← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٦ - باب لا وصية لوارث [حديث كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين] ٦ - [٢٧٤٧] حَدَّثَنَا محَمَّد بن يوسفَ، عَنْ وَرْقاءَ، عَنْ ابنِ أَبي نَجيْحٍ، عَنْ عطَاءٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ (١) ﵄ قَالَ: " كَانَ المَال لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصيَّة لِلوَالِدَينِ، فَنَسَخَ الله مِن ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأنثيين، وَجَعَلَ لِلأَبَوَينِ لِكلِّ وَاحِدٍ مِنْهمَا السّدسَ، وَجَعَلَ لِلمَرْأَةِ الثمنَ وَالربعَ، وللزَّوج الشَّطْرَ والرّبعَ " (٢). * شرح غريب الحديث: * " فنسخ الله من ذلك ما أحب " النسخ: أمر كان يعمل به من قبل، ثم ينسخ بحادثٍ غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم تنسخ بآية أخرى، وكل شيء خَلَفَ شيئا فقد نسخه: أي أبطله وقام مقامه، والأول منسوخ والثاني ناسخ، يقال: نسخت الشمس الظل: أي أزالت الظل وحلت محله (٣). " الشطر " النصف (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية تبليغ العلم النافع للناس. ٢ - عناية الإسلام بحقوق الإِنسان. ٣ - من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 72

أولا: أهمية تبليغ العلم النافع للناس: دل مفهوم هذا الحديث على أهمية تبليغ العلم النافع للناس؛ فإن ابن عباس ﵄ قد بلغ في هذا الحديث علم الفرائض- الذي هو نصف العلم- وبينه للناس بيانا واضحا؛ فقد بين ﷺ أن المال الذي يخَلِّفه الميت كان يأخذه أولاده ميراثا، وكانت الوصية في أول الإسلام واجبة للوالدين والأقربين على ما يراه الموصي من المواساة والتفضيل، ثم نسخ الله من ذلك ما أحب وحدد الفرائض وأعطى كل ذي حق حقه (١). فينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يقتدوا بحبر الأمة ويبلغوا العلم النافع للناس؛ لقوله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية» (٢) ودعا ﷺ بالنَّضَارة، وهي: النعمة والبهجة لمن بلغ عنه ﵊، فقال: «نَضّرَ الله امرأ سَمِعَ مِنَّا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فَربَّ حَامِل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامِل فِقْهٍ ليس بفقيهٍ» (٣) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «نَضّرَ الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، وحفظها وبلّغها، فَرب حامل فِقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يَغِلّ (٤) عليهنَّ قَلْب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن الدعوة تحيط من ورائهم» (٥) فعلى الدعاة إلى الله أن يرغبوا في هذا الفضل العظيم، وهذه الدعوة المباركة. والله المستعان.

стр. 73

ثانيا: عناية الإسلام بحقوق الإنسان: يظهر في هذا الحديث جليّا أن الإسلام حفظ حقوق الإِنسان واعتنى بها عناية فائقة، وهذا يبين أنه الدين الذي يصلح لكل زمان ومكان؛ فإنه تكفل بما يعود على الإِنسان المسلم بالسعادة في الدنيا والآخرة. ويؤخذ من هذا الحديث امتياز الإسلام وحفظه للحقوق الإِنسانية، وذلك لأمور: ١ - الإسلام أبطل نظام الجاهلية الذي ينقل مال الميت إلى الكبير من أبنائه، فإن لم يكن له أبناء فإلى أخيه أو عمه، فلا يورِّثون الصغار، ولا الإناث؛ بحجة أن هؤلاء لا يحمونهم، ولا يقاتلون معهم، ولا يحوزون المغانم (١) فجاء الإسلام يهدم عادات الجاهلية قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] (٢) فحفظ الإسلام حقوق الناس ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، وأعطى كل ذي حق حقه، فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله تعالى قد أَعطى كلَّ ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (٣) فإذا كانت الجاهلية راعت الأقوياء وحرمت الضعفاء من الميراث، فكل الإسلام راعى هؤلاء الضعفاء؛ لأنهم أحق بالعطف، ولم يحرم الإسلام الأقوياء من الميراث، فكل من توفر فيه سبب من أسباب الإِرث، وانتفى عنه المانع ورث كبيرا كان أو صغيرا، ذكرا كان أم أنثى، قويا أم ضعيفا (٤). ٢ - الإسلام يقَوِّي أواصر القرابة بين الناس، ويحكم الصلة بينهم بصلة الرحم، كما قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٥)

стр. 74

فهو يقدم الذرية بالإِرث على الأصول وعلى بقية القرابة، ومع هذا فلا يحرم الأصول ولا بقية القرابات، بل يجعل لكل ذي نصيبٍ نصيبه (١) وهذا نظام العدالة والمواساة. والرحمة: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (٢). ٣ - الإسلام يحترم الملكية الفردية، فنظام التوريث يعطينا دلالة واضحة على احترام هذا الدين للملكية الفردية؛ لأنه يسلم الثروة التي يخلفها الميت إلى يد وارثه موفورة محترمة؛ لقوله ﷺ : «ومن ترك مالا فلورثته» (٣) وهذا من أكبر الدوافع التي تقوي نشاط أهل الأموال إلى الاستثمار، وبذل الجهد في ذلك؛ لأن الإنسان الذي يعرف أن الأموال التي بذل جهده في جمعها تصير بعد ذلك إلى غير ورثته ولا ينتفع بها أولاده لا يحافظ عليها، ولا يحميها. وهذا يدل على سماحة الإسلام وحفظه لحقوق الإنسان كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٤). ثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ: الإسلام نسخ جميع الشرائع السابقة، ومعلوم أن أصل دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد، وهو " التوحيد "، أما الشرائع فقد نسختها شريعة محمد ﷺ ؛ لأن الله ختم بها جميع الشرائع، وأرسله إلى الإِنس والجن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٥) وحديث ابن عباس يظهر منه جليّا وقوع النسخ، ولهذا قال ابن حجر ﵀ على قول ابن عباس ﵄: " فنسخ من ذلك ما أحب ": " وفيه رد على من أنكر النسخ " (٦)

стр. 75

ولا شك أن الإسلام نسخ جميع الشرائع السابقة بالإِجماع (١) ولهذا قال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (٢). فالداعية إلى الله تعالى قد يحتاج إلى بيان الناسخ من المنسوخ في هذه الشريعة كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] (٣) وقد يحتاج إلى بيان نسخ الشريعة الإِسلامية لجميع الشرائع السابقة، وذلك في دعوته لغير المسلمين، وخاصة أهل الكتاب، فعليه أن يلمَّ بذلك إلماما جيدا؛ قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: " معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام " (٤). فينبغي للداعية أن يسلك طريق الحكمة في بيان أن الشريعة الإِسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة، وأن يبين للناس: الناسخ والمنسوخ عن علم وبصيرة، على حسب ما يحتاجه المدعو. * * * *

стр. 76

١١ - باب هَلْ يَدخل النّساء والولد في الأَقَارب ؟ [حديث اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا] ٧ - [٢٧٥٣] حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شعَيْب، عَن الزّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيد بن المسَيّب وأَبو سَلَمَةَ بن عَبدِ الرّحمنِ: أَنَّ أَبا هرَيْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «قَامَ رَسول الله ﷺ حينَ أنزَلَ الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: " يَا مَعْشَرَ قريشٍ - أَوْ كَلِمَة نَحْوَهَا- اشْتَروا أَنفسَكمْ، لَا أغْنِي عَنْكمْ مِن اللهِ شيْئا. يَا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، لَا أغْنِي عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئا. يَا عَبَّاس بنَ عبدِ المطلبِ، لا أغنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئا. يَا صَفِيَّة عمةَ رسولِ الله، لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئا. ويَا فَاطِمَة بِنتَ محَمدٍ، سَلِيني مَا شِئتِ مِن مَالي لَا أغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئا» (٢). وفي رواية: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ اشْتَروا أنْفسَكمْ مِنَ اللهِ، يَا بَنِي عَبْدِ المطَّلِبِ اشْتَروا أَنْفسَكمْ مِنَ اللهِ، يَا أمَّ الزّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ عَمَّة رَسولِ اللهِ، يَا فَاطِمَة بِنْتَ محَمِّدٍ اشْتَرِيا أَنْفسَكمَا مِنَ اللهِ، لَا أَمْلِك لَكمَا مِنَ اللهِ شَيْئا سَلانِي مِنْ مَالي مَا شِئْتمَا» (٣).

стр. 77

* شرح غريب الحديث: * العشيرة عشيرة الرجل: بنو أبيه الأقربون وقبيلته (١). * يا معشر قريش المعشر: كل جماعةٍ أمرهم واحد، نحو: معشر المسلمين، معاشر المشركين، ومعاشر: جماعات الناس (٢) ويا معشر: مثل قوله: يا بني فلان، يا بني فلان (٣) فقوله: " يا معشر قريش " أي يا جماعة، أو يا قبيلة قريش. * اشتروا أنفسكم من الله " العبد مشترٍ لنفسه باعتبار تخليصها من العذاب، بائع باعتبار تحصيل الثواب (٤) كأنه قال: أسلموا تسلموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا طاعة الله ثمن النجاة (٥) أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] (٦) فالمؤمن في هذا المقام بائع باعتبار تحصيل الثواب والثمن الجنة (٧). أنقذوا أنفسكم من النار من الإِنقاذ: خلّصوها من النار بترك أسبابها والاشتغال بأسباب الجنة (٨) يقال: أنقذت فلانا: إذا خلصته مما يكون قد وقع فيه أو شارف أن يقع فيه (٩). لا أغني أي: لا أدفع، والمعنى لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم (١٠).

стр. 78

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - دعوة الأقربين. ٢ - التدرج في الدعوة. ٣ - من صفات الداعية: الصدق. ٤ - قرب المدعو من أهل الفضل لا ينفع إلا بالعمل الصالح. ٥ - أهمية ربط المدعوين بخالقهم. ٦ - من وسائل الدعوة: الخطبة. ٧ - من وسائل الدعوة: البروز للناس على مكان مرتفع. ٨ - اختيار الداعية الوقت المناسب للمدعوين. ٩ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال. ١٠ - من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه والنسب. ١١ - من أساليب الدعوة: النداء بالأنساب والكنى. ١٢ - من أساليب الدعوة: التكرير بالإِنذار. ١٣ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ١٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: دعوة الأقربين: مما لا شك فيه أنه يلزم الداعية إلى الله تعالى أن يعتني بأقاربه عناية خاصة؛ لأن الله أمر نبيه محمدا ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين؛ وأنهم أحق الناس بالنصيحة والتوجيه والإِحسان؛ ولهذا قال ﷺ : «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» (١) ولا شك أن دعوة العشيرة

стр. 79

الأقربين وتوجيههم إلى سعادتهم الأبدية أعظم وأولى من الصدقة بالمال. والناس في الغالب ينظرون إلى قرابة الداعية، ومدى تطبيقهم لما يدعو إليه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " والسر في الأمر بإنذار الأقربين أولا، أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب من العطف والرأفة، فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نَصَّ له على إنذارهم (١) ولهذا كان عمر ﵁ إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله فقال: " إني نهيت الناس عن كذا وكذا " وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة " (٢). ثانيا: التدرج في الدعوة: بدأ رسول الله ﷺ بالدعوة السرية بعد أن أمره الله تعالى بإنذار قومه عاقبة ما هم فيه من الشرك، وما هم عليه من الكفر والفساد، قال تعالى؛ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ - وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ - وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧] (٣) وبعد هذه الآيات بدأ رسول الله ﷺ يعرض الإسلام على من يعرفهم ويعرفونه: يعرفهم بحب الخير والحق، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء جمع عرفوا بالسابقين الأولين. ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] (٤) وهذا أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه (٥) وأمره تعالى بإنذار عشيرته الأقربين، فبدأ ﷺ دعوته الجهرية بإنذارهم. وقد بين الإمام ابن القيم ﵀ ترتيب الدعوة للنبي ﷺ وأنها على الترتيب الآتي:

стр. 80

الأولى: النبوة. الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. الثالثة: إنذار قومه. الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله: وهم العرب قاطبة. الخامسة: إنذار جميع من تبلغه دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر (١). وهذا الحديث في هذا الباب دل على الدرجة الثانية؛ فينبغي للداعية أن يراعي ويسلك طريق النبي ﷺ في دعوته. ثالثا: من صفات الداعية: الصدق الصدق من أهم صفات الداعية إلى الله تعالى، وفي هذا الحديث دليل على التحرز من الكذب وتحري الصدق؛ لأن الراوي نقل عن النبي ﷺ قوله: " يا معشر قريش أو كلمة نحوها " وهذا شك من الراوي هل قال النبي ﷺ هذه الكلمة أو ما معناه (٢). ولا شك أن الصدق من أهم الصفات للداعية، وخاصة في ثلاثة مجالات: ١ - الصدق في النية والقصد، وهذا يستلزم الإخلاص في الدعوة لله تعالى، وفي كل طاعة وقربة. ٢ - الصدق في القول، وهذا يستلزم أن لا ينطق الداعية بالباطل أيا كانت صورته: كذبا، أو شتما، أو سبابا، أو غشا، أو غيبة، أو نميمة، أو غير ذلك من الألفاظ القبيحة. ٣ - الصدق في العمل، وهو مطابقة الأقوال والأعمال للحق الذي يدعو إليه الداعية، فيعمل بما يدعو إليه قولا وعملا. (٣). فعلى الداعية أن يكون صادقا في جميع المجالات؛ ولهذا قال الله تعالى:

стр. 81

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (١). رابعا: قرب المدعو من أهل الفضل لا ينفع إلا بالعمل الصالح: لا ريب أن المدعو إذا كان قريب النسب أو الجوار لأهل الفضل لا ينفعه ذلك إلا بالعمل؛ ولهذا قال ﷺ في ندائه لبطون قريش: " لا أغني عنكم من الله شيئا "، وقال لفاطمة بنته: " لا أغني عنك من الله شيئا "، قال الإمام الحافظ ابن العربي ﵀ في الكلام على هذه الجملة: " هذا كلام بديع، فهذا نوح ﵇ لما كفر ابنه لم تنفعه بنوته، وهذا إبراهيم ﷺ لما كفر أبوه لم تنفعه أبوته، كذلك أبو طالب لم تنفعه عمومته للنبي ﷺ ولم تنجه من العذاب، وفي هذا بيان أن العصمة بالعمل الصالح لا بالقرابة، قال ﷺ : ". . . «ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) وكذلك الصلة بسبب النكاح لا تنفع إلا بالإيمان، وقد بين الله ذلك سبحانه في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] (٣) وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] (٤) فلم تنتفع زوجتا نوح ولوط بإيمان زوجيهما، ولم يضر امرأة فرعون كفر زوجها فرعون " (٥). فينبغي أن يعْلَم أن رؤية أهل الفضل أو القرب من العلماء والصالحين ومخاطبتهم لا تنفع إلا إذا وقع الاقتداء بهم، وكلما قوي الاقتداء والعمل الصالح قوي القرب والانتفاع بإذن الله تعالى (٦). خامسا: أهمية ربط المدعوين بخالقهم: ينبغي للداعية أن يبين للناس أنهم بحاجة إلى ربهم في جميع أمورهم، وأنهم ملك لله تعالى، وهم فقراء إليه؛ ولهذا قال ﷺ : " اشتروا أنفسكم من الله "، قال

стр. 82

الحافظ ابن حجر ﵀: " فيه إشارة إلى أن النفوس كلها ملك لله تعالى، وأن من أطاعه في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وفَّى ما عليه من الثمن " (١). وقوله ﷺ : " اشتروا أنفسكم من الله " فقد بين الشراء ولم يبين الثمن الذي يشترى به، وقد بينه الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] (٢) والشراء يجوز أن يطلق على البائع والمبتاع؛ لأن كل واحد منهما في الحقيقة بائع ومشتر، فالمؤمن الحقيقي ليس له في نفسه شيء، وإنما هو عليها أمين مثل الوصي على مال اليتيم، ينفق عليه بالمعروف (٣) فعلى الداعية أن يسلك منهج النبي ﷺ في ربط المدعوين بخالقهم تعالى. سادسا: من وسائل الدعوة: الخطبة: الخطبة من الوسائل الحية في الدعوة إلى الله تعالى، وتبرز في هذا الحديث؛ لقول أبي هريرة ﵁: " قام رسول الله ﷺ " ويبين ذلك الرواية الأخرى: من حديث ابن عباس ﵄، بأن النبي ﷺ صعد على الصفا فجعل ينادي (٤) وهذا يبين أن النبي ﷺ خطبهم على الصفا، وعم وخص وأنذر ﷺ . فينبغي للداعية أن يعتني بالخطبة، ويحضر لها تحضيرا جيدا دقيقا؛ لما لها من التأثير في قلوب المدعوين؛ ولأن الخطبة في الغالب يجتمع لها الجمع الغفير في معظم الأحيان. سابعا: من وسائل الدعوة: البروز للناس على مكان مرتفع: من الوسائل المهمة أن يبرز الداعية على مكان مرتفع يراه الناس أمام أعينهم، وخاصة إذا كان الجمع غفيرا، حتى يسمع الناس ما يقول؛ ولهذا شرع الصعود على المنبر في خطب الجمع، كما كان يفعل ﷺ ، وقد ذكر الإمام ابن العربي

стр. 83

معنى ذلك، وأن النبي ﷺ صعد الصفا يريد الإسماع؛ ولذلك شرع للمؤذن صعود السطوح والمواضع المرتفعة؛ ليكون أقوى لصوته، وأسمع له (١). فعلى الداعية أن يعتني بهذه الوسيلة عند الحاجة إليها. ثامنا: اختيار الداعية الوقت المناسب للمدعوين: لا شك أنه ينبغي للداعية أن يختار الأوقات المناسبة للمدعوين، حتى يستطيع بتوفيق الله تعالى- أن يؤثر عليهم؛ ولهذا اختار النبي ﷺ وقت الصباح حينما بدأ بإنذار قريش؛ لكون هذا الوقت أنسب لهم، وأسمع لصوته (٢). فينبغي للداعية أن يتحرى أوقات الفراغ والنشاط والحاجة عند المدعوين؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٣) والمعنى كان ﷺ يراعي الأوقات في تذكيرهم (٤). تاسعا: من وسائل الدعوة: التأليف بالمال: لا شك أن التأليف بالمال من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، وقد أشار إليه هذا الحديث في قوله ﷺ لفاطمة ﵂: " سليني من مالي ما شئت " قال العيني ﵀: " فيه أن الائتلاف للمسلمين وغيرهم بالمال جائز وفي الكافر آكد " (٥) فينبغي للداعية أن يكون كالطبيب الذي يشخص المرض أولا، ثم يعطي العلاج على حسب نوع المرض، فإذا علم الداعية أن المدعو بحاجة إلى التأليف بالمال أعطاه؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعتني بهذه الوسيلة عناية فائقة حتى قال: «إني أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبَّ في النار على وجهه» (٦)

стр. 84

وقد كان ﷺ يعطي أشراف قريش وغيرهم من المؤلفة قلوبهم؛ لتلافي أحقادهم؛ ولأن الهدايا تجمع القلوب، وتجعل القلوب متهيئة للنظر في صدق الدعوة، وصحة العقيدة، والاستفادة من الآيات البينات، والبراهين الواضحة. وصدق ﷺ حيث قال: «تهادوا تحابوا» (١) وللتأليف بالمال أمثلة كثيرة من هديه ﷺ (٢) فينبغي للداعية أن يسلك هذا المسلك عند الحاجة إليه. عاشرا: من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه والنسب: من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله تعالى: التأليف بالجاه أو بالنسب؛ وفي هذا الحديث ما يشير إلى ذلك عنه ﷺ حيث قال: " ويا صفية عمة رسول الله. . ويا فاطمة بنت محمد "، فكأنه ﷺ يرقق قلب صفية وفاطمة ﵄ لما لهما من القرابة منه ﷺ ، وقد نادى ﷺ عباس بن عبد المطلب، وصفية بنت عبد المطلب، وفاطمة بنت محمد لشدة قرابتهم منه (٣) وقد استخدم النبي ﷺ التأليف بالجاه؛ فقال ﷺ للأنصار حينما آثر عليهم غيرهم في العطاء: «أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ ؛ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " فقالوا: " بلى يا رسول الله قد رضينا» (٤). وفي رواية: ". . . «لو سلك الناس واديا أو شعبا، وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار» (٥). فينبغي للداعية أن يسلك منهج رسول الله ﷺ في دعوته إلى الله تعالى.

стр. 85

الحادي عشر: من أساليب الدعوة: النداء بالأنساب والكنى: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ استعمل النداء بالأنساب والكنى في دعوته إلى الله تعالى فقال: " يا بني كعب بن لؤيٍّ. . . يا بني مرة بن كعب. . . يا بني عبد شمس. . . يا بني عبد مناف. . . يا بني هاشم. . . يا بني عبد المطلب. . . يا بني فهر. . . يا بني عدي. . . يا عباس بن عبد المطلب. . . يا صفية عمة رسول الله. . . يا فاطمة بنت رسول الله. . . " (١). وفي رواية: «. . . يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله ﷺ » (٢). فدل ذلك على أنه لا حرج على الداعية أن يستخدم مثل هذا إذا احتاج إليه (٣) إذا كان مما يجلب قلوب المدعوين، ويدخل السرور عليهم والأنس والراحة، وقد علِمَ بالتجارب أن النداء بالكنى المباحة يدخل السرور على المنَادَى. الثاني عشر: من أساليب الدعوة: التكرير بالإنذار: إن أسلوب التكرير وإعادة الإِنذار والتوجيه مرة بعد أخرى أسلوب نافع؛ لأن الناس قد ينسون بعد فترة من الزمن، وهذا يبين للدعاة إلى الله تعالى أهمية هذا الأسلوب، فإذا ألقى الداعية كلمة، أو خطبة، أو محاضرة، أو نصيحة على قوم من المدعوين ثم احتاج إلى إعادتها بعد فترة فلا حرج في ذلك؛ لأن المقصود أن يفهم الناس ما يلقى إليهم ويستوعبوه، فإذا لم يحصل هذا كرر ما يلقى إليهم حتى يرسخ في أذهانهم. قال الإمام ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث الباب: " ونداؤه ﷺ للقبائل من قريش قبل عشيرته الأدْنَين؛ ليكرر إنذار عشيرته، ولدخول قريش كلها في أقاربه، ولأن إنذار العشيرة يقع بالطبع وإنذار غيرهم يكون بطريق الأولى " (٤)

стр. 86

ثم قال ﵀: " وهذه القصة إن كانت وقعت في صدر الإسلام بمكة فلم يدركها ابن عباس، لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولا أبو هريرة لأنه إنما أسلم بالمدينة، وفي نداء فاطمة يومئذٍ أيضا ما يقتضي تأخر القصة؛ لأنها كانت حينئذٍ صغيرة أو مراهقة. . والذي يظهر أن ذلك وقع مرتين مرة في صدر الإسلام. . . ومرة بعد ذلك حيث يمكن أن تدعى فيها فاطمة ﵂، أو يحضر ذلك أبو هريرة وابن عباس رضي الله عن الجميع " (١). وهذا يوضح للداعية أنه ينبغي له أن يكرر ما يحتاج إليه الناس بدون ملل ولا كسل (٢). الثالث عشر: من أساليب الدعوة: الترهيب يظهر في هذا الحديث أسلوب الترهيب، وأنه من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ لأن الترهيب يكون بما يخيف المدعو ويحذره من عدم الاستجابة، أو رفض الحق، أو عدم الثبات عليه بعد قبوله (٣). فقد دل هذا الحديث على الترهيب من النار في قوله ﷺ بعد نداء كل بطن من بطون قريش: «أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا» (٤). الرابع عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب، وهو كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق، والثبات عليه (٥)؛ ولهذا قال ﷺ : اشتروا أنفسكم من الله، قال الكرماني: " فإن قلت ما معنى الاشتراء وهم البائعون، قال الله

стр. 87

تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] (١) قلت: العبد مشتر لنفسه باعتبار تخليصها من العذاب، بائع باعتبار تحصيل الثواب " (٢). وقال ابن حجر ﵀: " اشتروا أنفسكم من الله " أي باعتبار تخليصها من النار؛ كأنه قال: أسلموا تسلموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا طاعة الله ثمن النجاة، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] فهناك المؤمن بائع باعتبار تحصيل الثواب والثمن الجنة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلها ملك لله تعالى، وأن من أطاعه حق طاعته في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وفَّى ما عليه من الثمن " (٣). وهذا واضح في دلالة الحديث على أسلوب الترغيب، فينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يستخدمه في دعوته. * * * *

стр. 88

١٥ - باب إِذا قال أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمِّي فهو جائز ، وإن لم يبين لمن ذلك [حديث أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها] ٨ - [٢٧٥٦] حَدَّثَنَا محَمَّد بن سَلامٍ: أَخْبَرَنَا مَخلَد بن يَزِيدَ: أَخْبَرَنَا ابن جرَيجِ قَالَ: أَخْبَرني يَعْلى: أنه سَمِعَ عِكْرِمَةَ يقول: أنبَأَنا ابن عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ سَعْدَ بنَ عبَادَةَ (١) ﵁ توفِّيَتْ أمّه (٢) وَهوَ غَائب عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، إِنَّ أمِّي توفِّيَتْ وأَنا غَائِب عَنْهَا، أَيَنفَعها شَيْء إِنْ تَصدَّقْت بهِ عَنْهَا؛ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ؛ فَإِنِّي أشْهِدكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرافَ صَدَقة عَلَيْهَا» (٣). وفي رواية: «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عبَادَةَ ﵁ توفِّيَتْ أمّه وَهوَ غَائِب عَنْهَا فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ إِنَّ أمِّي توفِّيَتْ وَأنا غَائِب عَنْهَا فَهَلْ يَنْفَعهَا شَيء إِنْ تَصَدَّقْت بِهِ عَنْهَا؟». . . " (٤). * شرح غريب الحديث: * " حائطي " الحائط: الجدار، لأنه يحوط ما فيه (٥). * " المخراف " هو الحائط من النخل، أو البستان المثمر، والمخراف:

стр. 89

المثمرة، سماها مخرافا: لما يخترف منها (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. ٢ - مسارعة المدعو إلى عمل الخير. ٣ - كرم المدعو. ٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٥ - من وسائل الدعوة: القدوة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: دل الحديث على أهمية السؤال للعالم عند الجهل، أو عند اشتباه الأمور؛ ولهذا ذكر الإمام عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي أن من فوائد هذا الحديث: السؤال للعالم عند الجهل وترك الحكم بالرأي؛ لأن هذا الصحابي ﵁ عندما لم يكن علم هل تنفع صدقته بتلك النية التي أراد أم لا، لم يقدم عليها برأيه، وإنما سأل النبي ﷺ ، وحينئذ أقدم على الفعل بعد العلم بالحكم (٢). وهكذا ينبغي للمدعو أن يسأل أهل العلم عما أشكل عليه حتى يعبد الله تعالى على بصيرة؛ ولهذا قال الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] (٣). ثانيا: مسارعة المدعو إلى عمل الخير: دل الحديث على المسارعة إلى أفعال البر إذا علِمت، حتى يكون العلم مقرونا بالعمل؛ لأن هذا الصحابي ﵁ عندما علم أن الصدقة تنفع أمه وأنه

стр. 90

يثاب على ذلك أخرجها من حينه، فأشهد النبي ﷺ عليها (١). فينبغي للمدعو أن يسارع إلى الخير، وينتهز الفرص المؤدية إلى ذلك؛ لأمر الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (٢) وقد مدح الله آل زكريا بالمسارعة في الخير فقال : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٣). ثالثا: كرم المدعو: دل الحديث على كرم المدعو؛ لأن الصحابي الجليل ﵁ عندما تيقن أن الصدقة مقبولة ويلحق ثوابها لأمه- أعلن بصدقة عظيمة لا يستطيعها البخلاء من البشر، وأعطى الحائط العظيم صدقة عن أمه، وهذا العمل من الصحابي الجليل لا يستغرب؛ فإنه ممن اشتهر بالجود والكرم في عهد النبي ﷺ ، وقد كان ﵁ يحمل كل يوم إلى النبي ﷺ جفنة مملوءَة ثريدا ولحما (٤)؛ ولهذا الكرم العظيم قال: " فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها ". فينبغي للمدعو أن يكون كريما جوادا، وهذا إن كان من صفات الدعاة ومعلمي الناس الخير؛ فإنه لا يمنع أن يكون المدعو كريما جوادا. رابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل الحديث على الترغيب في الصدقة عن الميت، وأنها تصل إليه وتنفعه، ولا سيما إن كان من الوالدين؛ لأن حقهما أعظم وبرهما أوجب؛ ولهذا بين النبي ﷺ أنواعا من أنواع البر التي ينبغي لكل مسلم أن يبر بها والديه بعد موتهما؛ فقد جاء «أن رجلا قال له: يا رسول الله: هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؛ فقيل إنه: قال: " نعم. . الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما

стр. 91

من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (١). فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب؛ لأن له تأثيرا في النفوس، ودفعا وترغيبا لها على الخير؛ قال الكرماني ﵀: " وفيه أن ثواب الصدقة عن الميت تصل إلى الميت وتنفعه، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (٢). خامسا: من وسائل الدعوة: القدوة: يظهر من كلام الصحابي الجليل وإظهاره للصدقة علانية أمام الناس أن القدوة وسيلة نافعة في الدعوة إلى الله تعالى؛ ولعظم القدوة انتفع خلق كثير بفعل سعد ﵁؛ لأن الفعل إذا قارن القول نفع الله به؛ ولهذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: " فيه دليل على أن إظهار الصدقة في مثل هذا الموضع أفضل من إخفائها؛ لأن هذا الصحابي ﵁ قد أظهر صدقته هنا ولم يخفها، والحكمة في ذلك: اغتنام صدق النية؛ لأنه حصل له صدق النية عند الإخبار فاغتنمها بالعمل " (٣). وعلى هذا الأسلوب كان الصحابة ﵃، مهما زاد أحدهم في علمه ظهر في عمله، حتى إنهم كانوا يعرفون زيادة علم الْإِنسان في عمله، وكذا التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لأن العلم مع ترك العمل حجة ووبال على صاحبه؛ لأن الإنسان إذا اغتنم صدق نيته بالعمل حين حصول العلم بتَّ الأمر، وأمن غائلة النفس ومكر الشيطان (٤). وهذا يبين عظم العمل بالعلم، وأنه ينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة لغيره؛ لأن الناس في الغالب ينتفعون بالعمل أكثر من القول (٥).

стр. 92

١٦ - باب إذا تصَدَّقَ أَوْ وَقَفَ بَعْضَ مَالِهِ أوْ بَعضَ رَقِيقهِ أَوْ دَوابِّهِ فهوَ جَائِز [حديث أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك] ٩ - [٢٧٥٧] حَدَّثَنَا يَحيىَ بْن بكَيْرٍ: حَدَثَنَا اللَّيْث، عَنْ عقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شهَابٍ قَالَ: أَخْبَرني عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سمِعْت كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ (١) ﵁ يقول: «قلْت: يَا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أنخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَة إِلَى اللهِ وَرَسولِهِ ﷺ قالَ: " أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْض مَالِكَ فَهوَ خَيْر لَكَ " قلْت: فَإِنِّي أمْسِك سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ» (٢).

стр. 93

وفي رواية: قَالَ: «سَمِعْت كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يحَدِّث حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبوكَ قالَ كَعْب: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبوكَ غَير أني كنت تَخَلَّفْت فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ ولم يعَاتِبْ أَحَدا تَخَلَّفَ عَنْهَا. إِنَّمَا خَرَجَ رسول اللهِ ﷺ يرِيد عِيرَ قرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله بَيْنَهمْ وَبيْنَ عَدوِّهِمْ عَلَى غَيرِ ميعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْت مَعَ رَسولِ الله ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَة حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسلام، ومَا أحِبّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدْر أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا. كَانَ مِنْ خَبَرِي أني لَمْ أَكنْ قَطّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْت عَنْه فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ. وَاللهِ مَا اجتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَه رَاحِلَتَانِ قَطّ حَتَّى جَمَعْتهمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكنْ رَسول اللهِ يرِيد غَزْوَة إِلَّا وَرَّى بِغَيْرهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَة غَزَاهَا رَسول اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَل سَفرا بَعِيدا وَمَفَازا وَعَدوّا كَثِيرا. فَجَلَّى لِلْمسْلِمِينَ أمرَهم ليتأَهَّبوا أهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهمْ بِوَجْههِ الَّذِي يرِيد وَالْمسْلِمونَ مَعَ رسولِ الله ﷺ كثِير، وَلَا يَجْمَعهمْ كتاب حَافِظ - يرِيد الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْب: فَما رَجل يرِيد أَنْ يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أنْ سَيَخْفَى لَه مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْي اللهِ، وَغَزَا رسول اللهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَار وَالظِّلاَل. وَتَجَهَّزَ رَسول اللهِ ﷺ والمسْلِمونَ مَعَه، فَطَفِقْت أَعْدو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهمْ فَأَرْجِع وَلَمْ أقْضِ شَيْئا فَأَقول في نَفْسِي: أَنا قَادِر عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدّ، فَأَصْبَحَ رسول اللهِ ﷺ والْمسْلِمونَ مَعَه، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئا فَقلْت: أتَجَهَّز بعْدَه بِيَوْمٍ أَو يومَينِ؟ ثم أَلْحَقهمْ فَغَدَوْت بَعْدَ أَنْ فَصَلوا لأتَجَهَّزَ، فَرَجَعْت وَلَمْ أقْضِ شَيْئا ثمَّ غَدَوْت ثمَّ رَجعت وَلَمْ أَقْضِ شَيْئا. فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أسْرَعوا وَتَفَارَطَ الْغَزْو، وَهَمَمْت أَنْ أَرْتَحِلَ فَأدْرِكَهمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْت، فَلَمْ يقَدَّرْ لِي ذلِكَ، فكنْت إِذَا خَرَجْت فِي النَّاسِ بَعْدَ خروجِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَطفْت فِيهِمْ أحزَنَنِي أنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجلا مَغْموصا عَلَيْهِ النِّفَاَق، أَوْ رَجلا مِمَّنْ عَذَرَ الله مِنَ

стр. 94

الضّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكرْنِي رَسول اللهِ ﷺ حتى بَلَغَ تَبوكَ فَقَالَ وَهْوَ جَالِس فِي الْقَوْم بتَبوكَ: " مَا فَعَلَ كَعب؟ ". فَقالَ رَجل مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسولَ اللهِ حَبَسَه برْدَاه ونَظَره فِي عِطْفَيهِ، فَقَالَ معَاذ بْن جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قلْتَ، وَاللهِ يَا رَسولَ اللهِ مَا عَلِمناَ علَيْهِ إلّا خَيْرا، فَسَكَتَ رَسول اللهِ ﷺ قالَ كَعْب بْن مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنه تَوَجَّهَ قافِلا حَضَرنِي هَمِّي، فَطَفِقْت أتَذَكَّر الْكَذِبَ وَأقول: بِمَاذَا أخْرج مِنْ سَخَطِهِ غَدا، واسْتَعَنْت عَلى ذَلِكَ بِكلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ أظَلَّ قادِما زَاحَ عَنّي الْبَاطِل وَعَرَفْت أني لَنْ أَخْرجَ مِنْه أبَدا بشَيْءٍ فِيهِ كَذِب فَأَجْمَعْت صدْقَه، وَأصْبَحَ رَسول اللهِ ﷺ قادِما، وَكَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفرٍ بَدَأ بِالْمَسْجِدِ فيركع فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَه الْمخَلَّفونَ، فَطَفِقوا يَعْتَذِرونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفونَ لَه وَكَانوا بِضْعَة وَثَمَانِينَ رَجلا فَقَبِلَ مِنْهمْ رَسول اللهِ ﷺ عَلاَنِيَتَهمْ وَبَايَعَهمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهمْ إِلَى اللهِ، فجِئْته فَلَمّا سلَّمْت عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تبَسّمَ الْمغْضَبِ ثمَّ قَال: " تَعَالَ " فَجِئْت أَمْشِي حَتَّى جَلَسْت بيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: " مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَك؟ " فَقلْت: بَلَى، إنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْت عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدّنْيَا لَرَأَيْت أنْ سَأَخْرج مِنْ سَخَطِهِ بِعذْرٍ ولَقَدْ أعْطِيت جَدَلا، وَلَكِنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْت لَئِنْ حَدَّثْتكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ ترْضَى بِهِ عَنِّي لَيوشِكَنَّ الله أنْ يسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِد عَلَيَّ فِيهِ، إنِّي لأَرْجو فِيهِ عَفْوَ اللهِ، لَا وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عذْرٍ، وَاللهِ مَا كنْت قطّ أقْوَى وَلَا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْت عَنْكَ، فَقَال رَسول اللهِ ﷺ : " أمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله فِيكَ " فَقمْت وَثَارَ رِجَال مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعوني فقَالوا لِي: وَالله مَا عَلِمْنَاكَ كنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أنْ لَا تَكون اعْتَذَرْتَ إلَى رَسولِ اللهِ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمتَخَلِّفونَ قد كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَار رسولِ اللهِ ﷺ ، فَوَاللهِ مَا زَالوا يؤَنِّبونَنِي حَتَّى أرَدْت أنْ أرْجِعَ فَأكَذِّبَ نَفْسِي،

стр. 95

ثم قلْت لَهمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعي أحد؟ قَالوا: نَعَمْ، رَجلاَنِ قَالَا مِثْلَ مَا قلْتَ فقيل لَهمَا مِثْل مَا قِيلَ لَكَ، فَقلْت: مَنْ همَا؟ قَالوا: مرَارَة بْن الرَّبيعِ الْعَمْرِيّ، وَهِلاَل بْن أمَيَّةَ الْوَاقِفِيّ، فَذَكَروا لِي رَجلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرا فِيهمَا أسوَة فمضيت حِينَ ذكروهمَا لِي، وَنَهَى رَسول الله ﷺ الْمسْلِمِينَ عَنْ كلَاَمِنَا أيّهَا الثلاثة مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْه، فَاجْتَنَبَنَا النَّاس، وَتَغَيّروا لَنَا حَتَّى تَنكَّرَتْ فِي نفسِي الْأَرْض فَمَا هِيَ الَّتِي أعْرِف، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَة، فَأَمَّا صَاحِبَاي فاسْتكَانَا وَقَعَدَا فِي بيوتهِمَا يبكِيَانِ، وَأمَّا أنا فَكنْت أشَبَّ الْقَوْمِ وأجلَدَهمْ، فَكنْت أخْرج فَأَشْهَد الصَّلاَةَ مَعَ الْمسْلِمِينَ وَأطوف فِي الأَسْوَاقِ، ولَا يكَلّمنِي أحد وآتِي رَسولَ الله ﷺ فَأسَلِّم عَلَيْهِ، وَهْوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فأَقول فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ ثمَّ أصلِّي قَرِيْبا مِنْه فأسَارِقه النَّظَرَ، فَإذَا أقْبَلْت عَلَى صَلاَتِي أقْبَلَ إِلَيَّ، وَإذَا الْتَفَتّ نَحْوَه أعْرَضَ عني حَتّى إذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْت حَتَّى تَسَوَّرْت جِدَارَ حَائِطِ أبِي قتادَةَ - وَهْوَ ابْن عَمِّي، وَأحَبّ النَّاسِ إلَيَّ- فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ فَقلْت: يَا أبَا قَتَادَةَ أَنشدكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمنِي أحِبّ اللهَ وَرَسولَه؛ فَسَكَتَ فعدت لَه فَنَشدته فَسَكَتَ، فَعدْت لَه فَنَشَدْته فَقَالَ: الله وَرَسوله أعْلَم، فَفَاضَتْ عينَايَ وَتَوَلَّيْت حَتَّى تَسَوَّرْت الْجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أنا أمْشِي بِسوقِ الْمَدِينَةِ إذَا نبَطِيّ مِنْ أنبَاطِ أهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعه بِالْمَدينَةِ يَقول: مَنْ يَدلّ عَلَى كعبِ بْنِ مَالِكِ؟ فَطَفِقَ النّاس يشِيرونَ لَه حَتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتَابا مِنْ مَلِكِ غَسانَ فإذا فِيهِ: أمَّا بعد فَإنه قَدْ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ الله بدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نوَاسِكَ، فَقلْت لَمَّا قَرَأْتهَا: وَهَذَا أيْضا مِنَ البَلاَءَ، فتيَمَّمْت بِهَا التَّنّورَ فَسَجَرْته بِهَا حَتَّى إِذَا مَضتْ أرْبَعونَ لَيلَة مِنَ الْخَمْسِينَ إذَا رَسول رَسولِ اللهِ ﷺ يأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ يَأْمركَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ،

стр. 96

فَقلت: أطَلِّقهَا أمْ مَاذَا أَفْعَل؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأرْسَلَ إلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقلْت لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكوني عِنْدَهمْ حَتَّى يقْضِيَ الله فِي هَذَا الأَمْرِ، قَالَ كَعب: فَجَاءَتِ امْرَأَة هِلاَل بْنِ أمَيَّةَ رَسولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ، إنَّ هِلاَلَ بنَ أمَيَّةَ شَيْخ ضَائِع لَيْسَ لَه خَادِم فَهَلْ تَكْرَه أنْ أَخْدمَه؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبكِ " قَالَتْ: إِنَّه وَاللهِ مَا بِهِ حَرَكَة إِلَى شَيْءٍ، وَاللهِ مَا زَالَ يَبْكِي منْذ كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَقَالَ لِي بَعْض أهْلِي لوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسولَ الله ﷺ في امْرَأَتِكَ كَمَا أذِنَ لاِمْرَأَةِ هِلاَلِ بْنِ أمَيَّةَ أنْ تَخْدمَه، فَقلْت: وَاللهِ لَا أَسْتَأْذِن فِيهَا رَسولَ اللهِ ﷺ ومَا يدْرِينِي مَا يَقول رَسول اللهِ ﷺ إذَا اسْتَأْذَنْته فِيهَا وَأنا رَجل شابّ فَلَبِثْت بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَال، حَتَّى كَملَتْ لَنَا خمْسونَ لَيْلَة مِنْ حِينَ نَهَى رَسول اللهِ ﷺ عَنْ كَلاَمِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْت صَلاَةَ الْفَجْرِ صبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَة وَأنا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بيوتِنَا فَبَيْنَا أنا جَالِس عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ الله قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْض بِمَا رَحبَتْ، سَمِعْت صَوْتَ صَارخٍ أوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قالَ: فَخَرَرْت سَاجِدا وَعَرَفْت أنْ قَدْ جَاءَ فَرَج وآذَنَ رَسول اللهِ ﷺ بتَوْبَة اللهِ علَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاس يبَشِّرونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مبَشِّرونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجل فَرَسا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْت أسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْت صَوْتَه يبَشِّرنِي نزَعْت لَه ثَوْبَيَّ فَكَسَوْته إِيَّاهمَا بِبشْرَاه، وَاللهِ مَا أمْلِك غَيْرَهمَا يَوْمَئِذٍ واسْتَعَرْت ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتهمَا وانطَلَقْت إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاس فَوْجَا فَوْجَا يهنئوني بِالتَّوْبَة، يَقولونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَة اللهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْب: حَتَّى دَخَلْت المَسْجِد فَإذَا رَسول اللهِ ﷺ جالِس حَوْلَه النَّاس، فَقَامَ إِلَيَّ طلحَة بْن عبَيْدِ اللهِ يهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأنِي وَاللهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجل مِنَ الْمهَاجِرِينَ غَيْره، وَلَا أنْسَاهَا

стр. 97

لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْب: فَلَمَّا سَلَّمْت عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ وَهوَ يَبْرق وَجْهه مِنَ السّرورِ: " أبْشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ منْذ وَلَدَتْكَ أمّكَ " قَالَ: قلْت: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: " لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " وَكَانَ رسول اللَّهِ ﷺ إذَا سرَّ اسْتَنَارَ وَجْهه حَتَّى كَأَنَّه قِطْعَة قَمَرٍ، وَكنَّا نَعْرِف ذَلِكَ مِنْه فَلَمَّا جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ قلْت يَا رَسولَ اللَّهِ: إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَة إلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ : " أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهوَ خَيْر لَكَ " قلْت: فَإنِّي أمْسِك سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقلْت: يَا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أحَدِّثَ إِلَّا صِدْقا مَا بَقِيت، فوَاللَّهِ مَا أَعْلَم أحَدا مِنَ الْمسْلِمِينَ أَبْلاَه اللَّه فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ منْذ ذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ مِمَّا أبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْت منْذ ذَكرْت ذَلِكَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبا وَإِنِّي لَأَرْجو أنْ يَحْفَظَنِي اللَّه فِيمَا بَقِيت، وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَى رَسولِهِ ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّه علَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي لِلإِسْلاَمِ أعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكونَ كَذَبْته فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] قَالَ كَعب: وَكنَّا تَخَلَّفْنَا أَيّهَا الثَّلاثة عَنْ أمْرِ أولَئِكَ الذِينَ قَبِلَ مِنْهمْ رَسول اللَّهِ ﷺ حِينَ حِلَفوا لَه، فَبَايَعَهمْ وَاستَغْفَرَ لَهمْ وَأَرْجَأَ رَسول اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّه فِيهِ فبِذَلِكَ قَالَ اللَّه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وَلَيْسَ الَّذِي

стр. 98

ذَكَرَ الله مِمَّا خلِّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ وَإِنَّمَا هوَ تَخْلِيفه إِيَّانَا وَإِرْجَاؤه أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ له واعْتَذَر إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْه.» (١). وفي رواية: «أن النبي ﷺ خرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبوكَ وَكَانَ يحِبّ أَنْ يخْرجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ.» (٢). وفي رواية: عَن عَبْد اللهِ بْنِ كَعْب قَالَ سَمِعْت أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهوَ أَحَد الثَّلاثة الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهمْ أَنه لَم يَتَخَلَّفْ عَن رسولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ الْعسْرَةِ وغزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ: «فَأَجْمَعْت صِدْق رَسول اللهِ ﷺ ضحى وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَم مِنْ سفَرٍ سَافَرَه إلَّا ضحى، وَكَانَ يَبْدَأ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَع ركْعَتَيْن وَنَهَى النَّبيّ ﷺ عَنْ كَلاَمِي وَكَلاَمِ صَاحِبَيَّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلاَمِ أَحَدٍ مِنَ الْمتَخَلِّفَينَ غَيْرِنَا، فَاجْتَنبَ النَّاس كَلاَمَنَا، فَلَبِثْت كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْر، ومَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَموتَ فَلاَ يصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيّ ﷺ أوْ يَموتَ رَسول اللهِ فَأَكونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلة فَلاَ يكَلِّمنِي أَحد مِنْهمْ وَلَا يصَلِّي عَلَيَّ، فأَنزَلَ الله تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بقي الثلث الآخِر مِنَ اللَّيْلِ وَرَسول اللهِ ﷺ عنْدَ أمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ أمّ سَلَمَةَ محْسِنَة فِي شَأْنِي مَعْنِيَّة فِي أَمْرِي، فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ : يَا أمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ قَالَتْ: أَفَلاَ أرْسِل إِلَيْهِ فَأبَشِّره قَالَ إِذا يَحْطِمَكم النَّاس فَيَمْنَعونَكم النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَة، حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسول اللهِ ﷺ صَلاَةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَة اللهِ عَلَينَا» (٣). وفي رواية: " أن عبد الله بن كعب قَالَ سَمِعْت كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يحَدِّث حِينَ تخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبوكَ بطولِهِ قَالَ ابْن بكَيرٍ فِي حَديثِهِ: «وَلَقَدْ شَهدْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسلام وَمَا أحِبّ أنَّ لي بِهَا مَشْهَدَ

стр. 99

بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدر أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا» (١). * شرح غريب الحديث * " عير قريش ": الإبل التي تحمل الميْرة -أي تحمل الطعام والشراب- وقيل: هي القافلة (٢). * " ليلة العقبة ": وهي التي بايع فيها رسول الله ﷺ الأنصار على الإسلام والإيواء والنصرة، وذلك قبل الهجرة، والعقبة: هي التي في طريق منى التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرتين، كانوا في السنة الأولى اثني عشر، وفي الثانية سبعين، كلهم من الأنصار (٣). * " تواثقنا ": أخذ بعضنا على بعض الميثاق، وتعاهدنا، وتعاقدنا، لَمَّا تبايعنا على الإسلام والجهاد (٤). * " وما أحب أن لي بها مشهد بدر "؛ لأن من شهد بدرا وإن كان فاضلا بسبب أنها أول غزوة نصِرَ فيها الإسلام، لكن بيعة العقبة كانت سببا في فشوِّ الإسلام، ومنها نشأ مشهد بدر، وكان كعب من أهل العقبة الثانية وقد عقد ثالثة كما ذكر ابن حجر ﵀ (٥). * " وإن كانت بدر أذكر في الناس ": أي أعظم وأكثر ذكرا في الناس من بيعة العقبة (٦). * " ومفازا ": أي بَرِّيَّة طويلة قليلة الماء يخاف فيها الهلاك (٧).

стр. 100

* " فَجَلَّى ": بفتح وتشديد اللام ويجوز تخفيف اللام: أي كشف وبيَّن وَأَوْضَح (١). * " إلا ورَّى بغيرها ": معنى " ورّى " ستر، وتستعمل في إظهار شيء مع إرادة غيره، أي أوهم أنه يريد غيرها (٢). * " أهبة غزوهم ": الأهبة تجهيز ما يحتاج إليه في السفر والحرب والاستعداد لذلك (٣). * " فطفقت ": من أفعال المقاربة ومعناه: أخذت في الفعل (٤). * " حتى اشتدَّ بالناس الجد ": أي اشتد بالناس اشتداد الجد، والاجتهاد في أمر السفر (٥). * " جَهازي ": وهو الأهبة وعدة السفر (٦). * " تفارط الغزو " أي فات وسبق، وأسرع (٧). * " مغموصا عليه النفاق ": مطعونا عليه في دينه متهما بالنفاق، وقيل: مستحقرا (٨). * " رجل من بني سلمة ": هو عبد الله بن أنيس ﵁ (٩).

стр. 101

* " حبسه برداه ": البرْد والبردة: نوع من الثياب معروف، والجمع أبراد وبرود، والبردة الشملة المخططة، وقيل كساء أسود مربع فيه صور تلبسه الأعراب، وجمعها برَد (١). * " والنظر في عِطفيه ": أي جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه، ولباسه، وقيل: كني بذلك عن حسنه وبهجته، والعرب تصف الرداء بصفة الحسن وتسميه عِطفا، لوقوعه على عطفي الرجل (٢). * " قافلا ": راجعا (٣). * " قد أظل قادما ": قد دنا قدومه وأقبل (٤). * " أجمعت صدقه ": عزمت عليه، وجزمت بذلك، وعقدت عليه قصدي (٥). * " وكانوا بضعة وثمانين رجلا ": البضعة في العدد ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة (٦). * " ابتعت ظهرك ": اشتريت راحلتك (٧). " أعطيت جَدَلا ": فصاحة وقوة في كلام وبراعة، بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت، بما يقبل ولا يرد. (٨).

стр. 102

* " ليوشِكنّ الله ": ليسرعنَّ: أي ليعجلنَّ الله (١). * " تجِد عليَّ فيه ": تغضب علي فيه (٢). * " ثار رجال ": وثبوا (٣). * " يؤنبونني ": يلومونني أشد اللوم وأعنفه (٤). * " استكانا ": خضعا (٥). * " أشب القوم وأجلدهم ": أصغرهم سنا وأقواهم (٦). * " فأسارقه النظر ": أنظر إليه في خفية (٧). " تسورت حائط أبي قتادة ": علوت سور بستانه وصعدته (٨). * " جفوة الناس ": إعراضهم (٩). * " حائط أبي قتادة وهو ابن عمي ": ذكر أنه ابن عمه لكونهما معا من بني سلمة وليس هو ابن عمه أخي أبيه (١٠).

стр. 103

* " أنشدك بالله ": أسألك بالله (١). * " نبطي من أنباط الشام ": نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه, وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة, وقيل: النبط والأنباط, فلاحوا العجم (٢). * " ملك غسان ": قيل: جَبَلَة بن الأَيْهَمَ، وقيل: الحارث ابن أبي بشر، وقيل: جندب بن الأيهم (٣). * " لم يجعلك الله بدار هوان ": دار ذل وصغار (٤). * " نواسِك ": نشاركك فيما عندنا (٥). * " يممت بها التنور ": قصدت بها، والتنور هو ما يخبز فيه (٦). * " فسجرت ": أو قدت (٧). * " سلع ": جبل معروف بالمدينة. (٨). * " فأوفى ": أشرف وأطلع (٩). * " إذا رسول رسول الله ﷺ يأتي ": " هو خزيمة بن ثابت " (١٠). * " آذن ": أعلم (١١).

стр. 104

* " استنار وجهه كأنه قطعة قمر ": أي الموضع الذي يبين فيه السرور، وهو جبينه. وهذا تشبيه بما في القمر من الضياء والاستنارة (١). * " يحطمكم الناس ": أي يجتمعون عليكم ويتكالبون، فيشغلونكم عن التصرف، فجعل ذلك كالحطْمِ: وهو الكسر، والعنت والمشقة. (٢). * " سعى ساعٍ من أسلم ": هو حمزة بن عمرو، ونزع له كعب ثوبيه (٣). * " والله ما أملك غيرهما ": يريد جنس الثياب، وإلا فقد كان عنده راحلتان (٤). * " فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله ": أي أنعم عليه (٥). * " أرْجَأَ ": أخَّر (٦). * ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] أي أخِّرت توبتهم، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري: نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وهلال بن أمية الواقفي، نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس (٧). * " أنخلع من مالي ": أخرج منه وأتصدق (٨). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية منها: ١ - من صفات الداعية: التحدث بنعم الله تعالى.

стр. 105

٢ - من صفات الداعية: قوة الإيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ . ٣ - من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على المؤمنين والفرح بما يسرهم. ٤ - أهمية الصدق وأثره في حياة الداعية. ٥ - أهمية اغتنام فرص الخير قبل حرمانها. ٦ - أهمية الأخذ بالظاهر وقبول أعذار المدعوين. ٧ - من صفات الداعية: الحرص على حسن الخاتمة. ٨ - أهمية الصبر على مشاق الدعوة والابتلاء. ٩ - من أساليب الدعوة: التهنئة والتبشير للمدعو والسرور بما يسره. ١٠ - إيثار طاعة الرسول ﷺ على محبة القريب. ١١ - عناية الداعية بالمتخلفين عن الطاعة. ١٢ - تأديب المدعو بالهجر إذا اقتضت المصلحة ذلك. ١٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ١٤ - من موضوعات الدعوة: التحذير من المعاصي وبيان عظم أمرها. ١٥ - أهمية المداومة على الخير. ١٦ - من أساليب الدعوة: إخبار الداعية عن تفريطه وتقصيره تحذيرا لغيره إذا ظهرت المصلحة. ١٧ - أهمية إنكار الغيبة وردها. ١٨ - أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم. ١٩ - معاتبة الداعية أصحابه على التقصير. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: التحدث بنعم الله تعالى: إن من صفات الداعية إلى الله تعالى: التحدث بنعم الله ولهذا قال كعب ﵁ في هذا الحديث: " ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها ". وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله تعالى يقول: " والمقصود

стр. 106

أنه ﵁ يذكر ما منَّ الله به عليه من حضور العقبة وهي من مشاهد الخير " (١). ولا شك أن التحدث بنعم الله تعالى من أركان الشكر التي تدوم بها النعم بإذن الله تعالى، قال الله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] (٢) وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] (٣) فينبغي للداعية إلى الله أن يتحدث بنعم الله تعالى، ويشكره بلسان الحال والمقال. ثانيا: من صفات الداعية: قوة الإيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ : إن الداعية الصادق هو: قويّ الإيمان صادق النية، خالص المحبة لله ورسول ﷺ ولهذا يثبت على إيمانه ولا تزعزعه العواصف وأهل الكفر والضلال. وفي هذا الحديث أن ملك غسان أرسل إلى كعب ﵁ كتابا يقول فيه: ". . . أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. . . " فما كان من كعب ﵁ إلا أن قال: ". . . وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها. . . ". قال ابن حجر ﵀: " ودل صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ورسوله، وإلا فمن صار في مثل حاله: من الهجر والإعراض قد يضعف على احتمال ذلك, وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينه، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمَن من الافتتان حسم المادة، وأحرق الكتاب، ومنع الجواب، هذا مع كونه من الشعراء الذين طبعت نفوسهم على الرغبة، ولا سيما بعد الاستدعاء والحث على الوصول، إلى المقصود من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبه ونسيبه، ومع ذلك غلب عليه دينه، وقوي عنده يقينه، ورجَّح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دعيَ إليه من الراحة والنعيم حبّا في الله ورسوله ﷺ " (٤) قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]

стр. 107

الآية (١) وقال النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (٢) وهذا يبين للداعية عظم قوة الإِيمان وأن هذه القوة سلاح لا يقاومه شيء بإذن الله تعالى. ثالثا: من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على المؤمنين والفرح بما يسرهم: إن الداعية الصادق مع الله هو الذي يرحم المدعوين ويشفق عليهم ويفرح بما يسرهم؛ ولهذا قال الإمام ابن حجر ﵀: " وفيه ما كان النبي ﷺ عليه من كمال الشفقة على أمته والرأفة بهم، والفرح بما يسرهم " (٣). وقال الإمام ابن القيم ﵀: " وفي سرور رسول الله ﷺ بذلك وفرحه به، واستنارة وجهه دليل على ما جعل الله فيه من كمال الشفقة على الأمة، والرحمة بهم، والرأفة، حتى لعل فرحه كان أعظم من فرح كعب وصاحِبَيْه " (٤). وهذا يبين للدعاة إلى الله تعالى أهمية الرحمة والشفقة على المدعوين، والفرح بما يسرهم؛ لفعله ﷺ . رابعا: أهمية الصدق وأثره في حياة الداعية: الصدق من أهم الصفات الحميدة التي يلزم الداعية أن يتخلق بها؛ ولهذا قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (٥). قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد قصة كعب: " ومنها عظم مقدار الصدق،

стр. 108

وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا بالكذب، وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين. . وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب " (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيها فائدة الصدق وشؤم عاقبة الكذب " (٢). فعلى الداعية إلى الله تعالى أن يتقي الله تعالى، وأن يكون صادقا في أقواله وأفعاله، وسائر تصرفاته وأحواله، وهذا من أعظم النعم على العبد، ولهذا قال كعب ﵁: " فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم من صدقي لرسول الله ﷺ " (٣). خامسا: أهمية اغتنام فرص الخير قبل حرمانها: من الأمور المهمة العظيمة اغتنام فرص الخير في الطاعة قبل أن يحرمها الداعية؛ فإنه بسبب تسويف كعب وتأخره عن الخروج مع رسول الله ﷺ من أول يوم حصل له ما حصل ﵁. قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد قصة كعب ﵁: " ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها، والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها، والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها؛ فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسوله إذا دعاه، حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك " (٤)

стр. 109

قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١) وقد صرح الله سبحانه بهذا في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] (٢) وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] (٣) وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] (٤) وهذا في كتاب الله تعالى كثير. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه أن المرء إذا لاحت له الفرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها " (٥) فعلى الداعية أن يبادر إلى كل طاعة لاحت له فرصتها ولا يسوف لئلا يحرمها، كما ينبغي له أن يسأل الله أن يلهمه المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبه ما خوله من النعم. سادسا: أهمية الأخذ بالظاهر وقبول أعذار المدعوين: الداعية إلى الله تعالى ليس له إلا الظاهر من أحوال المدعوين؛ لقوله ﷺ : «إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم» (٦) فعلى الداعية أن يأخذ بظاهر أحوال المدعوين ويقبل أعذارهم ويعفو عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٧) قال الإمام ابن القيم ﵀ في ذكر فوائد قصة كعب ﵁: " ومنها: أن رسول الله ﷺ كان يقبل علانية من أظهر الإسلام من المنافقين، ويكل سريرته إلى الله، ويجري عليه حكم الظاهر، ولا يعاقبه بما يعلم من سره " (٨) وقال ابن حجر

стр. 110

رحمه الله: " ومنها: إجراء الأحكام على الظاهر ووكول السرائر إلى الله تعالى " (١) وقد تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بضعة وثمانون رجلا وجاءوا يعتذرون إليه، فصدق منهم ثلاثة- وهم الثلاثة الذين تاب الله عليهم- وكذب سائرهم وحلفوا ما حبسهم إلا العذر فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى (٢). سابعا: من صفات الداعية: الحرص على حسن الخاتمة: إن من الأمور المهمة أن يحرص الداعية على حسن الخاتمة؛ ولهذا قال كعب ﵁ في هذا الحديث: " فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر وما من شيءٍ أهمّ إليَّ من أن أموت فلا يصلِّي عليَّ النبيّ ﷺ ، أو يموت رسول الله ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي عليَّ ". فعلى الداعية أن يحرص على حسن الخاتمة ويسأل الله ذلك؛ فإنه من أهم المهمات. والله المستعان (٣). ثامنا: أهمية الصبر على مشاق الدعوة والابتلاء: دل حديث كعب ﵁ على أنه لا بد للداعية من الصبر على مشاق الدعوة، وأن ذلك اختبار من الله تعالى هل يصبر العباد أو لا يصبرون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٤) وقال تعالى: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] (٥). قد بين كعب ﵁ هذه الفتنة والابتلاء في هذا الحديث بقوله: «ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة (٦)
следующие страницы →