← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وهذا بعيد على أصل أبي (١) بكر؛ لأنَّه يرى أنَّ الكتابة عقد معاوضة محضة لا تعليق فيها بحال. وقيل: لأنَّ كلَّ واحد منهما (٢) كفيلٌ ضامن عن صاحبه، فلا يعتق حتَّى يؤدِّيَ جميع ما عليه. وقيل: لأنَّها صفقة واحدة، فلا تتبعَّض، وهذا قد يرجع إلى الضَّمان أيضاً، كأنَّه التزم كلُّ واحد منهما الألف عنه وعن صاحبه؛ فيكون توزيعاً للمفرد على الجملة؛ إذ لو لم يلزم أحدَهما أداءُ جميع المال؛ لما وقف عتقه على أدائه. وقد اختلف كلام القاضي وابن عقيل في ضمان كلٍّ منهما عن الآخر، فنفياه تارة، وأثبتاه أخرى. ونقل ابن منصور عن أحمد في رجل له على قوم حقٌّ، إن كتب في كتابهم: أيُّهم شئت أخذت بحقِّي: يأخذ أيَّهم شاء (٣). ومفهومه: أنَّ الغرماء لا ضمان بينهم بدون الشَّرط بكلِّ حال (٤). ومنها: لو وضع المتراهنان الرَّهن على يدي عدلين، وكان عينين منفردتين، أو كان ممَّا ينقسم؛ كالمكيل والموزون؛ فهل لهما اقتسامه وانفراد كلِّ واحد منهما بحفظ نصفه أم لا؟ على وجهين:

стр. 912

أحدهما: يجوز ذلك، قاله القاضي في «المجرَّد»؛ توزيعاً للمفرد على المفرد؛ فيكون كلُّ واحد منهما أميناً على نصفه، وصرَّح القاضي بذلك. وعلى هذا: فلو دفع أحدهما النِّصف المقسوم الَّذي بيده إلى الآخر، فتلف في يده؛ فهل يضمنه؟ على احتمالين ذكرهما القاضي؛ لأنَّه انفرد به بعد القسمة، بخلاف ما إذا سلَّم الكلَّ قبل القسمة؛ فإنه لا يضمن، كذا قال القاضي. وقال مرَّة أخرى: يضمن نصفه أيضاً. والثَّاني: لا يجوز اقتسامه، بل يتعيَّن حفظه كلّه (١) على كلِّ واحد منهما مجتمعين، وهو قول القاضي في «خلافه»، وابن عقيل، وصاحبي «المغني» و «التَّلخيص»؛ لأنَّ المتراهنين إنَّما رضيا بحفظهما جميعاً؛ فلا يجوز لهما الانفراد؛ كالوصِيَّيْن والوكيلين في البيع. وعلى هذا نخرِّج الوديعة لاثنين، والوصيَّة بالنِّسبة إلى الحفظ خاصَّة دون التَّصرُّف؛ فإنَّه لا يستقلُّ أحدهما بشيء منه. وقد روي عن أحمد ما يدلُّ على جواز انفراد كلِّ واحد منهما بنصف التَّصرُّف، فنقل عنه حرب فيمن قال لرجلين: تصدَّقا عنِّي بألفي درهم من ثلثِي، فأخذ كلُّ واحد ألفاً فتصدَّق بها على حدة؛ ليكون أسهل عليهما؛ فلم ير به بأساً. وهذا قد يختصُّ بالصَّدقة؛ لحصول المقصود منها بالانفراد،

стр. 913

بخلاف غيرها من التَّصرُّفات الَّتي يقصد فيها (١) الحظُّ والغبطة والكسب (٢). قال في «التَّلخيص»: (ولو وكَّل اثنين في المخاصمة؛ لم يكن لواحد الاستبداد بها؛ كالوصيَّين ووكيلي التَّصرُّف، ويحتمل أن يكون له؛ لأنَّ العرف في الخصومة يقتضيه، بخلاف غيرها) انتهى. وقال أيضاً: (ولو تعدَّد المعيَّن؛ فاحتمالان). يعني: في تعدُّد الصَّفقة واتِّحادها. ومنها: الضَّمان، فإذا ضمن اثنان دَيْن رجل لغريمه؛ فهل كلُّ واحد منهما ضامن لجميع الدَّين أو بالحصَّة؟ على وجهين: أحدهما: كلُّ واحد منهما ضامن للجميع، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى في رجل له على رجل ألف درهم؛ فكفل بها كفيلان، كلُّ واحد منهما كفيل ضامن؛ فأيُّهما شاء أخذ بجميع حقِّه (٣). وكذلك قال أبو بكر فيمن قال في السَّفينة لرجل: ألقِ متاعك في البحر على أنَّي ورُكْبان السَّفينة ضمناء، فألقاه؛ ضمنه دونهم، إلَّا أن يتطوَّعوا بالضَّمان معه (٤). وقد يكون مأخذ أبي بكر: أنَّ هذا من باب التَّغرير؛ فإنَّه إنَّما ألقاه ظنًّا منه أنَّ قيمته تُرَدُّ عليه اعتماداً على قول هذا القائل؛ فلذلك لزمه

стр. 914

الضَّمان كلُّه. وعلى هذا: فيفرَّق بين أن يكون صاحب المتاع عالماً بالحكم أو جاهلاً به. والوجه الثَّاني: أنَّ الضَّمان بالحصَّة إلَّا أن يصرِّحوا بما يقتضي خلافه، مثل أن يقولوا: ضمنَّا لك وكلُّ واحد منَّا الألف الَّتي لك على فلان، فإنَّ كلَّ واحد يلزمه الألف حينئذٍ، وأمَّا مع إطلاق ضمان الألف منهم؛ فبالحصَّة، وهذا قول القاضي في «المجرَّد»، و «الخلاف»، وصاحب «المغني». وذكر ابن عقيل في المسألة احتمالين، وبناه القاضي: على أنَّ الصَّفقة تتعدَّد بتعدُّد الضَّامنين؛ فيصير الضَّمان موزَّعاً عليهما. وعلى هذا: فلو كان المضمون ديناً متساوياً على رجلين، فهل يقال: كلُّ واحد (١) منهما ضامن لنصف الدَّينين، أو كلٌّ منهما ضامن لأحدهما بانفراده؟ إذا قلنا: بصحَّة ضمان المبهم؛ يحتمل وجهين، والأوَّل أشبه بكلام الأصحاب. وشبيه بهذه المسألة: ما إذا كفل اثنان شخصاً لآخر، فسلَّمه أحدهما إلى المكفول له؛ فهل يبرأ الكفيل الآخر أم لا؟ على وجهين: أشهرهما: أنَّه لا يبرأ؛ لأنَّهما كفالتان، والوثيقتان إذا انحلَّت إحداهما بغير توفية؛ بقيت الأخرى؛ كالضَّامنين إذا أبرئ أحدهما،

стр. 915

وهذا قول القاضي وأصحابه. والثَّاني: يبرأ؛ لأنَّ التوفية قد وجدت بالتَّسليم (١)؛ فهو كما لو سلَّم المكفول نفسه، أو وفَّى أحد الضَّامنين الدَّين، وهو احتمال في «الكافي»، وقوَّاه الأزجيُّ في «نهايته»، وهو ظاهر كلام السَّامريِّ في «فروقه»، وهو يعود إلى أنَّها كفالة واحدة. والأظهر: أنَّهما إن كفلا كفالة اشتراك بأن قالا: كفلنا لك زيداً نسلُّمه إليك، فإذا سلَّمه أحدهما؛ برئ الآخر؛ لأنَّ التَّسليم الملتزم واحد؛ فهو كأداء أحد الضَّامنين للمال، وإن كفلا (٢) كفالة انفراد واشتراك؛ بأن قالا (٣): كلُّ واحد منَّا كفيل لك بزيد؛ فكلٌّ منهما ملتزم له إحضاراً؛ فلا يبرأ بدونه ما دام الحقُّ باقياً على المكفول؛ فهو كما لو كفلاه في عقدين متفرِّقين، وهذا قياس قول القاضي في ضمان الرَّجلين للدَّين. واعلم أنَّ عقود التَّوثُّقات والأمانات إذا اشتملت على جمل؛ فإنَّه يمكن فيها توزيع أفراد الجملة أو أجزائها على أفراد الجملة المقابلة لها، أو على أجزاء العين المقابلة لها؛ فيقابل كلُّ مفرد لمفرد، أو كلُّ مفرد لجزء، أو كلُّ جزء لجزء. ويمكن توزيع كلِّ فرد من الجملة على مجموع أفراد الجملة

стр. 916

الأخرى، أو أجزائها؛ فيثبت الاشتراك بالإشاعة، ويكون العقد على هذين الاحتمالين واحداً. ويمكن أن يثبت حكم التَّوثقة والأمانة بكماله لكلِّ فرد فرد؛ فيكون ههنا عقود متعدِّدة. وقد ذكرنا في هذه المسائل التَّفريع على هذه الاحتمالات الثَّلاث. فأمَّا عقود التَّمليكات: فلا يتأتَّى فيها الاحتمال الثَّالث، ولو قيل بتعدُّد الصَّفقة فيها بتعدُّد المتعاقدين؛ لاستحالة أن يكون الملك ثابتاً في عين واحدة لمالكين على الكمال، وإنَّما يقع التَّردُّد فيها بين الاحتمالين الأوَّلين، ويستثنى من ذلك صورتان: إحداهما: أن يوصي بعين لزيد، ثمَّ يوصي بها لعمرو، ونقول: ليس برجوع، كما هو المشهور من المذهب؛ فيكون كلٌّ منهما مستحقًّا للعين بكمالها، ويقع التَّزاحم فيها فيشتركان في قسمتها، فلو مات أحدهما قبل الموصي، أو رَدَّ؛ لاستحقها الآخر بكمالها. والثَّانية: أن يقف على قوم معيَّنين أو موصوفين، ثمَّ على آخرين بعدهم؛ فإنَّ كلَّ واحد من الطَّبقة الأولى مستحقٌّ لجميع الوقف بانفراده، حتَّى لو لم يبق في الطَّبقة سواه؛ لاستحقَّ الوقف كلَّه، هكذا ذكره القاضي والأصحاب. وقد نصَّ أحمد في رواية يوسف بن موسى ومحمَّد بن عبيد الله المنادي؛ فيمن وقف ضيعة على ولده وأولادهم وأولاد أولادهم أبداً ما تناسلوا، فإن حدث بواحد منهم حدث الموت؛ دُفع ذلك إلى ولد ولده

стр. 917

-يعني: الواقف - وولد أولادهم يجري ذلك عليهم ما تناسلوا، وقد وُلد لهؤلاء القوم الَّذين وقف عليهم أولادٌ يدخلون مع آبائهم (١) في القسمة، أو يصير هذا الشَّيء إليهم بعد موت آبائهم، ومن مات منهم ولم يخلِّف ولداً يرجع نصيبه إلى إخوته أم لا؟ قال: يجري ذلك على الولد وولد الولد، يتوارثون ذلك حتَّى لا يكون للميِّت ولد، فيُردُّ على الباقين من إخوته (٢). وظاهر كلامه: أنه (٣) يكون ترتيب أفراد بين كلِّ ولد ووالده؛ لقوله: (يتوارثون ذلك)، وجعل قول الواقف: (من مات عن ولد؛ فنصيبه لولده) مقتضياً لهذا الترتيب، ومخصِّصاً لعموم أوَّل الكلام المقتضي للتَّشريك. وقد زعم الشَّيخ مجد الدِّين أنَّ كلام القاضي في «المجرَّد» يدلُّ على خلاف ذلك، وأنَّه يكون مشتركاً بين الأولاد وأولادهم، ثم يضاف (٤) إلى كلِّ ولد نصيب والده بعد موته، وليس في كلام القاضي ما يدلُّ على ذلك لمن راجعه وتأمَّله. وأمَّا قوله: (حتَّى لا يكون للميت ولد، فيردُّ على الباقين من إخوته) فيعني به: أنَّ من مات عن غير ولد؛ فنصيبه لإخوته، وهذا قد يدلُّ لما

стр. 918

ذكره الأصحاب: أنَّ من مات من طبقة؛ انتقل نصيبه إلى الباقين منها بإطلاق الوقف. وقد يقال: لا دلالة فيه على ذلك؛ لأنَّ هذا الواقف وقف على ولده وولد ولده أبداً بالتَّشريك، فلو تركنا هذا؛ لشركنا بين البطون كلِّها. لكنَّه استثنى من ذلك: أنَّ من مات عن ولد؛ فنصيبه لولده، ففهم منه: أنَّ الولد لا يستحقُّ مع والده، فبقي ما عداه داخلاً في عموم أوَّل الكلام، فاستحقاق الإخوة ههنا متلقًّى من كلام الواقف. ومثل هذا لا نزاع فيه، إنَّما النِّزاع فيما إذا لم يدل كلام الواقف عليه. ولا يقال: قد دلَّ كلام الواقف عليه حيث جعله بعد تلك الطَّبقة لطبقة أخرى، فلم يجعل للثَّانية حقًّا فيه مع وجود الأولى؛ فدلَّ على أنَّ الأولى هي المستحقَّة ما دامت موجودة؛ لأنَّه قد يجاب عنه: بأنَّ نفي استحقاق الثَّانية مع وجود الأولى لا يدلُّ على أنَّ الأولى هي المستحقَّة لجميعه؛ لجواز صرفه مصرف المنقطع، إلَّا أنَّ هذا بعيد من مقصود الواقف. والأظهر من مقصوده ما ذكر، فعلى هذا يكون عوده إلى بقيَّة الطَّبقة مستفاداً من معنى كلام الواقف. ويشبه ذلك: ما لو وقف على فلان، فإذا انقرض أولاده؛ فعلى المساكين، فهل يكون بعد موت فلان لأولاده، ثمَّ بعدهم للمساكين، أو يصرف بعد موت فلان مصرف المنقطع حتَّى ينقرض أولاده، ثمَّ

стр. 919

يصرف للمساكين؟ على وجهين مذكورين في «الكافي»، والأوَّل قول القاضي وابن عقيل. ولنا في المسألة مسلك آخر، وهو أن يقال: الوقف تحبيس للمال في وجوه البرِّ، والموقوف عليهم هم المصرف المعيَّن لاستحقاقه، فلا يمتنع أن يستحقَّه كلُّ واحد منهم بانفراده، ويقع التَّزاحم فيه عند الاجتماع، بخلاف التَّمليكات المحضة، فإنَّه يستحيل أن يملك كلُّ واحد من المملَّكين جميع ما وقع فيه (١) التَّمليك. وهذا على قولنا: إنَّ الموقوف عليه لا يملك عين الوقف؛ أظهر. ويتعلَّق بهذا من مسائل التَّوزيع: ما إذا وقف على أولاده ثمَّ على أولاد أولاده أبداً، فهل يقال: لا ينتقل إلى أحد من أولاد أولاده إلَّا بعد انقراض جميع أولاده، أو ينتقل بعد كلِّ ولد إلى ولده؟ المعروف عند الأصحاب: الأوَّل، وهو الَّذي ذكره القاضي وأصحابه ومن اتَّبعهم. وحكى الشَّيخ تقيُّ الدِّين ﵀ وجهاً آخر بالثَّاني، ورجَّحه (٢). فعلى الأوَّل؛ يكون من باب توزيع الجملة على الجملة. وعلى الثاَّني؛ هو من باب توزيع المفرد على المفرد (٣).

стр. 920

ويشهد لهذا من كلام أحمد ما رواه عنه يوسف بن موسى ومحمد بن عبيد الله المنادي في رجل أوقف ضيعة، على أن لعلي بن إسماعيل رُبُعَ غلتها ما دام حيًّا، وربع منها لولد عبد الله، وولد محمد، وولد أحمد بينهم بالسَّويَّة، وإن مات علي بن إسماعيل؛ فوَزِّعوا هذين الرُّبعين بين ولده وولد الثَّلاثة المذكورين؛ ففعلوا ذلك، ثمَّ إنَّ بعض ولد علي بن إسماعيل مات وترك ولداً؛ كيف يُصنع بنصيبه؟ يدفع إلى ولده، أو يردُّ على شركائه؟ ولم يقل الميِّت: إن مات علي بن إسماعيل دفع إلى ولد ولده، إنَّما قال: ولد علي ابن إسماعيل. قال أحمد: يدفع ما جعل لولد علي بن إسماعيل إلى ولده، فإن مات بعض ولد علي بن إسماعيل؛ دفع إلى ولده أيضًا؛ لأنَّه قال: بين ولد علي بن إسماعيل، وهذا من ولد علي بن إسماعيل (١). فدلَّ هذا الكلام على أصلين: أحدهما: أنَّ ولد الولد داخل في مسمَّى الولد عند الإطلاق. والثاني: أنَّه إنما يستحقُّه ولد الولد بعد موت أبيه، ويختصُّ به دون طبقة أبيه المشاركين له، حيث ذكر أنَّ عليَّ بن إسماعيل توفي عن ولد، وأنَّ بعض ولده توفي عن ولد، ونقل إلى هذا الولد نصيب أبيه مع وجود المشاركين للأب من إخوته. ووجه هذا: أنَّه لمَّا رتَّب بين علي بن إسماعيل وولده، ولم يجعل لولده شيئاً إلَّا بعد موته؛ فكذلك ينبغي أن يكون التَّرتيب بين ولده وولد ولده.

стр. 921

وهذا خلاف ما ذكره الأصحاب من الوجهين في كيفيَّة استحقاق ولد الولد إذا قيل بدخوله في مطلق الولد: هل يستحق مع الولد مشرَّكاً، أو بعد انقراض الولد كلِّهم مرتَّباً ترتيب طبقة على طبقة؟ فإنَّ أحمد جعله مرتَّباً ترتيب أفراد بين كلِّ ولد ووالده، فيؤخذ من ذلك: أنَّ من وقف على أولاده، ثمَّ على أولادهم أبداً: أنَّه يكون مرتَّبًا بين كلِّ والد وولده، دون بقيَّة طبقته. وقد يفرَّق بينهما: بأنَّ الوقف ههنا أوَّلاً كان بين شخص وولده؛ فرُوعِيَ هذا التَّرتيب في استحقاق ولده وولد ولده، وليس فيه طبقة بعد طبقة، ولكن سنذكر من كلام أحمد في مسألة التَّدبير ما يحسن تخريج هذا الوجه منه إن شاء الله تعالى. ومنها: إذا علَّق طلاق نسائه، أو عتق رقيقه على صفات متعدِّدة، فوجد بعضها من بعض، وباقيها من بعض آخر؛ فهل يكفي في وقوع الطَّلاق والعتاق، مع قطع النَّظر عن الحنث بوجود بعض الصِّفة (١)؟

стр. 922

فإنَّ للأصحاب في الاكتفاء ببعض الصِّفة في الطَّلاق والعتاق طرقاً ثلاثة: إحداهنَّ: أنَّه يُكتفى بها كما يُكتفى بذلك في الحنث في اليمين، وهي طريقة القاضي، واستثنى من ذلك في «الجامع»: أن تكون الصِّفة معاوضة (١). والثَّانية: لا يُكتفى بها وإن اكتفينا ببعض المحلوف عليه في الحنث؛ لأنَّ هذا شرط ومشروط، وعلَّة ومعلول؛ فلا يترتَّب الأثر إلَّا على تمام المؤثِّر، وهي طريقة ابن عقيل، وصاحب «المغني». والثَّالثة: إن كانت الصِّفة تقتضي حضًّا، أو منعاً، أو تصديقاً، أو تكذيباً؛ فهي كاليمين، وإلَّا فهي علَّة محضة؛ فلا بد من وجودها بكمالها، وهي طريقة صاحب «المحرَّر». والقاضي يفرِّع على اختياره في هذه المسائل، فقال فيما إذا قال لعبيده: إذا أدَّيتم إليَّ ألفاً فأنتم أحرار؛ عَتق كلُّ واحد منهم بأداء حصَّته. وكذلك إذا قال لعبيده: إذا دخلتم الدَّار؛ فأنتم أحرار؛ عَتق من

стр. 923

دخل منهم؛ لأنَّ وجود الصِّفة تقوم مقام جميعها؛ فمتى أدَّى واحد منهم؛ عتق. هكذا ذكره في باب الكتابة، وردَّه الشيخ مجد الدِّين، وقال: هو عندي خطأ يقيناً؛ لأنَّ هذه الصِّفة لا تشتمل على منع ولا حثٍّ. وعندي: أنَّه لو صحَّ الاكتفاء ببعض الصِّفة ههنا؛ لم يصحَّ ما قاله القاضي، ولم يتفرَّع على الاكتفاء ببعض الصِّفة؛ إذ لو كان التَّفريع على ذلك؛ لعتقوا كلُّهم بأداء بعضهم لبعض الألف، وبدخول بعضهم الدَّار، وهذا خلاف قول القاضي. وإنَّما يتوجَّه ما قاله القاضي على أن يكون من باب توزيع المفردات على المفردات؛ فكأنَّه قال: من دخل منكم الدَّار فهو حرٌّ، ومن أدَّى إليَّ حصَّته من الألف فهو حرٌّ، وهذا لا تعلُّق له بمسألة الاكتفاء ببعض الصِّفة. وكلام أحمد يدلُّ على اعتبار هذا التَّوزيع في مثل هذه التَّعليقات؛ فإنَّه نصَّ في رواية مهنى في عبد بين رجلين قالا له: إذا متنا فأنت حرٌّ، ثمَّ مات أحدهما؛ عتقت حصَّته فقط، فإذا مات الآخر عتقت حصَّته (١). قال أبو بكر: لأنَّهما كالمعتَقَيْن على انفرادهما، وهذا هو المذهب عند أبي بكر وابن أبي موسى. وتعليل أبي بكر يدلُّ على أنَّه جعله من باب توزيع المفرد على المفرد، كأنَّهما قالا: إن مات أحد منَّا فنصيبه منك حرٌّ.

стр. 924

وتأوَّل القاضي ذلك على أنَّ العتق حصل بوجود بعض الصِّفة. وردَّه الشَّيخ مجد الدِّين؛ بأنَّ الصِّفة إنَّما يُكتفى ببعضها إذا كانت في معنى اليمين تقتضي حضًّا أو منعاً، وما لم يكن كذلك؛ كطلوع الشَّمس وقدوم زيد؛ فلا يكتفى فيه بالبعض، ونقل الإجماع عليه. وهو مردود من وجه آخر، وهو أنَّه لو اكتفي ببعض الصِّفة؛ لعَتق العبدُ كلُّه عليهما بموت أحدهما، ولم يكن وجه لعتق نصيب أحدهما، وإنَّما لم يَسْرِ إلى نصيب صاحبه لأحد أمرين؛ إمَّا لأنَّ السِّراية تمنع بعد الموت كما هو إحدى الرِّوايتين، أو لأنَّ التدبير يمنع السِّراية، وهو أحد الوجهين. وخرجَّ الشَّيخ مجد الدِّين المسألة على روايتين من مسألة تعليق العتق على صفة بعد الموت؛ فإنَّ في صحَّته روايتين: إحداهما: يصحُّ هذا التَّعليق؛ فلا يعتق منه شيء ههنا، حتَّى يموت الآخر منهما، فيعتق العبد كلُّه حينئذ. والثَّانية: لا يصحُّ هذا التَّعليق؛ فلا يعتق به شيء من العبد ههنا؛ لأنَّ كلًّا منهما علَّق عتقه على موته وموت شريكه، ولا يوجد إلَّا بعد موته. ولكن ههنا قد (١) يمكن اجتماع موتهما في آن واحد؛ فلا يتوجَّه إبطال التَّعليق من أصله، بخلاف قوله: إن دخلتَ الدَّار بعد موتي؛ فأنت حرٌّ.

стр. 925

ومن هذه المسائل: لو قال لزوجتيه: إن دخلتما هاتين الدَّارين، أو كلَّمتما زيداً وعمراً؛ فأنتما طالقتان، فكلَّمت إحداهما زيداً، والأخرى عمراً، أو دخلت كلُّ واحدة منهما داراً، وقلنا: لا يُكتفى ببعض الصِّفة؛ فهل يَطلُقان، أم لا؟ فيه وجهان، ذكرهما أبو الخطَّاب، ومن بعده من الأصحاب، وجعل أبو الخطَّاب المذهب الوقوع، وإنَّما ذكر الآخر تخريجاً (١). ومذهب الحنفيَّة (٢) والمالكيَّة (٣): الوقوع، وهو أحد وجهي الشَّافعيَّة (٤) مع قولهم وقول الحنفيَّة: إنَّ بعض الصِّفة لا يكفي في

стр. 926

الحنث؛ فعلم بذلك: أنَّ هذا ليس مفرَّعاً على الاكتفاء ببعض الصِّفة. ويتخرَّج من مسألة التَّدبير السَّابقة: أن تطلُق ههنا كلُّ واحدة بدخول الدَّار عقيب دخولها، ولا يتوقَّف طلاقها على دخول الأخرى؛ لأنَّ معنى كلامه: من دخلت منكما داراً من هاتين الدَّارين؛ فهي طالق. ويتخرَّج من هذا القول ههنا فيما إذا قال لهما: إن حضتما فأنتما طالقتان، وجهٌ: أنَّ كلَّ واحدة تطلق بحيض نفسها، وألَّا يشترط ثبوت حيض كلِّ واحدة منهما بالنِّسبة إليهما، بل يكفي ثبوت حيضها (١) في حقِّها بإقرارها. وكذلك في قوله: إن شئتما فأنتما طالقتان، فشاءت إحداهما، أو إن حلفتُ بطلاقكما؛ فأنتما طالقتان، ثمَّ حلف بطلاق إحداهما؛ أنَّها تطلق. ومن العجب أنَّ القاضي لم يفرِّع شيئاً من هذه المسائل على اختياره في الاكتفاء بوجود بعض الصِّفة مطلقاً، سواء اقتضت حثًّا، أو منعاً، أو كانت تعليقاً محضاً، ومقتضى قوله: (أن تطلقا (٢) ههنا معاً بوجود حيض إحداهما، ومشيئة إحداهما، والحلف بطلاق إحداهما في هذه المسائل. ومنها: إذا قال لزوجاته الأربع: أوقعت بينكنَّ، أو عليكنَّ ثلاث تطليقات؛ فهل تقسم كلُّ طلقة على الأربع أرباعاً، ثمَّ تكمل، فتقع بهنَّ

стр. 927

الثَّلاث جميعاً، أو توزَّع الثَّلاث على الأربع، فيلحق كلَّ واحدة ثلاثة أرباع طلقة، ثمَّ تكمل فتطلُق كل واحدة منهن طلقة؟ على روايتين: والأولى: اختيار أبي بكر والقاضي. والثَّانية: اختيار أبي الخطَّاب، وصاحب «المغني»؛ قال: (لأنَّ القسمة بالأجزاء إنَّما تكون في المختلفات؛ كالدُّور ونحوها، فأمَّا (١) الجمل المتساوية من جنسٍ كالنُّقود؛ فإنَّها تقسم برؤوسها، ويُكمَّل نصيب كلِّ واحد، كأربعة لهم درهمان صحيحان، يقسم لكلِّ واحد (٢) نصف من درهم واحد؛ فكذلك الطَّلقات). ويمكن الأوَّلين الجواب عن هذا: بأنَّ هذه القسمة لا تمنع الاشتراك في الاستحقاق من كلِّ جزء، ولهذا قيل في قسمة الأموال المشتركة: إنَّها بيع، ومتى ثبت استحقاق (٣) كلِّ واحد من الشُّركاء لجزء من كلِّ عين قبل القسمة؛ توجَّه وقوع الطَّلاق الثَّلاث هنا بكلِّ واحدة؛ كما لو مات زوج المرأة، وخلَّف إخوتها أرقَّاء مع عبيد أخر؛ فإنَّه يعتق عليها (٤) من كلِّ أخ لها بنسبة نصيبها من الميراث، وإن كان نصيبها لا يستوعب قيمة الجميع. ولو قال: أنتنَّ طوالق ثلاثاً؛ طلقن كلُّهنَّ ثلاثاً ثلاثاً، نصَّ عليه في

стр. 928

رواية ابن منصور (١)، ولم يذكر القاضي فيه خلافاً؛ لأنَّه أضاف الثَّلاث إلى الجميع، وفي الصُّورتين الأوليين أرسل الثَّلاث بينهنَّ، أو عليهنَّ. ويتوجَّه تخريج الخلاف فيها أيضاً؛ لأنَّ إضافة الثَّلاث إليهنَّ لا ينافي أن توزَّع الثَّلاث على مجموعهنَّ، لا على كلِّ واحدة منهنَّ. وممَّا يدخل في هذا الباب: قوله تعالى: ﴿إنَّما الصَّدقات للفقراء والمساكين. . .﴾ الآية؛ فهل المراد توزيع مجموع الصَّدقات على مجموع الأصناف، أو كلِّ فرد من أفراد الصَّدقات على مجموع الأصناف؟ وينبني على ذلك: مسألة وجوب استيعاب الأصناف بكلِّ صدقةٍ صدقة، وفي ذلك روايتان؛ أشهرهما: أنَّه غير واجب. وهل يجب على الإمام إذا اجتمعت عنده الصَّدقات أن يعمَّ الأصناف منها، أم لا؟ قال ابن عقيل: يجب ذلك؛ لتحصل التَّوفية باستيعاب الأصناف بمجموع (٢) الصَّدقات كما دلَّت عليه الآية. وقال القاضي: يستحبُّ ذلك ولا يجب؛ لأنَّ حقَّ بقيَّة الأصناف يسقط بإعطاء الملَّاك لهم، وأيضاً؛ فليس في الآية إيجاب الاستيعاب بصدقات كلِّ عام؛ فيجوز تعويضهم في عام آخر.

стр. 929

وممَّا يدخل فيه أيضًا: قوله تعالى: ﴿والَّذين يظاهرون من نسائهم ثمَّ يعودون لما قالوا فتحرير رقبة. . .﴾ الآية؛ هل اقتضت مقابلة مجموع المظاهرين بمجموع نسائهم، وتوزيع كلِّ مظاهر على زوجته، أو مقابلة كلِّ فرد من المظاهرين بمجموع نسائه المظاهر منهنَّ؟ قرَّر أبو الخطَّاب وغيره من أصحابنا الثَّاني، واستدلَّ به على أنَّ المظاهَرة من جميع الزَّوجات بكلمة واحدة لا توجب سوى كفَّارة واحدة. وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿حرِّمت عليكم أمَّهاتكم وبناتكم وأخواتكم. . .﴾ إلى آخرها: إنَّ المراد: حرمت على كلِّ واحد بناته، وأخواته، وعمَّاته، وخالاته، فأمَّا الأمَّهات فجعلها من مقابلة الأفراد بالأفراد، قال: لأنَّه لمَّا لم يتصوَّر أن يكون للواحد أُمَّان؛ علم أنَّه أراد الواحد في مقابلة الواحد، وأمَّا ما احتمل الجمع في مقابلة الواحد؛ فإنَّه يحمل عليه. والأظهر - والله أعلم -: أنَّ الكلَّ ممَّا قوبل فيه الواحد بالواحد، والجملة بالجملة، وأنَّ المعنى: حرِّمت على كلِّ واحد أمُّه وبنته وأخته؛ إذ لو أريد مقابلة الواحد بالجمع؛ لحرم على كلِّ واحد أمَّهات الجميع وبناتهم، وهو باطل قطعاً.

стр. 930

قاعدة [١١٤] إطلاق الشَّركة؛ هل تنزَّل على المناصفة، أم هو مبهم يفتقر إلى تفسير ؟ فيه وجهان، ذكرهما صاحب «التَّلخيص» في البيع. والَّذي ذكره الأصحاب في الإقرار: أنَّه مبهم، وكذلك صرَّح به ابن عقيل في «نظريَّاته» مختاراً له. وقال القاضي في «المجرَّد» في البيع، وفي «خلافه» أيضًا: ينزل على المناصفة (١). وهل يقال باستحقاق الشَّريك من كل جزء جزءاً، أو بالتَّشاطر؟ يحتمل وجهين، وكلام الأصحاب يدلُّ على التَّشاطر. ويتفرع على هذا مسائل: منها: لو قال لمشتري سلعةٍ: أشركني في هذه السِّلعة؛ فهل يصحُّ، وينزل على المناصفة، أم لا للجهالة؟ على وجهين، ذكرهما في «التَّلخيص» (٢).

стр. 931

والمجزوم به في «المجرَّد»: الصِّحَّة؛ تنزيلاً على المناصفة. ومنها: لو قال: هذا العبد شركة بيني وبين فلان، أو هو شريكي فيه؛ فوجهان: المجزوم به في الإقرار: الإبهام، ويرجع في تفسيره إليه، وهو اختيار ابن عقيل. وقال القاضي في «خلافه»: هو بينهما نصفين (١). ومنها: لو أوقع طلاقاً ثلاثاً بامرأة له، ثمَّ قال لأخرى: أشركتك معها، فإن قلنا بالمناصفة؛ اقتضى وقوع ثنتين، وإن قلنا بالإبهام؛ لم يقع أكثر من واحدة؛ لأنَّها اليقين، إلَّا أن يفسِّره بأكثر من ذلك (٢). ويحتمل أن يقع ثلاثاً؛ بناءً على أن الشَّركة تقتضي الاستحقاق من كلِّ جزء. وقد يقال: هذا إنَّما يمكن في التَّمليكات دون الطَّلاق، فإنَّ حقيقة الاشتراك في طلاق الأولى لا يمكن؛ فحمل على استحقاق نظيره (٣).

стр. 932

أمَّا لو تعدَّد الشُّركاء؛ فهل يقال: يستحقُّ الشَّريك مثل نصف ما لهم، أو مثل واحد منهم؟ على وجهين، ذكرهما القاضي في البيع، وبنى عليهما: لو اشترى اثنان شيئاً، ثمَّ أشركا ثالثًا فيه؛ فهل له نصفه، أو ثلثه؟ على وجهين. وخرَّج صاحب «التَّرغيب»، والشَّيخ مجد الدِّين في «المسوَّدة» مثل الوجهين، فيما إذا قال لثلاث نسوة: أوقعت بينكنَّ طلقة، ثمَّ قال لرابعة: أشركتكِ معهنَّ؛ هل يقع بها واحدة، أو طلقتين؟ على الوجهين.

стр. 933

قاعدة [١١٥] الحقوق المشتركة بين اثنين فصاعدًا؛ نوعان: أحدهما: ما يقع استحقاق كلِّ واحد بانفراده لجميع الحقِّ، ويتزاحمون فيه عند الاجتماع. والثاني: ما يستحقُّ كلُّ واحد من الحقِّ بحصَّته خاصَّةً (١). وللأوَّل أمثلة كثيرة: منها: الشُّفعاء المجتمعون، كلٌّ منهم يستحقُّ الشُّفعة بكمالها، فإذا عفا أحدهم عن حقِّه؛ توفَّر على الباقين. ومنها: غرماء المفلس الَّذي لا يفي ماله بدين كلِّ واحد على انفراده، وهم كالشُّفعاء. ومنها: الأولياء المتساوون في النِّكاح. ومنها: العصبات المجتمعون في الميراث (٢).

стр. 934

ويتفرَّع على ذلك: لو اجتمع ابنان، نصف كلِّ واحد منهما حرٌّ؛ فهل يستحقَّان المال كلَّه، أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يستحقَّان جميع المال، رجَّحه القاضي، والسَّامريُّ، وطائفة من الأصحاب. وله مأخذان: أحدهما: جمع الحريَّة فيهما؛ فيكمل بها حريَّة ابن، وهو مأخذ أبي الخطَّاب وغيره (١). والثَّاني: أنَّ حقَّ كلِّ واحد منهما مع كمال حريَّته في جميع المال لا في نصفه، وإنَّما أخذ نصفه لمزاحمة أخيه له، وحينئذ؛ فقد أخذ كلُّ واحد منهما نصف المال هنا، وهو نصف حقِّه مع كمال حريَّته؛ فلم يأخذ زيادةً على قدر ما فيه من الحريَّة. والوجه الثَّاني: لا يستحقَّان المال كلَّه؛ لئلا تستوي حال حريَّتهما الكاملة والمبعَّضة. وهل يستحقَّان نصفه تنزيلًا لهما حالين (٢)، أو ثلاثة أرباعه تنزيلًا

стр. 935

لهما ثلاثة أحوال؟ على وجهين. ولو كان ابنٌ نصفه حرٌّ مع أمٍّ؛ فعلى هذا المأخذ (١)؛ يتوجَّه أن يأخذ نصف المال كلِّه، وهو أحد الوجوه للأصحاب، ورجَّحه الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وذكر أنَّه اختيار أبيه. وقيل: يأخذ نصف الباقي بعد ربع الأمِّ (٢)، وهو اختيار أبي بكر والقاضي في «خلافه». وقيل: يأخذ نصف ما كان يأخذه حال كمال الحريَّة، وهو هنا ربع وسدس، وهو الَّذي ذكره إبراهيم الحربيُّ في «كتاب الفرائض»، واختاره القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل، وصاحب «المحرَّر»؛ لأنَّ القدر الَّذي حجب عنه الأم يستحقُّه كلَّه، وإنَّما يتنصَّف عليه ما عداه. ومنها: ذوو الفروض المجتمعون المزدحمون في فرض واحد؛ كالزَّوجات والجدَّات. ويتفرع على هذا: إذا اجتمعت جدَّتان؛ أمُّ أمٍّ، وأمُّ أب مع ابنها الأب، وقلنا: إنَّه يحجبها؛ فهل تستحق أمُّ الأمِّ السُّدس كلَّه، أو نصفه؟ على وجهين:

стр. 936

أصحُّهما: أنَّها تستحقُّ السُّدس كلَّه؛ لزوال المزاحمة مع قيام الاستحقاق لجميعه. والثَّاني: تستحقُّ نصفه، وله مأخذان: أحدهما: أن أمَّ الأب تحجبها عن السُّدس إلى نصفه، ولا أثر لكونها محجوبة، كما يحجب ولد الأمِّ الأمَّ مع انحجابهم بالأب. وفيه نظر؛ فإنَّ حجب الجدَّة للجدَّة إنَّما هو بطريق المزاحمة، ولا مزاحمة هنا، وحجب الإخوة للأمِّ ليس بالمزاحمة؛ فإنَّهم لا يشاركونها في فرضها، وإنَّما وجودهم مقتضٍ لتنقيص فرضها. والثَّاني: أنَّ أمَّ الأب لها مع أمِّ الأمِّ نصف السُّدس، فلمَّا حَجَب الأبُ أمَّه؛ توفر ذلك عليه، لا على الأخرى. ورُدَّ: بأنَّ ولد الأمِّ يحجبون الأمَّ عن السُّدس، ثمَّ لا يأخذونه، بل يتوفَّر على الأب. وقد يجاب عنه: بأنَّ ولد الأمِّ لمَّا كانوا محجوبين بالأب؛ توفَّر ما حجبوا عنه الأمَّ على من حجبهم، وهو الأب، كذلك هنا. ومنها: الوصايا المزدحمة في عين أو مقدار من المال، فإنَّ حقَّ كلِّ واحد منهم في مجموع وصيَّته، وإنَّما يأخذ دون ذلك للمزاحمة، فإذا ردَّ بعضهم (١)؛ توفَّر على الباقين. وإن أجاز الورثة بعض الوصايا دون بعض؛ فهل يعطى المجاز له القدر الَّذي كان يأخذه في حال الإجازة للكلِّ، أو يكمل له الجزء

стр. 937

المسمَّى في الوصية كلُّه (١) إن أمكن؛ لقيام استحقاقه له وقد أمكن وصوله إليه بزوال المزاحمة بالرَّدِّ على غيره (٢)؟ فيه وجهان: صحَّح صاحب «المحرر» الثَّاني. ومن رجَّح الأوَّل قال: القدر المزاحم به كان حقًّا للمزاحِم، فإذا ردَّه الورثة عليه؛ توفَّر عليهم، لا على الوصيَّة الأخرى. ويشهد للأوَّل (٣) ما ذكره الخرقيُّ، وابن حامد، والقاضي، والأصحاب: فيمن وصَّى لرجل بعبد قيمته ثلث ماله، ولآخر بثلث ماله، فإن أجاز الورثة؛ فللموصى له بالعبد ثلاثة أرباعه (٤)؛ لمزاحمة

стр. 938

الآخر له فيه، ولصاحب الثُّلث ربع العبد وثلث باقي المال، وإن ردُّوا قُسم الثُّلث بينهما نصفين؛ فيأخذ صاحب وصيَّة العبد بقدر سدس المال كلِّه من العبد، ويأخذ الآخر سدس العبد وسدس باقي المال؛ لزوال المزاحمة بالرَّدِّ، فأمكن وصول كلٍّ منهما إلى نصف ما سمِّي له كاملاً؛ فلا ينقص منه. وخرَّج صاحب «المحرر» وجهًا آخر من الوجه الثَّاني (١) في المسألة الَّتي قبلها (٢): أنه يقسم الثُّلث بينهما على حسب ما كانا يقتسمان وصيَّتهما حال الإجازة؛ فيفضل نصيب صاحب الثُّلث على نصيب صاحب العبد، وهو اختيار صاحب «المغني»؛ تسوية بينهما في الرَّدِّ والإجازة. وفي تخريج هذا من المسألة الَّتي قبلها نظر؛ لأنَّ الورثة هناك قد يكون مقصودهم بالرَّدِّ على أحدهما توفير ما كان يأخذه بالمزاحمة عليهم، كما لو أجازوا لصاحب الوصيَّة بالكلِّ، وردُّوا على الموصى له

стр. 939

بالثُّلث؛ فلو أعطينا صاحب الكلِّ ما ردُّوه على صاحب الثُّلث؛ لم يبق في ردِّهم فائدة لهم، وهنا لا يخرج عنهم سوى الثُّلث (١)، فينبغي أن يقتسمه الوصيَّتان (٢) على قدرهما (٣)؛ عملاً بمراد الموصي من التَّسوية، حيث أمكن، ولا ضرر على الورثة في ذلك. ومنها: استحقاق الغانمين من الغنيمة، متى ردَّ أحدهم؛ توفَّر على الباقين، وسواء قلنا: ملكوه بالاستيلاء، أو لم يملكوه. ومنها: الموقوف عليهم، إذا ردَّ بعضهم؛ توفَّر على الباقين؛ كما لو مات بعضهم، وقد سبقت. (٤) ومنها: حدُّ القذف الموروث لجماعة؛ يستحقُّه كلُّ واحد بانفراده، فلو أسقطه بعضهم؛ فللباقين استيفاؤه. وأمَّا النَّوع الثَّاني؛ فله أمثلة: منها: عقود التَّمليكات المضافة إلى عدد؛ فيملك كلُّ واحد منهم بحصَّته؛ لاستحالة أن يكون كلُّ واحد منهم مالكاً لجميع العين. ثمَّ ههنا حالتان:

стр. 940

إحداهما: أن يكون التَّمليك بعوض؛ مثل أن يبيع من رجلين عبداً، أو عبدين بثمن، فيقع الشِّراء بينهما نصفين، ويلزم كلَّ واحد نصف الثَّمن، وإن كان لاثنين عبدان مفردان، لكل واحد عبد، فباعاهما من رجلين صفقةً واحدةً، لكلِّ واحد عبداً معيَّنًا بثمن واحد؛ ففي صحَّة البيع وجهان: أصحُّهما -وهو المنصوص-: الصحَّة، وعليه؛ فيقتسمان الثَّمن على قدر قيمتي العبدين. وذكر القاضي وابن عقيل وجهاً آخر: أنَّهما يقتسمانه على عدد رؤوس المبيع نصفين؛ تخريجاً من أحد الوجهين فيما إذا تزوَّج أربعاً في عقد بمهر واحد، أو خالعهنَّ بعوض واحد: أنَّه يكون بينهنَّ أرباعاً. وهو ههنا بعيد جدًّا؛ لأنَّ البضع ليس بمال محض؛ فكيف يسوَّى (١) به الأموال المبتغى بها الأرباح والتَّكسُّب؟! وخرَّجاه أيضاً في الكتابة، وهو أقرب من البيع؛ إذ الكتابة فيها معنى العتق. الحالة الثَّانية: أن يكون بغير عوض، مثل أن يهب لجماعة شيئاً، أو يملِّكهم إيَّاه عن زكاة، أو كفَّارة مشاعاً؛ فقياس كلام الأصحاب في التَّمليك بعوض: أنَّهم يتساوون في ملكه. وحكى صاحب «المغني» فيما إذا وضع طعامًا في الكفَّارة بين يدي عشرة مساكين، فقال: هو بينكم بالسَّويَّة، فقبلوه، ثلاثة أوجه:

стр. 941

إحداها - وهو الَّذي جزم به أوَّلاً -: أنَّه يجزئه؛ لأنَّه ملَّكهم التَّصرف فيه والانتفاع به قبل القسمة، كما لو دفع دين غرمائه بينهم. والثَّاني - وحكاه عن ابن حامد -: يجزئه وإن لم يقل بالسَّويَّة؛ لأنَّ قوله: خذوها عن كفَّارتي؛ يقتضي التَّسوية؛ لأنَّ ذلك حكمها. والثَّالث - وحكاه عن القاضي -: أنَّه إن علم أنَّه وصل إلى كلِّ واحد قدر حقِّه؛ أجزأ، وإلَّا لم يجزئ. هذا ما ذكره، وأصل ذلك ما قال القاضي في «المجرَّد»: إذا أفرد ستِّين مدًّا، وقال لستِّين مسكيناً: خذوها، فأخذوها، أو قال: كلوها، ولم يقل بالسَّويَّة، أو قال: قد ملَّكتكموها بالسَّويَّة، فأخذوها؛ فقال شيخنا أبو عبد الله (١): يجزئه؛ لأنَّ قوله خذوها عن كفَّارتي يقتضي التَّسوية؛ لأنَّ حكم الكفَّارة أن تكون بينهم بالسَّويَّة، فإن عرف أنَّها وصلت إليهم بالسَّويَّة؛ أجزأه، وإن علم التَّفاضل؛ فمن حصل معه الفضل؛ فقد أخذ زيادة، ومن أخذ أقلَّ؛ كان عليه أن يكمله، وإن لم يعلم كيف وصل إليهم؛ لم يجزئه، وعليه استئنافها؛ لأنَّه لم يعلم قدر ما وصل إلى كلِّ واحد منهم بعينه. انتهى. فحكى الكلَّ عن ابن حامد، وصاحب «المغني» جعل الإجزاء مطلقاً قول ابن حامد، واعتبار الوصول قول القاضي، وليس كذلك. وكذلك استشكل الشَّيخ مجد الدِّين ما وقع في «المجرَّد»، وقال: (لعلَّه وقع غلط في النُّسخة)، وليس كذلك أيضاً (٢)؛ فإنِّي نقلت ما ذكرته

стр. 942

من أصل القاضي بخطِّه. ثمَّ قال: (وعندي أنَّا إن قلنا: ملكوها بالتَّخلية، وأنها قبض؛ أجزأته بكلِّ حال). قال: (ولعلَّ هذا اختيار ابن حامد). وهذا بعيد جدًّا، بل اختيار ابن حامد عكسه، وأنَّ الهبة والصَّدقة لا تملك بدون قبض، وقد قدَّمنا ذلك عنه في مسائل القبوض، وأنَّ القبض في المنقول بالنَّقل، فيتوجَّه على هذا: أنَّه لا بدَّ من تحقُّق قبض كلِّ واحد لمقدار ما يجزئ دفعه إليه؛ لأنَّه لم يملكه بدونه، ولا عبرة بالإيجاب لهم بالسَّويَّة. وما حكاه القاضي عن ابن حامد يشعر بأنَّ إطلاق قوله: خذوا هذا، أو هو لكم؛ لا يحمل على التَّسوية؛ فإنَّه إنَّما علَّل بأنَّ التسوية حكم الكفَّارة، وهذا مخالف لما قرَّره (١) في عقود المعاوضات. وأمَّا ما حكاه في «المغني» من طرد الخلاف فيما لو قال: هو بينكم بالسَّويَّة، أو اقتصر على قوله: هو بينكم؛ فليس ذلك في كلام القاضي. ويتخرَّج ذلك على أصل، وهو أنَّ إطلاق البينيَّة هل تقتضي التَّساوي، أم لا؟ وفي المسألة وجهان: أحدهما: أنَّه يقتضيه، وهو الَّذي ذكره الأصحاب في مسألة (٢) المضاربة إذا قال: خذ هذا المال فاتَّجر به، والربح بيننا؛ أنَّهما يتساويان فيه.

стр. 943

وصرَّح القاضي، وابن عقيل، والأصحاب في مسألة المضاربة: بأن إطلاق الإقرار بشيء أنَّه بينه وبين زيد يتنزَّل على المناصفة أيضاً. وكذلك صرَّحوا به في الوصايا إذا قال: وصَّيت لفلان وفلان بمائةٍ بينهما، أنَّ لكلِّ واحد خمسين. ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور فيمن قال: بين فلان وفلان مائة درهم، وأحدهما ميِّت: ليس للحيِّ إلَّا خمسون درهماً، وكذا لو قال: لفلان وفلان مائة درهم، وأحدهما ميِّت، وأنكر قول سفيان بالتَّفرقة بينهما (١). وهذا تصريح بأنَّ إطلاق الوصيَّة لفلان وفلان تتنزَّل على التَّساوي، كما لو قال: بينهما. والوجه الثَّاني: أنَّ إطلاق البينيَّة لا يقتضي التَّساوي، وبه جزم القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «عُمَده» في مسألة الإقرار في كتاب البيع، وكذلك ذكره أبو الخطَّاب في الإقرار، وصاحبا «المغني» و «المحرر». ومنها: القصاص المستحقُّ لجماعة بقتل موروثهم، يستحقُّ كلُّ واحد منهم بالحصَّة؛ فمن عفا منهم؛ سقط حقُّه، وسقط الباقي؛ لأنَّه لا يتبعَّض. وههنا صور مختلف فيها؛ هل تلحق بالنَّوع الأوَّل، أو الثَّاني؟ كالغرامات الواجبة على جماعة بسبب واحد؛ كالمشتركين في قتل

стр. 944

آدميٍّ، أو صيد محترم (١)، أو في الوطء في الحجِّ، أو الصِّيام؛ هل تتعدَّد عليهم الدِّيات، والجزاء، والكفَّارة؟ وكذلك عقود التوثُّقات؛ كالرَّهن، والضَّمان والكفالة، وقد سبق ذكرها (٢).

стр. 945

قاعدة [١١٦] من استند تملُّكه إلى سبب مستقرٍّ لا يمكن إبطاله، وتأخَّر حصول الملك عنه؛ فهل تنعطف أحكام ملكه إلى أوَّل وقت انعقاد السَّبب ، وتثبت أحكامه من حينئذ، أم لا تثبت إلَّا من حين ثبوت الملك؟ فيه خلاف. وللمسألة أمثلة كثيرة: منها: ملك الشَّفيع إذا أخذ بالشُّفعة، وثَمَّ نخل مؤبَّر كان وقت البيع غير مؤبَّر، وفيه وجهان سبق ذكرهما (١). ومنها: ملك الموصى له إذا قبل بعد الموت؛ فهل يثبت له الملك من حين الموت أم لا؟ وفيه خلاف معروف. ومنها: إذا تملَّك المالك للأرض زرعَ الغاصب بنفقته بعد بدوِّ صلاحه؛ فهل تجب زكاته عليه، أم على الغاصب؟ على وجهين، وقد سبق في بيع الثَّمرة قبل بدوِّ صلاحها بشرط القطع نحو ذلك (٢).

стр. 946

ومنها: الفسخ بالعيب والخيار؛ فإنَّه يستند إلى مقارن للعقد؛ فهل هو رفع للعقد من أصله، أو من حينه؟ وفيه خلاف معروف. ومنها: دية المقتول؛ هل تحدث على ملك الوارث؛ لأنَّها تجب بعد الموت، أو على ملك الموروث (١)؛ لأنَّ سببها وجد في حياته؟ على روايتين معروفتين. وحكى ابن الزَّاغونيِّ في «الإقناع» الرِّوايتين في القصاص أيضاً؛ هل هو واجب للورثة ابتداءً، أو موروث عن الميِّت؟ ومنها: إذا انعقد سبب الملك أو الضَّمان في الحياة، وتحقَّق بعد الموت؛ كمن نصب شبكة، فوقع فيها صيد بعد موته، أو عثر بها إنسان، وفيه خلاف سبق ذكره. (٢) ومنها: إذا كاتب عبداً، ثمَّ مات، ولم يؤدِّ إليه شيئاً، فأدى إلى ورثته، وعتق؛ فهل الولاء للسيِّد الَّذي كاتبه؛ لانعقاد سببه في ملكه، أو للورثة المؤدَّى لهم؛ لتحقُّق السَّبب في ملكهم؟ على روايتين، والمذهب: أنَّ الولاء للسيِّد الأوَّل. ومنها: إذا كاتب المكاتَب عبداً، فأدَّى إليه، وعتق قبل أدائه، أو أعتقه بمال، وقلنا: له ذلك؛ ففي ولائه وجهان: أحدهما: أنَّه للسيِّد الأوَّل، وهو محكيٌّ عن أبي بكر؛ لثبوت الولاء

стр. 947

على هذا العتيق في حال ليس مولاه من أهل الميراث، فاستقرَّ لمولى المولى. والثَّاني: هو موقوف، فإن أدَّى المكاتب الأوَّل وعتق؛ فالولاء له؛ لانعقاده له قبل عتقه، وهو قول القاضي في «المجرد». ورجَّح في «الخلاف» قول أبي بكر، حتَّى حكى عنه: أنَّه لو عتق (١) المكاتب الأوَّل قبل الثَّاني؛ فالولاء للسَّيِّد؛ لانعقاد سبب الولاء له، حيث كان المكاتب ليس أهلاً له. وكلام أبي بكر إنَّما يدلُّ على استقرار الولاء للسَّيِّد إذا وقعت الكتابة أو العتق المنجز بإذنه، وأمَّا ما وقع بغير إذنه؛ فالعتق عنده موقوف على أداء المكاتب الأوَّل؛ فينبغي أن يكون الولاء له كولاء ذوي رحمه الَّذين اشتراهم في حال الكتابة. وأمَّا العبد القنُّ إذا أَعتق بإذن سيِّده ممَّا ملَّكه، وقلنا: يملكه؛ فحكى صاحب «المغني» عن طلحة العاقوليِّ من أصحابنا (٢): أنَّه موقوف، فإن عتق؛ فالولاء له، وإن مات قنًّا؛ فهو للسَّيِّد. وفي «المجرَّد» للقاضي: أنَّ الولاء للسَّيِّد مطلقاً. ونص أحمد في رواية ابن منصور في عبد أذِنَ له سيِّده أن يبتاع عبداً

стр. 948

ويعتقه: أنَّ ولاءه للسَّيِّد (١)، وقال: إذا أذنوا له؛ فكأنهم هم المعتقون. وهذا يدلُّ على الفرق بين عتق المكاتب بإذن سيِّده، وعتقه بدونه كما سبق. ويحتمل أن يكون مخرَّجاً على قوله: إنَّ العبد لا يملك، وأنَّه أعتقه بإذن سيِّده بطريق الوكالة، ثمَّ ليس في نصِّه أنَّ العبد عتق بعد ذلك، وإنَّما فيه أنَّ سيِّده باعه. ويشبه هذه المسائل: إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة، وأسلمن معه، واختار منهنَّ أربعاً؛ انفسخ نكاح البواقي، وهل يبتدئن العدَّة من حين الاختيار؛ لأن نكاحهنَّ إنَّما انفسخ به، أو من حين الإسلام؛ لأنَّه السبب؟ على وجهين. فأمَّا تصرُّف الفضوليِّ إذا قلنا: يقف على الإجازة؛ فأجازه من عقد له؛ فهل يقع الملك فيه من حين العقد حتَّى يكون النَّماء له، أم من حين الإجازة؟ على وجهين: أحدهما: من حين العقد (٢)، وبه قطع القاضي في «الجامع»، وصاحب «المغني» في مسألة نكاح الفضولي. والثَّاني: من حين الإجازة، وبه جزم صاحب «النِّهاية»، ولكن السَّبب هنا غير مستقرٍّ؛ لإمكان إبطاله بالرَّدِّ.

стр. 949

ويشهد للوجه الثَّاني: أنَّ القاضي صرَّح بأن حكم الحاكم بمختلف فيه إنَّما يفيد صحَّة المحكوم به، وانعقاده من حين الحكم، وقبل الحكم كان باطلاً (١).

стр. 950

ويلتحق بهذه القاعدة: العبادات الَّتي يكتفى بحصول بعض شرائطها في أثناء وقتها إذا وجد الشَّرط في أثنائها؛ فهل يحكم لها بحكم ما اجتمعت شرائطه من ابتدائها، أم لا؟ فيه خلاف أيضاً (١). وينبني عليه مسائل: منها: إذا نوى الصَّائم المتطوِّع الصَّوم في (٢) أثناء النَّهار؛ فهل يحكم له بحكم الصِّيام من أوَّله، أو من حين نواه، فلا يثاب على صومه إلَّا من حين النِّيَّة؟ على وجهين، والثاني ظاهر كلام أحمد. ومنها: إذا بلغ الصَّبيُّ، أو عتق العبد، وهما محرمان قبل فوات وقت الوقوف؛ فهل يجزئهما عن حجَّة الإسلام؟ على روايتين؛ أشهرهما: الإجزاء. فقيل: لأنَّ إحرامهما انعقد مراعًى؛ لأنَّه قابل للنَّقل والانقلاب. وقيل: بل يقدَّر ما مضى منه؛ كالمعدوم، ويكتفى بالموجود منه. وقيل: إن قلنا: الإحرام شرط محض؛ كالطَّهارة للصَّلاة؛ اكتفي بالموجود منه، وإن قيل: هو ركن؛ لم يكتف به.
следующие страницы →