← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وإخراجهم من ظلمات الشرك والمعاصي إلى نور التوحيد والطاعات. وهذا يدل على زهده, وقناعته ﷺ ؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من الخبز الشعير» (١) وقالت: «ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (٢) وقالت: «إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٣). وقال ﷺ : «لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرّني أن لا يمرّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين» (٤). وقد ثبت عنه ﷺ أنه «اضطجع على حصير فأثر في جنبه فدخل عليه عمر بن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال ﷺ : " ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (٥). وقال أبو هريرة ﵁: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (٦). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٧). وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراش رسول الله ﷺ من أدَم وحشوه ليف» (٨)

стр. 142

ومع هذا كان يقول ﷺ : «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتا» (١) وقال ﷺ : «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه» (٢). فينبغي للداعية أن يكون زاهدا في الدنيا، راغبا فيما عند الله تعالى؛ فإن ذلك من الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة (٣) والله المستعان (٤). ثانيا: من صفات الداعية: الكرم: لا ريب أن الكرم من صفات الداعية الناجح؛ لأن الكريم إذا أحسن إلى الناس جلب قلوبهم؛ ولأن النفس في الغالب مجبولة على حبِّ من أحسن إليها، وهذا واضح في هذا الحديث؛ ولهذا قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث عندما ذكر ماله ﷺ من الأموال. قال: " لكنه ﷺ كان لا يستأثر بها، بل ينفقها على أهله، والمسلمين، وللمصالح العامة. . . " (٥). فعلى الداعية أن يكون جوادا كريما محسنا، وبهذا إن شاء الله يجذب قلوب المدعوين، فيقبلون على دعوته (٦). ثالثا: مسؤولية الداعية تجاه أقاربه: إن الأقارب لهم حق النفقة والرعاية والإحسان على حسب مراتبهم ودرجاتهم في القرب؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: " ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة "، فلم يهمل ﷺ نفقة نسائه، بل أوصى لهن بالنفقة، وقد بين ﷺ أهمية الإنفاق على الأهل، والأقارب، والعيال الذين يعولهم المسلم، أو

стр. 143

تلزمه مؤنتهم: نحو الزوجة, والخادم, والوالد, والولد, وغيرهم. فقال: «أفضل دينار ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله،» (١) وقال ﷺ : «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك» (٢). وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمّن يملك قوته» (٣) وقال ﷺ : «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شَيْء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن قرابتك شيء فهكذا وهكذا»، يقول: فبيْن يديك وعن يمينك وعن شمالك (٤). فينبغي للداعية أن يعتني بقرابته عناية خاصة؛ ليقوم بالواجب، ويكون قدوة حسنة للناس في الخير، والله المستعان.

стр. 144

٣٣ - بَاب إِذَا وَقَفَ أَرضا أَو بِئْرا أو اشْترَطَ لِنَفْسِهِ مِثلَ دِلاءِ المسْلمين وَوَقَفَ أنَس دَارا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نزَلَهَا، وَتَصَدَّقَ الزبير بِدورِهِ، وَقَالَ لِلْمَردودَةِ منْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكنَ غَيرَ مضِرَّةٍ وَلَا مضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقّ، وَجَعَلَ ابن عمَرَ نَصِيبَه مِنْ دَارِ عمَرَ سكْنَى لِذَوِي الحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْد اللهِ. [حديث من حفر بئر رومة فله الجنة] ١٦ - [٢٧٧٨] وَقَالَ عَبْدَان: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عنْ أبِي عَبْدِ الرّحمَنِ: «أَن عثمانَ ﵁، (١) حَيْث حوصِرَ أَشْرَفَ عَليهم، وقَالَ: أَنشدكم اللهَ، وَلَا أَنْشد إِلَّا أَصْحَابَ النَّبيِّ ﷺ ، أَلَسْتمْ تَعْلَمونَ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " مَنْ حَفَرَ رومَةَ فَله الْجَنَّة " فَحَفَرْتهَا؟ أَلَسْتمْ تَعَلَمونَ أَنَّه قَالَ: " مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العسْرَةِ فَله الْجَنَّة " فَجَهَّزْته؟ قَالَ: فَصَدَّقوه بمَا قَالَ؟ وَقَالَ عمَر فِي وَقْفِهِ: لَا جنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَه أَن يَأْكلَ. وَقَدْ يَليهِ الوَاقِف وَغَيره فَهوَ واسع لِكلٍّ». (٢).

стр. 145

* شرح غريب الحديث: * " أنشدكم الله " يقال: نشدتك الله: أي سألتك بالله، ويقال: نشدتك الله، وأنشدك بالله، وأنشدك الله، وناشدتك اللهَ وبالله: أي سألتك وأقسمت عليك (١) وقيل: نشدتك الله، وأنشدك بالله: أي أشهدك بالله، وأعرِّفكَ ما نحبه فيك من الصدق لِلَّهِ (٢). * " رومة " هي بئر بالمدينة، اشتراها عثمان ﵁ وسَبَّلها (٣). * " العسرة " جيش العسرة: غزوة كان فيها شدة على أهلها، وقلة، سمِّيَ جيشهَا بما أصابهم (٤) وهي غزوة: تبوك. * الدراسة الدعوية للحديث: هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِنفاق والصدقات في وجوه الخير. ٢ - من صفات الداعية: المسارعة إلى الخيرات. ٣ - من صفات الداعية: الكرم والرغبة فيما عند الله تعالى. ٤ - إظهار الداعية مناقبه عند الحاجة إلى ذلك. ٥ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان. ٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث علي الإنفاق والصدقات في وجوه الخير: في هذا الحديث الشريف دعوة للأمة إلى الإنفاق والصدقة ابتغاء وجه الله

стр. 146

تعالى؛ لأن النبي ﷺ دعا إلى حفر بئر رومة فحفرها عثمان ﵁ وهذا العمل من أعظم الصدقات، ودعا ﷺ إلى تجهيز جيش العسرة، فجهزه عثمان ﵁، وهذه من النفقات في سبيل الله تعالى. (١). فعلى الداعية أن يحث الناس على الإِنفاق في وجوه البر ابتغاء وجه الله تعالى. ثانيا: من صفات الداعية: المسارعة إلى الخيرات: إن من صفات الداعية الصادق مع الله ﵎ المسارعة إلى الخير ابتغاء مرضات الله تعالى؛ ولهذا سارع عثمان ﵁ عندما سمع النبي ﷺ يدعو إلى الإنفاق ويبين فضله، فأنفق على جيش العسرة فجهزه، وحفر بئر رومة، فينبغي للداعية أن يسارع إلى فعل الخيرات كما قال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] (٢) الآية (٣). ثالثا: من صفات الداعية: الكرم والرغبة فيما عند الله تعالى: إن الكرم صفة حميدة ينبغي للدعاة أن يتصفوا بها، وفي هذا الحديث صورة واضحة تبين كرم عثمان ﵁ وأرضاه، فقد أنفق نفقة عظيمة عجز عظماء الرجال عن الإِنفاق مثلها، فقد ثبت أنه «أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ﷺ ، فأخذ النبي ﷺ يقلِّبها في حجره ويقول: " ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم " قالها مرارا» (٤) ومما يدل على كرمه أيضا ما أنفقه في شراء بئر رومة وحفرها، وذلك أن «المهاجرين لما قدموا المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني

стр. 147

غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ : " تبيعنيها بعين في الجنة؟ " فقال يا رسول الله: ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: " نعم "، قال: قد جعلتها للمسلمين» (١). وهذا يدل على كرم عثمان ﵁ ورغبته فيما عند الله تعالى، فعلى الداعية أن يكون كريما راغبا فيما عند الله (٢). رابعا: إظهار الداعية مناقبه عند الحاجة لذلك: لا شك أن الداعية الصادق المخلص لا يحب أن يظهر عمله للناس؛ لأنه لا يقصد به إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة، ولكن إذا كان في إظهار مناقبه مصلحة راجحة تنفع الدعوة والمدعوين، أو تبيِّن للناس مدى صحة ما يقول حتى يعملوا به، أو تدفع عنه تهمة رمِيَ بها، فلا بأس بذلك، وفي هذا الحديث من فعل عثمان وقوله ما يدل على ذلك؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: ". . . وفيها جواز تحدث الرجل بمناقبه عند الاحتياج إلى ذلك لدفع مضرة، أو تحصيل منفعة، وإنما يكره ذلك عند المفاخرة والمكاثرة والعجب " (٣). خامسا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: يظهر في هذا الحديث ما حصل لعثمان ﵁ من الابتلاء، والامتحان، فقابل ذلك بالثبات والصبر، فهو ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومع ذلك أصابه هذا الابتلاء؛ قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٤).

стр. 148

فينبغي للداعية أن يسأل الله العفو والعافية، وإذا حصل ابتلاء صبر واحتسب الأجر على الله تعالى، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة (١). سادسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: لا ريب أن أسلوب الترغيب له أثر في حياة المدعو؛ ولهذا اعتنى به القرآن الكريم، واستخدمه النبي ﷺ في دعوته، وفي هذا الحديث يظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ : " من حفر رومة فله الجنة "، وقوله ﷺ : " من جهز جيش العسرة فله الجنة "، وقد جاء في سبب ورود هذا الحديث أن «المسلمين عندما قدموا إلى المدينة وجدوا أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ : " من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟» (٢). وقال في حديث الباب: " من حفر رومة فله الجنة " قال ابن حجر في الجمع بين لفظ الحفر والشراء: ". . . وإن كانت أولا عينا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرا، ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوَسَّعَها وطواها فنسب حفرها إليه " (٣). فعلى الداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب في دعوته للناس؛ فإن ذلك من أنفع الأساليب في جذب المدعوين إلى الخير (٤). سابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: يظهر في هذا الحديث أن القدوة وسيلة ناجحة في الدعوة إلى الله تعالى، وذلك أن عثمان ﵁ اشترى بئر رومة وحفرها، وأنفق النفقة العظيمة في غزوة تبوك وكل ذلك بحضرة الصحابة ﵃، فكان ﵁ قدوة حسنة لغيره

стр. 149

من الصحابة؛ ولهذا أثنى عليه النَّبِيّ ﷺ مرارا بقوله: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» وكان ذلك بحضرة الصحابة ﵃، وفي ذلك تشجيع لهم على النفقة. فينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة لغيره؛ فإن ذلك من أنجح الوسائل في الدعوة إلى الله سبحانه (١).

стр. 150

٣٥ - بَاب قوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ - فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ - ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨] (١). الأَوليانِ: وَاحِدهما أَولَى، ومنه: أَولَى به. عثِرَ: ظهِرَ. أَعْثَرْنَا: أَظْهَرْنَا. [حديث سبب نزول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت] ١٧ - [٢٧٨٠]- وَقَالَ لي عَليّ بن عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا يحيى بن آَدَمَ: حَدَّثَنا ابن أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ محَمَّدِ بنِ أَبِي القَاسِمِ، عَن عبدِ المَلِكِ بنِ سَعِيدِ بْنِ جبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، (٢) قَالَ: «خَرَجَ رَجل مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَمَات السَّهْمِيّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مسْلِم، فلَمَا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدوا جَاما مِنْ فِضَّةٍ مخَوَّصا مِنْ ذَهَبٍ. فَأَحْلَفَهمَا رَسول اللهِ ﷺ ، ثمَّ وجِدَ الجَام بِمَكَّةَ فَقَالَوا: ابْتَعْنَاه مِنْ تميمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجلانِ مِنْ أَوْليَائِهِ فَحَلَفَا: لشهادَتنَا أَحَقّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ وَفِيهم نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦]» (٣). * شرح غريب الحديث: * " رجل من بني سهم " قيل: هو بزيل، وقيل: بريل، وقيل: بديل بن أبي مريم، قيل: كان مسلما من المهاجرين (٤).

стр. 151

* " الجام " هو الكأس (١). * " مخَوَّصا " أي منقوش فيه خطوط دقاق طوال كالخوص، وهو ورق النخل، وقيل: " الجام المخوص " إناء من فضة منقوش بذهب، وقيل: عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الوصية عند الموت. ٢ - حفظ الإسلام لحقوق الإِنسان. ٣ - من أساليب الدعوة: القصة. ٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الوصية عند الموت: في هذا الحديث دعوة للأمة وحث لها على الوصية عند الموت، فإذا حضر الإنسان الموت أو مقدماته فينبغي له أن يكتب وصيته- إذا لم يكتبها قبل ذلك- ويشهد عليها اثنين ذوي عدل من المسلمين؛ فإن كان في سفر ولم يجد أحدا من المسلمين، ونزل به الموت أشهد اثنين من غير المسلمين، ودفع إليهما ما معه من مالٍ وتركة لورثته، فإذا وصل الشاهدان إلى الورثة وظهر لهم أنهما قد خانا فإن أولياء الميت يوقفونهما بعد صلاة العصر ويحلِّفونهما أنهما ما خانا ولا كذبا، ولا غيَّرا ولا بدلا، فإن اطلع الورثة على أن الشاهدين كاذبان، وقد خانا من مال الميت شيئا أو غَيَّرا الوصية، فإن شاء أولياء الميت قام منهما اثنان فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، وأنهما خانا وكذبا، وإنَّا لم نعتدِ،

стр. 152

وبهذا يستحق أولياء الميت ما يدعون (١). فينبغي للداعية أن يبين للمدعوين ما يحتاجون إليه مما ينفعهم في الدنيا وعند الموت، ومن ذلك بيان الوصية والحث عليها وتوضيحها للناس. ثانيا: حفظ الإسلام لحقوق الإنسان: في هذا الحديث بيان واضح بأن الإسلام يحفظ حقوق الإِنسان، وهذا يؤكد تأكيدا جازما أن الإسلام هو الذي يصلح لكل زمان ومكان؛ ولهذا اعتنى بحق الإِنسان حتى عند الموت وبعده كما في هذا الحديث (٢). فعلى الداعية أن يبين للناس عناية الإسلام بحقوق الإنسان، وذلك مما يزيد يقين المسلم ويرغب غيره في الإسلام. ثالثا: من أساليب الدعوة: القصة: القصة من خير ما يتوصل به الداعية لإِبلاغ دعوته إلى أعماق القلوب؛ لأن النفس تميل إليها، وأبلغ القصص ما جاء في القرآن الكريم، والسنة الثابتة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] الآية (٣). وفي هذا الحديث يسوق ابن عباس ﵄ هذه القصة التي بين فيها للناس ما ينبغي أن يعلمه المسلم عند الوفاة في الحضر أو السفر، فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته (٤). رابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: لا ريب أن أسلوب الترهيب من الأساليب النافعة؛ لأنه يخوف المدعو ويحذره ما يضره، ويظهر في هذا الحديث المشتمل على الآية: أسلوب الترهيب في

стр. 153

التخويف من الإثم ومن الظلم، وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] (١). قال الطبري ﵀: " وخافوا الله أيها الناس، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة، وأن تذهبوا بها مال من يحرم عليكم ماله، وأن تخونوا من ائتمنكم. . . " (٢) وبين سبحانه أنه لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان (٣) فعلى الداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته، والله الموفق والمستعان (٤)

стр. 154

[الفصل الثاني كتاب الجهاد والسير]

стр. 155

١ - باب فضْلِ الجهَادِ والسِّيرِ وَقَوْل اللهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] (١). قَالَ ابن عَبَّاسٍ: الحدود: الطَّاعَة. [حديث لا عمل يعدل الجهاد] ١٨ - [٢٧٨٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصورٍ: أَخْبَرَنَا عَفَّان: حَدَّثَنَا هَمَّام: حَدَّثَنَا محَمَّد بن جحادة قَال: أخْبَرَني أَبو حَصِينٍ: أَنَّ ذَكْوانَ حدَّثه: أن أبَا هرَيْرَة ﵁ (٢) حدَّثَه قالَ: «جَاءَ رَجل إِلَى رسولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: دلَّني عَلَى عَمَلٍ يَعدِل الجِهَادَ. قالَ: " لَا أَجِده ". قَالَ: " هَل تَسْتَطِيع إِذَا خَرَجَ المجَاهِد أَنْ تَدْخلَ مَسجِدَكَ فَتَقومَ وَلَا تَفْترَ، وَتَصومَ ولا تفْطِرَ؟ " قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيع ذَلكَ؟ قال أَبو هرَيْرَةَ: " إنَّ فرَسَ المجاهدِ ليَسْتَنّ في طِوَلِه، فيكتَب له حسَنات» (٣). * شرح غريب الحديث: *قوله: " يعدل الجهاد ": يساويه ويماثله (٤). *قوله: " لا أجده ": أي: لا أجد عملا يماثل الجهاد في الفضل (٥). *قوله: " ليستن ": أي: يمرح بنشاط، ويرفع يديه ويطرحهما معا مقبلا ومدبرا (٦).

стр. 156

قوله: " في طِوَلِه ": الحبل الذي تشدّ به الدابة ويطوَّل لها، ويمسك طرفه ويرسل الدابة ترعَى في المرعى (١). قوله: " يكتب له حسنات ": أي: يكتب له الاستنان حسنات (٢). *قوله: " لا تفتر ": أي لا تسأم ولا تمل (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية سؤال المدعو لأهل العلم. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد وبيان أهميته في الدعوة إلى الله . ٣ - من أعظم وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله تعالى. ٤ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٦ - أهمية مداومة الداعية على العمل الصالح. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي: أولا: أهمية سؤال المدعو لأهل العلم: إن من أهم الأمور في طلب العلم السؤال عنه، والحرص على طلبه، وقد دل هذا الحديث على حرص الصحابي ﵁ على طلب العلم والسؤال عنه للاستفادة؛ ولهذا قال: " يا رسول الله دلني على عمل يعدل الجهاد؟ " وهذا شأن أصحاب النبي ﷺ ؛ فإنهم كانوا يسألونه عن كثير من المعاني، وكان ﷺ يجيبهم ويوضح لهم، وكانت طائفة تسأل، وأخرى تحفظ وتؤدي وتبلّغ حتى أكمل الله تعالى دينه (٤)

стр. 157

فعلى المدعو أن يسأل عما أشكل عليه حتى يكون على بصيرة من أمره. ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد وبيان أهميته في الدعوة إلى الله : إن الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبَّته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا (١) ويظهر من مفهوم هذا الحديث: حث النبي ﷺ على الجهاد وذلك ببيان فضله؛ والجهاد الغرض منه والهدف: هو إعلاء كلمة الله تعالى، وإخراج الناس من عبودية المخلوق إلى عبادة الله تعالى، كما قال الله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٢) فينبغي للداعية أن يبيِّن للناس هذه الأهداف، وأن الجهاد شرع؛ لإِعلاء كلمة الله تعالى، ولنصر المظلوم، وحفظ الإسلام، ورد العدوان، وإرهاب أعداء الإسلام، كما قال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٣). ثالثا: من أعظم وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله تعالى: لا شك أن الجهاد في سبيل الله تعالى أفضل الوسائل في نشر الإسلام وإخماد الشرك؛ لأن الأعمال قسمان: مقاصد: كأركان الإِيمان الستة، وأركان الإِسلام. فهذه أركان وأسس وأصول ووسائل، وأفضل الوسائل إطلاقا الجهاد (٤) ولهذا قال الإمام ابن دقيق العيد: " القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك، والله أعلم " (٥). رابعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: التشبيه وضرب الأمثال من أساليب الدعوة النافعة؛ لأنه يقرِّب المعاني،

стр. 158

ويوصلها إلى ذهن السامع، ويكشف ما بها من غموض بتصوير الأمر المعنوي بأمر حسي يظهر فيه المشبه به صورة حسية للمشبَّه (١) ولهذه الأهمية ضرب الله الأمثال في الكتاب العزيز كثيرا، وضرب النبي ﷺ في سنته الأمثال كثيرا (٢) ويظهر في هذا الحديث استخدام التشبيه في ضرب مثل المجاهد كمثل الصائم القائم، وهو في رواية مسلم أظهر (٣). فعلى الداعية أن يستخدم أسلوب التشبيه وضرب الأمثال في دعوته؛ لأهميته؛ ولتوضيحه للمعاني وتقريبها إلى ذهن السامع. خامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن الترغيب أسلوب مؤثر على السامع؛ ولهذا أكثر النبي ﷺ من استخدامه في دعوته، ومن ذلك ما يظهر في هذا الحديث من الترغيب في الجهاد، وذكر فضله. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: " وفي هذا الحديث العظيم فضل الجهاد؛ لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات الله أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتَّى لأحد. . " (٤) ولهذا قال هذا السائل للنبي ﷺ : " ومن يستطيع ذلك؟ ". ولا شك أن الجهاد فضله عظيم، ومنزلته كبيرة، ولهذا عظَّم الله شأنه فقال : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١] (٥)

стр. 159

وقال : ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] (١) وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] (٣) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] (٤) وغير ذلك من الآيات الكريمة التي رغب الله فيها المؤمنين في الجهاد، أما الأحاديث فهي كثيرة، وسيأتي معظمها في هذا الفصل إن شاء الله تعالى (٥) فينبغي للداعية أن يستخدم وسيلة الترغيب في دعوته، حتى يكون موفقا بإذن الله تعالى (٦). سادسا: أهمية مداومة الداعية على العمل الصالح: دل مفهوم الحديث على أهمية المداومة على العمل الصالح؛ لأن المداومة عليه أحب إلى الله تعالى من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام العمل الصالح القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، والنية، والإِخلاص، والإِقبال على الخالق، والقليل الدائم يثمر؛ لأنه يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة (٧) ولهذا

стр. 160

قال ﷺ : «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل» (١). والمجاهد ما بلغ الدرجات العلى إلا بفضل الله تعالى ثم بما كتِبَ له من دوام العمل؛ قال الإمام القرطبي ﵀: ". . . كل ما يصدر من المجاهد في حالتي: نومه ويقظته، وسكونه وحركته، هو عمل صالح يكتب له ثوابه دائما، بدوام أفعاله، إذ لا يتأتَّى لغيره فيه؛ لأنه على كل حال في الجهاد، وملابس أحواله، وذلك: أن المجاهد إمَّا أن ينال من العدوِّ، أو يغيظه، أو يروِّعه، أو يكثر سواد المسلمين، أو يصيبه نصب، أو مخمصة. وكل ذلك أعمال كثيرة لها أجور عظيمة " (٢) كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ - وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١] (٣). وهذا يبين أهمية دوام العمل الصالح، فعلى الداعية أن يداوم على الأعمال الصالحة، وإن قلت؛ فإن في ذلك الخير الكثير. والله المستعان (٤).

стр. 161

٢ - بَاب: أَفْضَل النَّاسِ مؤمِن يجَاهِد بنَفْسِهِ ومَالِهِ فِي سبِيلِ اللهِ وَقَوْلِه تَعَالىَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] (١). [حديث أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله] ١٩ - [٢٧٨٦] حَدَّثَنَا أَبو اليَمَانِ: أَخبَرَنَا شعَيْب، عَنِ الزّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاء بن يَزِيدَ اللَّيثِيّ: أَنَّ أَبا سعيدٍ الخدْرِيَّ ﵁ (٢) حَدَّثه قَالَ: «قِيلَ يَا رَسولَ اللهِ، أَيّ النَّاسِ أَفْضَل؟ فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ : " مؤمِن يجَاهِد فِي سَبِيلِ اللهِ بنَفْسِهِ وَمَالِهِ ". قَالوا: ثمَّ مَنْ؟ قَالَ: " مؤْمِن فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ وَيدَع النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» (٣). وفي رواية: «جَاءَ أَعْرَابِيّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ يَا رَسولَ اللهِ، أَيّ النَّاسِ خَيْر؟ قَالَ: " رَجل جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجل فِي شِعْبٍ منَ الشِّعَابِ يَعْبد رَبَّه وَيَدَع النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» (٤). * شرح غريب الحديث: * قوله: " في شعب من الشعاب " الشعب: الطريق في الجبل، ومسيل

стр. 162

الماء، وما انفرج بين الجبلين (١). * قوله: " ويدع ": يترك (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد بالنفس والمال. ٢ - أهمية خلوة الداعية عند ظهور الفتن المضلة. ٣ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ٤ - أهمية السؤال عما يحتاج إليه المدعو من أمور الدين. ٥ - من أساليب الدعوة: التشبيه. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية بالتفصيل على النحو الآتي: أولا: من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد بالنفس والمال: في هذا الحديث فضيلة عظيمة للمؤمن المجاهد بنفسه وماله، وأنه أفضل الناس؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: ". . . وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعيّن عليه القيام به، ثم حَصَّل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذٍ فيظهر فضل المجاهد؛ لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى؛ ولما فيه من النفع المتعدي. . . " (٣). وهذا يدل على فضل الجهاد مع الإِيمان، وأن ثواب ذلك الجنة والكرامة. وقال القاضي عياض ﵀ على قوله ﷺ في أفضل الناس: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» هذا عام مخصوص وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصديقون، كما جاءت به الأحاديث " (٤) وأفضل

стр. 163

من هؤلاء جميعا: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (١). فعلى الداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب في دعوته؛ فإن ذلك يؤثر في نفس المدعو، ويرغبه في الخير (٢). ثانيا: أهمية خلوة الداعية عند ظهور الفتن المضلة: دل الحديث على أن أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، ويليه في الفضيلة مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره؛ لأن الذي يخالط الناس-في الغالب- لا يسلم من ارتكاب الآثام (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك. . . " (٤). وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، يذكر على قوله ﷺ : «مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره» قال: " هذا عند أهل العلم محمول على وقت الفتن ووقت الحروب، أما مع الأمن فالمؤمن مع المؤمنين أفضل، مع التعاون على البر والتقوى والحذر من الفتن " (٥). قال الإمام النووي ﵀: " وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن، والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وجماهير الصحابة والتابعين، والعلماء، والزهاد مختلطين فيحصِّلون منافع الاختلاط: كشهود الجمعة، والجماعة، والجنائز، وعيادة المرضى، وحلق الذكر، وغير ذلك. . . " (٦).

стр. 164

وقال ابن حجر ﵀: ". . . فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة؛ لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور, وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتن فتعم من ليس من أهلها. . . " (١). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان منهي عنها، وذكر أن العبد لا بد له من انفراد بنفسه: في دعائه، وذكره، وصلاة النافلة، ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، ومما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره " (٢). فينبغي للداعية أن يراعي هذه الضوابط، ويعمل بالأصلح المشروع، ويتذكر ما جاء في الحديث: " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم " (٣) فإذا كان لا بد من العزلة؛ لأجل الفتن المضلة اعتزل الناس؛ لقوله ﷺ : «يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر, يفرّ بدينه من الفتن» (٤) وإذا كان الأمر ليس كذلك، فمخالطة الناس ودعوتهم إلى الخير خير وأفضل وأعظم من العزلة (٥) والله المستعان. ثالثا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: إن في هذا الحديث ما يؤكد على مراعاة أحوال السائلين؛ لأن النبي ﷺ سئل عن: أفضل الأعمال، وأفضل الناس, فكانت إجابته على حسب أحوال السائلين, ففي حديث أبي سعيد ﵁ هذا قال في أفضل الناس: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله "، قالوا: ثم من؟ قال: " مؤمن في شعب من

стр. 165

الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره»، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ سئل أي العمل أفضل؟ فقال: " إيمان بالله ورسوله "، قيل: ثم ماذا؟ قال: " الجهاد في سبيل الله "، قيل: ثم ماذا؟ قال: " حج مبرور» (١). وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: " الصلاة على وقتها " قال: ثم أيّ؟ قال: " بر الوالدين "، قال: ثم أيّ؟ قال: " الجهاد في سبيل الله» (٢). وفي حديث أبي موسى ﵁، قال: «قالوا: يا رسول الله! أي الإسلام أفضل؟ قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٣). وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رجلا سأل النبي ﷺ : «أي الإسلام خير؟ قال: " تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٤) وفي حديث أبي ذر ﵁ قال «قلت: يا رسول الله! أيّ الأعمال أفضل؟ قال: " الإِيمان بالله والجهاد في سبيله " قال قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: " أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا». . . " (٥). وفي حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٦) وغير ذلك من الأحاديث. وهذا يؤكد على الداعية أن يراعي أحوال المدعوين ويخاطبهم على قدر علمهم وحاجتهم؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال،

стр. 166

والأعراف (١) والأوقات (٢) وقد ذكر الإمام النووي، والحافظ ابن رجب، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى: أن اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون، وترك ما علموه (٣). وقال الحافظ عمر بن علي المعروف بابن الملقن ﵀: " والذي قيل في الجمع بينها: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص بالنسبة إلى حاله، أو وقته، أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت، أو بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم، ولو خوطب بذلك الشجاع لقيل له: الجهاد، أو الغني لقيل له: الصدقة، أو الجبان الفقير لقيل له: البر أو الذكر، أو الفطن لقيل له: العلم، أو الحديد الخلق لقيل له: لا تغضب، وهكذا في جميع أحوال الناس، وقد يكون الأفضل في حق قوم أو شخص مخالفا للأفضل في حق آخرين، بحسب المصلحة اللائقة: بالوقت، أو الحال، أو الشخص " (٤) وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يذكر: أن الأجوبة تختلف على حسب السائلين وأحوالهم (٥). فعلى الداعية أن يسلك هذا المنهج في مراعاة أحوال المدعوين، فيخاطب كل إنسان بما يحتاجه. رابعا: أهمية السؤال عما يحتاج إليه المدعو من أمور الدين: دل هذا الحديث على أهمية السؤال عما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين؛ لأن حسن السؤال نصف العلم؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: " نعم النساء نساء

стр. 167

الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين " (١) وقال مجاهد: " لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر " (٢) وقالت أمّ سلَيْمٍ ﵂: «يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ : " إذا رأت الماء» (٣). فعلى المدعو أن يسأل عن العلم، وأن لا يستحي من السؤال عما ينفعه في الدنيا والآخرة (٤). خامسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: من الأساليب التي تقرّب المعاني للمدعو وتوضحها في صورة محسوسة، أسلوب التشبيه، وقد ظهر في مفهوم هذا الحديث التشبيه؛ قال العلامة القسطلاني على قوله ﷺ : ". . . «في شعب من الشعاب». . . ": " وليس بقيد بل على سبيل المثال، والغالب على الشعاب الخلو عن الناس؛ لذا مثَّل بهذا للعزلة والانفراد، فكل مكان يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى: كالمساجد والبيوت " (٥). وقال النووي ﵀: " وذكر الشعب مثالا؛ لأنه خالٍ عن الناس غالبا " (٦). فعلى الداعية أن يعتني بالأساليب النافعة في الدعوة إلى الله تعالى، ومنها أسلوب التشبيه (٧).

стр. 168

٣ - بَاب الدّعَاءِ بِالجِهَادِ والشَّهَادةِ للرِّجَالِ والنِّساءِ وَقَالَ عمَر: اللَّهمَّ ارْزقْنِي شَهادَة فِي بَلدِ رَسولِكَ. [حديث ناس من أمتي يركبون ثبج البحر ملوكا على الأسرة] ٢٠ - ٢١ - [٢٧٨٨، ٢٧٨٩]- حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن يوسفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسِ بنِ مالكٍ ﵄: (١) أنه سَمعَه يقول: «كَانَ رَسول اللهِ ﷺ يَدْخل عَلَى أمِّ حَرَامٍ بنتِ مِلْحانَ (٢). فَتطْعِمه، وَكَانَتْ أمّ حَرَامٍ تَحْتَ عبَادَةَ بْنِ الصامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسول اللهِ ﷺ فأَطْعَمَتْه وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَه، فَنَامَ رَسول اللهِ ﷺ ثمَّ اسْتَيْقَظَ وَهوَ يَضْحَك. قَالَتْ: فَقلْت: وَمَا يضْحِككَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: " نَاس مِن أمَّتِي عرِضوا علي غزاة فِي سَبيل اللهِ، يركَبونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ ملوكا عَلَى الأَسِرَّةِ- أَوْ مِثلَ الملوكِ عَلَى الأَسِرَّة " شَكَّ إِسْحَاق - قَالَتْ: فَقلْت: يَا رَسولَ اللهِ، ادْع اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فدَعَاَ لَهَا رَسول الله ﷺ ثمَّ وَضَعَ رَأْسَه، ثم اسْتَيْقَظَ وَهوَ يَضحَك. فقلْت: وَمَا يضْحِككَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: " نَاس مِنْ أمَّتِي عرِضوا عَليَّ غزاة فِي سَبيل الله " - كما قال في الأَوَّل- قَالَتْ: فَقلْت: يَا رَسولَ اللهِ، ادْع اللهَ أَنْ يَجعَلنِي مِنْهم، قَالَ: " أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِين ". فرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمِن معَاوِيَةَ بْن أَبِي سفْيَانَ، فصرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِيْنَ خَرَجَتْ مِنَ البَحرِ فَهَلَكَتْ» (٣).

стр. 169

وفي رواية: «يَرْكَبونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْر الأَخْضَر كَالْملوكِ عَلَى الأَسرَّةِ» (١). وفي رواية: «فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمسْلِمونَ الْبَحْرَ مَعَ معَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فنَزَلوا الشَّامَ فَقرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّة لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ» (٢). وفي رواية: «اللَّهمَّ اجْعَلْهَا مِنْهمْ» (٣). وفي رواية: «كَانَ رَسول اللهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قبَاءٍ يَدْخل عَلَى أمِّ حَرَامٍ». . . " (٤). وفي رواية: «أَوَّل جَيْشٍ مِنْ أمَّتِي يَغْزونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبوا " قَالَتْ أمّ حَرَامٍ فَقلْت: يَا رَسولَ اللهِ، أنا فِيهِمْ؟ قال: " أنْتِ فِيهِمْ " ثمَّ قَالَ النَّبِيّ ﷺ : " أَوَّل جَيْشٍ مِنْ أمَّتِي يَغْزونَ مَدِينةَ قَيْصَرَ مَغْفور لَهمْ " فَقلْت: أنا فِيهِمْ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: " لا» (٥). * شرح غريب الحديثين: * قوله: " تَفْلِي رأْسه ": تفتش القمل من رأسه، وتقتله؛ لأنه قيل إنها كانت خالته من الرضاعة، والخلاصة أنها محرم له (٦). * قوله: " ثَبَج هذا البحر ": أي وسطه، والثبج ظهر الشيء: أي ظهر البحر ومتنه (٧).

стр. 170

* قوله: " ملوكا على الأسرَّة ": صفة لهم في الدنيا، والمعنى يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم، واستقامة أمرهم، وكثرة عددهم (١). * قوله: " صرعت عن دابتها ": أي قربت إليها دابتها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت (٢). * الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أدب المدعو: إكرام العلماء والدعاة والسرور بذلك. ٢ - من صفات الداعية: حسن الخلق وسعة الصدر. ٣ - من صفات الداعية: السرور بانتصار الإِسلام. ٤ - من أعلام النبوة: إخبار النبي ﷺ بالمغيبات. ٥ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء. ٦ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله تعالى. ٧ - من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد وبيان فضيلة المجاهد. ٨ - استعانة الداعية بالنوم في القائلة على قيام الليل. ٩ - من وسائل الدعوة: ركوب البحر عند الحاجة. ١٠ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في الحديث. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من أدب المدعو: إكرام العلماء والدعاة والسرور بذلك: يظهر في هذا الحديث أن إكرام العلماء واحترامهم من آداب المدعو الصالح؛ ولهذا أكرمت أم حرام ﵂ النبي ﷺ : بالطعام، والخدم، وفلت شعر رأسه. وقد كانت من محارمه من جهة الرضاعة (٣).

стр. 171

ولا شك أن إكرام أم حرام للنبي ﷺ قد سرَّ زوجها؛ قال الإمام الأبي ﵀: " ومعلوم سرور زوج أم حرام بذلك، وكانوا يحبون أن يدخل بيوتهم ويأكل طعامهم " (١) وهذا مما يدل على الأدب مع العالم والداعية؛ ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (٢). وعن عبادة بن الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس من أمتي من لم يجِلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا» (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا»، وفي رواية: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا» (٤). فينبغي للمدعو أن يجِلّ ويكرم العلماء، والدعاة، وينزلهم منازلهم. ثانيا: من صفات الداعية: حسن الخلق وسعة الصدر: ظهر في هذا الحديث حسن خلق النبي ﷺ مع أمِّ حرام، وسعة صدره، وتواضعه ﷺ ، دل على ذلك تبسمه وضحكه، وملاطفته لها، فينبغي للداعية أن يكون حسن الخلق، واسع الصدر متواضعا، اقتداء بنبيه ﷺ ، حتى يكون بذلك من خيار الناس؛ لقوله ﷺ : «إن من خياركم أحاسنكم أخْلَاقا» (٥) وهذا يبيِّن للداعية أهمية التزام الخلق الحسن، والعمل به ظاهرا وباطنا (٦).

стр. 172

ثالثا: من صفات الداعية: السرور بانتصار الإسلام: دل هذا الحديث على أن الداعية الصادق هو الذي يفرح بظهور الإسلام وانتصار أهله؛ ولهذا بين الإمام النووي، والكرماني، وابن حجر ﵏ أن ضحكه ﷺ في هذا الحديث كان فرحا وسرورا؛ بكون أمته تبقى بعده متظاهرة بأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر، ممتثلة لأمره ﷺ بجهاد العدو (١). والفرح والسرور بفضل الله تعالى وبتوفيقه مرغوب فيه ومحبوب إلى الله تعالى؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] (٢). رابعا: من أعلام النبوة: إخبار النبي ﷺ بالمغيبات: إن من الدلائل الواضحات والبينات القاطعات، والحجج الدامغات التي تدل على صدق نبوة محمد ﷺ ما أخبر به من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، وأوحى بها إلى نبيه ﷺ ، وهي كثيرة جدا (٣) ومنها ما لم يقع فأخبر ﷺ بها ووقعت كما أخبر، فدل ذلك على أن محمدا رسول الله ﷺ ، وأن ما جاء به من عند الله حق. قال الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] (٤) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (٥). وقد دل هذا الحديث على بعض هذه الأمور التي تدل على صدقه ﷺ ، وصحة نبوته، قال الإمام النووي وغيره من أهل العلم ﵏: " وفيه معجزات للنبي ﷺ ، منها: إخباره ببقاء أمته بعده، وأنه تكون لهم شوكة وقوة وعدد، وأنهم يغزون، وأنهم يركبون البحر، وأن أمَّ حرام تعيش إلى ذلك

стр. 173

الزمان، وأنها تكون معهم، وقد وجِدَ بحمد الله تعالى كل ذلك (١). خامسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: إن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله تعالى تأليف المدعو بالدعاء له، وهذا أسلوب نافع في الدعوة؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ في دعوته كثيرا، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب في قوله ﷺ لأمِّ حرام ﵂: «اللهم اجعلها منهم» وثبت أن النبي ﷺ قال: «اللهم اهدِ دوسا وائت بهم، اللهم اهدِ دوسا وائت بهم» (٢) وقد نص البخاري ﵀ على أن الدعاء من التأليف للمدعو فقال: " باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم "، وقال ابن حجر ﵀ عن دعاء النبي ﷺ للمشركين: ". . . كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم. . . " (٣). أما المدعو من المسلمين فيتألف بالدعاء مطلقا؛ فإن ذلك من الأساليب النافعة (٤) فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته للناس، والله المستعان. سادسا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله تعالى: من صفات الداعية الصادق مع الله تعالى الرغبة فيما عند الله تعالى؛ ولهذه الرغبة سألت أم حرام النبي ﷺ أن يدعو لها أن تكون مع المجاهدين رغبة في فضل الجهاد وطلبا للشهادة في سبيل الله تعالى، فقال ﷺ إجابة لطلبها: «اللهم اجعلها منهم»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح ترجمة الحديث: ". . . وجاز تمني الشهادة؛ لما يدل عليه من صدق من وقعت له من إعلاء كلمة الله حتى بذل نفسه في تحصيل ذلك " (٥) ولهذه الرغبة قال عمر ﵁:

стр. 174

" اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ " (١) وقد أجاب الله دعاء من رغب فيما عنده سبحانه؛ ولهذا قال ﷺ : «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (٢). فعلى الداعية أن يتصف بالرغبة فيما عند الله تعالى، وهذا من أعظم أسباب توفيقه وإعانته وقبول دعوته. والله المستعان وعليه التكلان (٣). سابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد وبيان فضيلة المجاهد: من أساليب الدعوة: الترغيب في أعمال الطاعات ومن أعظمها الجهاد في سبيل الله تعالى؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: ". . . وفيه من الفوائد: الترغيب في الجهاد والحض عليه، وبيان فضيلة المجاهد " (٤). " ومن فضل الله تعالى على المجاهد أن موته في الغزو يعَدّ شهادة؛ لقوله ﷺ : ". . . «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد» (٥) وهذا موافق لمعنى قوله تعالى:. . ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] (٦) وقوله : ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ - لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٨ - ٥٩] (٧) وقد دل الحديث بمفهومه والآية بمنطوقها على ما يحصل عليه المجاهد الغازي في سبيل الله تعالى من الثواب العظيم، وأعظم منه من قتل في سبيل الله؛ فإن له ضيافة عند الله تعالى. ففي الحديث: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر،

стр. 175

ويأمن الفزع الأكبر، ويحلَّى حلية الإِيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه» (١). فعلى الداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته إلى الله تعالى (٢). ثامنا: استعانة الداعية بالنوم في القائلة على قيام الليل: دل الحديث على أن الداعية ينبغي له أن يستعين بنوم القائلة على قيام الليل، قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث: " وفيه مشروعية القائلة لما فيه من الإعانة على قيام الليل " (٣). وقال الحافظ ابن العربي: " ونوم القائلة أصل في معونة الدين لمن يقوم الليل ويحيي بيته بالطاعة " (٤). فعلى الداعية أن يستعين بنوم القائلة رغبة في أن يتقوى على قيام الليل، وعلى أمور الدعوة في الأوقات الأخرى. تاسعا: من وسائل الدعوة: ركوب البحر عند الحاجة: لا ريب أنه ينبغي للداعية أن يستخدم كل وسيلة نافعة مشروعة- أو لا محذور فيها ولا مخالفة- في دعوته إلى الله تعالى، ومن هذه الوسائل ركوب البحر عند الحاجة؛ لأجل الدعوة إلى الله تعالى؛ ولهذا ذكر جمهور العلماء ﵏ في فوائد هذا الحديث: " جواز ركوب البحر " (٥) وهذا له أصل في كتاب الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] الآية, (٦) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] (٧).

стр. 176

فعلى الداعية أن يعلم أنه لا حرج في ركوب البحر للدعوة إلى الله تعالى، وهذا من الوسائل النافعة عند الحاجة لذلك. والله المستعان. عاشرا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في الحديث: لا شك أن من الصفات المهمة التي ينبغي أن يلتزمها الداعية، الحرص على صحة ما يقول وينقل للناس، حتى لا يكذب على النبي ﷺ ؛ وللحرص على هذه الصفة قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة في روايته لهذا الحديث: «يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرَّة- أو مثل الملوك على الأسرَّة» قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " وهذا الشك من إسحاق، يشعر بأنه كان يحافظ على تأدية الحديث بلفظه ولا يتوسع في تأديته بالمعنى " (١) وهذا يدل على حرص السلف على تَحَرِّيهِم في النقل، وصدقهم؛ لأنه لما أشكل على إسحاق لفظ الحديث أبدى الإشكال ولم يأخذ بقوة الظن فيخبر به (٢). وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله تعالى الحرص على ضبط الرواية والدقة في نقل الأخبار، والأقوال، وخاصة إذا كان النقل عن النبي ﷺ ، فإذا لم يتيقن ذلك قال في نهاية الحديث: أو كما قال ﷺ ، أو الحديث بمعناه، وكذلك الأحاديث التي يشك في صحتها يقول: ذكِرَ، أَوْ روِيَ، أو جاء، حتى لا يقع في قوله ﷺ : (٣) «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (٤).

стр. 177

٤ - باب درجات المجاهدين في سبِيلِ اللهِ يقَال: هَذِهِ سَبِيلِي، وهَذَا سَبِيلِي، قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: ﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] (١) وَاحِدهَا غازٍ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣] (٢) لَهمْ دَرَجَات. [حديث من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة] ٢٢ - [٢٧٩٠] حدَّثَنَا يَحْيى بْن صَالِحٍ: حَدَّثَنا فلَيْح، عن هِلالِ بْنِ عليّ، عنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (٣) ﵁ قَالَ: قَال النَّبِيّ ﷺ : «مَنْ آمَنَ باللهِ وَبِرَسولهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقّا عَلَى اللهِ أَنْ يدْخِلَه الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبيلِ اللهِ أوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي ولِدَ فِيهَا ". فَقَالوا: يَا رَسولَ اللهِ، أفَلا نبَشِّر النَّاسَ؟ قَالَ: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ مائةَ دَرَجةٍ أَعدَّهَا الله لِلمجَاهِدينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَينِ كَمَا بينَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتم اللهَ فاسْأَلوه الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّه أَوْسَط الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ " أراه قَالَ: " وَفَوْقَه عَرْش الرَّحْمنِ ومنْه تَفَجَّر أَنْهَار الجَنَّةِ». قَالَ محَمَّد بْن فلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ: «وَفَوقَه عَرْش الرَّحْمَنِ» (٤). وِفي رواية: ". . . «هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ». . " وفيها: «أَفَلاَ ننَبِّئ النَّاسَ بِذَلِكَ» (٥). * شرح غريب الحديث: * " الفردوس ": وهو البستان الذي يجمع كل شيء من ثمار البساتين، وقيل: هو الذي فيه العنب والأشجار، والجمع فراديس؛ ومنه: جنة الفردوس (٦).

стр. 178

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على أصول الإِيمان. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على العمل بأصول الإسلام. ٣ - من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين. ٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله . ٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٦ - من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة. ٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء. ٨ - من صفات الداعية: جهاد النفس. ٩ - من أساليب الدعوة: الأسلوب الحكيم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على أصول الإيمان: إن الحديث عن أصول الإيمان والحث عليها والتزامها من أهم الأمور التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية خاصة؛ لأن بالتزامها والعمل بمقتضاها تصلح أحوال الناس، وترسخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم. ويؤخذ من مفهوم هذا الحديث الحث على هذه الأصول، وذلك بحث النبي ﷺ على الإِيمان بالله وبرسوله ﷺ حيث قال: «من آمن بالله وبرسوله». . " ثم بين فضل ذلك ورغب فيه. فينبغي للداعية أن يبين للناس أصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله . قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] (١)

стр. 179

وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (١). ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على العمل بأصول الإسلام: لا ريب أن تعليم الناس أصول الإسلام من أهم المهمات التي ينبغي للداعية إلى الله أن يعتني بها، ويبيِّنها للناس حتى يعملوا بها، وقد تضمن هذا الحديث الحث على ذلك، حيث قال ﷺ : «من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان». . . " ثم بين فضل من عمل ذلك ورغب فيه وحث عليه، وهذا يبيِّن للداعية أهمية الدعوة إلى أركان الإسلام وبيانها للناس من: شهادة الحق " لا إِله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ " ومعناها ومقتضاها، وشروطها، وأركانها، ونواقضها، ومن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا؛ ولهذا قال ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (٢). ثالثا: من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين: إن من أساليب الدعوة إلى الله تطييب قلوب المدعوِّين المستجيبين وتأنيس نفوسهم إذا لم يستطيعوا القيام بالدعوة والجهاد؛ ولهذا قال ابن حجر ﵀ في شرحه لقوله ﷺ في هذا الحديث: «أو جلس في أرضه»: " فيه تأنيس لمن حرِمَ الجهاد، وأنه ليس محروما من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة، وإن قصر عن درجات المجاهدين " (٣) وهذا يحث الداعية على أن يتصف بهذه الصفة، ويطيِّب نفوس المدعوِّين بما يشرح صدورهم،

стр. 180

ويغني قلوبهم عما فاتهم بما شرع الله لهم من أعمال الخير: من القيام بالواجبات، واجتناب المحرمات، والنيَّة الصادقة الصالحة (١) قال ﷺ : «من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٢). رابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله : لا شك أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقبّته، ومنازل أهله أعلى المنازل في جنات النعيم، وقد ظهر من مفهوم هذا الحديث حث النبي ﷺ على الجهاد، وذلك ببيان فضله ومنازل أهله، فينبغي للداعية أن يبين للناس منزلة الجهاد ويحثهم عليه، وعلى الإعداد له، والاستعداد (٣). خامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن أسلوب الترغيب له شأن عظيم في الحث على العمل والتشويق إليه؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفي الحديث فضيلة ظاهرة للمجاهدين، وفيه عظم الجنة وعظم الفردوس منها. . " (٤). ومما يظهر فيه الترغيب من هذا الحديث أن النبي ﷺ بيَّن ما لِمَنْ قام بهذه الأعمال: من الإيمان، والصلاة، والصيام بقوله: «كان حقا على الله أن يدخله الجنة» وهذا الحق بطريق الفضل والكرم منه تعالى وأن ذلك ثابت بوعده الصادق، ثم رغب ﷺ في الجهاد في سبيل الله وبين ما أعده الله للمجاهدين من الدرجات العلا، وأن أعلى الجنة وأوسطها (٥) وأفضلها الفردوس الذي منه تفجّر أصول أنهار الجنة، من: الماء، واللبن، والخمر، والعسل، وأن سقف الفردوس عرش الرحمن (٦).
следующие страницы →