأبي الخطَّاب؛ لأنَّه يمكنه وطء كلِّ واحدة منهنَّ من غير حنث، فلا تكون يمينه مانعة، بخلاف ما إذا وطئ ثلاثاً؛ فإنَّه لا يمكنه وطء الرَّابعة بدون حنث.
والثَّاني: هو مولٍ في الحال من الجميع، وهو قول القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «عمده»، وقالا: هو ظاهر كلام أحمد.
ومأخذ الخلاف: أنَّ الحكم المعلَّق بالهيئة الاجتماعية هل هو حكم
стр. 876
على ما يتمُّ به مسمَّاها حسب، أو على مجموع الأجزاء في حالة الاجتماع دون الانفراد؟
فعلى الثَّاني: يكون مولياً من الجميع، ويتوقَّف حنثه بوطء كلِّ واحدة على وطء البواقي معها.
ومنها: إذا زنى بامرأة وله أربع نسوة؛ ففي «التَّعليق» للقاضي: يمنع من وطء الأربع حتَّى يظهر بالزَّانية حمل (١).
واستبعده الشَّيخ مجد الدِّين (٢)، وهو كما قال؛ لأنَّ التَّحريم هنا لأجل الجمع بين خمس، فيكفي فيه أن يمسك عن واحدة منهنَّ، وصرَّح به صاحب «التَّرغيب».
وقد ذكر صاحب «المغني» مثله فيمن أسلم على خمس نسوة ففارق واحدة؛ فإنَّه يمسك عن وطء واحدة منهنَّ حتَّى تستبرئ المفارَقة.
ومنها: إذا تزوَّج خمساً أو أختين في عقد واحد؛ فالنِّكاح باطل؛ لأنَّ الجمع حصل به، ولا ميزة للبعض على البعض؛ فبطل، بخلاف ما إذا تزوَّجهنَّ في عقود متفرِّقة.
وذكر القاضي في «خلافه» احتمالاً بالقرعة فيما إذا زوَّج الوليَّان من
стр. 877
رجلين دفعة واحدة، وهذا مثله، ولكن هذا لعله يخالف الإجماع، قاله الشَّيخ مجد الدِّين، ولكنه يعتضد بالرِّواية الَّتي نقلها ابن أبي موسى فيمن قال لعبيده: أيُّكم جاءني بخبر كذا وكذا؛ فهو حرٌّ، فأتاه به اثنان معاً؛ عتق واحد منهما بالقرعة (١).
وكذلك لو قال: أوَّل غلام يطلع عليَّ فهو حرٌّ، أو أوَّل امرأة تطلع عليَّ فهي طالق، فطلع عليه عبيده كلُّهم، ونساؤه كلُّهنَّ؛ أنَّه تَطْلُق ويَعْتِق واحد منهم بالقرعة، نصَّ عليه في رواية مهنَّى (٢)، وأقرَّه القاضي وصاحب «المغني» في موضع منه على ظاهره، وتأوَّلاه مرَّة على أنَّهم اطَّلعوا واحداً بعد واحد، وأشكل السَّابق، وهذا هو الأظهر؛ لأنَّه المعتاد وغيره بعيد.
أمَّا إن كان لبعضهم مزيَّة؛ فله صور:
منها: إذا تزوَّج أمًّا وبنتاً في عقد واحد؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يبطل النِّكاحان معاً، وهو قول القاضي وابن عقيل وصاحب «المغني» (٣).
والثَّاني: يبطل نكاح الأمِّ وحدها (٤)، حكاه صاحب «الكافي»، وبه
стр. 878
جزم صاحب «المحرَّر»؛ لأنَّ نكاح البنت لا يُمنع بنكاح (١) الأمِّ إذا عري عن الدُّخول، بخلاف العكس فكان نكاح الأمِّ أولى بالإبطال.
ومنها: لو أسلم الكافر على أمٍّ وبنت لم يدخل بواحدة منهما؛ فالمذهب: أنَّه ينفسخ نكاح الأمِّ وحدها، وتحرم على التَّأبيد، ويثبت نكاح البنت، نصَّ عليه أحمد فيما ذكره القاضي في «خلافه»، واتَّفق الأصحاب عليه.
وبناه القاضي على أنَّ أنكحة الكفَّار صحيحة، فإذا صحَّ النِّكاح في البنت؛ صارت أمُّها من أمَّهات نسائه، فحرمت عليه، قال: ولو لم يكن صحيحاً فيهما؛ كان له أن يختار أيَّهما شاء.
وهذا يخالف (٢) ما قرَّره في «الجامع الكبير»: أنَّ العقد الفاسد في النِّكاح يحرِّم ما يحرِّمه الصَّحيح، وهذا النِّكاح غايته أنَّه فاسد؛ لأنَّه مختلف في صحَّته.
والمنصوص عن أحمد في رواية أبي طالب: أنَّه يفرَّق بينه وبين الأمِّ والبنت؛ لأنَّهما (٣) قد حرمتا عليه (٤).
стр. 879
وهذا محمول على ما إذا وجد الدُّخول بهما؛ لأنَّه قال في تمام الرِّواية: (إذا كان تحته أختان؛ فُرِّق بينه وبين إحداهما، وإذا كان تحته فوق أربع؛ فرِّق بينه وبين الزِّيادة)، فدلَّ على أنَّه لم يجعله كابتداء العقد.
ومنها: لو تزوَّج صغيرة وكبيرة، ولم يدخل بها حتَّى أرضعت الصَّغيرة؛ فسد نكاح الكبيرة؛ لمصيرها من أمَّهات نسائه.
وفي الصَّغيرة روايتان:
إحداهما: يفسد نكاحها أيضاً، كمن عقد على أمٍّ وبنت ابتداء.
والثَّانية: لا يبطل، وهي أصحُّ.
ومسألة الجمع في العقد قد سبق الخلاف فيها، وعلى التَّسليم فيها؛ فالفرق بينها وبين مسألتنا: أنَّ الجمع ههنا حصل في الاستدامة دون الابتداء، والدَّوام أقوى من الابتداء، فهو كمن أسلم على أمٍّ وبنت.
ومنها: لو كان تحت ذميٍّ أربع نسوة، ثمَّ استُرقَّ للحوقه بدار الحرب أو غيره، قال الشّيخ مجد الدِّين: يحتمل أن يتخيَّر منهنَّ اثنتين؛ كما لو أسلم عبد وتحته أربع، ويحتمل أن يبطل نكاح الجميع؛ كالرَّضاع الحادث المحرِّم للجمع.
ومنها: لو تزوَّج حرَّة وأمة في عقد، وهو فاقد لشرط نكاح الإماء؛ فإنَّه يبطل نكاح الأمة وحدها على الأصحِّ؛ لأنَّ الحرَّة تمتاز عليها بصحَّة ورود نكاحها عليها في مثل هذه الحال، ولا عكس.
стр. 880
وللثَّالث - وهو المنع من القدر المشترك - أمثلة:
منها: لو قال لزوجاته: والله لا وطئت إحداكنَّ، ناوياً بذلك الامتناع من وطء مسمَّى إحداهنَّ، وهو القدر المشترك بين الجميع؛ فيكون مولياً من الجميع، مع أنَّ العموم يستفاد أيضاً من كونه مفرداً مضافاً.
أمَّا لو قال: لا وطئت واحدة منكنَّ؛ فالمذهب الصَّحيح: أنَّه يعمُّ الجميع، وهو قول القاضي والأصحاب؛ بناء على أنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تفيد العموم.
وحكى القاضي عن أبي بكر: أنَّه يكون مولياً من واحدة غير معيَّنة، وأخذه من قوله: (إذا آلى من واحدة منهنَّ وأشكلت عليه؛ أخرجت بالقرعة)، ولا يصحُّ هذا الأخذ كما لا يخفى.
وحكى صاحب «المغني» عن القاضي كذلك.
والقاضي مصرِّح بخلافه، فإنَّه قال: (هو إيلاء من الجميع رواية واحدة)، لكنَّه قال: (متى وطئ واحدة منهنَّ؛ انحلَّت اليمين من الكلِّ، بخلاف ما إذا قال: لا وطئت كلَّ واحدة منكنَّ، أو لا وطئتكنَّ؛ فإنَّه إذا وطئ واحدة منهنَّ؛ حنث، وبقي الإيلاء من البواقي وإن لم يحنث بوطئهنَّ؛ لأنَّ حقَّهنَّ من الوطء لم يستوفَ).
والفرق بين الصُّور الثَّلاث: أنَّ قوله: (لا أطأ كلَّ واحدة منكنَّ)، أو (لا أطؤكنَّ) في قوَّة أيمان متعدِّدة؛ لإضافته إلى متعدِّد، بخلاف قوله: (لا أطأ واحدة منكنَّ)، فإنَّه مضاف إلى مفرد منكَّر موضوع