← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ومنها: الفسخ بالعيب والخيار؛ فإنَّه يستند إلى مقارن للعقد؛ فهل هو رفع للعقد من أصله، أو من حينه؟ وفيه خلاف معروف. ومنها: دية المقتول؛ هل تحدث على ملك الوارث؛ لأنَّها تجب بعد الموت، أو على ملك الموروث (١)؛ لأنَّ سببها وجد في حياته؟ على روايتين معروفتين. وحكى ابن الزَّاغونيِّ في «الإقناع» الرِّوايتين في القصاص أيضاً؛ هل هو واجب للورثة ابتداءً، أو موروث عن الميِّت؟ ومنها: إذا انعقد سبب الملك أو الضَّمان في الحياة، وتحقَّق بعد الموت؛ كمن نصب شبكة، فوقع فيها صيد بعد موته، أو عثر بها إنسان، وفيه خلاف سبق ذكره. (٢) ومنها: إذا كاتب عبداً، ثمَّ مات، ولم يؤدِّ إليه شيئاً، فأدى إلى ورثته، وعتق؛ فهل الولاء للسيِّد الَّذي كاتبه؛ لانعقاد سببه في ملكه، أو للورثة المؤدَّى لهم؛ لتحقُّق السَّبب في ملكهم؟ على روايتين، والمذهب: أنَّ الولاء للسيِّد الأوَّل. ومنها: إذا كاتب المكاتَب عبداً، فأدَّى إليه، وعتق قبل أدائه، أو أعتقه بمال، وقلنا: له ذلك؛ ففي ولائه وجهان: أحدهما: أنَّه للسيِّد الأوَّل، وهو محكيٌّ عن أبي بكر؛ لثبوت الولاء

стр. 947

على هذا العتيق في حال ليس مولاه من أهل الميراث، فاستقرَّ لمولى المولى. والثَّاني: هو موقوف، فإن أدَّى المكاتب الأوَّل وعتق؛ فالولاء له؛ لانعقاده له قبل عتقه، وهو قول القاضي في «المجرد». ورجَّح في «الخلاف» قول أبي بكر، حتَّى حكى عنه: أنَّه لو عتق (١) المكاتب الأوَّل قبل الثَّاني؛ فالولاء للسَّيِّد؛ لانعقاد سبب الولاء له، حيث كان المكاتب ليس أهلاً له. وكلام أبي بكر إنَّما يدلُّ على استقرار الولاء للسَّيِّد إذا وقعت الكتابة أو العتق المنجز بإذنه، وأمَّا ما وقع بغير إذنه؛ فالعتق عنده موقوف على أداء المكاتب الأوَّل؛ فينبغي أن يكون الولاء له كولاء ذوي رحمه الَّذين اشتراهم في حال الكتابة. وأمَّا العبد القنُّ إذا أَعتق بإذن سيِّده ممَّا ملَّكه، وقلنا: يملكه؛ فحكى صاحب «المغني» عن طلحة العاقوليِّ من أصحابنا (٢): أنَّه موقوف، فإن عتق؛ فالولاء له، وإن مات قنًّا؛ فهو للسَّيِّد. وفي «المجرَّد» للقاضي: أنَّ الولاء للسَّيِّد مطلقاً. ونص أحمد في رواية ابن منصور في عبد أذِنَ له سيِّده أن يبتاع عبداً

стр. 948

ويعتقه: أنَّ ولاءه للسَّيِّد (١)، وقال: إذا أذنوا له؛ فكأنهم هم المعتقون. وهذا يدلُّ على الفرق بين عتق المكاتب بإذن سيِّده، وعتقه بدونه كما سبق. ويحتمل أن يكون مخرَّجاً على قوله: إنَّ العبد لا يملك، وأنَّه أعتقه بإذن سيِّده بطريق الوكالة، ثمَّ ليس في نصِّه أنَّ العبد عتق بعد ذلك، وإنَّما فيه أنَّ سيِّده باعه. ويشبه هذه المسائل: إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة، وأسلمن معه، واختار منهنَّ أربعاً؛ انفسخ نكاح البواقي، وهل يبتدئن العدَّة من حين الاختيار؛ لأن نكاحهنَّ إنَّما انفسخ به، أو من حين الإسلام؛ لأنَّه السبب؟ على وجهين. فأمَّا تصرُّف الفضوليِّ إذا قلنا: يقف على الإجازة؛ فأجازه من عقد له؛ فهل يقع الملك فيه من حين العقد حتَّى يكون النَّماء له، أم من حين الإجازة؟ على وجهين: أحدهما: من حين العقد (٢)، وبه قطع القاضي في «الجامع»، وصاحب «المغني» في مسألة نكاح الفضولي. والثَّاني: من حين الإجازة، وبه جزم صاحب «النِّهاية»، ولكن السَّبب هنا غير مستقرٍّ؛ لإمكان إبطاله بالرَّدِّ.

стр. 949

ويشهد للوجه الثَّاني: أنَّ القاضي صرَّح بأن حكم الحاكم بمختلف فيه إنَّما يفيد صحَّة المحكوم به، وانعقاده من حين الحكم، وقبل الحكم كان باطلاً (١).

стр. 950

ويلتحق بهذه القاعدة: العبادات الَّتي يكتفى بحصول بعض شرائطها في أثناء وقتها إذا وجد الشَّرط في أثنائها؛ فهل يحكم لها بحكم ما اجتمعت شرائطه من ابتدائها، أم لا؟ فيه خلاف أيضاً (١). وينبني عليه مسائل: منها: إذا نوى الصَّائم المتطوِّع الصَّوم في (٢) أثناء النَّهار؛ فهل يحكم له بحكم الصِّيام من أوَّله، أو من حين نواه، فلا يثاب على صومه إلَّا من حين النِّيَّة؟ على وجهين، والثاني ظاهر كلام أحمد. ومنها: إذا بلغ الصَّبيُّ، أو عتق العبد، وهما محرمان قبل فوات وقت الوقوف؛ فهل يجزئهما عن حجَّة الإسلام؟ على روايتين؛ أشهرهما: الإجزاء. فقيل: لأنَّ إحرامهما انعقد مراعًى؛ لأنَّه قابل للنَّقل والانقلاب. وقيل: بل يقدَّر ما مضى منه؛ كالمعدوم، ويكتفى بالموجود منه. وقيل: إن قلنا: الإحرام شرط محض؛ كالطَّهارة للصَّلاة؛ اكتفي بالموجود منه، وإن قيل: هو ركن؛ لم يكتف به.

стр. 951

قاعدة [١١٧] كلُّ عقد معلَّقٍ يختلف باختلاف حالين، إذا وجد تعليقه في أحدهما ووقوعه في الآخر ؛ فهل يغلب عليه جانب التَّعليق، أو جانب الوقوع؟ في المسألة قولان؛ إلَّا أن يفضي اعتبار أحدهما إلى ما هو ممتنع شرعاً (١)؛ فيلغى. ويتفرَّع على ذلك مسائل: منها: الوصيَّة لمن هو في الظَّاهر وارث؛ فيصير عند الموت غير وارث، أو بالعكس، والمذهب: أنَّ الاعتبار بحال الموت، ولم يحك الأكثرون فيه خلافاً؛ فإنَّ الوصيَّة للوارث لا يمكن أن تلزم، والوصيَّة للأجنبيِّ بالثُّلث فما دون لا يمكن أن تقف على الإجازة (٢). ومنهم من حكى خلافاً ضعيفاً في الاعتبار بحال الوصيَّة، كما حكى أبو بكر وأبو الخطَّاب رواية: أنَّ الوصيَّة في حال الصِّحَّة من رأس المال.

стр. 952

ولا يصحُّ عن أحمد، وإنَّما أراد به العطيَّة المنجزة، كذلك قال القاضي وغيره. ومنها: إذا علَّق عتق عبده في صحَّته بشرط، فوجد في مرضه؛ فهل يعتق من الثُّلث، أو من رأس المال؟ على وجهين، وحكى القاضي في «خلافه» روايتين. واختيار أبي بكر وابن أبي موسى: إنَّه يعتق من الثُّلث. وهذا إذا لم تكن الصِّفة واقعة باختيار المعلِّق، فإن كانت من فعله؛ فهو من الثُّلث بغير خلاف، وقد نصَّ عليه أحمد في رواية صالح: إذا قال لامرأته: أنتِ كذا وكذا إن لم أخرج إلى البصرة، وقال: لم تكن لي نيَّة في تعجيل ذلك؛ فلا تطلق حتَّى يكون في وقت لا يقدر أن يخرج (١). وكذلك لو قال: غلامه حرٌّ إن لم يفعل كذا وكذا، فلم يكن له نيَّة؛ فلا يعتق حتَّى يكون في وقت لا يقدر أن يفعل الَّذي قال. فإذا طلقت؛ ورثته واعتدَّت، وإذا عتق؛ كان من ثلثه. وهكذا حكم ما إذا أعتق حملَ أمتِه في صحَّته، ثمَّ وضعته في مرضه، وقلنا: لا يعتق الحمل إلَّا بعد الوضع. ومنها: إذا علَّق طلاق امرأته في صحَّته على صفة، فوجدت في مرضه، ولم يكن من فعله؛ فهل ترث أم لا؟ على روايتين.

стр. 953

والمنصوص: أنَّها ترثه في رواية صالح ومهنَّى (١). والأخرى مخرَّجة من مسألة قذفها في الصِّحَّة، وملاعنتها في المرض. ومنها: إذا أوصى (٢) إلى فاسق، فصار عدلاً عند الموت؛ فهل تصحُّ الوصيَّة بناءً على قولنا: لا يصحُّ الإيصاء (٣) إلى الفاسق؟ على وجهين. ومنها: لو أوصى له بدار، ثمَّ انهدم بعض بنائها قبل الموت؛ فهل يدخل تلك الأنقاض (٤) في الوصيَّة؟ على وجهين. وكذلك الوجهان لو زاد فيها بناءً لم يكن حال الوصيَّة، ذكر ذلك أبو الخطَّاب. ومنها: لو قال العبد: متى ملكت عبداً فهو حرٌّ - وقلنا: يصحُّ هذا التَّعليق من الحرِّ؛ كما هو المشهور من المذهب- ثمَّ عتق، ثمَّ ملك عبداً؛ فهل يعتق؟ على وجهين. ولو وصَّى المكاتب بشيء، ثمَّ عتق قبل موته؛ فهل تصحُّ وصيَّته؟ خرَّجها الشَّيخ مجد الدِّين على الوجهين. ومنها: لو قال العبد لزوجته: إن دخلت الدَّار فأنت طالق ثلاثاً، ثمَّ عتق، ثمَّ دخلت الدَّار؛ فهل تطلق ثلاثاً، أو اثنتين، حيث لم يكن مالكاً

стр. 954

حال التَّعليق لأكثر منها؟ على وجهين. ومنها: لو علَّق طلاق امرأته قبل الدُّخول (١) على قدوم زيد - مثلاً-، ثمَّ دخل بها، ثمَّ قدم زيد وهي حائض؛ فإنَّه يقع الطَّلاق بدعيًّا لا بمعنى الإثم به، بل بمعنى أمره بالمراجعة فيه. ولو كان قد علق طلاقاً أو غيره على طلاق البدعة؛ ترتَّب عليه، ولم يحك الأصحاب فيه خلافاً. ولو قال: إن قمت فأنت طالق، فقامت وهي حائض؛ فهل يكون بدعيًّا؟ قال في «الانتصار»: مباح (٢)، وفي «التَّرغيب»: لقصدها لزوم رجعتها بقيامها، بخلاف قدوم زيد؛ لعدم قصدها فيه؛ بدعيٌّ (٣). (٤)

стр. 955

قاعدة [١١٨] تعليق فسخ العقد وإبطاله بوجوده: إن كان فيه مقصود معتبر شرعاً ؛ صحَّ، وإلَّا لم يصحَّ؛ إذ لو صحَّ؛ لصار العقد غير مقصود في نفسه، هذا مقتضى قواعد المذهب. ويتخرَّج على ذلك مسائل: منها: إذا علَّق الطَّلاق بالنِّكاح؛ فالمذهب المنصوص (١): أنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّ النِّكاح لا يقصد للطَّلاق عقيب العقد. واختلفت الرِّواية عنه (٢) فيمن حلف لزوجته ألَّا يتزوَّج عليها بتعليق طلاق من يتزوَّجها عليها بنكاحها؛ هل يصحُّ، أم لا؟ على روايتين؛ لأنَّ هذا فيه حقٌّ للزَّوجة، فيصير مقصوداً، كما لو شرط ألَّا يتزوَّج عليها. فمن الأصحاب من خصَّ الخلاف بهذه الصُّورة، ولم يخرِّج، ومنهم من خرَّج في الكلِّ روايتين. هذا كلُّه إذا لم يكن حالة التَّعليق في نكاحه؛ فإن كانت في نكاحه

стр. 956

حينئذ، وعلَّق طلاقها على نكاح آخر يوجد؛ فنصَّ أحمد في رواية ابن منصور وغيره على أنَّه يصحُّ هذا التَّعليق (١)، وحكاه القاضي في «المجرَّد» عن أبي بكر، ورجَّحه ابن عقيل؛ لأن التَّعليق هنا في نكاح، ومن أصلنا أنَّ الصِّفة المطلقة تتناول جميع الأنكحة بإطلاقها، وتعود الصفة فيها؛ فكيف إذا قيِّدت بنكاح معيَّن. ولو علَّقه في مِلك يمينه لأمته على نكاحها بعد عتقها؛ فنصَّ أحمد في رواية ابن هانئ على أنَّه يصحُّ (٢)، معلِّلا بأنَّ ملك اليمين كالنِّكاح في استباحة الوطء؛ فلا يكون التَّعليق فيه كتعليق نكاح الأجنبيَّة. وكذلك نصَّ (٣) فيمن أعتق أمته، ثمَّ قال لها متَّصلًا بعتقها: إن نكحتك فأنت طالق: أنه يصحُّ؛ لأنَّه (٤) في هذه الحال يملك عقد النِّكاح عليها قهراً، فلم تنقطع آثار الملك فيه بالكلِّيَّة؛ فلذلك انعقدت فيه الصِّفة. ومنها: تعليق العتق بالملك، والمذهب المنصوص: صحَّته؛ لأنَّ الملك يراد للعتق، ويكون مقصوداً، كما في شراء ذي الرَّحم وغيره. والخلَّال وصاحبه لا يثبتان في المذهب في ذلك خلافاً، وابن حامد والقاضي يحكيان روايتين.

стр. 957

ومنها: تعليق النَّذر بالملك؛ مثل: إن رزقني الله مالاً، فلله عليَّ أن أتصدَّق به، أو بشيء منه؛ فيصحُّ، ونقل الشَّيخ تقيُّ الدِّين عليه الاتِّفاق (١)، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدَّقنَّ. . .﴾ الآية (٢). ومنها: تعليق فسخ الوكالة على وجودها، وتعليق الوكالة على فسخها؛ كالوكالة الدَّوريَّة، وقد ذكر صاحب «التَّلخيص»: أنَّ قياس المذهب صحَّة ذلك؛ بناءً على أنَّ الوكالة قابلة للتَّعليق عندنا، وكذلك فسخها. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا يصحُّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى أن تصير العقود الجائزة لازمة، وذلك تغيير (٣) لقاعدة الشَّرع، وليس مقصود المعلِّق إيقاع الفسخ، وإنَّما قصده الامتناع من التَّوكيل وحلُّه قبل وقوعه، والعقود لا تفسخ قبل انعقادها. (٤) ومنها: تعليق فسخ البيع بالإقالة على وجود البيع (٥)، أو تعليق فسخ النِّكاح بالعيب على وجود النِّكاح، وقد صرَّح الأصحاب ببطلان ذلك، منهم: القاضي، وابن عقيل، وأبو الخطَّاب، معلِّلين بأنَّه رفع للعقد قبل عقده.

стр. 958

ومنهم من يعلِّل بأنَّ الفسوخ لا تقبل التَّعليق، وقد صرَّح كثير منهم؛ كالقاضي، وأبي الخطَّاب، وابن عقيل، وصاحب «المغني» بهذا المأخذ، وهو مخالف لما نصَّ عليه أحمد في مسألة: إن جئتني بالثَّمن إلى كذا وكذا، وإلَّا فلا بيع بيننا، أنَّه يصحُّ (١)، ويكون تعليقاً للفسخ على شرط. وقد صرَّح القاضي بجوازه في البيع خاصَّة في «خلافه»، ومن المتأخِّرين من صرَّح به في فسخ الإجارة أيضاً. ومنها: تعليق فسخ التَّدبير بوجوده، وصرَّح (٢) القاضي في «المجرَّد» بامتناعه فيما إذا قال لأمته المدبَّرة: كلَّما ولدت ولداً؛ فقد رجعت في تدبيره، فقال: لا يكون رجوعاً؛ لأنَّ الرُّجوع إنَّما يصحُّ في تدبير موجود، وهذا بعدُ ما خلق؛ فكيف يكون رجوعاً؟ كما لو قال لعبده: متى دبَّرتك؛ فقد رجعت؛ لم يصحَّ. هذا لفظه.

стр. 959

قاعدة [١١٩] إذا وجدنا لفظاً عامًّا قد خصَّ بعض أفراده بحكم موافق للأوَّل، أو مخالف له ؛ فهل يُقضى بخروج الخاصِّ من العامِّ وانفراده بحكمه المختصِّ به، أو يُقضى بدخوله فيه فيتعارضان مع اختلاف الحكم، ويتعدَّد سبب الاستحقاق مع اتِّفاقه؟ هذا على قسمين: أحدهما: أن يكون الخاصُّ والعامُّ في كلام واحد متَّصل؛ فالمذهب: أنَّه يفرد الخاصُّ بحكمه، ولا يُقضى بدخوله في العامِّ، وسواء كان ذلك الحكم ممَّا يمكن الرُّجوع عنه كالوصايا، أو لا يمكن كالإقرار. ويتفرَّع على ذلك مسائل: منها: لو قال: هذه الدَّار لزيد، ولي منها هذا البيت؛ قُبِلَ، ولم يدخل البيت في الإقرار، صرَّح به الأصحاب. ويجيء على اختيار ابن عقيل في مسألة (كان له عليَّ وقضيته) أنَّه لا يقبل منه في القضاء: ألَّا يقبل ههنا إفراد البيت؛ لأنَّ مأخذه: أنَّ المعطوف بالواو جملة مستقلَّة غير مرتبطة بما قبلها؛ فهي دعوى مستقلَّة؛ كما قالوا في قوله: (أنت طالق وعليك ألف): إنَّها تطلق بغير

стр. 960

عوض، بخلاف الاستثناء والصِّفات؛ فإنَّها مع ما قبلها شيء واحد. والصَّحيح الأوَّل، وأنَّ المعطوف بالواو مع المعطوف عليه في حكم الجملة الواحدة، وهو المنصوص عن أحمد. وأمَّا: أنت طالق وعليك ألف؛ ففيها روايتان. ومأخذ الوقوع بغير عوض غير ما ذكروه (١). ومنها: لو وصَّى لزيد بشيء، وللمساكين بشيء، وهو مسكين؛ فإنَّه لا يستحقُّ مع المساكين من نصيبهم شيئاً، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن هانئ (٢) وعليِّ بن سعيد. ونقل القاضي فيما قرأته بخطِّه: الاتِّفاق على أنَّ زيداً لا يستحقُّ من وصيَّة المساكين في مثل (٣) هذه الصُّورة؛ وإن كان مسكيناً. مع أنَّ ابن عقيل في «فنونه» حكى عنه أنَّه خرَّج وجهاً آخر

стр. 961

بمشاركتهم إذا كان مسكيناً (١). ومنها: لو وصَّى لزيد بخاتم، وبفصِّه لآخر، أو وصَّى لرجل بعبد، وبمنافعه لآخر، أو لأحدهما بالدَّار، ولآخر بسكناها، ونحو ذلك، بلفظ لا يقتضي انفراد كلِّ واحد بما وُصِّي له به صريحاً؛ فقال أبو بكر في «الشَّافي»: لكلِّ واحد منهما ما وُصِّي له به لا يشاركه الآخر فيه. وحمله الشَّيخ مجد الدِّين على أنَّه كان في كلام واحد متَّصل، وأخذه من مسألة الإقرار السَّابقة. والمنصوص عن أحمد ههنا التَّوقُّف، قال مهنَّى: سألت أبا عبد الله عن رجل أوصى بعبد لرجل، ثمَّ أوصى به لآخر؛ قال: هذه مشكلة، فقلت له: فإنَّ ناساً يقولون: يكون العبد بينهم نصفين، قال: لا. فقلت له: فإنَّه أوصى بدار لرجل وأوصى بغلَّتها لآخر، فقال: هذه مثل تلك. فقلت لأبي عبد الله: فإنَّه (٢) أوصى بخاتمه لرجل وأوصى بالفصِّ لآخر، فقال: وهذه أيضاً مثل تلك، ولم يخبرني فيهم بشيء. فتوقَّف في المسألة، وأنكر قول من قال بالاشتراك في العبد إذا

стр. 962

أُوصِيَ به لاثنين (١)، وجعل حكم الوصيَّة بالدَّار وغلَّتها، والخاتم وفصِّه؛ حُكْمَ الوصيَّة بعبد لاثنين؛ فدلَّ على أنَّه لا اشتراك في الفصِّ والغلَّة. وظاهر كلامه: أنَّه (٢) يكون للموصى له به بخصوصه، لكن هذا قد يكون مأخذه أنَّ الوصيَّة الثَّانية رجوع عن الأولى، كما أشعر به كلامه في العبد (٣). والمشهور في المذهب: أنَّ الوصيَّة بعين مرَّةً لرجل، ومرَّةً لغيره؛ لا يكون رجوعاً، بل يشتركان فيها، كما نصَّ عليه أحمد في الوصيَّة بالأجزاء المنسوبة؛ كالثُّلث (٤) ونحوه (٥). ومنها: لو وصَّى بثلثه لرجل، ووصَّى لآخر بمقدَّر منه، فقال (٦)

стр. 963

أحمد في رواية الحسن بن ثواب في رجل قال: ثلثي هذا لفلان، ويعطى فلان منه مائة درهم في كلِّ شهر إلى أن يموت؛ قال: هو للآخر منهما، قيل (١): كيف؟ قال: لأنَّ الوصيَّة رجعت إلى الَّذي قال: ويعطى هذا منه كلَّ شهر، وإذا مات هذا وفضل شيء؛ يردُّ إلى صاحب الثُّلث (٢). ظاهر هذه الرِّواية يدلُّ على تقديم الوصيَّة بالمقدَّر على الوصيَّة بالجزء المنسوب؛ لأنَّهما كالخاصَّة والعامَّة. وكتب القاضي بخطِّه على حاشية «الجامع» للخلَّال: ظاهر كلام أحمد أنَّ الوصيَّة الثَّانية تقتضي الرُّجوع عن الأولى؛ لأنَّ الثَّانية تستغرق جميع المال؛ إذ العمر ليس له حدٌّ معروف، قال: وقد قيل: لا يكون رجوعاً، ويقسم الثُّلث على أربعة: للموصى له بالثُّلث سهم، وثلاثة للآخر، كما لو وصَّى لرجل بماله ولآخر بثلثه، انتهى. وكِلَا الوجهين المذكورين فيهما ضعف؛ لأنَّ أحمد (٣) ردَّ الفاضل عن النَّفقة إلى الأوَّل، وهذا يبطل أنَّه رجوع، ولأنَّ الوصيَّة للثَّاني إنَّما هي من الثُّلث؛ فكيف تكون وصيَّة بالمال كلِّه؟! فيتعيَّن حملها على ما قدَّمناه أوَّلاً (٤).

стр. 964

فأمَّا المسألة الَّتي ذكرها الخرقيُّ في كتابه، وهي: إذا أوصى لرجل بعينٍ (١) من ماله؛ كعبد، ولآخر بجزء مشاع منه؛ كالثُّلث، وأنَّ الوصيَّتين تزدحمان في المعيَّن مع الإجازة، كما لو وصَّى به لاثنين، وتبعه على ذلك ابن حامد، والقاضي، والأصحاب؛ فهذا قد (٢) يحمل على ما إذا كانت الوصِيَّتان في وقتين مختلفين، ولا إشكال على هذا (٣). وإن حُمل على إطلاقه - وهو الَّذي اقتضاه كلام الأكثرين-؛ فهو وجه آخر، ونصوص أحمد وأصوله تخالفه؛ كنصِّه في رواية مهنَّى في الوصيَّة بالعبد لاثنين (٤)، ونصِّه على أنَّ من أوصى لزيد بشيء، ولجيرانه

стр. 965

بشيء، وزيد من جيرانه؛ أنَّه لا يستحقُّ من الوصيَّة للجيران شيئاً. وقد ذكر ابن حامد أنَّ الأصحاب استشكلوا مسألة الخرقيِّ، وأنكروها عليه، ونسبوه إلى التَّفرُّد بها. القسم الثَّاني: أن يكون الخاصُّ والعامُّ في كلامين منفردين؛ فههنا حالتان: إحداهما: أن يكون المتكلِّم بهما لا يمكنه الرُّجوع عن كلامه، ولا يقبل منه؛ كالأقارير، والشَّهادات، والعقود؛ فيقع التَّعارض في الشَّهادات، ولا يكون الإقرار الثَّاني ولا العقد الثَّاني رجوعاً عن الأوَّل. هكذا ذكره غير واحد من المتأخِّرين، مع أنَّ كلام أحمد وأبي بكر عبد العزيز في أنَّ الخاصَّ لا يدخل في العامِّ ليس فيه تفصيل بين الكلام الواحد وغيره. فقد يقال: إنَّ الخاصَّ لا يدخل في العامِّ مطلقاً، ويكون تخصيصه بالذِّكر قرينة مُخرِجة له من العموم، ما لم يعارض ذلك قرينةٌ تقتضي دخوله فيه.

стр. 966

وعلى تقدير دخوله فيه بقرينة أو مطلقاً، فإذا تعارضت دلالة العامِّ ودلالة الخاصِّ في شيء واحد؛ فهل ترجَّح دلالة الخاصِّ، أم يتساويان؟ ذكر ابن عقيل في «الواضح»: أنَّهما يتساويان (١). وذكر أبو الخطَّاب في «التَّمهيد»: أنَّه يقدَّم دلالة الخاصِّ. وهذا هو الَّذي ذكره القاضي، وابن عقيل أيضاً، والأصحاب كلُّهم في مسألة تخصيص القرآن بخبر الواحد، وفي مسألة تقديم الخاصِّ على العامِّ عند التَّعارض وإن عُلم تقدُّم الخاصِّ، حتَّى قال أبو الخطَّاب وغيره: لا يجوز أن يَنسَخ العامُّ الخاصَّ؛ لأنَّه ليس بمساوٍ له. والحالة الثَّانية: أن يكون الرُّجوع ممكناً، كالوصيَّة، وعزل الإمام لمن يمكنه عزله وولايته؛ فهذا يشبه تعارض العامِّ والخاصِّ في كلام الشَّارع في الأحكام، وفي ذلك ثلاث روايات: أشهرها: تقديم الخاصِّ مطلقاً، وتخصيص العموم به، سواء جهل التَّاريخ أو علم. والثَّانية: إن جهل التَّاريخ؛ فكذلك، وإلَّا قدِّم المتأخِّر منهما.

стр. 967

والثَّالثة: إن علم التَّاريخ؛ عمل بالمتأخِّر، وإن جهل تعارضا. ويتَّصل بهذه القاعدة قاعدتان: إحداهما: إذا اجتمع في شخص استحقاق بجهة خاصَّة؛ كوصيَّة معينة وميراث، واستحقاق بجهة عامَّة؛ كالفقر والمسكنة؛ فإنه لا يأخذ إلَّا بالجهة الخاصَّة، نصَّ عليه (١). ويتفرَّع على ذلك مسائل: منها: إذا أوصى (٢) لزيد بشيء، ووصَّى لجيرانه بشيء، وهو من الجيران؛ فإنَّه لا يعطى من نصيب الجيران. ومنها: إذا وصَّى لزيد بشيء، وللفقراء بشيء، وزيد فقير؛ فإنَّه لا يعطى من نصيب الفقراء شيئاً، نصَّ أحمد على الصُّورتين. وخرَّج القاضي فيما نقله ابن عقيل عنه في «فنونه»: الاستحقاق بجهة الفقر والجوار، كما يستحقُّ عامل الزَّكاة الأخذ بجهة الفقر مع العمالة. ومنها: لو وصَّى لأقاربه بشيء، ووصَّى أن يكفَّر عنه أيمان؛ فلا يعطى من الكفَّارة من أخذ من الوصيَّة من الأقارب، نصَّ عليه في رواية صالح (٣). ومنها: لو وصَّى للفقراء، وورثته فقراء؛ لم يجز لهم الأخذ من

стр. 968

الوصيَّة، نصَّ عليه في رواية حرب، وقال: (الوارث لا يضرب في المال مرَّتين (١)، إذا كان وارثٌ؛ لم يأخذ من الوصيَّة شيئاً). ونقل نحوه أبو الصَّقر (٢) والفضل بن زياد. وكذلك نصَّ على أنَّ الوارث لا يحجُّ عن الميِّت، ويأخذ الوصيَّة، وحمله القاضي على منعه من أخذ الزَّائد عن نفقة المثل، فأمَّا نفقة المثل؛ فتجوز؛ لأنَّها معاوضة. القاعدة الثَّانية: إذا اجتمعت صفات في عين؛ فهل يتعدَّد الاستحقاق بها كالأعيان المتعدِّدة؟ المشهور في المذهب: أنَّها كالأعيان في تعدُّد الاستحقاق. ويندرج تحت ذلك صور: منها: الأخذ من الزَّكاة بالفقر، والغرم، والغزو، ونحوها. ومنها: الأخذ من الخمس بأوصاف متعدِّدة. ومنها: الأخذ من الصَّدقات المنذورة، والفيء، والوقوف. ومنها: المواريث بأسباب متعدِّدة؛ كالزَّوج إذا كان ابن عمٍّ، وابن

стр. 969

العمِّ إذا كان أخاً (١) لأمٍّ؛ بالاتِّفاق، وكذلك الجدَّات المدليات بقرابتين، والأرحام، والمجوس ونحوهم ممَّن يدلي بنسبين، فإنَّهم يرثون بالجميع على الصَّحيح من المذهب. ومنها: في تعليق الطَّلاق، كما لو قال: إن كلَّمتِ رجلاً فأنت طالق، وإن كلَّمتِ فقيهاً؛ فأنت طالق، وإن كلَّمتِ أسود؛ فأنت طالق؛ فكلَّمتْ رجلاً فقيهاً أسود؛ طلقت ثلاثاً. وكذا لو قال: إن ولدتِ ولداً؛ فأنت طالق، وإن ولدتِ أنثى؛ فأنت طالق، فولدتْ أنثى؛ طلقت طلقتين. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (لا تطلق إلَّا واحدة في المسائل كلِّها مع الإطلاق؛ لأنَّ الأظهر في مراد الحالف أنت طالق، سواء ولدتِ ذكراً أو أنثى، وسواء كلَّمتِ رجلاً، أو فقيهاً، أو أسود؛ فينزل الإطلاق عليه؛ لاشتهاره في العرف، إلَّا أن ينوي خلافه. ونصَّ الإمام أحمد في رواية ابن منصور (٢) فيمن قال لامرأته: أنتِ طالق طلقة إن ولدتِ ذكراً، وطلقتين إن ولدتِ أنثى، فولدتْ ذكراً وأنثى (٣): أنَّه على ما نوى، إنَّما أراد ولادة واحدة، وأنكر قول سفيان: إنَّه يقع عليها بالأوَّل ما علَّق به، وتبين بالثَّاني ولا تطلق به) (٤). وقول سفيان هو الَّذي عليه أصحابنا؛ أبو بكر، وأبو حفص،

стр. 970

والقاضي وأصحابه، وكذلك ابن حامد، وزاد: أنَّها تطلق بالثَّاني أيضاً. والمنصوص أصحُّ؛ لأنَّ الحالف إنَّما حلف على حمل واحد وولادة واحدة، والغالب أنَّها لا تكون إلَّا ولداً واحداً، لكنَّه لمَّا كان ذكراً مرَّة وأنثى أخرى نوَّع التَّعليق عليه، فإذا ولدت هذا الحمل ذكراً وأنثى؛ لم يقع به المعلَّق بالذَّكر والأنثى جميعاً، بل المعلَّق بأحدهما فقط؛ لأنَّه لم يقصد إلَّا إيقاع أحد الطَّلاقين، وإنَّما ردَّده؛ لتردُّده في كون المولود ذكراً أو أنثى، وينبغي أن يقع أكثر الطَّلاقين (١)؛ إذ كان القصد تطليقها بهذا الوضع، سواء كان ذكراً أو أنثى، لكنَّه أوقع بولادة أحدهما أكثر من الآخر، فيقع به أكثر المعلَّقين. تنبيه: إذا كانت الجهة واحدة؛ لم يتعدَّد الاستحقاق بتعدُّد الأوصاف المدلية إليها؛ كالوصيَّة لقرابته إذا أدلى شخص بقرابتين والآخر بقرابة واحدة، ذكره القاضي في «خلافه» في الوصيَّة للإخوة: أنَّه تستوي الإخوة للأبوين، والإخوة للأب، والإخوة للأمِّ؛ لأنَّ الكلَّ مشتركون في جهة الأخوَّة؛ فلا عبرة بتعدُّد الجهات الموصلة إليها.

стр. 971

قاعدة [١٢٠] يرجَّح ذو القرابتين على ذي القرابة الواحدة، وإن لم تكن إحداهما لها مدخل في الاستحقاق ؛ في مسائل: منها: في الأخ للأبوين على الأخ للأب في الميراث بالولاء رواية واحدة. وخرَّج ابن الزَّاغونيِّ في كتاب (١) «التَّلخيص» في الفرائض رواية أخرى بالاشتراك، من مسألة النِّكاح. ومنها: تقديم الأخ للأبوين على الأخ للأب في ولاية النِّكاح في إحدى الرِّوايتين، اختارها أبو بكر، ورجَّحه صاحب «المغني». ومنها: تقديمه عليه في حمل العاقلة، وفيه الرِّوايتان. ومنها: تقديمه عليه في الصَّلاة على الجنازة، وفيه الرِّوايتان أيضاً. ومنها: في الوقف المقدَّم فيه بالقُرْب، وكذلك الوصيَّة؛ فيرجَّح الأخ للأبوين على الأخ للأب، صرَّح به القاضي والأصحاب في الوصيَّة، وعلَّلوا: بأنَّ الانفراد بالقرابة كالتَّقدُّم بدرجة. وخالف الشَّيخ تقيُّ الدِّين في الوقف وقال: لا يرجَّح فيه بالقرابة الأجنبيَّة عن استحقاق الوقف.

стр. 972

قاعدة [١٢١] في تخصيص العموم بالعرف، ولها صورتان: إحداهما: أن يكون قد غلب استعمال الاسم العامِّ في بعض أفراده حتَّى صار حقيقة عرفيَّة؛ فهذا يخصُّ به العموم بغير خلاف. فلو حلف لا يأكل شواء؛ اختصَّت يمينه باللَّحم المشويِّ دون البيض وغيره ممَّا يُشوى. وكذلك لو حلف على لفظ الدَّابَّة، والسَّقف، والسِّراج، والوتد؛ لا يتناول إلَّا ما يُسمَّى في العرف كذلك، دون الآدميِّ، والسَّماء، والشَّمس، والجبل؛ فإنَّ هذه التَّسمية فيها هُجرت حتَّى عادت مجازاً. الصُّورة الثَّانية: ألَّا يكون كذلك، وهو نوعان: أحدهما: ما لا يطلق عليه الاسم العامُّ إلَّا مقيَّداً به، ولا يفرد بحال؛ فهذا لا يدخل في العموم بغير خلاف نعلمه، كخيار شنبر (١)، وتمر هندي؛ لا يدخلان في مطلق التَّمر والخيار، ذكره القاضي في «خلافه». ونظيره ماء الورد، لا يدخل في مسمَّى الماء المطلق.

стр. 973

والنَّوع الثَّاني: ما يطلق عليه الاسم العامُّ، لكنَّ الأكثر ألَّا يذكر معه إلَّا بقيد أو قرينة، ولا يكاد يفهم عند الإطلاق دخوله فيه؛ ففيه وجهان. ويتفرَّع عليهما مسائل: منها: لو حلف لا يأكل الرُّؤوس؛ فقال القاضي: يحنث بأكل كلِّ ما يسمَّى رأساً؛ من رؤوس الطَّير والسَّمك، ونقله في موضع عن أحمد، وقال في موضع: العرف يعتبر في تعميم الخاصِّ لا في تخصيص العامِّ (١). وقال أبو الخطَّاب: لا يحنث إلَّا برأس يؤكل في العادة مفرداً، وكذلك ذكر القاضي في موضع من «خلافه»: أنَّ يمينه تختصُّ بما يسمَّى رأساً عرفاً (٢). وحكى ابن الزَّاغونيِّ في «الإقناع» روايتين: إحداهما: يحنث بأكل كلِّ رأس. والثَّانية: لا يحنث إلَّا بأكل رؤوس بهيمة الأنعام خاصَّة. وعزا الأوَّل إلى الخرقيِّ. وفي «التَّرغيب» ذكر الوجه الثَّاني: أنَّه لا يحنث إلَّا بأكل رأس يباع

стр. 974

مفرداً للأكل عادة، قال: فإن جرت عادة قوم بإفراد رؤوس الظِّباء؛ حنث به في ذلك المكان. وفي غيره وجهان، مأخذهما: هل الاعتبار بأصل العادة أو عادة الحالف؟ انتهى (١). ومنها: لو حلف لا يأكل البيض؛ فهو على الوجهين (٢) أيضاً: فيحنث عند القاضي بأكل بيض السَّمك وغيره. ولا يحنث عند أبي الخطَّاب إلَّا بأكل بيض يزايل (٣) بائضه في حياته. وزعم صاحب «الكافي» أنَّ التَّخصيص هنا إنَّما جاء من إضافة الأكل إلى الرُّؤوس والبيض، حيث كانت العادة تخصُّ بعض أنواعهما. وظاهر كلامه: أنَّه لو علَّق حكماً سوى الأكل؛ لعمَّ بغير خلاف، وفيه نظر. ومنها (٤): لو حلف لا يأكل اللَّحم، فأكل لحم السَّمك؛ ففيه وجهان أيضاً.

стр. 975

وقال أحمد في رواية صالح: هو على نيَّته (١). قال القاضي: معناه إن نوى لحماً بعينه؛ لم يحنث بأكل غيره مع الإطلاق (٢)، وهو قول الخرقيِّ. وقال ابن أبي موسى: لا يحنث مع الإطلاق، وإنَّما يحنث بإدخاله بالنِّيَّة، ولعلَّه ظاهر كلام أحمد. ومنها: لو حلف لا يدخل بيتاً، فدخل مسجداً أو حمَّاماً؛ فالمنصوص في رواية مهنَّى: أنَّه يحنث، وأنَّه لا يُرجع في ذلك إلى نيَّته، واستدلَّ بأنَّ المسجد والحمَّام يُسمَّى بيتاً في الكتاب والسُّنَّة (٣). وهذا يخالف نصَّه في رواية صالح في لحم السَّمك؛ فخُرِّج له في المسألتين روايتان. وخرَّج الأصحاب في هذا وجهاً بعدم الحنث، وخرَّجه صاحب

стр. 976

«المحرَّر» من نصِّه الآتي فيمن حلف بصدقة ماله؛ أنَّه يختصُّ بما يسمَّى عنده مالاً. وكذا الخلاف لو حلف لا يركب فركب سفينة. ومنها: لو حلف لا يشمُّ الرَّيحان، فقال القاضي: تختصُّ يمينه بالفارسيِّ؛ لأنَّه المسمَّى بالرَّيحان عرفاً. وقال أبو الخطَّاب وغيره: يحنث بكلِّ نبتٍ له رائحة طيبة؛ لأنَّه ريحان حقيقة. وهذا يعاكس قولهما في مسألة الرُّؤوس والبيض (١). ومنها: لو حلف لا يأكل لحم بقر؛ فهل يحنث بأكل لحم بقر الوحش؟ على وجهين ذكرهما في «التَّرغيب»، وخرَّجهما من وجهين حكاهما فيما إذا حلف لا يركب حماراً، فركب حماراً وحشيًّا؛ هل يحنث أم لا؟ والخلاف ههنا يقرب أخذه من مسألة وجوب الزَّكاة في بقر الوحش، والحنث في مسألة الرُّكوب أضعف؛ لأنَّ الرُّكوب إنَّما يراد به

стр. 977

الحمار الأهليُّ. وشبيهٌ بهذا الخلاف لأصحابنا في مرور الحمار الوحشيِّ بين يدي المصلِّي؛ هل يقطع صلاته أم لا (١)؟ وقد حكاه أبو البقاء في «شرح الهداية». ومنها: لو حلف لا يتكلَّم، فقرأ، أو سبَّح؛ هل يحنث أو لا؟ المشهور: أنَّه لا يحنث. وتوقَّف أحمد فيه في رواية. ومنها: لو حلف بعتق عبيده، أو أعتقهم منجزاً؛ فقال الخرقيُّ وأبو بكر: يتناول القنَّ، والمدبَّر، والمكاتب، وأمَّ الولد، وأشقاصه، وزاد القاضي: عبيد عبده التَّاجر، ونصَّ عليه أحمد في المكاتب في رواية ابن منصور (٢). وخرَّج القاضي رواية بعدم دخول المكاتبين بدون نيَّة، من رواية مهنَّى في الأشقاص أنَّهم لا يدخلون في عتق المماليك، إلَّا أن ينويهم. ومأخذه: أنَّهم خارجون من اسم الرَّقيق والمملوك عرفاً. ولو قيل: إنَّ أمَّ الولد كذلك؛ لم يبعد. ومنها: لو حلف بصدقة ماله، وأراد البرَّ، أو نذره نذر تبرُّر؛ فإنَّه يتصدَّق بثلث جميع أمواله عند الأصحاب. ونقل الأثرم عن أحمد أنَّه سئل: هل الثُّلث من الصَّامت خاصَّة أو

стр. 978

من جميع ما يملك؟ فقال: ذلك على قدر ما نوى، وعلى قدر مخرج يمينه، والأموال عند النَّاس تختلف (١)، الأعراب يسمُّون الإبل والغنم الأموال، وغيرهم يسمِّي الصَّامت، وغيرهم الأرضين، فلو أنَّ أعرابيًّا قال: مالي صدقة، أليس كنَّا نأخذه بإبله أو نحو هذا؟ (٢) قال القاضي في «خلافه»: فظاهر هذا أنَّه يرجع إلى نيته في ذلك، فإن أطلق؛ يرجع إلى عرف الإطلاق عند النَّاذر. وقال أحمد أيضاً في رواية صالح: إذا قال: جاريتي حرَّة إن لم أصنع كذا وكذا؛ قال ابن عمر وابن عبَّاس: «تعتق» (٣)، وإذا قال: مالي في المساكين؛ لم يدخل فيه جاريته. (٤) قال القاضي: وظاهر هذا أنَّ الأمة لا تدخل في عموم المال، قال: والمذهب التَّعميم. والعجب أنَّه (٥) لم يَحكِ بالتَّعميم عن أحمد نصًّا صريحاً ولا ظاهراً.

стр. 979

ومنها: لو حلف لا مال له، وله مال غير زكويٍّ؛ فقال الأصحاب: يحنث، وأخذوه من المسألة الَّتي قبلها. قال ابن الزاغونيِّ في «الإقناع»: وظاهر كلام أحمد أنَّه لا يحنث؛ لأنَّه قال في رواية الحربيِّ: نحن لا نعدُّ الدَّار، والثِّياب، والخادم؛ مالاً.

стр. 980

قاعدة [١٢٢] يخصُّ العموم بالعادة على المنصوص . وذلك في مسائل: منها: لو وصَّى لأقاربه أو (١) أهل بيته؛ قال أحمد في رواية ابن القاسم: إذا قال: لأهل بيتي أو قرابتي؛ فهو على ما يعرف من مذهب الرَّجل إن كان يصل عمَّته وخالته (٢)، ونقل سندي نحوه. وقال في رواية صالح في الوصيَّة لأهل بيته: ينظر من كان يصل من أهل بيته من قبل أبيه وأمِّه، فإن كان لا يصل قرابته من قبل أمِّه؛ فأهل بيته من قبل أبيه (٣). واختلف الأصحاب في حكاية هذه الرِّواية على طريقين: أحدهما: أنَّها رواية ثالثة (٤) في قرائب الأمِّ خاصَّة أنَّهم لا يدخلون

стр. 981

في الوصيَّة، إلَّا إن كان يصلهم في حياته، وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد». والطَّريق الثَّاني: أنها هي المذهب، وأنَّ الاعتبار بمن كان يصله في حياته بكلِّ حال؛ فإن لم يكن له عادة بالصِّلة؛ فهي لقرابة الأب (١)، وهي طريقة القاضي في «خلافه». ونقل عن أحمد: أنَّه لا اعتبار بالصِّلة، قال في رواية ابن منصور في رجل وصَّى في فقراء أهل بيته، وله قرابة في بغداد وقرابة في بلاده، وكان يصل في حياته الَّذين ببغداد، قال: (يعطى هؤلاء الحضور والَّذين في بلاده)، وكذلك نقل عبد الله (٢). قال أبو حفص البرمكيُّ: هذا قول آخر لا يعتبر بمن كان يصل في حياته. قلت: ويحتمل أن يقال: منع الصِّلة ههنا لمن ليس ببغداد قد علم سببه، وهو تعذُّر الصِّلة للبعد، والكلام إنَّما هو فيما تركه مع قدرته عليه. قال القاضي: ويشهد لرواية ابن منصور ما روى عبد الله عنه في رجل وصَّى بصدقة في أطراف بغداد، وقد كان ربَّما تصدَّق في بعض

стр. 982

الأرباض (١) وهو حيٌّ، قال: يتصدَّق عنه في أبواب بغداد كلِّها. (٢) ومنها: لو وصَّى لقرابة غيره، وكان يصل بعضهم، أو وصَّى للفقهاء أو للفقراء، وكان يصل بعضهم؛ قال القاضي في «خلافه»: لا رواية فيه، ولا يمتنع أن يقول فيه ما يقول في أقارب نفسه. ومنها: لو وقف على بعض أولاده وسمَّاهم، ثمَّ على أولاد أولاده؛ فهل يختصُّ البطن الثَّاني بالأولاد المسمَّيين (٣) أوَّلاً، أو يشمل جميع ولد ولده؟ نصَّ أحمد في رواية حرب على أنَّه يشمل جميع ولد الولد. (٤) ويتخرَّج وجه آخر بالاختصاص بولد من وقف عليهم؛ اعتباراً بآبائهم، فإنَّ هذه عطيَّة واحدة؛ فحَمْلُ بعضها على بعض أقرب من حمل الوصيَّة على العطيَّة في الحياة. وهذا النَّصُّ هو قوله في رواية حرب في رجل له ولد صغار خاف عليهم الضَّيعة، فأوقف ماله على ولده، وكتب كتاباً، وقال: هذا صدقة على ولده فلان وفلان، وسمَّاهم، ثمَّ قال: وولد ولده، وله ولد غير هؤلاء، قال: هم شركاء. فحمله الشَّيخان صاحبا «المغني» و «المحرَّر» على ما قلنا، وتبويب

стр. 983

الخلَّال يدلُّ عليه. وقد يقال: إنَّما عمَّ البطن الثَّاني ولد الولد؛ لأنَّ تخصيص البطن الأوَّل بالصِّغار كان لخوفه عليهم الضَّيعة، وهذا المعنى مفقود في البطن الثَّاني؛ فلذلك اشترك فيه أولاد الأولاد كلُّهم. وحمله القاضي وابن عقيل على أنَّ البطن الأوَّل يشترك فيه الولد المسمَّون وغيرهم؛ أخذاً من عموم قوله: (صدقة على ولده)، وتخصيص بعضهم بالذِّكر لا يقتضي التَّخصيص بالحكم؛ كقوله: ﴿وملائكته وجبريل وميكال﴾. وهذا فاسد؛ لأنَّ الآية فيها عطف نسق بالواو، وههنا إمَّا عطف بيان أو بدل، وأيُّهما كان فيقتضي التَّخصيص بالحكم؛ لأنَّ عطف البيان موضِّح لمتبوعه، ومطابق له، وإلَّا لم يكن بياناً، والبدل هو الواسطة (١) المقصود بالحكم؛ فيتعيَّن التَّخصيص به (٢). ولهذا لو قال من له أربع زوجات: زوجتي فلانة طالق؛ لم تطلق الثَّلاثة البواقي، أو قال من له عبيد: عبدي فلان حرٌّ؛ لم يعتق ما (٣) عداه بغير خلاف.

стр. 984

ومنها: لو استأجر أجيراً يعمل له مدَّة معيَّنة؛ حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزَّمان دون غيره بغير خلاف. ومنها: لو حلف لا يأكل من هذه الشَّجرة؛ اختصَّت يمينه بما يؤكل منها عادة، وهو الثَّمر، دون ما لا يؤكل عادة؛ كالورق والخشب.

стр. 985

قاعدة [١٢٣] ويُخَصُّ العموم بالشَّرع - أيضاً - على الصَّحيح في مسائل: منها: إذا نذر صوم الدَّهر؛ لم يدخل في ذلك ما يحرم صومه من أيَّام السنة، أو ما يجب صومه شرعاً؛ كرمضان، على أصحِّ الرِّوايتين. ومنها: لو حلف لا يأكل لحماً؛ لم تتناول يمينه اللَّحم المحرَّم شرعاً على أحد الوجهين. ومنها: لو وصَّى لأقاربه؛ لم يدخل فيهم الوارثون في أحد الوجهين، حكاهما في «التَّرغيب». وظاهر كلام القاضي الدُّخول. وظاهر كلام ابن أبي موسى وابن عقيل خلافه. ومنها: لو وكَّله أن يطلِّق زوجته؛ فهل يدخل فيه الطَّلاق المحرَّم؟ على وجهين، ذكرهما ابن عقيل وصاحب «المحرَّر». ومنها: لو نذر اعتكاف شهر متتابع؛ فله أن يعتكف في غير الجامع، ويخرج إلى الجمعة؛ لاستثنائها بالشَّرع. وفيه وجه: لا يجوز الاعتكاف في غير الجامع. والأوَّل المذهب، كما أنَّه لا ينقطع الصِّيام المتتابع بصوم رمضان، ولا فطر أيَّام النَّهي.
следующие страницы →