← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أنه ﵁ يذكر ما منَّ الله به عليه من حضور العقبة وهي من مشاهد الخير " (١). ولا شك أن التحدث بنعم الله تعالى من أركان الشكر التي تدوم بها النعم بإذن الله تعالى، قال الله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] (٢) وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] (٣) فينبغي للداعية إلى الله أن يتحدث بنعم الله تعالى، ويشكره بلسان الحال والمقال. ثانيا: من صفات الداعية: قوة الإيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ : إن الداعية الصادق هو: قويّ الإيمان صادق النية، خالص المحبة لله ورسول ﷺ ولهذا يثبت على إيمانه ولا تزعزعه العواصف وأهل الكفر والضلال. وفي هذا الحديث أن ملك غسان أرسل إلى كعب ﵁ كتابا يقول فيه: ". . . أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. . . " فما كان من كعب ﵁ إلا أن قال: ". . . وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها. . . ". قال ابن حجر ﵀: " ودل صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ورسوله، وإلا فمن صار في مثل حاله: من الهجر والإعراض قد يضعف على احتمال ذلك, وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينه، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمَن من الافتتان حسم المادة، وأحرق الكتاب، ومنع الجواب، هذا مع كونه من الشعراء الذين طبعت نفوسهم على الرغبة، ولا سيما بعد الاستدعاء والحث على الوصول، إلى المقصود من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبه ونسيبه، ومع ذلك غلب عليه دينه، وقوي عنده يقينه، ورجَّح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دعيَ إليه من الراحة والنعيم حبّا في الله ورسوله ﷺ " (٤) قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]

стр. 107

الآية (١) وقال النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (٢) وهذا يبين للداعية عظم قوة الإِيمان وأن هذه القوة سلاح لا يقاومه شيء بإذن الله تعالى. ثالثا: من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على المؤمنين والفرح بما يسرهم: إن الداعية الصادق مع الله هو الذي يرحم المدعوين ويشفق عليهم ويفرح بما يسرهم؛ ولهذا قال الإمام ابن حجر ﵀: " وفيه ما كان النبي ﷺ عليه من كمال الشفقة على أمته والرأفة بهم، والفرح بما يسرهم " (٣). وقال الإمام ابن القيم ﵀: " وفي سرور رسول الله ﷺ بذلك وفرحه به، واستنارة وجهه دليل على ما جعل الله فيه من كمال الشفقة على الأمة، والرحمة بهم، والرأفة، حتى لعل فرحه كان أعظم من فرح كعب وصاحِبَيْه " (٤). وهذا يبين للدعاة إلى الله تعالى أهمية الرحمة والشفقة على المدعوين، والفرح بما يسرهم؛ لفعله ﷺ . رابعا: أهمية الصدق وأثره في حياة الداعية: الصدق من أهم الصفات الحميدة التي يلزم الداعية أن يتخلق بها؛ ولهذا قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (٥). قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد قصة كعب: " ومنها عظم مقدار الصدق،

стр. 108

وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا بالكذب، وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين. . وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب " (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيها فائدة الصدق وشؤم عاقبة الكذب " (٢). فعلى الداعية إلى الله تعالى أن يتقي الله تعالى، وأن يكون صادقا في أقواله وأفعاله، وسائر تصرفاته وأحواله، وهذا من أعظم النعم على العبد، ولهذا قال كعب ﵁: " فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم من صدقي لرسول الله ﷺ " (٣). خامسا: أهمية اغتنام فرص الخير قبل حرمانها: من الأمور المهمة العظيمة اغتنام فرص الخير في الطاعة قبل أن يحرمها الداعية؛ فإنه بسبب تسويف كعب وتأخره عن الخروج مع رسول الله ﷺ من أول يوم حصل له ما حصل ﵁. قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد قصة كعب ﵁: " ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها، والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها، والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها؛ فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه، حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك " (٤)

стр. 109

قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١) وقد صرح الله سبحانه بهذا في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] (٢) وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] (٣) وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] (٤) وهذا في كتاب الله تعالى كثير. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه أن المرء إذا لاحت له الفرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها " (٥) فعلى الداعية أن يبادر إلى كل طاعة لاحت له فرصتها ولا يسوف لئلا يحرمها، كما ينبغي له أن يسأل الله أن يلهمه المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبه ما خوله من النعم. سادسا: أهمية الأخذ بالظاهر وقبول أعذار المدعوين: الداعية إلى الله تعالى ليس له إلا الظاهر من أحوال المدعوين؛ لقوله ﷺ : «إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم» (٦) فعلى الداعية أن يأخذ بظاهر أحوال المدعوين ويقبل أعذارهم ويعفو عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٧) قال الإمام ابن القيم ﵀ في ذكر فوائد قصة كعب ﵁: " ومنها: أن رسول الله ﷺ كان يقبل علانية من أظهر الإسلام من المنافقين، ويكل سريرته إلى الله، ويجري عليه حكم الظاهر، ولا يعاقبه بما يعلم من سره " (٨) وقال ابن حجر

стр. 110

رحمه الله: " ومنها: إجراء الأحكام على الظاهر ووكول السرائر إلى الله تعالى " (١) وقد تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بضعة وثمانون رجلا وجاءوا يعتذرون إليه، فصدق منهم ثلاثة- وهم الثلاثة الذين تاب الله عليهم- وكذب سائرهم وحلفوا ما حبسهم إلا العذر فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى (٢). سابعا: من صفات الداعية: الحرص على حسن الخاتمة: إن من الأمور المهمة أن يحرص الداعية على حسن الخاتمة؛ ولهذا قال كعب ﵁ في هذا الحديث: " فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر وما من شيءٍ أهمّ إليَّ من أن أموت فلا يصلِّي عليَّ النبيّ ﷺ ، أو يموت رسول الله ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي عليَّ ". فعلى الداعية أن يحرص على حسن الخاتمة ويسأل الله ذلك؛ فإنه من أهم المهمات. والله المستعان (٣). ثامنا: أهمية الصبر على مشاق الدعوة والابتلاء: دل حديث كعب ﵁ على أنه لا بد للداعية من الصبر على مشاق الدعوة، وأن ذلك اختبار من الله تعالى هل يصبر العباد أو لا يصبرون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٤) وقال تعالى: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] (٥). قد بين كعب ﵁ هذه الفتنة والابتلاء في هذا الحديث بقوله: «ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة (٦)

стр. 111

غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل رسول الله ﷺ سفرا بعيدا، ومفازا، وعدوّا كثيرا، فجلَّى رسول الله ﷺ للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أهل غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ- يعني ديوان- فما رجل يريد أن يتغيَّب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وَحْي الله وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال». ". وهذا كله فيه اختبار وامتحان، فعلى الداعية أن يصبر على السراء والضراء ومشقة الدعوة؛ ولهذا قال كعب عندما قرأ كتاب ملك غسان يدعوه فيه إلى أن يلحق به، قال ﵁: " فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها " وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] (١). تاسعا: من أساليب الدعوة: التهنئة والتبشير للمدعو والسرور بما يسره: من أساليب الدعوة التي تؤثر في حياة المدعو: التهنئة له وتبشيره بما يسره، والسرور بما يتجدد له من النعم أو يندفع عنه من النقم؛ فإن ذلك يطيِّب نفسه ويشرح له صدره، وفي هذا الحديث قال كعب ﵁: ". . . «وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنّؤني بالتوبة يقولون: لِتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنَّأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك "، وقال كعب: وذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون وركض إلي رجل وسعى ساعٍ من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما». وهذا يبين مدى تأثير البشْرَى والتهنئة على المدعو وحبه لمن بشره وهنَّأَه،

стр. 112

وسرَّ بما هو فيه من الخير؛ قال الإمام ابن القيم ﵀: " فيه دليل على استحباب تهنئة من تجدد له نعمة دينية، والقيام إليه، ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، وهو جائز لمن تجدد له نعمة دنيوية، وأن الأولى أن يقال له: ليهنك ما أعطاك الله، وما منَّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام؛ فإن فيه تولية النعمة ربَّها والدعاء لمن نالها بالتهنِّي بها " (١). لهذا قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: " ليهنك العلم أبا المنذر " (٢) وذلك عندما سأله عن أعظم آية في القرآن فقال ﵁: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣) فينبغي للداعية أن يهنِّي إخوانه الدعاة والمدعوين ويسر بما يتجدد لهم من النعم ويندفع عنهم من النقم؛ فإن ذلك يجذب قلوبهم لمحبته، ومن ثم قبول دعوته. عاشرا: إيثار طاعة الرسول ﷺ على مودة القريب: من صفات الداعية الناجح: إيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب؛ ولهذه الصفة الحميدة لم يرد أبو قتادة السلام على كعب؛ لنهي الرسول ﷺ عن كلامه، قال كعب ﵁: " تسورت جدار أبي قتادة وهو ابن عمي وأحبّ الناس إليَّ فسلمت عليه فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله، هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؛ فسكتَ، فعدت له فنشدته فسكتَ، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار ". وهذا يبين مدى طاعة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ . فعلى الداعية أن يحرص على طاعة الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٤) وقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٥)

стр. 113

وهذا يدل الداعية على أن طاعة النبي ﷺ مقدمة على طاعة كل أحد من البشر. الحادي عشر: عناية الداعية بالمتخلفين عن الطاعة: من الأمور المهمة: عناية الداعية بالمدعوين المستجيبين المتخلفين عن بعض الطاعات، فيرشدهم ويذكِّرهم ليراجعوا الطاعة ويتوبوا من تقصيرهم؛ قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد قصة كعب: " ومنها: أن الإمام والمطاع لا ينبغي له أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور؛ بل يذكِّره؛ ليراجع الطاعة ويتوب؛ فإن النبي ﷺ قال بتبوك: " ما فعل كعب "؟ ولم يذكر سواه من المخلَّفين استصلاحا له ومراعاة، وإهمالا للقوم المنافقين " (١). على الداعية أن يعتني بالمستجيبين المتخلفين عن بعض الطاعات ويذكرهم، ويتعاهد أحوالهم حتى يستمر هؤلاء على الطاعة، والله المستعان. الثاني عشر: تأديب المدعو بالهجر إذا اقتضت المصلحة ذلك: من الحكمة أن يهجر الداعية من يظهر المنكرات -إذا لم يحصل بذلك مفسدة- على وجه التأديب حتى يتوب تأديبا له، وزجرا لغيره (٢) قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد حديث كعب: " وفيه: دليل أيضا على هجران الإمام، والعالم، والمطاع لمن فعل ما يستوجب العتب، ويكون هجرانه دواء له بحيث لا يضعف عن حصول الشفاء به، ولا يزيد في الكمية والكيفية عليه فيهلكه، إذ المراد تأديبه لا إتلافه " (٣). يوضح ذلك ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من أن الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كان هجره يضعف الشرَّ كان مشروعا، وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك، ولا يرتدع به غيره،

стр. 114

بل يزيد الشرَّ والهاجر ضعيف، وتكون مفسدة الهجر راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، كما كان الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوما ويهجر آخرين (١) وينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله، وبين الهجر لحق النفس: فالهجر لحق الله تعالى مأمور به، والثاني منهي عنه (٢). فعلى الداعية أن يراعي هذه الضوابط في الهجر التأديبي ويضع كل شيء في موضعه كالطبيب الحاذق الذي يعطي العلاج على حسب المرض. الثالث عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: من وسائل الدعوة القدوة الحسنة، وذلك يرَغِّب الداعية في أن يقتدي بالنبي ﷺ في كل أموره، وأن يكون هو قدوة للمدعوين ويقتدي أيضا بأهل العلم ويتأسى بهم. وفي الحديث ما يدل على هذه الوسيلة وهو قول كعب ﵁: ". . . وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان يكفيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم. رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي "؛ ولهذا قال ابن القيم ﵀: " فيه أن الرجل ينبغي له أن يبرِّدَ حَرَّ المصيبة بروح التأسي بمَنْ لقي مثل ما لقي. . " (٣) والتأسي بالنظير ينفع في الدنيا بخلاف الآخرة (٤) لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] (٥)

стр. 115

فعلى الداعية أن يكون قدوة في الخير للمدعوين، وأن يتأسى برسول ﷺ فيما يصيبه من السراء والضراء وفي كل أحواله، وأن يتأسى بأهل العلم المخلصين. والله المستعان (١). الرابع عشر: من موضوعات الدعوة: التحذير من المعاصي وبيان عِظَمِ أمرها: إن من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية العناية بها وتوضيحها للناس: التحذير من المعاصي وبيان أضرارها وأخطارها على المجتمع المسلم. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيها: عظم أمر المعصية، وقد نبَّهَ الحسن البصري على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما، ولا سفكوا دما حراما، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟ " (٢). فعلى الداعية أن يعتني بهذا الموضوع عناية فائقة؛ لشدة خطره على الفرد والمجتمع. الخامس عشر: أهمية المداومة على الخير: دل هذا الحديث على أهمية المداومة على الخير، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن مما يستفاد من هذا الحديث: التزام المداومة على الخير الذي ينتفع به (٣) وهذا واضح من حديث كعب ﵁ حيث قال: «يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث- منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني (٤) ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت». . ". فعلى المسلم وخاصة الداعية إلى الله تعالى أن يداوم ويلتزم الأعمال الصالحة ولا يقطعها كما داوم كعب ﵁ على الصدق، ويسأل الله أن يعينه على ذلك.

стр. 116

السادس عشر: من أساليب الدعوة: إخبار الداعية عن تفريطه وتقصيره تحذيرا لغيره إذ ظهرت المصلحة: إن من أساليب الدعوة إخبار الداعية- في بعض الأحيان- عن تقصيره وتفريطه، وعن سبب ذلك تحذيرا ونصيحة لغيره، إذا تيقن أن في ذلك مصلحة للمدعو، وقد بين الإمام ابن القيم ﵀ أن ذلك مما يستفاد من قصة كعب ﵁ فقال: " فمنها: جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله ﷺ وعن سبب ذلك، وما آل إليه أمره، وفي ذلك من التحذير، والنصيحة، وبيان طرق الخير والشر، وما يترتب عليها ما هو من أهم الأمور " (١). السابع عشر: أهمية إنكار الغيبة وردها: إن من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يردها وينكر على صاحبها: الغيبة، وقد جاء ذلك في هذا الحديث، قال الإمام ابن القيم ﵀: " ومنها: جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط، كما قال معاذ للذي طعن في كعب: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. . " (٢). فينبغي للداعية وغيره من المسلمين أن يرد الغيبة عن أخيه المسلم ولا تقبل من قائلها في مجلسه، ولهذا بين النبي ﷺ عظم ثواب من رد الغيبة عن أخيه المسلم فقال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». (٣). الثامن عشر: أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم: إن من العلم أن يقول الداعية لمن سأله عن شيء لا يعلمه: الله أعلم، أو لا أدري. وقد دل هذا الحديث على ذلك، حين قال أبو قتادة لكعب ﵄: " الله ورسوله أعلم ". وقول الداعية لما لا يعلمه: لا أدري، أو لا أعلم، أو سأراجع المسألة دليل على علمه وورعه وتقواه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] (٤)

стр. 117

وقال ﷺ : «من تعمد عليَّ كذبا فليتبوّأ مقعده من النار» (١). ومن حرص السلف ﵏ ورضي عنهم على الصدق ما قاله عبد الله بن مسعود ﵁: " من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه (٢) ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٣). فعلى الداعية أن لا يستحي إذا لم يعلم أن يقول: الله أعلم، أو لا أدري. التاسع عشر: معاتبة الداعية أصحابه على التقصير: إن الداعية الحريص على استقامة أصحابه على الخير يعاتبهم على تقصيرهم وما بدر منهم، حبّا لهم، ونصحا، وشفقة عليهم؛ ولهذا ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن ذلك مما يستنبط من حديث كعب ﵁، فقال: " ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابه، ومن يعز عليه، ويكرم عليه؛ فإنه ﷺ عاتب الثلاثة دون سائر من تَخَلَّف عنه، وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه، والسرور به، فكيف بعتاب أحبِّ الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه، ولله ما كان أحلَى ذلك العتاب، وما أعظم ثمرته، وأجل فائدته، ولله ما نال به الثلاثة من أنواع المسرات وحلاوة الرضا. . . " (٤).

стр. 118

١٨ - باب قول الله ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أولو الْقرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَارْزقوهمْ مِنْه﴾ [النساء: ٨] (١) [حديث هما واليان وال يرث ووال لا يرث] ١٠ - [٢٧٥٩] حَدَّثَنَا محَمَّد بن الفَضْلِ أَبو النّعْمَانِ: حَدَّثَنَا أَبو عَوَانَةَ، عَن أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بن جبَيْر، عَنِ ابنِ عبّاسٍ ﵄ قَالَ (٢) " إِنَّ نَاسا يَزعمونَ أَنَّ هذه الآيةَ نسِخَتْ، وَلا وَاللَّهِ مَا نسِخَتْ، ولَكِنَّها مِمَّا تَهَاوَنَ الناس، همَا وَاليَانِ: وَالٍ يَرِث وَذَاكَ الذِي يَرْزق، وَوَالٍ لَا يَرِث فَذَاكَ الذِي يَقول بِالْمَعْروفِ، يقول: لَا أَمْلِك لَكَ أَنْ أعْطِيَكَ " (٣). وفي رواية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: ٨] قَالَ: " هِيَ محْكَمَة وَلَيْسَتْ بِمَنْسوخَةٍ " (٤). * شرح غريب الحديث: * " يزعمون " الزعم: قريب من الظن (٥). وقيل: هو القول يكون حقا ويكون باطلا. وقيل: الزعم: الظن، وقيل: الكذب (٦). * " نسخت " النسخ: أمر كان يعمل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم تنسخ بآية أخرى، وكل شيء خلف شيئا فقد نسخه، أي أبطله وقام مقامه، والأول منسوخ والثاني ناسخ، يقال: نسخت الشمس الظلَّ: أي أزالت الظل وحلت محله (٧).

стр. 119

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الإحسان إلى الأقرباء واليتامى والمساكين. ٢ - من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ عند الحاجة. ٣ - من صفات الداعية: القول اللطيف الحسن. ٤ - الرد بالحكمة على من ظهر منه مخالفة للنصوص الشرعية. ٥ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الإحسان إلى الأقرباء واليتامى والمساكين: دل هذا الحديث على العناية بالأقارب واليتامى والمساكين؛ لقول ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد أمرِ الله بالإحسان إليهم في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية (١). وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] الآية. (٢). فعلى الدعاة إلى الله أن يبلِّغوا الناس هذا الواجب العظيم، الذي عظم الله شأنه، وعظم شأنه النبي ﷺ ؛ ولهذا قال ﷺ : «من سره أن يبْسَطَ لَه في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» (٣).

стр. 120

وقال ﷺ : «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (١). فعلى الداعية أن يحث الناس على العناية بهذا الأمر، ويرغبهم فيه، ويحذرهم من التهاون به. ثانيا: من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ عند الحاجة: إن المدعوين قد يحتاجون إلى بيان الناسخ والمنسوخ على حسب الحاجة والمصلحة الشرعية؛ لأهمية هذا الموضوع؛ ولهذا قال الإمام القرطبي ﵀ في أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ وتبليغه: " معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام " (٢). فعلى الداعية أن يبين الناسخ والمنسوخ عند حاجة المدعو إلى ذلك، ويكون عن علم وبصيرة. والله المستعان (٣). ثالثا: من صفات الداعية: القول اللطيف الحسن: من الصفات الجميلة والأخلاق الحميدة أن يحسن الداعية إلى المدعوين بالفعل والقول؛ فإن لم يستطع بالفعل فبالقول الحسن كما في الآية المذكورة في هذا الحديث: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] (٤). قال الإمام القرطبي ﵀: " بين الله تعالى أن من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى، والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا إن كان المال كثيرا، والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا. . " (٥).

стр. 121

وقد أمر الله بالاعتذار والقول الحسن المعروف لمن لا يستطيع الإحسان بالفعل، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] (١). فعلى الداعية أن يتخلَّق بهذا الخلق الجميل، وأن يسأل الله تعالى أن يوفقه ويعينه؛ فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع سبحانه. رابعا: الرد بالحكمة على من ظهر منه مخالفة للنصوص الشرعية: ظهر في هذا الحديث الرد الحكيم من ابن عباس ﵄ على من خالفه في حكم هذه الآية الكريمة، وذلك أنه قال ﵁: " إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت. . . " ولم يصرح ولم يشهر بأسمائهم، وهذا من الحكمة التي كان النبي ﷺ يعمل بها في دعوته، فقد كان ﷺ يقول: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم». . . " الحديث (٢) «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله». . . " الحديث (٣) «ما بال أقوام يتنزهون عن شيء أصنعه». . . " الحديث (٤) «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام». . . " الحديث (٥). فعلى الداعية أن لا يصرح بالأسماء في دعوته للناس، ولا يواجه بالعتاب، بل يسلك مسلك النبي ﷺ في دعوته وكفى. خامسا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: أسلوب التوكيد بالقسم يثبت المعاني في القلوب، ويحملها على التصديق والإيمان، وسرعة التنفيذ بفعل المأمورات وترك المنهيات (٦) وفي هذا

стр. 122

الحديث يظهر هذا الأسلوب في قول ابن عباس ﵄: " ولا والله ما نسخت ". فعلى الداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه؛ ولهذه الأهمية أقسم الله في مواضع كثيرة تأكيدا لصدق ما يقول، وهو أصدق القائلين: قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] (١) وقال النبي ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهوديّ ولا نصرانيّ، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٢).

стр. 123

١٩ - باب ما يستحب لمن توفى فجأة أن يتصدقوا عنه , وقضاء النذور عن الميت [حديث سعد بن معاذ سأل رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر فقال اقضه عنها] ١١ - [٢٧٦١] حَدَّثَنَا عَبْد الله بن يوسفَ: أَخْبرَنَا مَالِك، عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: (١) «أَنَّ سَعْدَ بنَ عبادَةَ ﵁ اسْتَفْتَى رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: إِنَّ أمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْر، فقال: " اقضِهِ عَنْهَا» (٢). وفي روِاية: «أَنَّ سَعْدَ (٣) بْنَ عبَادَةَ الأنصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبيَّ ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أمِّهِ فتوفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَه فَأَفْتَاه أَنْ يَقْضِيَه عَنْهَا، فَكَانَتْ سنَّة بَعْد» (٤). وفي رواية: «وَقَالَ بَعْض النَّاسِ إِذَا بَلَغَتِ الإبِل عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَع شِياهٍ، فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهَا فِرَارا وَاحتِيَالا لإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ فَلاَ شَيْءَ فِي مَالِهِ» (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية السؤال في تحصيل العلم. ٢ - مسارعة المدعو إلى عمل الخير. ٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى الوالدين بعد موتهما. ٤ - أهمية استشارة العلماء. ٥ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على أداء الزكاة.

стр. 124

والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية السؤال في تحصيل العلم: دل هذا الحديث على أهمية سؤال العالم عند الجهل، أو عند اشتباه الأمور؛ لأن هذا الصحابي ﵁ ترك الحكم بالرأي عندما لم يكن يعلم هل تنفع الصدقة عن أمه أم لا؛ ولم يقدم عليها برأيه وإنما سأل النبي ﷺ (١). قال ابن حجر ﵀: " وفيه السؤال عن التحمل. . . " (٢) وقال الإمام الأبي ﵀: " فيه استفتاء الأعلم. . . " (٣). فينبغي للجاهل أن يسأل العالم عما أشكل عليه حتى يكون على بصيرة (٤). ثانيا: مسارعة المدعو إلى عمل الخير: دل الحديث على مسارعة المدعو إلى الخير؛ لأن الصحابي الجليل ﵁ عندما علم بأن قضاء النذر عن أمه ينفع بادر إلى ذلك؛ ولهذا ذكر الإمام ابن حجر ﵀: " أن في الحديث المسارعة إلى عمل البر والمبادرة إلى بر الوالدين " (٥). فعلى المدعو أن يبادر إلى أعمال البر والتقوى، ويسارع إلى ذلك (٦). ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث علي الإحسان إلى الوالدين بعد موتهما: إن بر الوالدين والإحسان إليهما من أعظم القربات إلى الله تعالى. وبرهما يكون في حياتهما وبعد موتهما، فمن فاته الإِحسان إلى والديه في حياتهما فقد جعل الله له ذلك بعد موتهما، سواء كان الإِحسان: بالصدقة عليهما، أو الاستغفار والدعاء، أو قضاء الديون والنذور، أو إنفاذ عهدهما من بعدهما، أو صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، أو صلة أهل ودِّهما، أو غير ذلك من

стр. 125

أعمال البر؛ لقوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له» (١). فعلى الداعية أن يبين للناس هذا الموضوع ويحثهم على الإحسان إلى الوالدين في الحياة وبعد الممات (٢) والله المستعان (٣). رابعا: أهمية استشارة العلماء: من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية والمدعو العناية بها: الاستشارة للعلماء المخلصين في أمور الدين؛ لأن ذلك مما يسبب النجاح والتوفيق بإذن الله تعالى؛ فإنه ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، وقد بين للناس مكانة الشورى، وأنها من صفات المؤمنين فقال:. . . ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] (٤)؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه ما كان الصحابة عليه من استشارة النبي ﷺ في أمور الدين " (٥). فعلى المدعو أن يستشير العلماء والدعاة في كل ما يشكل عليه، وعلى الدعاة أيضا أن يستشيروا العلماء حَتَّى تنجح أعمالهم وتصرفاتهم بإذن الله تعالى (٦). خامسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة؛ لأن العمل يؤثر في الغالب على المدعو أكثر من القول، وقد دل هذا الحديث على القدوة في قوله: " فكانت سنة بعد "، قال الإمام الكرماني ﵀: " أي صار قضاء الوارث حقوق الموروث طريقة شرعية؛ لأن القضاء في بعض المواضع واجب كما إذا كان

стр. 126

ماليا وثمة تركة " (١) وقال العيني ﵀: " فكانت فتوى النبي ﷺ سنة يعمل بها، بعد إفتاء النبي ﷺ ، والضمير في كانت يرجع إلى الفتوى " (٢) فهذا الصحابي ﵁ كان سؤاله وعمله بفتوى النبي ﷺ طريقة شرعية في قضاء ما على الميت من الديون والنذور والواجبات، فعلى الداعية أن يكون قدوة في الخير (٣). سادسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: في هذا الحديث ترغيب في الإحسان إلى الوالدين بعد موتهما، وبيان لفضل الله تعالى على الآباء ببركة عمل الأبناء ودعائهم لهم؛ ولهذا قال ﷺ : «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أَنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك» (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه فضل بر الوالدين بعد الوفاة، والتوصل إلى براءة ما في ذمتهم " (٥). فعلى الداعية أن يرغب الناس في ذلك؛ لأن الترغيب له أثر في النفوس ونشاط في العمل، وطمع في فضل الله تعالى (٦). سابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على أداء الزكاة: دل الحديث على أن الحث على أداء الزكاة من موضوعات الدعوة؛ لأهميتها؛ ولكونها من أركان الإسلام العظام، وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] (٧).

стр. 127

فعلى الداعية أن يبين للمدعوين المستجيبين أصناف الأموال الزكوية، ومقادير الأنصباء لكل صنف، وشروط وجوب الزكاة على المسلم، ومقادير الواجب في ذلك، وأصناف أهل الزكاة؛ لأن ذلك من أصول الدين التي ينبغي العناية بها وتوضيحها للناس (١).

стр. 128

٢٣ - باب قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكلونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظلْما إِنَّمَا يَأْكلونَ فِي بطونِهِمْ نَارا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ [النساء: ١٠] (١) [حديث اجتنبوا السبع الموبقات] ١٢ - [٢٧٦٦] حَدَّثَنَا عَبْد العَزِيزِ بن عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَني سلَيْمان بن بِلال، عَنْ ثَورِ بنِ زَيدٍ المَدَنيِّ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁ (٢) عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبوا السَّبْعَ الموبِقَاتِ ". قَالوا: يَا رَسولَ اللهِ وَمَا هنَّ؛ قَالَ: " الشِّرك باللهِ، والسِّحْر، وقَتْل النَّفسِ الّتِي حَرَّمَ الله إلّا بِالحَقِّ؛ وَأَكْل الرِّبا، وأَكل مالِ اليَتِيم، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْف المحْصَنَاتِ المؤمناتِ الغَافِلاتِ» (٣). * شرح غريب الحديث: * " الموبقات " المهلكات، ويقال: أوبقته ذنوبه: أي حبسته (٤). * " يوم الزحف " يوم الالتقاء في قتال العدو؛ لأنهم يزحفون: أي يتقدمون إليهم (٥). * " وقذف " القذف: الرمي بقوة (٦). * " المحصنات " الإحصان في كلام العرب: المنع، فتكون المرأة محصنة بالإسلام، لأن الإسلام يكفها عما لا يحل، وتكون محصنة بالعفاف والحياء من أن تفعل ما تعاب به (٧) والمراد: الحرائر العفيفات (٨). * " الغافلات " كناية عن البريئات؛ لأن البريء غافل عما بهت به من الزنا (٩).

стр. 129

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية, منها: ١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من السبع المهلكات. ٢ - أهمية سؤال المدعو عما لم يفهم. ٣ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٤ - من أساليب الدعوة: ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من السبع المهلكات: من الموضوعات المهمة في الدعوة، تحذير الناس من الكبائر وخاصة الموبقات التي تهلك الإنسان المسلم، وأعظمها جرما وأكبرها قبحا: الشرك بالله تعالى؛ لأنه يحبط العمل ويخلد صاحبه في النار، إذا مالت عليه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (١) ثم تأتي الكبائر بعده في الجرم وعظم الذنب، والكبائر لا تحصر، ولكن يجمعها أن كل ذنب ترتب عليه حدّ في الدنيا، أو توعِّدَ عليه بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو العذاب، أو نفي الإيمان، أو نحو ذلك، فهو من الكبائر (٢) وأشد هذه الكبائر إثما وعقابا السبع الموبقات المذكورة في هذا الحديث (٣). فعلى الداعية أن يحذر الناس من الذنوب كبيرها وصغيرها، ولكن يهتم اهتماما كبيرا في التحذير والزجر عن هذه الموبقات السبع (٤).

стр. 130

ثانيا: أهمية سؤال المدعو عما لم يفهم: دل هذا الحديث على أن المدعو الموفق هو الذي يسأل عما أشكل عليه ولم يفهمه؛ لأن الصحابة ﵃ سألوا النبي ﷺ عندما قال: " اجتنبوا السبع الموبقات " فقالوا: " وما هنَّ؟ " فبين لهم النبي ﷺ ما أشكل عليهم. فينبغي للمدعو أن يسأل عن كل ما أشكل عليه كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] (١) وهذا يؤكد أهمية السؤال عما أشكل (٢). ثالثا: من أساليب الدعوة: الترهيب: لا شك أن أسلوب الترهيب يخوّف المدعو ويحذِّره من كل ما يضره في الدنيا والآخرة، ويظهر في هذا الحديث استخدام النبي ﷺ لهذا الأسلوب في قوله: " اجتنبوا السبع الموبقات "، وهذا اللفظ يخوّف المدعو مما يهلكه ويضره؛ ولهذا ينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب مع المدعوين ويوضح لهم أن انتشار هذه المهلكات في المجتمعات من أسباب الهلاك، والضلال، والانحراف، والانحلال والاختلاف (٣). رابعا: من أساليب الدعوة: ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا: أسلوب ذكر العدد: إجمالا ثم تفصيلا مهم في الدعوة إلى الله تعالى، وهو ظاهر في هذا الحديث في قوله ﷺ : " اجتنبوا السبع الموبقات "، فقد أجمل أولا ثم فسر ﷺ ما أجمل، ومن المعلوم أن الإخبار بالإجمال يحصل به للنفس المعرفة بغاية المذكور، ثم تبقى متشوقة إلى معرفة معناه، فيكون ذلك أوقع في النفس وأعظم في الفائدة (٤). فعلى الداعية أن يستخدم أسلوب ذكر العدد إجمالا ثم تفصيلا في دعوته؛

стр. 131

لأنه إذا فعل ذلك يشدّ أذهان المدعوين إلى حديثه، ليتمكنوا من معرفة نتيجة العدد وتفسيره؛ فإذا سمع المدعو قوله ﷺ : «أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا». . . " - فإنه حينئذ ينتبه وينتظر ذكر هذه الأربع برغبة واشتياق- ". . . «حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» (١) ويحتمل أن يدل العدد المبهم المجمل على التعظيم والتفخيم. وهذا يبين أهمية ذكر الداعية العدد إجمالا ثم تفصيلا في أساليبه الدعوية، والله تعالى أعلم.

стр. 132

٢٤ - باب قول الله تعالى ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قلْ إِصْلَاح لَهمْ خَيْر وَإِنْ تخَالِطوهمْ فَإِخْوَانكمْ وَاللَّه يَعْلَم الْمفْسِدَ مِنَ الْمصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَأَعْنَتَكمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيز حَكِيم﴾ [البقرة: ٢٢٠] (١). " لأَعنتَكم ": لأَحرجكم وضَيَّقَ عليكم. " وعَنَت ": خَضَعَت. [حديث ما رد ابن عمر على أحد وصيته] ١٣ - [٢٧٦٧]- وَقَالَ لنَا سلَيمان بن حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمّاد عَنْ أَيّوبَ عَنْ نافعٍ (٢) قَالَ: مَا رَدَّ ابن عمَرَ (٣) عَلَى أَحَدٍ وَصيتَه، وَكَانَ ابن سِيرِينَ أَحَبّ الأَشْيَاءِ إِليهِ فِي مَالِ اليَتِيمِ أَنْ يَجتمِعَ إِليهِ نصَحَاؤه، وَأَولياؤه، فيَنْظروا الَّذِي هوَ خير لَه، وَكَانَ طاوس إِذا سئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتامَى قَرَأَ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وَقَالَ عَطاء فِي يَتامَى الصَّغِير والْكَبِيرِ: ينفِق الوَليّ عَلَى كلِّ إِنْسَانٍ بقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ. * شرح غريب الحديث: * " نصَحَاؤه " جمع ناصح، وهو من أراد الخير للمنصوح له (٤). * " أولياؤه " أي: من تولَّى أمره وقام على مصالحه (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الخبر دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 133

١ - من صفات الداعية: الرحمة. ٢ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله تعالى. ٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب. ٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى الأيتام والعناية بمصالحهم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الرحمة: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الناجح أن يرحم الناس، وخاصة الأيتام؛ ولهذا لم يرد ابن عمر ﵄ على أحد وصيته رحمة بالأيتام، ومن أجل ذلك أوصى النبي ﷺ بالأيتام والعناية بهم (١). فعلى الداعية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة، ويكون رحيما بالمؤمنين وخاصة اليتامى الذين فقدوا آباءهم؛ فإن الله لا يخيِّب سعيه. والله المستعان (٢). ثانيا: من صفات الدعاة: الرغبة فيما عند الله تعالى: يظهر في هذا الخبر رغبة الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄ فيما عند الله تعالى, وذلك في عدم ردِّه على أحد وصيته، وكأنه يبتغي الأجر بقوله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا» (٣). فينبغي للداعية أن يرغب فيما عند الله تعالى؛ فإن ذلك من أعظم القربات:. . ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (٤). ثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: إن من الأساليب النافعة في الدعوة إلى الله تعالى: الترغيب والترهيب,

стр. 134

وهذا ظاهر في هذا الخبر في قول طاووس: حيث كان إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] قال الإمام القرطبي ﵀: في تفسير هذه الآية: " تحذير: أي يعلم المفسد لأموال اليتامى من المصلح، فيجازي كلا على إصلاحه وإفساده " (١). وقال سبحانه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] (٢). فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب في دعوته؛ فإن ذلك مما يؤثر على المدعو (٣). رابعا: من موضوعات الدعوة: الحث علي الإحسان إلى الأيتام والعناية بمصالحهم: إن من الموضوعات المهمة: الحث على الإحسان إلى اليتامى، والعناية بهم وبمصالحهم، وتربيتهم التربية الإسلامية، والإنفاق عليهم من أموالهم أو من غيرها بالمعروف، وتنمية عقولهم وأموالهم (٤) وقد أمر الله تعالى بالعناية باليتامى في آيات كثيرة ومنها قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] (٥) وحذر سبحانه عن إفساد أموالهم وأكلها بالباطل فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (٦). فعلى الداعية أن يبين للناس أهمية هذا الموضوع، ويوضح لهم ما أوجب الله عليهم من العناية باليتامى، ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية (٧).

стр. 135

٢٥ - باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحا له ونظر الأم أو زوجها لليتيم [حديث أنس خدمت رسول الله في السفر والحضر] ١٤ - [٢٧٦٨] حَدَّثَنَا يَعْقوب بن إِبْرَاهِيمَ بنِ كَثِير: حَدَّثَنَا ابن علَيةَ: حَدَّثَنَا عبد العَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ ﵁، (١) قَالَ: «قَدِمَ رَسول الله ﷺ المَدينة لَيْسَ له خادم، فأَخذَ أَبو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسولَ اللهِ إِنَّ أنسا غلاَم كيِّس فَلْيَخْدمْكَ، قَالَ: فَخَدَمْته فِي السَّفَر وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْته لِمَ صَنعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْه لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذا؟» (٢) وفي رواية: «خَدَمْت النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أفٍّ، وَلاَ لِمَ صَنَعْتَ؟ ولاَ: أَلاَ صَنَعْتَ؟» (٣) وفي رواية: ". . . «فَوَاللهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْته لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلاَ لشيء لَمْ أَصْنَعْه لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذا؟» (٤).

стр. 136

* شرح غريب الحديث: * " كيِّس " الكيِّس: العاقل (١) وهو الذي لا يقع منه خلَل غالبا في الدين (٢). * " أفّ " أصل الأف: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر، وما جرى مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به، ويقال عند التكره من الشيء، وعند التضجّر منه (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الخلق الحسن. ٢ - من آداب الداعية: ترك العتاب على ما فات استئلافا للمدعو. ٣ - أدب المدعو مع العالم والداعية. ٤ - من صفات الداعية: الكَيْس والنشاط. ٥ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم. ٦ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الخلق الحسن: دل الحديث على أن الخلق الحسن من أعظم صفات الداعية؛ ولهذا قال الإمام النووي ﵀: " وفي هذا الحديث بيان كمال خلقه ﷺ وحسن عشرته، وحلمه وصفحه " (٤) وقال الإمام ابن أبي جمرة: " فيه دليل على حسن خلق النبي وكثرة ما أمده الله به من قوة اليقين؛ لأن أنسا بقي في خدمته ﷺ

стр. 137

عشر سنين ثم مع طول السنين ومباشرة الخدمة لم يقل له النبي ﷺ : قط لِمَ فعلت هذا هكذا، ولا لِمَ لَمْ تفعل. .؟ " (١). فعلى الداعية أن يتصف بحسن الخلق؛ فإن النبي ﷺ بعثه الله تعالى ليتمم مكارم الأخلاق كما قال ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٢) ومما يدل على أهمية حسن الخلق للداعية أن الله تعالى أمر به إمام الدعاة وقائدهم محمدا ﷺ ، وأثنى عليه به، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٤) وسئلت عائشة ﵂ عن خلقه فقالت: ". . . «فإن خلق نبيكم ﷺ كان القرآن» (٥) وهذا يحث الداعية على أن يسأل الله تعالى أن يرزقه الخلق الحسن؛ فإن النبي ﷺ كان يقول: ". . . «واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت». . . " (٦). ثانيا: من أدب الداعية: ترك العتاب على ما فات استئلافا للمدعو: من الأمور المهمة للداعية أن لا يلوم ولا يعاتب أحدا على ما فات، وخاصة في أمور الدنيا التي لا إثم في تركها؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ويستفاد من هذا ترك العتاب على ما فات؛ لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به إذا احتيج إليه، وفائدة تنزيه اللسان عن الزجر والذم واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته، وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان، وأما الأمور اللازمة شرعا فلا يتسامح فيها؛ لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (٧). فعلى الداعية أن لا يعاتب لحظ نفسه ولا لأجل الدنيا، بل عليه أن يعفو ويصفح كما فعل النبي ﷺ مع أنس ﵁.

стр. 138

ثالثا: أدب المدعو مع العالم والداعية: إن من الآداب الجميلة والأخلاق الحميدة احترام العلماء وخدمتهم والعناية بذلك، احتراما للعلم الذي معهم؛ ولهذا الأمر المهم أرسلت أم سليم ﵂ ابنها أنس بن مالك ﵁ إلى النبي ﷺ ؛ ليخدمه، فخدمه ﵁ عشر سنوات. قال الإمام العيني ﵀: " وفيه أن خدمة الإمام والعالم واجبة على المسلمين، وأن ذلك شرف لمن خدمهم. . . " (١). فعلى المدعو أن يخدم العلماء، ويوقرهم، ويحترمهم؛ لما لهم من الفضل على الناس بنشر العلم النافع بينهم، وتعليمهم لهم علوم الكتاب والسنة. رابعا: من صفات الداعية: الكَيْس والنشاط: إن من صفات الداعية أن يكون عاقلا ثبتا، نشيطا في طاعة الله تعالى؛ لأن الكيِّس في الحقيقة: هو الذي لا يقع منه خلل في الدين؛ (٢) ولهذا قال أبو طلحة ﵁ في هذا الحديث: " يا رسول الله، إن أنسا غلام كيِّس فليخدمك ". فعلى الداعية أن يكون عاقلا، نشيطا، ملتزما بأمور الدين، فلا يقع منه خلل ولا تقصير. خامسا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: إن التوكيد بالقسم من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأنه يثبت المعاني في القلوب، ويحملها على التصديق؛ قال أنس ﵁: " فوالله ما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعت هذا؟ ". فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٣). سادسا: من وسائل الدعوة القدوة الحسنة: إن فعل النبي ﷺ مع أنس بن مالك يدل على هذه الوسيلة النافعة، وأن

стр. 139

أثرها عظيم في الدعوة؛ لأن الفعل أبلغ من القول (١) ولهذا أثَّر هذا الخلق الحسن على أنس بن مالك ﵁ حتى قال: «خدمت النبي ﷺ عشر سنين فوالله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا». . . " الحديث. فعلى الداعية أن يقتدي برسول الله ﷺ في خلقه، وأن يكون قدوة حسنة لغيره؛ لأن القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بما يدعو إليه الداعية (٢). ومن أعظم ما ينبغي للداعية أن يكون قدوة لغيره في: الخلق الحسن، ومنه: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى، ولا شك أن حسن الخلق قسمان: أحدهما مع الله ، وهو أن تعلم أن كل ما يكون منك يوجب عذرا، وكل ما يأتي من الله يوجب شكرا، فلا تزال شاكرا له معتذرا إليه. والقسم الثاني: حسن الخلق مع الناس، وجماعه أمران: بذل المعروف قولا وفعلا، وكف الأذى قولا وفعلا، وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطيب العود (٣) وصحة الإسلام (٤). فعلى الداعية أن يكون قدوة للمدعوين في هذا الخلق الحسن. والله المستعان (٥).

стр. 140

٣٢ - بَاب نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقفِ [حديث ما تركت فهو صدقة] ١٥ - [٢٧٧٦] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بن يوسفَ: أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَن أَبِي هرَيْرَةَ ﵁: (١) أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارا، وَلَا دِرْهَما، مَا تَرَكْت - بَعدَ نَفَقَةِ نِسَائي وَمؤْنَةِ عَامِلي- فَهوَ صَدَقَة» (٢). * شرح غريب الحديث: " ومؤنة (٣) عاملي " أراد ﷺ بالعامل: الخليفة بعده، وقيل: هو القائم على هذه الصدقات والناظر فيها، وقيل: كل عامل للمسلمين من خليفة وغيره؛ لأنه عامل النبي ﷺ ونائب عنه في أمته (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الزهد. ٢ - من صفات الداعية: الكرم. ٣ - مسئولية الداعية تجاه أقاربه. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الزهد: في هذا الحديث بيان واضح للأمة أن النبي ﷺ لم يهتم بأمور الدنيا، ولم تكن أكبر همه؛ لأنه لم يبعث لتحصيلهما وجمعها، وإنما بعث لإنقاذ الناس

стр. 141

وإخراجهم من ظلمات الشرك والمعاصي إلى نور التوحيد والطاعات. وهذا يدل على زهده, وقناعته ﷺ ؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من الخبز الشعير» (١) وقالت: «ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (٢) وقالت: «إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٣). وقال ﷺ : «لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرّني أن لا يمرّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين» (٤). وقد ثبت عنه ﷺ أنه «اضطجع على حصير فأثر في جنبه فدخل عليه عمر بن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال ﷺ : " ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (٥). وقال أبو هريرة ﵁: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (٦). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٧). وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراش رسول الله ﷺ من أدَم وحشوه ليف» (٨)

стр. 142

ومع هذا كان يقول ﷺ : «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتا» (١) وقال ﷺ : «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه» (٢). فينبغي للداعية أن يكون زاهدا في الدنيا، راغبا فيما عند الله تعالى؛ فإن ذلك من الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة (٣) والله المستعان (٤). ثانيا: من صفات الداعية: الكرم: لا ريب أن الكرم من صفات الداعية الناجح؛ لأن الكريم إذا أحسن إلى الناس جلب قلوبهم؛ ولأن النفس في الغالب مجبولة على حبِّ من أحسن إليها، وهذا واضح في هذا الحديث؛ ولهذا قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث عندما ذكر ماله ﷺ من الأموال. قال: " لكنه ﷺ كان لا يستأثر بها، بل ينفقها على أهله، والمسلمين، وللمصالح العامة. . . " (٥). فعلى الداعية أن يكون جوادا كريما محسنا، وبهذا إن شاء الله يجذب قلوب المدعوين، فيقبلون على دعوته (٦). ثالثا: مسؤولية الداعية تجاه أقاربه: إن الأقارب لهم حق النفقة والرعاية والإحسان على حسب مراتبهم ودرجاتهم في القرب؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: " ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة "، فلم يهمل ﷺ نفقة نسائه، بل أوصى لهن بالنفقة، وقد بين ﷺ أهمية الإنفاق على الأهل، والأقارب، والعيال الذين يعولهم المسلم، أو

стр. 143

تلزمه مؤنتهم: نحو الزوجة, والخادم, والوالد, والولد, وغيرهم. فقال: «أفضل دينار ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله،» (١) وقال ﷺ : «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك» (٢). وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمّن يملك قوته» (٣) وقال ﷺ : «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شَيْء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن قرابتك شيء فهكذا وهكذا»، يقول: فبيْن يديك وعن يمينك وعن شمالك (٤). فينبغي للداعية أن يعتني بقرابته عناية خاصة؛ ليقوم بالواجب، ويكون قدوة حسنة للناس في الخير، والله المستعان.

стр. 144

٣٣ - بَاب إِذَا وَقَفَ أَرضا أَو بِئْرا أو اشْترَطَ لِنَفْسِهِ مِثلَ دِلاءِ المسْلمين وَوَقَفَ أنَس دَارا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نزَلَهَا، وَتَصَدَّقَ الزبير بِدورِهِ، وَقَالَ لِلْمَردودَةِ منْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكنَ غَيرَ مضِرَّةٍ وَلَا مضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقّ، وَجَعَلَ ابن عمَرَ نَصِيبَه مِنْ دَارِ عمَرَ سكْنَى لِذَوِي الحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْد اللهِ. [حديث من حفر بئر رومة فله الجنة] ١٦ - [٢٧٧٨] وَقَالَ عَبْدَان: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عنْ أبِي عَبْدِ الرّحمَنِ: «أَن عثمانَ ﵁، (١) حَيْث حوصِرَ أَشْرَفَ عَليهم، وقَالَ: أَنشدكم اللهَ، وَلَا أَنْشد إِلَّا أَصْحَابَ النَّبيِّ ﷺ ، أَلَسْتمْ تَعْلَمونَ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " مَنْ حَفَرَ رومَةَ فَله الْجَنَّة " فَحَفَرْتهَا؟ أَلَسْتمْ تَعَلَمونَ أَنَّه قَالَ: " مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العسْرَةِ فَله الْجَنَّة " فَجَهَّزْته؟ قَالَ: فَصَدَّقوه بمَا قَالَ؟ وَقَالَ عمَر فِي وَقْفِهِ: لَا جنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَه أَن يَأْكلَ. وَقَدْ يَليهِ الوَاقِف وَغَيره فَهوَ واسع لِكلٍّ». (٢).

стр. 145

* شرح غريب الحديث: * " أنشدكم الله " يقال: نشدتك الله: أي سألتك بالله، ويقال: نشدتك الله، وأنشدك بالله، وأنشدك الله، وناشدتك اللهَ وبالله: أي سألتك وأقسمت عليك (١) وقيل: نشدتك الله، وأنشدك بالله: أي أشهدك بالله، وأعرِّفكَ ما نحبه فيك من الصدق لِلَّهِ (٢). * " رومة " هي بئر بالمدينة، اشتراها عثمان ﵁ وسَبَّلها (٣). * " العسرة " جيش العسرة: غزوة كان فيها شدة على أهلها، وقلة، سمِّيَ جيشهَا بما أصابهم (٤) وهي غزوة: تبوك. * الدراسة الدعوية للحديث: هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِنفاق والصدقات في وجوه الخير. ٢ - من صفات الداعية: المسارعة إلى الخيرات. ٣ - من صفات الداعية: الكرم والرغبة فيما عند الله تعالى. ٤ - إظهار الداعية مناقبه عند الحاجة إلى ذلك. ٥ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان. ٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث علي الإنفاق والصدقات في وجوه الخير: في هذا الحديث الشريف دعوة للأمة إلى الإنفاق والصدقة ابتغاء وجه الله
следующие страницы →