← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

٤ - صلة الرحم من أسباب النجاة من العقوبة؛ لأن قطيعة الرحم تسبب العقوبة، في الدنيا والآخرة، فعن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم» (١) وعن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة قاطع» (٢) يعني قاطع رحم (٣) وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: "هذا مقام العائذ بك من القطيعة". قال: "نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؛ " قالت: بلى يا رب، قال: "فهو لك "، ثم قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ - أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤]»، (٤) وعن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ : «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» (٥) وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته» (٦). ٥ - صلة الرحم الكاملة التي تحصل بها الإعانة هي أن المسلم يصل من

стр. 982

قطعه، فعن أبي هريرة ﵁: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل (١) ولا يزال معك من الله ظهير عليهم (٢) ما دمت على ذلك ".» (٣) وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» (٤) والمراد بالواصل في هذا الحديث: الكامل؛ فإن المكافأة نوع صلة، ولا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع، فهم ثلاث درجات: واصل، ومكافئ، وقاطع، فالواصل من يعطي ويتفضل ولا يتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يأخذ ولا يعطي، ويتفضل عليه ولا يتفضل، وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين، فمن بدأ بالوصل فحينئذ هو الواصل. انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٢٤. ٦ - الصدقة على ذي الرحم: اثنتان: صدقة وصلة، فعن سليمان بن عامر الضبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صلة وصدقة». (٥). ٧ - والرحم التي أمر بصلتها، هي كل ما يرتبط بقرابة سواء كانت من الأصول: كالآباء والأمهات وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، والحواشي: من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، كما دل على أصل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قال رجل: يا رسول الله، من أحق بحسن الصحبة؛ قال: " أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك، أدناك» (٦).

стр. 983

وصلة الرحم أنواع على حسب الحاجة، فتكون بالنفقة لمن يحتاج ذلك، وتكون بالهدية، وبالتودد إليهم، وبالعون والإعانة على الحاجات، وبالنصيحة، وبدفع الضرر، وبالإنصاف معهم، وطلاقة الوجه، وبالعدل والقيام بالحقوق الواجبة، وبالدعاء، وبتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، والزيارة، وبالشفاعة الحسنة، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الضرر (١). ويجمع أنواع الصلة قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] (٢) فينبغي للداعية أن يعتني بالرحم ويصلها؛ فيكون قدوة حسنة، ويحض على ذلك ويدعو إليه بالقول والفعل. والله المستعان وعليه التكلان. سابعا: أهمية الصدق ومكانته: ظهر في هذا الحديث أن الصدق من الصفات الحميدة؛ ولهذا أثنت أسماء بنت أبي بكر على من اتصف به فقالت: «ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق»، وهذا يؤكد أهمية الصدق ومكانة أهل الصدق في القلوب. (٣). ثامنا: من صفات الداعية: الرحمة: دل هذا الحديث على صفة الرحمة؛ لأن النبي ﷺ رحم أسماء بنت أبي بكر ﵄ وأشفق عليها من حمل النوى على رأسها، فأراد أن يحملها خلفه؛ لأن الزبير ﵁، قال حينما بلغه الخبر: «والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه»، قال الإمام النووي ﵀: "وفيه ما كان عليه ﷺ من الشفقة على المؤمنين والمؤمنات، ورحمتهم ومواساتهم فيما أمكنه " (٤) وهذا يؤكد أهمية الرحمة بالمؤمنين والمؤمنات (٥).

стр. 984

٢٠ - باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب [حديث استحياء عبد الله بن مغفل من رسول الله] ١٧٥ - [٣١٥٣] حدثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفل (١) ﵁ قال: «كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه فالتفت فإذا النبي ﷺ ، فاستحييت منه». (٢). [حديث ابن عمر كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه] ١٧٦ - [٣١٥٤] حدثنا مسدد: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، «عن ابن عمر (٣) قال: "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه ".» * شرح غريب الحديثين: * " جراب " الجراب: وعاء من جلد يحفظ فيه الزاد (٤). * " فنزوت " أي وثبت وأسرعت. (٥). * الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من خصائص الإسلام: التيسير ورفع الحرج. ٢ - من صفات الداعية: توقير النبي ﷺ وإجلاله.

стр. 985

٣ - من صفات الداعية: الحياء. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من خصائص الإسلام: التيسير ورفع الحرج: التيسير ورفع الحرج من خصائص الإسلام، وقد دل هذان الحديثان على ذلك؛ لأن بعض الصحابة ﵃ كانوا يأكلون من الغنيمة قبل القسم على قدر الحاجة: من الشحم، والعسل، والعنب، والطعام اليسير، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، فدل على جواز مثل ذلك، ويسر الإسلام وسماحته. ونقل النووي ﵀: "إجماع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه "، (١) وقال الإمام ابن القيم ﵀: لا أعلم خلافا بين الفقهاء أن الطعام لا يخمس، في جملة ما يخمس من الغنيمة، وأن لواجده أكله ما دام الطعام في حد القلة، وعلى قدر الحاجة، ما دام صاحبه مقيما في دار الحرب " (٢) وهذا يبين أن من خصائص الإسلام التيسير ورفع الحرج، والحمد لله (٣). ثانيا: من صفات الداعية: توقير النبي ﷺ وإجلاله: الصحابة ﵃ كانوا يوقرون النبي ﷺ ، ويجلونه، إكراما، وتعظيما، ومحبة، وقد دل الحديث الأول من هذين الحديثين على ذلك؛ لقول عبد الله بن مغفل ﵁: «كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، فالتفت فإذا النبي ﷺ فاستحييت منه»، قال العلامة العيني ﵀: "وفيه إشارة إلى ما كانوا عليه من توقير النبي ﷺ ، ومن الإعراض عن خوارم المروءة" (٤). فينبغي لكل مسلم أن يحترم النبي ﷺ ويوقره، وينصره في حياته وبعد موته بنشر سنته والذب عن دينه، والدعوة إليه. قال الله :

стр. 986

﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (١) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] (٢) وهذا يبين أهمية احترام النبي ﷺ ، وتعظيمه وإنزاله منزلته ﷺ (٣). ثالثا: من صفات الداعية: الحياء: إن الحياء من الصفات المهمة العظيمة التي ينبغي للداعية العناية بها، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث في قول عبد الله بن مغفل ﵁: «فنزوت لآخذه، فالتفت فإذا النبي ﷺ فاستحييت منه»، وهذا يؤكد أهمية الحياء (٤) وخاصة من أهل العلم والفضل، والله المستعان (٥). * * * *

стр. 987

[حديث نهى النبي ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية] ١٧٧ - [٣١٥٥] حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا عبد الواحد: حدثنا الشيباني قال: «سمعت ابن أبي أوفى (١) ﵄ يقول: "أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا"، قال عبد الله: فقلنا إنما نهى النبي ﷺ ؛ لأنها لم تخمس. قال: وقال آخرون حرمها ألبتة. وسألت سعيد بن جبير فقال: حرمها ألبتة.» (٢). وفي رواية: «لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها"، قال ابن أبي أوفى فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهى عنها ألبتة؛ لأنها كانت تأكل العذرة» (٣). وفي رواية: «نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر» (٤). * شرح غريب الحديث: * العذرة: فناء الدار وناحيتها، ويطلق على الغائط الذي يلقيه الإنسان؛ لأنهم كانوا يلقون الغائط في أفنية الدور فسمي بالعذرة (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من تاريخ الدعوة: ذكر زمن وقعة خيبر. ٢ - من القواعد الدعوية: الأصل في الأشياء الإباحة. ٣ - أهمية تفقد الإمام أحوال رعيته.

стр. 988

٤ - من سنن الله : الابتلاء والامتحان. ٥ - أهمية الإسراع في تغيير المنكر وإزالته إذا ظهر. ٦ - من موضوعات الدعوة: بيان تحريم الحمر الأهلية. ٧ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى. ٨ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من تاريخ الدعوة: ذكر وقت غزوة خيبر: ظهر في هذا الحديث الإشارة إلى غزوة خيبر في قول عبد الله بن أبي أوفى ﵁: «أصابتنا مجاعة ليالي خيبر»، ولا شك أن غزوة خيبر كانت بعد غزوة الحديبية، فبعد أن رجع رسول الله ﷺ من غزوة الحديبية في نهاية السنة السادسة للهجرة، غزا غزوة خيبر في السنة السابعة على قول الجمهور، وقد نصر الله رسوله وأصحابه على اليهود، وغنموا غنائم كثيرة (١). ثانيا: من القواعد الدعوية: الأصل في الأشياء الإباحة: ظهر في هذا الحديث أن من القواعد الدعوية أن الأصل في الأشياء: من المآكل والمشارب، وأصناف الملابس: هو الإباحة، ولهذا أخذ الصحابة بهذا الأصل في غزوة خيبر، فأكلوا الحمر الإنسية؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ أثناء ذكره لفوائد هذا الحديث: "الأصل في الأشياء الإباحة، لكون الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها، كسائر الحيوان، من قبل أن يستأمروا، مع توفر دواعيهم على السؤال عما أشكل " (٢) وهذا يؤكد للداعية أن الأصل في العادات الإباحة؛ لأن الله خلق لنا جميع ما على الأرض، لننتفع به بجميع أنواع الانتفاعات، إلا ما حرمه الشارع علينا، أما العبادات فالأصل فيها الحظر إلا ما ورد عن الشارع تشريعه (٣).

стр. 989

فينبغي للداعية أن يراعي الأصول والضوابط الشرعية حتى لا يأمر بشيء أو ينهى عن شيء والحق خلافه؛ ولهذا قال العلامة السعدي ﵀: والأصل في عاداتنا الإباحة ... حتى يجيء صارف الإباحة وليس مشروعا من الأمور ... غير الذي في شرعنا مذكور (١) ثالثا: أهمية تفقد الإمام أحوال رعيته: إن تفقد الإمام أو الأمير أحوال رعيته من الأمور المهمة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ فإن النبي ﷺ ، بتفقده لأحوال أصحابه علم بأن بعضهم نحر الحمر وطبخها فنهاهم ﷺ عن ذلك، قال عبد الله بن أبي أوفى ﵄: ". «. . فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ : أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا»؛ ولهذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: "وفيه دليل على كثرة مشاهدته عليه [الصلاة] والسلام لشأن أصحابه، وما يزيد عليهم وما ينقص، والسؤال عن جميع أحوالهم، فعلى هذا فيجب على كل من كان راعيا على أي شيء استرعي دوام النظر إليه، والالتفات لما يزيد فيه وينقص، حتى يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص فينفذه " (٢) وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: "ينبغي لأمير الجيش تفقد أحوال رعيته، ومن رآه فعل ما لا يسوغ في الشرع منعه، وأشاع منعه، إما بنفسه كأن يخاطبهم، وإما بغيره، بأن يأمر مناديا فينادي؛ لئلا يغتر به من رآه فيظنه جائزا" (٣) وقد أوضح النبي ﷺ أهمية العناية بالرعية فقال ﷺ : «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٤) ومما يؤكد أهمية العناية بالرعية ومراقبتهم،

стр. 990

وإلزامهم بطاعة الله قوله ﷺ : «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (١) ومع الأمر بالعناية بالرعية ومراقبة أحوالهم أمر ﷺ بالرفق بهم وعدم المشقة عليهم، فقال ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (٢). رابعا: من سنن الله : الابتلاء والامتحان: إن الله يختبر عباده ويمتحنهم بالسراء والضراء، وباليسر والعسر، وقد دل هذا الحديث على أنه سبحانه ابتلى أولياءه أصحاب محمد ﷺ بالجوع وهم يجاهدون في سبيله ، قال عبد الله بن أبي أوفى ﵄: «أصابتنا مجاعة ليالي خيبر»، وهذا يؤكد ابتلاءه لعباده المؤمنين؛ ليعلم الصادق من الكاذب؛ ويرفع درجات الصابرين، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٣). خامسا: أهمية الإسراع في إزالة المنكر وتغييره إذا ظهر: دل هذا الحديث على أهمية الإسراع في إزالة المنكر، وتغييره إذا ظهر فعله؛ لقول عبد الله بن أبي أوفى ﵄: «وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ : أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا»، قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: "وفي هذا دليل على الإسراع في تغيير المنكر عند معاينته؛ لأن النبي ﷺ لم يتركه حين رآه حتى غيره " (٤) وهذا يؤكد على كل مسلم- وخاصة الدعاة إلى الله أهمية الإسراع في إزالة المنكر (٥).

стр. 991

سادسا: من موضوعات الدعوة: بيان تحريم الحمر الأهلية: لا شك أن من الموضوعات المهمة بيان تحريم الحمر الأهلية لمن لا يعرف حرمتها من المدعوين؛ لأن النبي ﷺ بين لمن نحرها وأراد أكلها أنها لا تحل، وأرسل رسوله فنادى: «لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها»، واختلف العلماء ﵏ في سبب النهي عن لحوم الحمر الأهلية لاختلاف الأدلة: فقيل: حرمت؛ لأنها لم تخمس، وقيل: لأنها كانت تأكل الجلة، وقيل: لأنها كانت تحمل الناس وهم بحاجة إليها، وقيل: لأنها رجس: أي نجس. قال الإمام ابن القيم ﵀: "وهذه أصح العلل "، ثم قال: "وما عدا هذه من العلل فإنما هي حدس وظن ممن قاله " (١) فينبغي للداعية أن يبين للناس ما حرم الله عليهم، والله الموفق للصواب. سابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: بين هذا الحديث أن من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى؛ لأن النبي ﷺ نهى أصحابه الذين نحروا الحمر الأهلية عن أكلها، بل أمر بإتلافها وإراقتها، وهم أفضل البشر بعد الأنبياء، فدل ذلك على أن كل إنسان من أهل الصلاح والتقوى قد يخفى عليه بعض العلم، فحينئذ يلزم تنبيهه وإرشاده، وتوجيهه؛ فإن المسلم مرآة أخيه، والله المستعان (٢). ثامنا: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة: إرسال الدعاة من الوسائل النافعة؛ ولهذا أرسل الرسول ﷺ الرسل بالكتب، وأرسل الدعاة والمجاهدين، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث من إرساله من ينادي في الناس بتحريم الحمر الأهلية، قال عبد الله بن أبي أوفى ﵄: «فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ : أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا»، فينبغي العناية بإرسال الدعاة لتعليم الناس الخير، وتحذيرهم من الشر، والله الهادي إلى سواء السبيل (٣).

стр. 992

[الفصل الرابع كتاب الجزية والموادعة]

стр. 993

١ - باب الجزية والموادعة, مع أهل الذمة والحرب وقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (١) يعني أذلاء. وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم، وقال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؛ قال: جعل ذلك من قبل اليسار. [حديث قول عمر فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس] ١٧٨ - [٣١٥٦] حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان قال: سمعت عمرا قال: "كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين- عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة- عند درج زمزم قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب (٢) قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس ". [حديث أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر] ١٧٩ - [٣١٥٧] حتى شهد عبد الرحمن بن عوف (٣) «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر». * شرح غريب الحديثين: * " هجر " المقصود به هنا اسم بلد معروف بالبحرين، وهي قاعدتها، وقيل: هجر ناحية البحرين كلها (٤) قال ياقوت الحموي ﵀ "وهو الصواب " (٥).

стр. 994

* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: القصص. ٢ - من وسائل الدعوة: إرسال الكتب والرسائل. ٣ - من موضوعات الدعوة: إنكار المنكر إذا ظهر فعله. ٤ - لا ينكر أن يغيب عن الداعية أو العالم الكبير ما علمه غيره. ٥ - صفات الداعية: التثبت. ٦ - من صفات الداعية: الانقياد للدليل الشرعي والعمل به. ٧ - من أصناف المدعوين: المجوس. ٨ - من وسائل الدعوة: أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من أساليب الدعوة: القصص: ظهر في هذا الحديث أن من أساليب الدعوة القصص؛ لأن بجالة بن عبدة التميمي التابعي الجليل (١) قص على جابر بن زيد أبي الشعثاء البصري وعمرو بن أوس الثقفي، وعمرو بن دينار يسمع، أنه كان كاتبا لجزء بن معاوية بن حصن بن عبادة التميمي التابعي عامل عمر بن الخطاب ﵁، على الأهواز، فأتاهم كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة، وفيه: "فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس "، وهذا يبين أهمية القصص، وأنه مما يلفت انتباه القلوب والأذهان، فينبغي للداعية أن يعتني به عند الحاجة إليه (٢). ثانيا: من وسائل الدعوة: إرسال الكتب والرسائل: إن إرسال الكتب والرسائل؛ لبيان الحق وإنكار الباطل من وسائل الدعوة المهمة: ولهذا كتب عمر بن الخطاب ﵁ كتابا إلى جزء بن معاوية عامله على

стр. 995

الأهواز وفيه: "فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس "، وهذا فيه بيان لأهمية هذه الوسيلة؛ لما لها من الأهمية النافعة في إيصال الدعوة إلى المدعو، ونشرها (١). ثالثا: من موضوعات الدعوة: إنكار المنكر إذا ظهر فعله: لا شك أن من الموضوعات المهمة إنكار المنكر، وتغييره بأي وسيلة مشروعة، وقد ظهر جليا في هذا الحديث إنكار عمر بن الخطاب ﵁ على المجوس استحلالهم المحارم، فكتب كتابه إلى جزء بن معاوية عامله على الأهواز، وفيه: "فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس "، قال الإمام الخطابي ﵀: "ولم يحملهم عمر على هذه الأحكام فيما بينهم وبين أنفسهم إذا خلوا، وإنما منعهم من إظهار ذلك للمسلمين، وأهل الكتاب لا يكشفون عن أمورهم التي يتدينون بها ويستعملونها فيما بينهم، إلا أن يترافعوا إلينا في الأحكام، فإذا فعلوا ذلك فإن على حاكم المسلمين أن يحكم فيهم بحكم الله المنزل، وإن كان ذلك في الأنكحة فرق بينهم وبين ذوات المحارم، كما يفعل ذلك في المسلمين " (٢) وهذا يؤكد على المسلمين منع إظهار شعائر وعقائد الكفار بين المسلمين؛ لئلا يفتتن بها ضعفة المسلمين، ولا يُسأل عما أخفوه بينهم، ولم يظهروه في مجتمعات المسلمين. (٣). رابعا: لا ينكر أن يغيب عن الداعية أو العالم الكبير ما علمه غيره: إن الداعية أو العالم العظيم قد تخفى عليه بعض المسائل ويعرفها غيره من أهل العلم، كما خفي على عمر بن الخطاب ﵁ «أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف بذلك؛» قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفي الحديث قبول خبر الواحد، وأن الصحابي الجليل قد يغيب عنه علم ما اطلع عليه غيره من أقوال النبي ﷺ ، وأحكامه، وأنه لا نقص عليه في ذلك " (٤) وهذا يؤكد أهمية عدم انتقاد العلماء إذا فاتهم بعض العلم؛ لهذا السبب (٥).

стр. 996

خامسا: من صفات الداعية: التثبت: التثبت في الأمور وعدم العجلة من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ لم يعلم بأن النبي ﷺ أخذ الجزية من المجوس، فلم يأخذها حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁: «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر»، وهذا فيه تثبت عمر ﵁ وعدم عجلته حتى ثبت عنده الدليل (١). سادسا: من صفات الداعية: الانقياد للدليل الشرعي والعمل به: انقاد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ للعلم الشرعي بدليله وعمل به ﵁، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ شهد: «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر» فأخذها عمر ﵁ انقيادا للدليل الشرعي؛ قال الإمام ابن عبد البر ﵀: "وفيه انقياد العالم للعلم حيث كان " (٢) وهذا يؤكد أهمية الانقياد للأدلة الشرعية (٣). سابعا: من أصناف المدعوين: المجوس: إن المجوس من أصناف المدعوين الذين ينبغي للداعية أن يعتني بدعوتهم إن وجدوا؛ لأن النبي ﷺ أخذ منهم الجزية، وهذا دليل على أنه ﷺ قد دعاهم إلى الإسلام، فلم يدخلوا ووافقوا على دفع الجزية، وهذا يؤكد أهمية العناية بهم ودعوتهم إلى الله على حسب أحوالهم؛ ولهذا أخذ عمر بن الخطاب ﵁ الجزية منهم (٤). ثامنا: من وسائل الدعوة: أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس: ظهر في هذا الحديث مشروعية أخذ الجزية من المجوس؛ لأن عبد الرحمن بن عوف شهد عند عمر بن الخطاب ﵁: «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر»، ولا شك أن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس من أعظم وسائل الدعوة؛ لما يحصل بذلك من إذلال الكافرين، ونفع المسلمين؛ ولهذا شرع الله

стр. 997

عز وجل أخذ الجزية من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، قال : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (١) وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يوصي أمير الجيش بوصايا، ومنها: "أنه إذا لقي عدوه من المشركين يدعوهم إلى الإِسلام، فإن أبوا فيسألهم الجزية، فإن أبوا فيستعين بالله ويقاتلهم" انظر: (٢) والجزية ثبت أخذها من أهل الكتاب بالقرآن الكريم والسنة، وأخذها من المجوس بالسنة كما في شهادة عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ أخذها منهم؛ قال الإِمام الخطابي ﵀: "وفي امتناع عمر بن الخطاب ﵁ من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف «أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر»، دليل على أن رأي الصحابة: "أن لا تقبل الجزية من مشرك " (٣) أما غير أهل الكتاب والمجوس فلا تقبل منهم الجزية: فلا بد من الإِسلام أو يقاتلوا، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم (٤) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: "الصواب أنها لا تؤخذ إلا من اليهود والنصارى والمجوس؛ لأن الله تعالى قال في اليهود والنصارى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وأخذ ﷺ الجزية من المجوس، أما كفار العرب فلا يقبل منهم إلا الإِسلام أو يقاتلوا" (٥). وأخذ الجزية من أهم وسائل الدعوة إلى الله قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: "الجزية لم تؤخذ من الكتابيين رفقا بهم، وإنما أُخذت منهم تقوية للمسلمين، وذلًّا للكافرين" (٦) وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: "والحكمة في أخذ الجزية والله أعلم: إذلال الكافرين، ونفع المسلمين " (٧).

стр. 998

[حديث بعثه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها] ١٨٠ - [٣١٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدَثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنَّه أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأنصارِيَّ (١) - وَهُوَ حَلِيف لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهدَ بَدْرا- أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ (٢) إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ (٣)

стр. 999

فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَتْ صَلاة الصُّبْح مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا صَلَّى بِهم الفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعرَّضُوا لَهُ، فتَبَسَّمَ رَسُول اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: "أظنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عبيدَةَ قَدْ جَاءَ بِشيءٍ "، قَالوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ؟ "فَأَبْشرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسرُكُمْ، فَوَاللهِ لَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُم الدُّنْيَا كَمَا بُسِطتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (١). وفي رواية: " وَتُلْهِيكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ ". (٢). * شرح غريب الحديث: * " فوافت " أي أتت، يقال: وافيته موافاةً: أتيته، ووافيت القوم: أتيتهم (٣). * " أمِّلوا " هذا أمر بالرجاء يقال: أمَلَهُ أمْلا، وأمَّلَهُ: رجاه وترقبه (٤). * " فتنافسوها " أي تتحاسدون فيها فتختلفون، وتتقاتلون فيُهلك بعضكم بعضا (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة.

стр. 1000

٢ - من صفات الداعية: الفطنة والذكاء. ٣ - من صفات الداعية: حسن الخلق. ٤ - أهمية تأمير الأمراء على الأقطار. ٥ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب. ٦ - من موضوعات الدعوة: التحذير من التنافس في الدنيا والانشغال بها. ٧ - أهمية التأكيد بالقسم في الدعوة إلى الله . ٨ - من معجزات الرسول ﷺ : الإِخبار بما يقع. ٩ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة: بعث البعوث وإرسال الدعاة من أهم الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستخدم هذه الوسيلة في دعوته، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ أخبر «أن رسول الله ﷺ : "بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها»، وهذا فيه بيان لأهمية بعث الدعاة إلى الله ، للدعوة إلى الله؛ ولكل ما فيه نفع للإِسلام والمسلمين (١). ثانيا: من صفات الداعية: الفطنة والذكاء: لا ريب أن الفطنة والذكاء من أعظم الصفات التي ينبغي أن تكون من سمات الداعية؛ لأنه يحتاج إلى ذلك في معاملة الناس ودعوتهم إلى الله ، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ عندما رأى الأنصار تعرَّضوا له بعد صلاة الصبح، فطن لذكائه أنهم علموا بقدوم أبي عبيدة بمالٍ من البحرين فقال ﷺ : «أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة جاء بشيء»، فينبغي للداعية أن يسأل الله أن يوفقه ويعينه ويرزقه البصيرة والفطنة التي تنفعه في الدنيا والآخرة (٢).

стр. 1001

ثالثا: من صفات الداعية: حسن الخلق: دل هذا الحديث على حسن خلق النبي ﷺ ؛ لأنه عندما رأى الأنصار تعرضوا له، وعلم ما أرادوا تبسم ﷺ ، ولم يغضب، ولم يسب بل بشَّرهم (١) وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: "وفيه حسن خلقه ﷺ ؛ فإنه ضحك تعجبا، ثم بشرهم، ولا شك أنهم أهل حاجة" (٢) فينبغي للداعية أن يحسن أخلاقه (٣). رابعا: أهمية تأمير الأمراء على الأقطار: من وسائل الدعوة النافعة تأمير الأمراء على الأقطار، والقبائل؛ ولهذا أمر النبي ﷺ على البحرين العلاء بن الحضرمي كما ثبت في هذا الحديث؛ لأن الأمير يجتمع إليه الناس، ويرفع مصالحهم للإِمام وما يحتاجون إليه، ويؤمهم في الجمعة والأعياد، ويتولىَّ قيادتهم في الجهاد، ويجمع الله به الكلمة وغير ذلك (٤). خامسا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: السؤال والجواب من أساليب الدعوة التي تشد انتباه المدعو، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب؛ لقول النبي ﷺ للأنصار: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء"، قالوا: أجل يا رسول الله، فقال ﷺ : "فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا». . . "، وهذا يؤكد أهمية أسلوب السؤال والجواب. (٥). سادسا: من موضوعات الدعوة: التحذير من التنافس في الدنيا والانشغال بها: ظهر في مفهوم هذا الحديث التحذير من التنافس في الدنيا؛ لأن النبي ﷺ قال: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما

стр. 1002

بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين" (١) "لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك " (٢) وقوله ﷺ : «وتلهيكم كما ألهتهم»، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإِمام القرطبي ﵀: "تلهيكم" أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم (٣) كما قال الله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ - حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] (٤) وهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شر وخطر، ولهذا قال ﷺ : «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض "، قيل وما بركات الأرض؛ قال: "زهرة الدنيا"، ثم قال: "إن هذا المال خَضِرة حلوة. . . من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيدا يوم القيامة]». (٥). وعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب ﵁ نعوده. . فقال: "إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعا إلا التراب ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به "، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطا له فقال: "إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب" (٦) قال الحافظ ابن حجر ﵀: "أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة" (٧) وذكر ﵀ آثارا كثيرة في

стр. 1003

ذم البنيان ثم قال: "وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر" (١) وقد بين الله حقيقة الدنيا فقال : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] (٢) وقال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] (٣) وقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا - الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦] (٤) ولا شك أن الإِنسان إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه، فعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول ربكم ﵎ يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرا وأملأ يديك شغلا» (٥) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك» (٦) ولا شك أن كل عمل صالح يُبْتَغى به وجه الله فهو عبادة، وعن زيد بن ثابت ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل

стр. 1004

فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (١). وقد ذم الله الدنيا إذا لم تستخدم في طاعة الله ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالم، أو متعلمٌ» (٢) وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله ؛ (٣) ولهوانها على الله لم يبلِّغ رسولَه ﷺ فيها وهو أحب الخلق إليه، فقد «مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير» (٤) ومما يزيد ذلك وضوحا وبيانا حديث سهل بن سعد ﵁ يرفعه: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (٥) فينبغي للداعية أن لا ينافس في الدنيا، ولا يحزن عليها، وإذا رأى الناس يتنافسون في الدنيا، فعليه تحذيرهم، وعليه مع ذلك أن ينافسهم في الآخرة. والله المستعان. سابعا: أهمية التأكيد بالقسم في الدعوة إلى الله : دل هذا الحديث على التأكيد بالقسم؛ لقوله ﷺ : «فوالله لا الفقر أخشى عليكم،

стр. 1005

ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم»، وهذا يؤكد أهمية أسلوب التأكيد بالقسم (١). ثامنا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بما يقع: إن هذا الحديث دل على أن الإِخبار بما يقع من معجزات النبوة؛ لأن النبي ﷺ خشي أن تبسط الدنيا على أمته فيتنافسوها فوقع كما خشي ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه من أعلام النبوة إخباره ﷺ بما يفتح عليهم " (٢) وقد وقع كما أخبر ﷺ . (٣). تاسعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: دل هذا الحديث على أن أهل التقوى من أصناف المدعوين؛ ولهذا وعظ النبي ﷺ الأنصار وحذرهم التنافس في الدنيا؛ لأن ذلك يسبب الهلاك، فقال: «فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» (٤).

стр. 1006

[حديث بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين] ١٨١ - [٣١٥٩] حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن جَعْفرٍ الرَّقِّيُّ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عبد الله المُزَني (١) وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ بنِ حَيَّةَ (٢) قَالَ: «بَعَثَ عمر النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ يُقَاتِلونَ المُشْرِكِينَ، فأَسْلَمَ الهُرْمزَان (٣) فَقَالَ: إِنيِّ مُسْتَشِيرُكَ فِي مغَازِيَّ هَذِهِ؛ قَالَ: نَعَمْ، مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ المسْلِمينَ مَثَلُ طَائِر لَهُ رَأس وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلانِ، فَإِنْ كسِرَ أَحَدُ الجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلانِ بِجَنَاح وَالرَّأس. فَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الآخَرُ نَهضتِ الرِّجْلانِ وَالرَّأْسُ. وإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهبَتِ الرِّجْلانِ والْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ. فَالرَّأْسُ كِسْرَى والْجَنَاح قيصَرُ وَالجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ. فَمُرِ المُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى. وَقَال بَكْر وَزِيَاد جَمِيعا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ: فَنَدَبَنَا عُمَرُ. واستَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ العَدُوِّ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أرْبَعِينَ ألْفا، فَقَامَ ترجمَانٌ فَقَال: لِيُكَلِّمْنِي رَجُل مِنكُمْ. فَقَالَ الْمُغِيرَة (٤) سَلْ عَمَّا شِئْتَ. قَالَ:

стр. 1007

ما أنتمْ؛ قَالَ: نَحْن أناسٌ مِنَ العَرَب كنّا فِي شقاءٍ شدِيد وَبَلاء شدِيد. نمص الجلْدَ وَالنَّوى مِنَ الجُوع. وَنَلْبَسُ الوبر والشَّعرَ. وَنعْبدُ الشَّجَرَ والحَجَرَ. فَبَيْنَا نحنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ ربُّ السماوات وَرَبُّ الأَرَضِينَ- تَعَالى ذِكْرهُ وَجَلَّتْ عَظَمَته - إِلَيْنَا نَبيّا منْ أنفسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّه فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسولُ رَبِّنا ﷺ أَنْ نُقَاتلِكُم حَتَّى تَعْبدُوا اللهَ وَحْدهُ. أَوْ تؤدّوا الجزْيَةَ. وَأَخْبَرنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رسَالةِ رَبِّنَا أنهُ مَنْ قتِلَ مِنَّا صَارَ إلَى الجَنَّةِ فِي نَعيم لمْ يُرَ مِثْلُهَا قَط. وَمَنْ بقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ». (١). [حديث كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات] ١٨٢ - [٣١٦٠] «فَقَالَ النُّعْمَان (٢) "ربَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُندِّمْكَ وَلَمْ يخْزِكَ وَلَكِنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مَع رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّل النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصّلَوات». * شرح غريب الحديثين: * " نلبس الوبر والشعر " الوبر: صوف الإِبل والأرانب ونحو ذلك، والشعر: نبتة الجسم مما ليس بصوف ولا وبر (٣)

стр. 1008

* " تهب الأرواح " جمع ريح؛ لأن أصلها الواو، وتجمع على أرياح قليلا، وعلى رياح كثيرا (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث للدعوة والجهاد. ٢ - من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة. ٣ - أهمية مراعاة أوقات نشاط المدعو. ٤ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله . ٥ - أهمية الشورى في الدعوة إلى الله . ٦ - من وسائل الدعوة: تأمير الأمراء على الجيوش. ٧ - من معجزات الرسول ﷺ : الإِخبار بالمغيبات. ٨ - من أساليب الدعوة: ضرب الأمثال. ٩ - من وسائل الدعوة: البدء بقتال الأهم فالأهم من أعداء الإِسلام (٢). ١٠ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب. ١١ - من أصناف المدعوين: المشركون. ١٢ - من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد حتى يعبد الله وحده. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث للدعوة والجهاد: بعث البعوث للدعوة إلى الله ، من أعظم الوسائل النافعة، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لقول جبير بن حيَّة: " بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان وهذا يؤكد أهمية هذه الوسيلة في الدعوة إلى الله (٣)

стр. 1009

ثانيا: من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة: لا شك أن الفصاحة والبلاغة من الصفات التي ينبغي للداعية أن يتحلى بها حسب الاستطاعة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لقول المغيرة بن شعبة ﵁ لعامل كسرى: «نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السماوات والأرضين- تعالى ذكره وجلت عظمته- إلينا نبيا من أنفسنا، نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم»، قال الكرماني ﵀: "فيه فصاحة المغيرة من حيث إنَّ كلامه مبيِّن لأحوالهم فيما يتعلق بدنياهم: من المطعوم والملبوس، وبدينهم من العبادة، وبمعاملتهم مع الأعداء: من طلب التوحيد أو الجزية، ولمعادهم في الآخرة إلى كونهم في الجنة، وفي الدنيا إلى كونهم ملوكا، مُلَّاكا للرقاب " (١) أي الكافرة المعاندة، وهذا يؤكد أهمية البلاغة للداعية (٢). ثالثا: أهمية مراعاة أوقات نشاط المدعو: إن مراعاة أوقات نشاط المدعو من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية العناية بها؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث ما يدل على ذلك؛ لقول النعمان ﵁: «لكني شهدت القتال مع رسول الله ﷺ ، كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات»، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "أن هذا يدل على فضل القتال بعد زوال الشمس على ما قبله، ولا يعارضه أنه ﷺ كان يغير صباحا؛ لأن هذا عند المصافة، وذاك عن الغارة" (٣) وهذا يؤكد أهمية مراعاة أوقات نشاط المدعو (٤).

стр. 1010

رابعا: من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله : الجهاد في سبيل الله من أعظم الوسائل في نشر الدعوة؛ ولهذه الأهمية بعث عمر بن الخطاب ﵁ الناس في أفناء الأمصار (١) يقاتلون المشركين فأسلم الهرمزان "، وهذا يبيِّن عناية الصحابة بعد رسول الله ﷺ بهذه الوسيلة سيرا على منهج رسول الله ﷺ ، فينبغي العناية بها (٢). خامسا: أهمية الشورى في الدعوة إلي الله : الشورى ذات أهمية بالغة؛ لما لها من الاتفاق على الحق وإصابة الصواب في الغالب؛ ولهذه الأهمية استشار عمر بن الخطاب ﵁ الهرمزان؛ لأنه كان من أهل تلك البلاد، وكان أعلم بأحوال أهلها من غيره؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفيه فضل المشورة وأن الكبير لا نقص عليه في مشاورة من هو دونه " (٣) وهذا يؤكد على الداعية العناية بالشورى عناية خاصة؛ لمكانتها وفضائلها وحسن آثارها (٤). سادسا: من وسائل الدعوة: تأمير الأمراء على الجيوش: تأمير الأمراء على الجيوش، والسرايا من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله ؛ لما يحصل بذلك من اجتماع الكلمة، واتحاد الصف، ونبذ الاختلاف؛ ولهذا استعمل عمر بن الخطاب ﵁ على هذا الجيش المذكور في هذا الحديث: النعمان بن مقرِّن ﵁، (٥) ففتح الله على يديه، وهذا يبين أهمية تأمير الأمراء على الجيوش (٦). سابعا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالمغيبات: دل هذا الحديث على أن من معجزات الرسول ﷺ ، الإِخبار بالمغيبات؛

стр. 1011

لأن المغيرة ﵁ قال لعامل كسرى: «وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم دائم لم ير مثلها، ومن بقي منا ملك رقابكم»، وقد ذكر ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "أنه دل على بيان معجزات الرسول ﷺ وإخباره بالمغيبات، ووقوعها كما أخبر" (١) وهذا لا شك يؤكد صدقه ﷺ وأنهم ملكوا رقاب كسرى وقيصر (٢). ثامنا: من أساليب الدعوة: ضرب الأمثال: ظهر في هذا الحديث أسلوب ضرب المثل؛ لأن الهرمزان قال لعمر ﵁ عن مغازيه: "مثلها ومثل من فيها من الناس من عدوِّ المسلمين مثل طائر له رأس، وله جناحان، وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، فإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس، وإن شدخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى "، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفيه ضرب المثل وجودة تصور الهرمزان؛ ولذلك استشاره عمر، وتشبيهٌ لغائب المجوس بحاضر محسوس لتقريبه إلى الفهم " (٣) وهذا يؤكد أهمية ضرب الأمثال في الدعوة إلى الله ؛ لأن ضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإِيضاح والبيان في إبراز الحقائق المعقولة في صورة الأمر المحسوس، وفي القرآن الكريم كثير من الأمثال المضروبة، والداعية لا بد له من ذلك في دعوته، ومن ذلك أن الله تعالى مثَّلَ المنفق في سبيله بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبّة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلة على مائة حبّة، والله يُضاعف فوق ذلك لمن يشاء بحسب حال المنفق وإخلاصه (٤). ومثل المنفق رياء وسمعة وبطلان عمله كمثل حجر أملس عليه تراب فأصابه

стр. 1012

مطر شديد، فتركه أملس لا شيء عليه (١) ومثل سبحانه الدنيا في زهرتها وسرْعة زوالها بالماء الذي ينزل من السماء فأنبت الكلأ والعشب، ثم صار بعد هذه النّضرة هشيما (٢) ومن أعظم ضرب الأمثال قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ - مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤] (٣). حق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره؛ فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، فالآلهة التي تُعبَد من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه، بل لا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو أضعف المخلوقات، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة الباطلة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟!. وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله تعالى في بطلان الشرك وتجهيل أهله (٤). ومن أحسن الأمثال وأدلّها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده، قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٣] (٥) فهذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره يقصد به التعزز والتقوي والنفع، فبين- سبحانه- أن

стр. 1013

هؤلاء ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء من دون الله أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه "من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت التي هي من أضعف الحيوانات، اتخذت بيتا وهو من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، وكذلك من اتخذ من دون الله أولياء، فإنهم ضعفاء، وازدادوا باتخاذهم ضعفا إلى ضعفهم (١) ومن أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتت شمله واحتار في أمره، ما بيّنه الله بقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] (٢) فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحد، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى مُثِّلَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، متنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب. والموحد لما كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؛ والجواب: كلَّا. لا يستويان أبدا (٣) والقرآن فيه كثير من ضرب الأمثال (٤). وضرب النبي ﷺ الأمثال في دعوته، ومن ذلك تمثيل الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (٥) وهذا من حكمة النبي ﷺ لأنه جمع بين الترغيب والحثّ على مجالسة من يُستفاد من مجالسته في الدين والدنيا، وحذّر من مجالسة من يتأذّى بمجالسته فيهما (٦).

стр. 1014

ومن أبلغ الأمثلة على ضرب الأمثال قوله ﷺ : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأَ والعشب الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فَقهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وَعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلت به» (١) والناس على هذه الأقسام الثلاثة: النوع الأول: من الناس من يبلغه الهدى والعلم فيحفظه، فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره، فهو قد انتفع ونفع، فهؤلاء عَلِمُوا، وَعَمِلُوا، وعلَّمُوا، فهم أفضل الناس، والنوع الثاني: من الناس من لهم قلوب حافظة يحفظون بها العلم والهدى، ولكن ليست لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل بها، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء علموا وعلَّموا، فنفعوا بما بلغهم. والنوع الثالث: من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا يحفظونه ولا ينتفعون به ولا ينفعون غيرهم (٢) فينبغي للداعية أن يعتني بضرب الأمثال في دعوته إلى الله ، والله المستعان وبه الثقة وعليه التكلان (٣). تاسعا: من وسائل الدعوة: البدء بقتال الأهم فالأهم من أعداء الإسلام: البدء بقتال الكفار ينبغي أن يكون بالأهم، ثم الذي يليه في الأهمية؛ ولهذا

стр. 1015

أشار الهرمزان على عمر ﵁ أن يبدأ بقتال كسرى قبل قيصر وفارس؛ لأن كسرى بمثابة الرأس فإذا سقط الرأس فلا قيمة لبقية الجسد؛ ولهذا قال الهرمزان ﵀ "فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى "؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفيه البداءة بقتال الأهم فالأهمِّ " (١) فينبغي العناية بذلك وبالتدرج في جميع الأمور على حسب الحكمة والصواب. عاشرا: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب والترهيب؛ لأن المغيرة ﵁ قال لعامل كسرى: «وأخبرنا نبينا عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم دائم لم ير مثلها قط (٢) ومن بقي منا ملك رقابكم»، فقوله: «في نعيم دائم» فيه ترغيب في الجهاد وبيان فضل الشهادة في سبيل الله . وقوله: «ومن بقي منا ملك رقابكم» فيه ترغيب للمجاهدين في أن من نصره الله استولى على الأعداء، وفيه ترهيب للأعداء وتخويف من البقاء على الكفر؛ لأن من بقي على ذلك يصير إلى القتل أو إلى الرق والذل. والله أعلم. (٣). الحادي عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: ظهر في هذا الحديث أن من أصناف المدعوين: كسرى، وقيصر، وفارس، ولا شك أن فارس عباد النار، والنصارى عباد عيسى ﷺ ، وإن كانوا أهل كتاب، فينبغي أن يدعى هؤلاء كل على حسبه وبما يناسبه. (٤). الثاني عشر: من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد حتى يعبد الله وحده: ظهر في الحديث الحض على الجهاد لقول المغيرة ﵁ لعامل كسرى: «فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية» (٥).

стр. 1016

٥ - بابُ إثم من قتل معاهدا بغير جرم [حديث من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة] ١٨٣ - [٣١٦٦] حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَمْرو: حَدَّثَنَا مُجَاهِد، عَنْ عبد الله بْنِ عَمرو (١) ﵄ عن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاما» (٢). * شرح غريب الحديث: * " معاهدا " المعاهد: من كان بينك وبينه عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة معلومة (٣). * " لم يَرَحْ " لم يرح رائحة الجنة: أي لم يشم ريحها (٤) "لم يرح " فيه ثلاث لغات: فتح الياء والراء: أي لم يجد ريحها، وقيل: بضم الياء وكسر الراء "يُرِحْ "، وقيل بفتح الياء وكسر الراء "يَرِحْ "، ونقل الحافظ ابن حجر ﵀: أن الأجود الذي عليه الأكثر الأول "لم يرحْ " (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق. ٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٣ - من سماحة الإِسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 1017

أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بغير حق: إن من موضوعات الدعوة: التحذير من قتل أهل الذمة بدون حق؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "والمراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان مسلم " (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "المعاهد هو الذي له ذمة، أي عهد، سواء كان من أهل الجزية أو أهل الأمان، فلا يجوز قتله حتى ينبذ إليه عهده " (٢) فينبغي للداعية أن يُحذِّر الناس من قتل أهل الذمة بغير حق عند الحاجة للتحذير من ذلك. ثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: الترهيب من أساليب الدعوة النافعة؛ ولهذا ثبت هذا الأسلوب في هذا الحديث في قوله ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما»، وهذا فيه ترهيب ووعيد لمن فعل هذه الكبيرة، قال الإِمام الطيبي ﵀: "والمعنى: أنه لم يشم رائحة الجنة ولم يجد ريحها، ولم يرد به أنه لا يجده أصلا، بل أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر، توفيقا بينه وبين ما تعاضدت به الدلائل النقلية والعقلية على أن صاحب الكبيرة إذا كان موحِّدا محكوما بإسلامه لا يخلد في النار ولا يحرم من الجنة" (٣) هذا إن لم يستحل هذه الكبيرة، أو يأتِ بناقض من نواقض الإِسلام، وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: "وهذا من باب الوعيد، فهو تحت المشيئة، فهذا جزاؤه إن جازاه " (٤) فإن شاء الله عذبه بذنبه حتى يطهر ثم يخرجه من النار، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول مرة بعفوه سبحانه، وإحسانه (٥) أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٦).

стр. 1018

ثالثا: من سماحة الإسلام: حفظه لحرمة العهد والميثاق: دل هذا الحديث على أن الإِسلام يحفظ حرمة العهد والميثاق؛ ولهذا حرم قتل المعاهد الذي دخل في ذمة المسلمين: بصلح، أو عهد، أو أمان، أو بدفع الجزية، إلا أن ينقض العهد ويأتي بما يحل دمه وماله؛ ولهذا قال ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، وقد أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعقود والعهود والمواثيق فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (١). قال الإِمام أبو جعفر الطبري ﵀: "أوفوا بالعقود" يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا، فأتموها بالوفاء، والكمال، والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثوها، فتنقضوها بعد توكيدها" (٢). ونقل ﵀: اتفاق أهل التفسير على أن معنى "العقود" العهود (٣) وقد جعل النبي ﷺ نقض العهد من علامات النفاق الخالص، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٤) وهذا يؤكد للداعية أنه ينبغي له أن يبين سماحة الإِسلام وحفظه لحرمة العهود والمواثيق.

стр. 1019

٦ - بابُ إِخْراجِ اليهُودِ من جزيرةِ العرب وَقَالَ عُمَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أُقركم مَا أَقَرَّكُم الله». [حديث أقركم ما أقركم الله] ١٨٤ - [٣١٦٧] حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجدِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "انْطلِقُوا إِلَى يَهُودَ" فَخَرَجْنا حَتَى جِئْنَا بَيْتَ المِدْرَاسِ فَقَال: "أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرض، فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئا فَلْيَبِعْهُ، وإِلَّا فَاعلَمُوا أَنَّ الأَرْض لِلَّهِ وَرَسُولِهِ». (٢). وفي رواية: «فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا" فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أبا الْقَاسِم، فَقَالَ: "ذَلِكَ أُرِيدُ"، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ. فَقَالُوا: قَدْ بلَغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، ثُم قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: " اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» (٣). * شرح غريب الحديث: * " بيت المدراس "المدراس: صاحب دراسة كتب اليهود، وبيت المدراس: البيت الذي يدرسون فيه (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من ميادين الدعوة: المسجد. ٢ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة. ٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على الدخول في الإِسلام.

стр. 1020

٤ - من أساليب الدعوة: الجدل بالتي هي أحسن. ٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على إخراج المشركين من جزيرة العرب. ٦ - من صفات الداعية: الفصاحة والبلاغة. ٧ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٨ - أهمية أسلوب التأكيد بالتكرار. ٩ - من أصناف المدعوين: اليهود. ١٠ - من صفات اليهود: المكر والخديعة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من ميادين الدعوة: المسجد: دل هذا الحديث على أن من ميادين الدعوة إلى الله المسجد؛ لقول أبي هريرة ﵁: بينما نحن في المسجد خرج النبي ﷺ فقال: "انطلقوا إلى يهود"، وهذا يؤكد أهمية الدعوة إلى الله في المسجد؛ لأنه من أعظم الميادين النافعة، لما جعل الله في المساجد من البركة، والاستفادة من العلم، وغير ذلك مما يختص بالدين ونشره وتعلمه وتعليمه، والله ولى التوفيق (١). ثانيا: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة: ظهر في هذا الحديث أن إرسال الدعاة من وسائل الدعوة؛ لقوله ﷺ لبعض الصحابة: "انطلقوا إلى يهود"، فينبغي العناية بإرسال الدعاة إلى الله ؛ لنشر العلم بين الناس، وتبليغ الإِسلام إلى كافة الناس، والله المستعان (٢). ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على الدخول في الإسلام: إن دعوة غير المسلمين وحضهم على الدخول في الإِسلام من أعظم الواجبات، وأعلى الثواب في رفع الدرجات؛ ولهذا حض النبي ﷺ جميع البشر على الدخول في الإسلام، ومن ذلك حض اليهود وأمرهم بالدخول في دين الله فقال:
следующие страницы →