← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

٥ - بابُ إثم من قتل معاهدا بغير جرم [حديث من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة] ١٨٣ - [٣١٦٦] حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَمْرو: حَدَّثَنَا مُجَاهِد، عَنْ عبد الله بْنِ عَمرو (١) ﵄ عن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاما» (٢). * شرح غريب الحديث: * " معاهدا " المعاهد: من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة معلومة (٣). * " لم يَرَحْ " لم يرح رائحة الجنة: أي لم يشم ريحها (٤) "لم يرح " فيه ثلاث لغات: فتح الياء والراء: أي لم يجد ريحها، وقيل: بضم الياء وكسر الراء "يُرِحْ "، وقيل بفتح الياء وكسر الراء "يَرِحْ "، ونقل الحافظ ابن حجر ﵀: أن الأجود الذي عليه الأكثر الأول "لم يرحْ " (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق. ٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٣ - من سماحة الإِسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 1017

أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق: إن من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بدون حق؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "والمراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان مسلم " (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "المعاهد هو الذي له ذمة، أي عهد، سواء كان من أهل الجزية أو أهل الأمان، فلا يجوز قتله حتى ينبذ إليه عهده " (٢) فينبغي للداعية أن يُحذِّر الناس من قتل أهل الذمة بغير حق عند الحاجة للتحذير من ذلك. ثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: الترهيب من أساليب الدعوة النافعة؛ ولهذا ثبت هذا الأسلوب في هذا الحديث في قوله ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما»، وهذا فيه ترهيب ووعيد لمن فعل هذه الكبيرة، قال الإِمام الطيبي ﵀: "والمعنى: أنه لم يشم رائحة الجنة ولم يجد ريحها، ولم يرد به أنه لا يجده أصلا، بل أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر، توفيقا بينه وبين ما تعاضدت به الدلائل النقلية والعقلية على أن صاحب الكبيرة إذا كان موحِّدا محكوما بإسلامه لا يخلد في النار ولا يحرم من الجنة" (٣) هذا إن لم يستحل هذه الكبيرة، أو يأتِ بناقض من نواقض الإِسلام، وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: "وهذا من باب الوعيد، فهو تحت المشيئة، فهذا جزاؤه إن جازاه " (٤) فإن شاء الله عذبه بذنبه حتى يطهر ثم يخرجه من النار، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول مرة بعفوه سبحانه، وإحسانه (٥) أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٦).

стр. 1018

ثالثا: من سماحة الإسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق: دل هذا الحديث على أن الإِسلام يحفظ حرمة العهد والميثاق؛ ولهذا حرم قتل المعاهد الذي دخل في ذمة المسلمين: بصلح، أو عهد، أو أمان، أو بدفع الجزية، إلا أن ينقض العهد ويأتي بما يحل دمه وماله؛ ولهذا قال ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، وقد أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعقود والعهود والمواثيق فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (١). قال الإِمام أبو جعفر الطبري ﵀: "أوفوا بالعقود" يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا، فأتموها بالوفاء، والكمال، والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثوها، فتنقضوها بعد توكيدها" (٢). ونقل ﵀: اتفاق أهل التفسير على أن معنى "العقود" العهود (٣) وقد جعل النبي ﷺ نقض العهد من علامات النفاق الخالص، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٤) وهذا يؤكد للداعية أنه ينبغي له أن يبين سماحة الإِسلام وحفظه لحرمة العهود والمواثيق.

стр. 1019

٦ - بابُ إِخْراجِ اليهُودِ من جزيرةِ العرب وَقَالَ عُمَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أُقركم مَا أَقَرَّكُم الله». [حديث أقركم ما أقركم الله] ١٨٤ - [٣١٦٧] حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجدِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "انْطلِقُوا إِلَى يَهُودَ" فَخَرَجْنا حَتَى جِئْنَا بَيْتَ المِدْرَاسِ فَقَال: "أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرض، فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئا فَلْيَبِعْهُ، وإِلَّا فَاعلَمُوا أَنَّ الأَرْض لِلَّهِ وَرَسُولِهِ». (٢). وفي رواية: «فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا" فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أبا الْقَاسِم، فَقَالَ: "ذَلِكَ أُرِيدُ"، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ. فَقَالُوا: قَدْ بلَغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، ثُم قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: " اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» (٣). * شرح غريب الحديث: * " بيت المدراس "المدراس: صاحب دراسة كتب اليهود، وبيت المدراس: البيت الذي يدرسون فيه (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من ميادين الدعوة: المسجد. ٢ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة. ٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على الدخول في الإِسلام.

стр. 1020

٤ - من أساليب الدعوة: الجدل بالتي هي أحسن. ٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على إخراج المشركين من جزيرة العرب. ٦ - من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة. ٧ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٨ - أهمية أسلوب التأكيد بالتكرار. ٩ - من أصناف المدعوين: اليهود. ١٠ - من صفات اليهود: المكر والخديعة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من ميادين الدعوة: المسجد: دل هذا الحديث على أن من ميادين الدعوة إلى الله المسجد؛ لقول أبي هريرة ﵁: بينما نحن في المسجد خرج النبي ﷺ فقال: "انطلقوا إلى يهود"، وهذا يؤكد أهمية الدعوة إلى الله في المسجد؛ لأنه من أعظم الميادين النافعة، لما جعل الله في المساجد من البركة، والاستفادة من العلم، وغير ذلك مما يختص بالدين ونشره وتعلمه وتعليمه، والله ولى التوفيق (١). ثانيا: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة: ظهر في هذا الحديث أن إرسال الدعاة من وسائل الدعوة؛ لقوله ﷺ لبعض الصحابة: "انطلقوا إلى يهود"، فينبغي العناية بإرسال الدعاة إلى الله ؛ لنشر العلم بين الناس، وتبليغ الإِسلام إلى كافة الناس، والله المستعان (٢). ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على الدخول في الإسلام: إن دعوة غير المسلمين وحضهم على الدخول في الإِسلام من أعظم الواجبات، وأعلى الثواب في رفع الدرجات؛ ولهذا حض النبي ﷺ جميع البشر على الدخول في الإسلام، ومن ذلك حض اليهود وأمرهم بالدخول في دين الله فقال:

стр. 1021

«يا معشر يهود أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله»، وهذا فيه بيان واضح على أن الحض على الدخول في الإِسلام من أهم المهمات. فينبغي للداعية أن يعتني بدعوة الناس إلى الإِسلام، وبيان محاسنه وخصائصه؛ لترغيب الناس فيه، ولا شك أن أول ما يبدأ الداعية به لدعوة الناس إلى الدخول في الإِسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإن هم انقادوا لذلك فحينئذٍ يبدأ معهم بالتدرج في تعليم شرائع الإِسلام وأخلاقه (١). رابعا: من أساليب الدعوة: الجدل بالتي هي أحسن: إن من أهم الأساليب مع المعاندين المجادلة بالتي هي أحسن؛ ولهذا جادل النبي ﷺ اليهود فقال: «يا معشر يهود أسلموا تسلموا"، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال "ذلك أريد»، ثم قالها الثانية، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قالها الثالثة، وهذا فيه مجادلة بالتي هي أحسن؛ وقد ذكر ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "أن النبي ﷺ بلغ اليهود، ودعاهم إلى الإِسلام والاعتصام به، فقالوا بلغت ولم يذعنوا لطاعته، فبالغ في تبليغهم وكرره، وهذه مجادلة بالتي هي أحسن " (٢) وهذا يؤكد أهمية الجدل بالتي هي أحسن (٣). خامسا: من موضوعات الدعوة: الحض علي إخراج المشركين من جزيرة العرب: إخراج المشركين من جزيرة العرب أوصى به رسول الله ﷺ قبل موته، وقد ظهر في هذا الحديث قول النبي ﷺ لليهود: «إني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد " (٤) منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله»، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال قبل موته بثلاثة أيام: «أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم»

стр. 1022

وسكت عن الثالثة أو أنسِيهَا (١) وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما» (٢) وجزيرة العرب التي يُخْرَجُ منها المشركون هي: ما بين أقصى عدن اليمن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها إلى أطراف الشام، وقيل لها جزيرة العرب؛ لأن بحر الحبش، وبحر فارس، ودجلة والفرات قد أحاطت بها، وأضيفت إلى العرب؛ لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإِسلام (٣). فينبغي إنفاذ وصية رسول الله ﷺ ، وقد أنفذها عمر ﵁ في خلافته (٤) ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في جزيرة العرب، ولا يمكنوا من الإِقامة فيها أكثر من ثلاثة أيام إلا لضرورة رآها ولي أمر المسلمين بدون إقامة دائمة، وإنما مؤقتة ثم يُخرجون بعد زوال الضرورة المحددة (٥). وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "الواجب إخراج الكفرة من هذه الجزيرة، إلا إذا دخل لحاجة، كرسول لدولته، أو لبيع شيء وليس معه إقامة، فيبقى ثلاثة أيام أو نحوها ثم يخرج" (٦) وسمعته حفظه الله يقول: "فعلى المسلمين أن لا يستقدموا الكفار، بل يستقدموا المسلمين، إلا إذا احتاج ولي الأمر لاستقدامهم للضرورة لبعض الأعمال، فليكن ذلك وقت الضرورة ثم يرجعوا إلى بلادهم " (٧) وهذا وما قبله يؤكد أهمية التحريض على إخراج المشركين من جزيرة العرب، إنفاذا لوصية

стр. 1023

رسول الله ﷺ . والله المستعان وعليه التكلان (١). سادسا: من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة: الفصاحة والبلاغة من الصفات الجميلة التي يجمل أن يتصف بها الداعية، وقد ظهر هذا الأسلوب في الحديث، لقوله ﷺ لليهود: "أسلموا تسلموا" قال الإِمام النووي ﵀: "وفي هذا الحديث استحباب تجنيس الكلام، وهو من بديع الكلام، وأنواع الفصاحة" (٢) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وقوله ﷺ : «أسلموا تسلموا» من الجناس الحسن؛ لسهولة لفظه وعدم تكلفه" (٣) وهذا يبيِّن أهمية الفصاحة للداعية في الدعوة إلى الله (٤). سابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: الترغيب في الدخول في الإِسلام بالوعد بالخير والسلامة من الشر من أساليب الدعوة الناجحة، وقد استخدمه النبي ﷺ في هذا الحديث فقال لليهود: «أسلموا تسلموا»، قال الإِمام القرطبي ﵀: "أي: ادخلوا في دين الإِسلام طائعين تسلموا من القتل والسباء مأجورين " (٥) وهذا يؤكد أهمية أسلوب الترغيب (٦). ثامنا: أهمية أسلوب التأكيد بالتكرار: إن التكرار من الأساليب الجميلة التي ينبغي للداعية أن يستخدمها في دعوته إلى الله ، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ قال لليهود: «أسلموا تسلموا»، ثم كرر ذلك ثلاث مرات؛ قال الحافظ ابن حجر

стр. 1024

رحمه الله: "بَلّغ اليهود ودعاهم إلى الإِسلام والاعتصام به، فقالوا: بلغت، ولم يذعنوا لطاعته، فبالغ في تبليغهم وكرره " (١) وهذا يدل على حرصه ﷺ على هدايتهم، ولكن الله يهدي من يشاء (٢). تاسعا: من أصناف المدعوين: اليهود: دل قول النبي ﷺ : «أسلموا تسلموا» على أن اليهود من أمة الدعوة، فينبغي العناية بدعوتهم على حسب الطرق الحكيمة في دعوتهم، والله الهادي إلى سواء السبيل (٣). عاشرا: من صفات اليهود: المكر والخديعة: ظهر في هذا الحديث مكر اليهود للنبي ﷺ لأنه قال لهم: "أسلموا تسلموا"، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: "ذلك أريد"، فكرر فكرروا، حتى قال ذلك ثلاث مرات. وقولهم: "قد بلغت يا أبا القاسم " كلمة مكر وخديعة تحمل العداوة المستترة؛ قال الإِمام القرطبي ﵀: "قولهم: قد بلغت يا أبا القاسم: كلمة مكر وخديعة، ومداجاة؛ (٤) ليُدافعوه بما يوهمه ظاهرها، وذلك: أن ظاهرها يقتضي أنه قد بلغ رسالة ربه تعالى؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : "ذلك أريد"، أي التبليغ، قالوا ذلك وقلوبهم منكرة، مكذبة" (٥) وهذا فيه تحذير من مكر اليهود وغدرهم؛ قال الله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] (٦) * * * *

стр. 1025

٨ - بابُ إِذا غدر الْمُشْركُون بِالْمُسْلمين هلْ يُعْفى عنْهمْ ؟ [حديث لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم] ١٨٥ - [٣١٦٩] حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ للنَّبِيِّ ﷺ شاة فِيهَا سُمّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ يَهُودَ"، فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيء، فَهَلْ أَنتم صَادِقِيَّ عَنْهُ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ لَهم النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ أَبُوكُمْ؟ " قَالُوا: فلانٌ. فَقَال: "كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فلانٌ ". قَالوا: صَدَقْتَ. قَالَ: "فَهَلْ أنتمْ صَادِقِيَّ عَنْ شيء إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟ " فَقَالُوا: نَعم يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبينَا. فَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ " قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرا، ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "اخْسَؤُوا فيها، واللهِ لَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا أَبَدا". ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أبَا القَاسِمِ. قَالَ: "هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمّا" قَالُوا: نعَمْ. قَالَ: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ " قَالُوا: أرَدْنا إِنْ كُنْتَ كَاذِبا نَسْتَريحُ، وإن كُنْتَ نَبيّا لَمْ يَضُرَّكَ» (٢). وفي رواية: «مَنْ أَبُوكُمْ؟ " قَالُوا: أَبُونَا فُلان، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فلانٌ "، فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ» (٣). * شرح غريب الحديث: * " اخسؤوا "يقال. خسأت الكلب: طردته وأبعدته، والخاسئ: المبعد كما قال الله : ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (٤) ويقال: اخسأ: أي تباعد تَبَاعُدَ سَخَطٍ وَصُغرٍ (٥).

стр. 1026

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية منها: ١ - من تاريخ الدعوة: ذكر فتح خيبر. ٢ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب. ٣ - من أساليب الدعوة: الجدل. ٤ - من صفات الداعية: العفو. ٥ - من وسائل الدعوة: التأليف بقبول هدية المشرك مع الحذر. ٦ - من أساليب الدعوة: استخدام الشدة بالقول عند الحاجة. ٧ - من سنن الله : الابتلاء لأوليائه. ٨ - من معجزات الرسول ﷺ : الإِخبار ببعض المغيبات. ٩ - من أصناف المدعوين: اليهود. ١٠ - من صفات اليهود: الخيانة والخبث. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من تاريخ الدعوة: ذكر فتح خيبر: دل الحديث على ذكر شيء مما وقع في غزوة خيبر؛ لقول أبي هريرة ﵁: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاةٌ فيها سم "، وهذه الحادثة من الحوادث التاريخية المهمة في السنة السابعة للهجرة، وقد ظهر خبث اليهود وخيانتهم لله ورسوله ﷺ (١). ثانيا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: السؤال والجواب من الأساليب الدعوية، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ سأل اليهود عن أبيهم؟ ثم أجابهم، وسألهم: من أهل النار؟ ثم أجابهم بالجواب الصحيح، وسألهم هل جعلوا في الشاة سما؟ ثم سألهم عن السبب لذلك، وهذا يبين أهمية السؤال والجواب في الدعوة إلى الله (٢).

стр. 1027

ثالثا: من أساليب الدعوة: الجدل: الجدل بالتي هي أحسن من أساليب الدعوة؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ في هذا الحديث في المجادلة في أول الأمر، فقال لليهود: «إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه"، فقالوا: نعم. فقال: "من أبوكم؟ " قالوا: فلان، فقال: "كذبتم بل أبوكم فلان" قالوا: صدقت. قال: "فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؛ " فقالوا؛ نعم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم: "من أهل النار؟ " قالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها، فقال النبي ﷺ : "اخسئوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدا» وقد دل هذا الجدل على القوة والغلظة على اليهود؛ لأنهم ظلموا وكذبوا ولم ينقادوا؛ قال الله : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (١) وهذا يؤكد أن الجدال بالتي هي أحسن إنما يكون مع من استمع للحق ولم يتجاوز حدود الأدب، فإذا تجاوز ذلك أغلظ عليه عند القدرة كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] (٢) وهذا فيه تأكيد على أهمية استخدام الجدل على حسب أحوال المجادل، والله المستعان (٣). رابعا: من صفات الداعية: العفو: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يعاقب اليهود بالقتل، أو غيره انتقاما لنفسه، ولكنه عفا وصفح، وقد أكل معه من أصحابه من الشاة: بشر بن البراء ومات بعد ذلك بسبب السم فقتل النبي ﷺ اليهودية التي سمته قصاصا بالبراء، أما هو ﷺ فقد عفا عنها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه ﷺ (٤) فينبغي للداعية أن يعفو ويصفح ولا ينتقم لنفسه إلا أن يجاهد في سبيل الله لنصر الإِسلام (٥).

стр. 1028

خامسا: من وسائل الدعوة: التأليف بقبول هدية المشرك مع الحذر: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة قبول هدية المشرك تأليفا له؛ لأن النبي ﷺ قبل الشاة المصلية التي أهدتها له اليهود، ولكن لا يؤكل من ذبائح غير أهل الكتاب. وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن من فوائد هذا الحديث: "جواز الأكل من طعام أهل الكتاب وقبول هديتهم" (١) ولكن يتأكد على الداعية أن يأخذ حذره من المشركين كافة؛ لأن الله قد بين أن اليهود والنصارى لا يرضون حتى تُتَّبع ملتهم، قال الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] (٢) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٣). سادسا: من أساليب الدعوة: استخدام الشدة بالقول عند الحاجة: إن استخدام الشدة بالقول عند الحاجة من الأساليب الدعوية إذا احتاج الداعية إلى ذلك، ولكن يشترط أن لا يحصل منكر بالشدة، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب؛ لأن النبي ﷺ قال لليهود: «كذبتم بل أبوكم فلان»، وقال لهم: «اخسئوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدا»، وهذا كلام فيه شدة للحاجة إليه من رسول الله ﷺ ، فينبغي للداعية أن يعمل الأصلح عند القدرة عليه والله الموفق (٤). سابعا: من سنن الله : الابتلاء لأوليائه: إن من السنن الثابتة الابتلاء للأولياء من الأنبياء والصالحين، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن أعداء الله اليهود عملوا السم لرسول الله ﷺ فتأثر بذلك وهو حبيب الله وخليله، فينبغي للداعية أن يسأل الله العفو والعافية كثيرا، وإذا حصل له ابتلاء فيلزم الصبر والاحتساب، والله المستعان (٥).

стр. 1029

ثامنا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار ببعض المغيبات: لا شك أن قول النبي ﷺ في هذا الحديث لليهود: "أبوكم فلان"، وقوله لهم: «اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا»، وإعلام الله له بأن اليهود جعلوا في الشاة المصلية سما، يدل ذلك كله على أنه رسول الله ﷺ حقا وصدقا؛ لإِخباره بأمور غائبة عنه ﷺ وهي كما قال؛ لأن الله أخبره بذلك، والله المستعان وعليه التكلان (١). تاسعا: من أصناف المدعوين: اليهود: ظهر في هذا الحديث أن اليهود من أصناف المدعوين؛ لأن النبي ﷺ تألفهم بالعفو والصفح، فلم ينتقم ﷺ لنفسه عندما سمَّه اليهود، ولأنه ﷺ جادلهم بالتي هي أحسن، ثم أغلظ لهم في القول عندما احتاج إلى ذلك (٢). عاشرا: من صفات اليهود: الخيانة والخبث: إن اليهود أعداء الله أشد خبثا وعداوة للمسلمين من غيرهم من الكفرة؛ ولهذا عملوا هذا العمل القبيح: من جعل السم في الشاة، ومن مجادلة رسول الله ﷺ وهم كاذبون في جدالهم، وقد بين الله خيانتهم وعداوتهم فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] (٣) فينبغي الحذر منهم ومن غدرهم وخيانتهم، ومكرهم قاتلهم الله.

стр. 1030

١٤ - بَاب هَل يُعفَى عنِ الذِّمِّيِّ إذا سَحَر ؟ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أخبرني يُونُسَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أهْلِ الْعَهْدِ قَتْل؛ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقتلْ مَنْ صنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ. [حديث أن النبي ﷺ سحر حتى كان يخيل إليه أنه صنع شيئًا ولم يصنعه] ١٨٦ - [٣١٧٥] حَدَّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى: حَدَّثَنَا هِشَام قالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ عَائِشَة (١) «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصنَعْهُ» (٢). وفي رواية: «سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنه يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: "أشَعرتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فيمَا فِيهِ شِفَائِي؟ أتانِي رجُلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَر عِنْدَ رِجْلَي فَقَالَ أَحَدهما لِلآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؛ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم. قَالَ: في مَاذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمَشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذرْوَانَ ". فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: "نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رؤوسُ الشَّيَاطِين"، فَقُلْتُ: أَسْتخرجْتَه؟ فَقَالَ: "لَا. أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ وخَشِيتُ أَنْ يُثيرَ ذلكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئر» (٣). وفي رواية: «سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ

стр. 1031

الأَعْصَمِ. . . "، وفيها: "مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبهُ؟ قَالَ؛ لَبيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وجُفِّ طَلْعِ نَخلَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بئْرِ ذَرْوَانَ. فَأَتَاهَا رَسُولُ الله ﷺ في نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ وَكَأَنَّ رُؤوسَ نَخْلِهَا رُؤوسُ الشَّيَاطِين " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا اسْتَخْرَجْتَهُ؛ قَالَ: "قَدْ عَافَانِي اللهُ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا".، فأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ» (١). وفي رواية: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أنهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ، قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا. . . "، وفي هذه الرواية قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ البِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ». . . " (٢). وفي رواية: «فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فأُخْرِجَ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلاَّ - تَعْنِي تَنشَّرْتَ -؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَما أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا» (٣). * شرح غريب الحديث: * سحر: السحر: كل ما لطف مأخذه ودق (٤) وهو عبارة عما خفي ولطُف سببه (٥) والسحر في عرف الشرع مختص بكل أمرٍ يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويُجرى مجرى التمويه والخداع (٦) والسحر: عزائم وَرُقًى وَعُقدٌ تُؤَثِّرُ في الأبدان والقلوب، فيُمرضُ، وَيَقْتُلُ وَيُفرِّقُ بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه (٧).

стр. 1032

* مطبوب: أي مسحور، كنوا بالطب عن السحر تفاؤُلًا بالبرء كما كنوا بالسليم عن اللديغ (١). * مشط ومشاطة: المشاطة: هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط (٢). * مشاقة: هي المشاطة كما تقدم (٣). * جف طلعة ذكر: الجف: وعاء الطلع للنخل، وهو الغشاء الذي يكون فوقه (٤). * بئر ذروان: هي بئر لبني زريق بالمدينة (٥). * نقاعة الحناء: النقع: الماء الناقع وهو المجتمع، فنقع البئر هو ماؤها الناقع المجتمع (٦). * راعوفة البئر: راعوفة البئر وراعونة، تقال: بالفاء والنون، وهي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون ثابتة هناك فإذا أرادوا تنقية البئر يقوم عليها المستقي، ويقال: بل هو حجر ثابت في بعض البئر يكون صُلْبا لا يمكنهم إخراجه ولا كسره، فيترك على حاله (٧). * تنشرت: النُّشرة بالضم نوع من الرقية يعالج به من كان يُظنُّ أن به مسا من الجن، سميت نشرة؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء: أي يكشف ويزال (٨). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان. ٢ - من صفات الداعية: الإلحاح في الدعاء وتكريره.

стр. 1033

٣ - من صفات الداعية: العفو. ٤ - من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ٥ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٦ - من معجزات الرسول ﷺ : عصمته فيما يبلغه عن ربه ، وإخباره بمكان السحر. ٧ - من موضوعات الدعوة: بيان أهمية الأخذ بالأسباب وأنها لا تنافي التوكل. ٨ - من صفات اليهود: الخيانة لله ولرسوله ﷺ . ٩ - من موضوعات الدعوة: التحذير من السحر وبيان خطره. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الصبر على الابتلاء والامتحان؛ لصبر النبي ﷺ على أذى اليهود قاتلهم الله، فقد سحره اليهودي لبيد بن الأعصم، فلم يجزع ﷺ ، ولم ينتقم لنفسه، بل صبر، واحتسب وعفا ﷺ عنه (١). ثانيا: من صفات الداعية: الإلحاح في الدعاء وتكريره: من اليقين الذي لا شك فيه أن الإِلحاح في الدعاء وتكريره من أسباب الإِجابة وآداب الدعاء؛ ولهذا كرر النبي ﷺ الدعاء لطلب الشفاء من الله من مرض السحر كما قالت عائشة ﵂: «سحر النبي ﷺ حتى كان يخيل إليه أنه يقول الشيء وما يفعله، حتى كان ذات يومٍ دَعَا ودَعَا». . . " قال الإِمام القرطبي ﵀: "وقوله دعا ثم دعا: أي إظهارًا للعجز والافتقار، وعلما منه بأن الله هو الكاشف للكرب والأضرار، وقياما بعبادة الدعاء عند الاضطرار" (٢) وقال الإِمام النووي ﵀ في إلحاح النبي ﷺ في الدعاء وتكريره: "هذا دليل لاستحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات، وحسن الالتجاء إلى الله

стр. 1034

تعالى" (١) ومعلوم أن الإِلحاح في الدعاء: هو الإِقبال على الدعاء ولزومه والمواظبة عليه والإِقبال عليه، وتكريره (٢) كما ذكر النبي ﷺ : "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه: يا ربِّ يا ربِّ " (٣). وهذا يؤكد أهمية الإِلحاح في الدعاء؛ ولهذا قال ﷺ : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي " (٤) فينبغي للداعية أن يلح في الدعاء، ويكرره، ولا يستهين به، وقد أحسن الإِمام الشافعي ﵀ حيث قال: أتهزأُ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاءُ سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أَمَدٌ وللأَمدِ انقضاءُ (٥) ثالثا: من صفات الداعية: العفو: ظهر في هذا الحديث كمال عفو النبي ﷺ ؛ لأنه لم يعاقب لبيد بن الأعصم، ولم يتعرض له حتى بالكلام، ولم يسأله لِمَ سحره؟ وقد ذكر الإِمام الكرماني ﵀ في فوائد هذا الحديث أن فيه: "كمال عفو رسول الله ﷺ " (٦) وهذا يوضح للداعية أهمية الاقتداء برسول الله ﷺ في العفو والصفح، وعدم الانتقام للنفس، وبالله الثقة وعليه التكلان (٧). رابعا: من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: لا شك أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولهذا لم يقتل النبي لبيد بن الأعصم، ولم يُخرج السحر للناس فينشره ويشيعه ويخبر به من

стр. 1035

قابله، لئلا يثير شرّا على المسلمين (١) وقال ﷺ : «أما الله فقد شفاني، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرّا»، قال الإِمام النووي ﵀: "هذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها، وهو من أهم قواعد الإِسلام " (٢) وهذا يؤكد على الداعية العناية بالعمل بهذه القاعدة الدعوية النافعة (٣). خامسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: التشبيه من أساليب الدعوة؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث قول النبي ﷺ لعائشة عن صفة بئر ذروان: «يا عائشة كأن ماءَها نقاعة الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين»، قال الإِمام الكرماني ﵀ في هذا التشبيه: "في كونها وحشة المنظر، سمجة الأشكال، وهو مثل في استقباح الصورة" (٤) وقال الإِمام القرطبي ﵀: "وتشبيهه نخلها برؤوس الشياطين يعني أنها مستكرهة، مستقبحة المنظر، والمخبر، وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئا شبهوه بأنياب أغوال أو رؤوس الشياطين. . . " (٥). وهذا يبين أن أسلوب التشبيه يستخدم في التنفير، كما يستخدم في شد الانتباه، والله أعلم (٦). سادسا: من معجزات الرسول ﷺ : عصمته فيما يبلغه عن ربه وإخباره بمكان السحر: من المعجزات التي تدل على صدق نبوة محمد ﷺ : إعلام الله له بمكان السحر، وعصمته ﷺ فيما يبلغه عن ربه ، فلم يؤثِّر السحر على عقله، ولا على رسالته، وقد ثبت في هذا الحديث أن الله أخبره عن طريق الملكين: بأنه مسحور، وأن الذي سحره لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة، وأن هذا السحر في بئر ذروان. وهذا كله يدل على صدق نبُوَّته ﷺ .

стр. 1036

أما ما حصل له من السحر فلا شك فيه؛ لأن أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة، كحقائق غيره من الأشياء الثابتة خلافا لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، وذكر أنه مما يُتَعَلَّم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر بتعلمه، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتعلَّم ما لا حقيقة له؛ (١). وذكر الإِمام القرطبي ﵀: أن حديث عائشة ﵂ يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرا في المسحور بإذن الله ، قال: "وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة، بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حق، وأنه موجود، وأن الشرع قد أخبر بذلك، كقصة سحرة فرعون "، ثم قال: "وبالجملة فهو أمر مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ عن وجوده، ووقوعه، فمن كذب بذلك فهو كافر، مكذب لله ولرسوله، منكر لما عُلم مشاهدة وعيانًا. . . " (٢). أما ما حصل للنبي ﷺ فإنما سلط السحر على جسده وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده (٣) وقد بين الإِمام المازري، والإِمام القرطبي، والإِمام النووي ﵏: أن بعض المبتدعة أنكر هذا الحديث، وزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وهذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه ﷺ ، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ بقوله وفعله وتقريره، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث النبي ﷺ بسببها، ولا كان مفضلا من أجلها، وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له (٤).

стр. 1037

قال الإِمام القرطبي ﵀: "وأما عدم علم الطاعن فقد سلبه الله تعالى العلم بأحكام النبوات، وما تدل عليه المعجزات، فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض، والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة، من معرفة الله تعالى، والصدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ. . . "، ثم قال في النبي ﷺ : "وهو الذي شهد له العليُّ الأعلى، بأن بصره ما زاغ وما طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحيٌ يُوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى" (١) وهذا كله يؤكد عصمة النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه ، وأنها من معجزاته التي تدل على صدقه. سابعا: من موضوعات الدعوة: بيان أهمية الأخذ بالأسباب وأنها لا تنافي التوكل: دل هذا الحديث على أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل (٢) ولهذا عندما سُحِرَ النبي ﷺ ، توكل على الله وعمل بالأسباب، ومن أعظم ما فعله من الأسباب: أنه دعا الله والتجأ إليه، وكرر الدعاء، فدعا ثم دعا، ثم عندما علم مكان السحر أمر بالبئر فدفنت، واستخرج السحر، وفي رواية: "فأمر به فأخرج"، وهذا يؤكد الأخذ بالأسباب وأنها لا تنافي التوكل، بل هي من التوكل (٣). ومن الأسباب التي ينبغي أن يأخذ بها المسلم وخاصة الداعية إلى الله الوقاية من السحر قبل وقوعه، وعلاجه إذا وقع ويكون ذلك على النحو الآتي: أولا: الوقاية من السحر قبل وقوعه: وذلك بالقيام بجميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، والتوبة من جميع السيئات، والإِكثار من قراءة القرآن والتحصن بالدعوات والتعوذات المشروعة: كدعاء الصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبة، وأذكار النوم والاستيقاظ من النوم، وغير ذلك من الأذكار

стр. 1038

المشروعة (١) ومما ينفع بإذن الله قبل وقوع السحر أكل سبع تمرات على الريق كل صباح، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اصطبح بسبع تمرات عجوة (٢) لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» (٣) والأكمل أن تكون من تمر المدينة مما بين الحرتين؛ لرواية مسلم: «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي» (٤) وقد ذكر الإمام ابن القيم أسبابا عشرة يندفع بها شر الحاسد، والعائن، والساحر، وهي: الاستعاذة بالله، وتقوى الله ، والصبر مع العفو، والتوكل على الله، ولا يخاف إلا من الله، والإقبال على الله والإخلاص له، والتوبة من الذنوب، والصدقة والإحسان، وإطفاء نار من يخاف شره بالإحسان إليه، وتجريد التوحيد وإخلاصه للعزيز الحكيم (٥). ثانيا: علاج السحر بعد وقوعه: وذلك بإخراج السحر وإبطاله إذا علم مكانه بالطرق المباحة شرعا، وهذا من أبلغ ما يعالج به المسحور كما قال الإمام ابن القيم ﵀، (٦) وإذا لم يعلم مكانه بالطرق المباحة شرعا، فحينئذ لم يبق إلا الالتجاء إلى الله ، والرقية بالقرآن، والدعوات النبوية التي ثبتت عن رسول الله ﷺ (٧) وإن أخذ بالتجارب في العلاج بالرقية كان ذلك حسنا، ومن ذلك أن يدق سبع ورقات من سدر أخضر بين حجرين، أو نحوهما، ثم يصب عليها ما يكفيه للغسل من الماء، ويقرأ فيها: آية الكرسي (٨) وآيات السحر: في سورة الأعراف، ويونس، وطه (٩) وسورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وسور

стр. 1039

المعوذات الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ثم يشرب منه ثلاث مرات ويغتسل بالباقي، وبذلك يزول الداء إن شاء الله، وإن دعت الحاجة إلى إعادته أعيد ولو مرات، حتى يزول المرض، وقد جرب كثيرا فنفع الله به، وهو جيد لمن حبس عن زوجته (١). ثامنا: من صفات اليهود: الخيانة لله ولرسوله ﷺ : إن اليهود لهم صفات قبيحة ذميمة منها الخيانة لله ولرسله عليهم الصلاة والسلام، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة؛ لأن لبيد بن الأعصم سحر رسول الله ﷺ ، وحصل له ما حصل من الألم والمشقة، وقد فعلوا أكثر من هذا بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] (٢). تاسعا: من موضوعات الدعوة: التحذير من السحر وبيان خطره: لا شك أن من موضوعات الدعوة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها تحذير الناس من السحر وبيان خطره، ومما يدل على خطره تأثر سيد الخلق ﷺ به، فكيف بضعفاء المسلمين؟ ولهذا الخطر العظيم حذر النبي ﷺ من السحر أشد التحذير فقال: «اجتنبوا السبع الموبقات" (٣) قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٤) وقد بين الله أن الساحر لا يفلح فقال: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] (٥)

стр. 1040

والساحر ليس له في الآخرة من نصيب، قال الله : ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] (١) وبين الله أن من تعلم السحر كفر، فقال: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢)؛ ولخطر السحر على المسلمين حذر النبي ﷺ من الذهاب إلى السحرة والكهان فقال: «من أتى عرافا (٣) فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٤). وهذا فيه التحذير الشديد من إتيان الكهان والعرافين، وأن من فعل ذلك ولم يصدقهم فلا ثواب له في صلاة أربعين ليلة (٥) أما من أتاهم وصدقهم فإنه يكفر بالقرآن والسنة (٦)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنا (٧) أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » -" (٨). وهذا يؤكد كفر الكاهن والساحر والعراف؛ لأنهم يدعون علم الغيب، والمصدق لهم الذي يعتقد ذلك ويرضى به كافر، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٩). وقد برئ رسول الله ﷺ ممن تعاطى السحر والكهانة وممن تلقى ذلك عنهم فقال: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر

стр. 1041

له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » -" (١) ومما يؤكد خطر السحر والتحذير منه الأمر بقتل الساحر؛ لعظم شره، وإراحة الناس من سحره، فعن عمرو بن دينار سمع بجالة يحدث عمرو بن أوس وأبا الشعثاء: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: "اقتلوا كل ساحر وساحرة"، قال فقتلنا في يوم ثلاث سواحر (٢) وأمرت حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ بقتل جارية لها سحرتها فقتلت (٣) وقتل جندب الأزدي ساحرا عند الوليد بن عقبة أمير الكوفة (٤) وعن جندب البجلي ﵁: "حد الساحر ضربة بالسيف" (٥) قال الترمذي ﵀: "والصحيح عن جندب موقوف، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس، وقال الشافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر، فإذا عمل عملا دون الكفر فلم نر عليه قتلا" (٦) وقال الإمام ابن قدامة ﵀: "وحد الساحر القتل روي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول

стр. 1042

أبي حنيفة، ومالك " (١). وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "والمقصود أن الساحر إذا عرف يقتل، فحده السيف، مثل ما أمر عمر ﵁ بقتل السحرة، والسحر يعالج بالرقى الشرعية، ولا يجوز تعلم السحر، ولا تعليمه، ولا إقراره" (٢). وكل ما سبق يؤكد للداعية أهمية تحذير الناس أشد التحذير من السحر وتعلمه، وتعليمه، والعلاج به، والله المستعان.

стр. 1043

١٥ - باب ما يحذر من الغدر وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] (١). [حديث اعدد ستا بين يدي الساعة] ١٨٧ - [٣١٧٦] حدثنا الحميدي: حدثنا الوليد بن مسلم: حدثنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر قال: سمعت بسر بن عبيد الله أنه سمع أبا إدريس قال: سمعت عوف بن مالك (٢) قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك - وهو في قبة من أدم فقال: «اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا». * شرح غريب الحديث: * " قبة من أدم " القبة تطلق على البيت الصغير المدوَّر والقبة من الأدم كذلك (٣). * " قعاص الغنم " القعاص: داء يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت (٤). * " بني الأصفر " يعني الروم لأن أباهم كان أصفر اللون، وهو روم بن عيصون بن إسحاق بن إبراهيم (٥). * " غاية " الغاية والراية سواء: فالغاية: الراية (٦).

стр. 1044

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك. ٢ - من أسباب تحصيل العلم: زيارة العلماء. ٣ - من أساليب الدعوة: استخدام العدد إجمالا ثم تفصيلا. ٤ - من موضوعات الدعوة: بيان علامات الساعة. ٥ - من معجزات الرسول ﷺ الإخبار بالمغيبات. ٦ - من أساليب الدعوة: الموعظة الحسنة. ٧ - من أصناف المدعوين: النصارى. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك: ظهر في الحديث ذكر غزة تبوك؛ لقول عوف بن مالك ﵁: "أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم"، وغزوة تبوك غزاها رسول الله ﷺ في السنة التاسعة للهجرة، وقد أمر أصحابه قبل الغزو بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم، ويكرهون مفارقتها، وهذا فيه امتحان وابتلاء، فقد أظهر الله المنافقين لرسوله ﷺ ، وظهر صدق أهل الإيمان والتقوى، فتخلف خلق كثير من المنافقين، وغزى بشر كثير من المؤمنين، ثم أعز الله أهل الإيمان وكفاهم القتال، وأخزى الله المنافقين وفضحهم، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (١). ثانيا: من أسباب تحصيل العلم: زيارة العلماء: دل هذا الحديث على أن من أسباب تحصيل العلم زيارة العلماء، للأخذ

стр. 1045

عنهم؛ لأن عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم فقال: "اعدد ستا بين يدي الساعة. .»، ثم عد له النبي ﷺ علامات الساعة المذكورة في هذا الحديث، فلو لم يزر النبي ﷺ ويذهب إليه ما حصل على هذا العلم، وهذا يؤكد على طالب العلم أن يعتني بزيارة العلماء في الأوقات المناسبة، ويلازمهم للاستفادة من علمهم؛ ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀: أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء , وحرص , واجتهاد , وبلغة ... وصحبة أستاذ , وطول زمان (١) / ٥٠ ثالثا: من أساليب الدعوة: استخدام العدد إجمالا ثم تفصيلا: ظهر في هذا الحديث أسلوب ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا؛ لقول النبي ﷺ لعوف بن مالك ﵁: «اعدد ستا بين يدي الساعة»، وهذا فيه إجمال يشد الانتباه؛ للتشوق إلى ذكر هذه الست تفصيلا، ثم قال ﷺ : «موتي ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا». . . " فينبغي العناية بهذا الأسلوب عند الحاجة لذكره في الدعوة إلى الله ﷺ (٢). رابعا: من موضوعات الدعوة: بيان علامات الساعة: إن بيان علامات الساعة من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها في دعوته إلى الله ؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث لعوف بن مالك ﵁: «اعدد ستا بين يدي الساعة» فدل ذلك على أهمية بيان علامات الساعة للناس اقتداء بالنبي ﷺ . وعلامات الساعة تدل على اقتراب القيامة، فإذا ذكر الداعية بعض هذه العلامات؛ فإن فيها التحذير من الغفلة والحض على الإقبال علي الله ؛ قال الله : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] (٣).

стр. 1046

وقد قسم العلماء أشراط الساعة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما وقع وانقضى على وفق ما قال رسول الله ﷺ . والقسم الثاني: ما وقعت مباديه ولا يزال يزداد ويتتابع ويكثر. والقسم الثالث: ما لم يظهر إلى الآن وهي العلامات الكبرى (١) فأما القسمان الأولان فهما من أشراط الساعة الصغرى، ومن ذلك بعثة النبي ﷺ ، وموته، وفتح بيت المقدس، وطاعون عمواس، واستفاضة المال وكثرته، وظهور الفتن، وظهور مدعي النبوة، وظهور نار الحجاز، وقتال الترك والعجم، وضياع الأمانة، وقبض العلم وظهور الجهل، وانتشار الزنا والربا، وظهور المعازف وشرب الخمر، والتطاول في البنيان، وكثرة القتل، وتقارب الزمان، وتقارب الأسواق، وظهور الفحش وقطيعة الرحم وكثرة الشح، وكثرة الزلازل، وأن تكون التحية للمعرفة، وظهور الكاسيات العاريات، وكثرة الكذب، وعدم التثبت في نقل الأخبار، وكلام الجماد والسباع للإنس. . . وغير ذلك من العلامات. وأما القسم الثالث الذي لم يظهر منها: فالدخان، وخروج المسيح الدجال وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وظهور المهدي، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوفات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم (٢). فينبغي للداعية أن يبين للناس علامات الساعة في الأوقات المناسبة؛ لما في ذلك من الحث على الاستقامة، والتخويف الجالب للمسارعة إلى الخيرات. خامسا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالمغيبات: دل هذا الحديث على صدق النبي ﷺ ؛ لأنه أخبر بأمور غيبية وقعت كما أخبر ﷺ ، قال لعوف بن مالك: «اعدد ستا بين يدي الساعة»، ثم ذكر موته؛

стр. 1047

وفتح بيت المقدس، والموتان: وهو طاعون عمواس، واستفاضة المال وفتنة لا يبقى بيت إلا دخلته - وهي ما وقع من قتل عثمان ﵁، وغدر الروم. وقد ذكر ابن حجر ﵀: "أن هذه العلامات قد خرجت كلها إلا قصة الروم فلم تقع إلى الآن" (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "هذا من علامات النبوة؛ فإن هذا كله قد وقع، أما الخمس الأولى فقد وقعت، وأما السادسة، وهي تجمعات الروم فيحتمل أن يكون ما حصل في عهد عمر وعثمان من تجمعات، ويحتمل أن يكون ذلك هو الذي في آخر الزمان" (٢) وهذا كله يؤكد صدق النبي ﷺ ويدل على معجزاته العظيمة التي جعلها الله من علامات نبوته (٣). سادسا: من أساليب الدعوة: الموعظة الحسنة: ظهر في هذا الحديث ترغيب وترهيب، لأن النبي ﷺ أخبر أن هدنة تكون بين المسلمين والروم، فيغدر الروم ويأتون تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا، فيكون عددهم تسعمائة وستين ألفا، وهذا جيش عظيم، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه" (٤) ولا شك أن الموعظة الحسنة: هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والقول الحق الذي يلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيمانا وهداية (٥). فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب النافع مع المدعوين؛ ليحصل

стр. 1048

النفع التام بإذن الله ؛ ولأهمية الموعظة الحسنة قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] (١) وينبغي للداعية يكون وعظه للناس على نوعين: وعظ التعليم: ويكون ببيان عقائد التوحيد، وبيان الأحكام الشرعية الخمسة: من الواجب، والحرام، والمسنون، والمكروه، والمباح، ويراعي ذلك كله ما يناسب كل طبقة، ويسوق إلى الناس التعليم مساق الوعظ الذي يلين القلوب، ويبعثها على العمل، ولا يسرد سردا خاليا من وسائل التأثير (٢). وعظ التأديب: ويكون بتحديد الأخلاق الحسنة: كالحلم، والأناة، والكرم، والصبر، وبيان آثارها ومنافعها في المجتمع، والحث على التخلق بها، والتزامها، وتحديد الأخلاق السيئة: كالغضب، والعجلة، والغدر، والجزع، والبخل. . والتحذير عن الاتصاف بها عن طريق: الترغيب والترهيب، ويتأكد على الداعية أن يستشهد في ذلك كله بما جاء فيه من الكتاب والسنة الثابتة، وآثار الصحابة ﵁، والتابعين والأئمة المجتهدين، وأحوالهم في ذلك فإن لهذا شأنا عظيما يوصل إلى الغاية المقصودة متى صدر من قلب سليم متخلق بما يدعو إليه. والله المستعان (٣). سابعا: من أصناف المدعوين: النصارى: إن هذا الحديث دل على أن من أصناف المدعوين النصارى؛ لأن النبي ﷺ أخبر بقتال المسلمين لهم، ولهم طرق في دعوتهم ينبغي للداعية أن يلتزمها مراعاة لعقيدتهم وأحوالهم (٤).

стр. 1049

١٧ - باب إثم من عاهد ثم غدر وقول الله : ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦] (١). [حديث كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما] ١٨٨ - [٣١٨٠] قَالَ أَبُو مُوسَى: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢) ﵁ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ: قَالُوا: عَمَّ ذَلِكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ اللَّهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ». * شرح غريب الحديث: * " إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما " أي إذا لم تأخذوا من الجزية والخراج شيئا. (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب. ٢ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم. ٣ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية. ٤ - من موضوعات الدعوة: الحض على الوفاء بالعهد. ٥ - من معجزات الرسول ﷺ : تحقق ما أخبر به. ٦ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الظلم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: إن السؤال والجواب من أهم أساليب الدعوة؛ لما فيه من شحذ الهمم ولفت

стр. 1050

انتباه المدعو، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لقول أبي هريرة ﵁: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا» فقيل له: «وكيف ترى ذلك كائنا يا أبا هريرة؟» فأجابهم بما يريد أن يلقي إليهم من العلم، وهذا يؤكد أهمية أسلوب السؤال والجواب (١). ثانيا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: التأكيد بالقسم أسلوب ناجح من أساليب الدعوة؛ ولهذا قال أبو هريرة ﵁ في هذا الحديث: «إي والذي نفس أبي هريرة بيده» ثم ساق الحديث وهذا يدل على استخدام الصحابة ﵃ لهذا الأسلوب في دعوتهم لأهميته (٢). ثالثا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: إن الاستدلال بالأدلة الشرعية من أهم الأمور التي ينبغي للداعية أن يعتني بها في دعوته؛ ليثق الناس بما يقوله، ويسلم من الوقوع في الخطأ، وقد ظهر ذلك في قول أبي هريرة ﵁ في هذا الحديث: «إي والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق»، فنسب القول إلى الرسول ﷺ استدلالا على ما يقول ﵁ (٣). رابعا: من موضوعات الدعوة: الحض على الوفاء بالعهد: دل مفهوم الحديث على الحض على الوفاء بالعهد؛ لقول أبي هريرة ﵁ الذي رفعه إلى النبي ﷺ : «كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما» أي كيف تكون حالكم إذا انقطعت عنكم أموال الجزية والخراج، وبين السبب في انقطاع ذلك فقال: «تنتهك ذمة الله وذمة رسول الله ﷺ » -"، وذلك أن المسلمين ينقضون عهد الله وعهد رسوله الذي يتعلق بحقوق أهل الذمة، ويعاملونهم بالظلم والعدوان فيعاقب الله المسلمين في الدنيا قبل الآخرة: «فيشد الله قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم» من الأموال: من الجزية والخراج فلا يدفعونها إلى المسلمين. وهذا يبين أنه يجب على المسلمين الوفاء بالعهد لأهل الذمة وإعطاؤهم حقوقهم

стр. 1051

بشرطين: الأول: أن يخضعوا لأحكام الإسلام في الجملة، والثاني: أن يدفعوا الجزية. فإذا فعلوا ذلك وجب القيام بالوفاء لهم بالعهود (١) وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن من فوائد هذا الحديث: «التوصية بالوفاء لأهل الذمة؛ لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع للمسلمين» (٢) فينبغي الوفاء بالعهد وحض الناس على ذلك؛ لما فيه من طاعة لله ولرسوله ﷺ قال الله : ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] (٣) وهذا يؤكد أهمية الوفاء بالعهود، والمواثيق (٤). خامسا: من معجزات الرسول ﷺ : تحقق ما أخبر به: إن من المعجزات الباهرة التي تدل على صدق النبي ﷺ ما أعطاه الله من دلائل صدق النبوة، ومن ذلك تحقق ما أخبر به من أن أهل الذمة يمتنعون عن أداء الجزية والخراج، وقد وقع ذلك، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: "وفيه علم من أعلام النبوة" (٥) وهذا فيه تأكيد لصدقه ﷺ وأنه رسول الله حقا (٦). سادسا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الظلم: ظهر من مفهوم الحديث التحذير من ظلم أهل الذمة، والتحذير من نقض العهد المبرم؛ لأن نقض ذلك من كبائر الذنوب وسبب لضعف المسلمين، وزوال هيبتهم، وقلة مواردهم المالية؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث المتعلقة بظلم أهل الذمة: "وفيه التحذير من ظلمهم، وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد فلم يجتب المسلمون منهم شيئا، فتضيق أحوالهم" (٧) فينبغي للداعية تحذير الناس من ظلم أهل الذمة وغيرهم، والابتعاد عن جميع أنواع الظلم (٨).

стр. 1052

١٨ - باب [حديث قول سهل بن حنيف اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر النبي لرددته] ١٨٩ - [٣١٨١] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ (١) يَقُولُ: «اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ أَمْرِنَا هَذَا» (٢). وفي رواية: «كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا؛ فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؛ فَقَالَ: "بَلَى". فَقَالَ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؛ قَالَ: "بَلَى". قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا". فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ".» (٣). وفي رواية: «لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ فَقَالَ: اتَّهِمُوا

стр. 1053

الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ لَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ هَذَا الْأَمْرِ، مَا نَسُدُّ مِنْهَا خَصْمًا إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا خَصْمٌ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَأْتِي لَهُ». (١). وفي رواية: عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: «أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ. فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؛ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؛ قَالَ: "بَلَى". قَالَ: فَفِيمَ أُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا؟ فَقَالَ: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا"، فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ» (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ» (٣). * شرح غريب الحديث: * عواتقنا: جمع عاتق وهو المنكب (٤). * أسهلن بنا: يقال: أسهل الرجل إذا ركب السهل من الأرض في سيره، وقوله: "أسهلن بنا" أي رأينا في عاقبته وفي السلوك إليه سهولة، وكأنه ركب السهل في طريقه إليه، ولم ير في آخره مكروها (٥).

стр. 1054

* أعطي الدنية في ديننا: الدنية: النقيصة (١). * يفظعنا: أي يشتد علينا، يقال: أفظع الأمر: اشتد، وهو مفظِع وفظيع (٢). * خُصْمٌ: الخصم: جانب الشيء، وخُصْمُ كل شيء طرفه وجانبه، وإنما ذلك إخبار عن انتشار الأمر وشدته، وأنه لا يتهيأ إصلاحه وتلافيه، وأنه بخلاف ما كانوا عليه من قبل ذلك (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه. ٢ - أهمية إجابة السائل بأكثر مما سأل عند الحاجة. ٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على الأخذ بالكتاب والسنة واتهام الرأي. ٤ - من تاريخ الدعوة: ذكر يوم أبي جندل. ٥ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية. ٦ - من أساليب الدعوة: الحوار. ٧ - من صفات الداعية: الثقة بالله . ٨ - منزلة أبي بكر العظيمة ﵁ في مؤازرة النبي ﷺ . ٩ - أهمية الانقياد والتسليم لأمر رسول الله ﷺ . ١٠ - من سنن الله : الابتلاء والامتحان. ١١ - من موضوعات الدعوة: الحث على التثبت والتبصر. ١٢ - من وسائل الدعوة: عقد الصلح والهدنة مع الأعداء عند العجز عن الجهاد. ١٣ - من أصناف المدعوين: المشركون. ١٤ - من أصناف المدعوين: المسلمون. ١٥ - من معجزات الرسول ﷺ : تحقق ما أخبر به. ١٦ - من صفات الداعية: الحرص على الإصلاح بين الناس.

стр. 1055

والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه: إن سؤال الداعية عما أشكل عليه من وسائل تحصيل العلم المهمة؛ ولهذا سأل سليمان الأعمش أبا وائل شقيق بن سلمة فقال له: شهدت صفين؟ فقال أبو وائل: نعم، فسمعت سهل بن حنيف يقول: "اتهموا رأيكم" (١) وهذا يدل على أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه؛ ليعلمه وينتفع به والله أعلم. ثانيا: أهمية إجابة السائل بأكثر مما سأل عند الحاجة: إجابة السائل بأكثر مما سأل دليل على علم الداعي وفقهه، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن سليمان الأعمش سأل أبا وائل فقال: هل شهدت صفين؟ فأجابه أبو وائل فقال: "نعم"، فسمعت سهل بن حنيف يقول: "اتهموا رأيكم. . . "، ثم ساق له الحديث، فزاده على ما سأل علما كثيرا وفوائد نافعة، وهذا من أهم أساليب الدعوة " ولهذا كان رسول الله ﷺ يستخدم هذا الأسلوب في دعوته، فعن عمرو بن العاص ﵁ قال: «لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي. قال: "ما لك يا عمرو؟ " قال قلت: أريد أن أشترط، قال: "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» (٢) فأجاب ﷺ بما يفيد عدم المؤاخذة عن كل من اعتنق الإسلام، وعن كل من هاجر، وعن كل من حج حجا مبرورا، وقد كان يكفيه في الجواب أن يقول: غفر لك، أو نحوها، ولكنه زاده علما كثيرا نافعا (٣) وقال ﷺ لمن سأله عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (٤) فأجاب
следующие страницы →