← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فعلى الداعية أن يعلم أنه لا حرج في ركوب البحر للدعوة إلى الله تعالى، وهذا من الوسائل النافعة عند الحاجة لذلك. والله المستعان. عاشرا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في الحديث: لا شك أن من الصفات المهمة التي ينبغي أن يلتزمها الداعية، الحرص على صحة ما يقول وينقل للناس، حتى لا يكذب على النبي ﷺ ؛ وللحرص على هذه الصفة قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة في روايته لهذا الحديث: «يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرَّة- أو مثل الملوك على الأسرَّة» قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " وهذا الشك من إسحاق، يشعر بأنه كان يحافظ على تأدية الحديث بلفظه ولا يتوسع في تأديته بالمعنى " (١) وهذا يدل على حرص السلف على تَحَرِّيهِم في النقل، وصدقهم؛ لأنه لما أشكل على إسحاق لفظ الحديث أبدى الإشكال ولم يأخذ بقوة الظن فيخبر به (٢). وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله تعالى الحرص على ضبط الرواية والدقة في نقل الأخبار، والأقوال، وخاصة إذا كان النقل عن النبي ﷺ ، فإذا لم يتيقن ذلك قال في نهاية الحديث: أو كما قال ﷺ ، أو الحديث بمعناه، وكذلك الأحاديث التي يشك في صحتها يقول: ذكِرَ، أَوْ روِيَ، أو جاء، حتى لا يقع في قوله ﷺ : (٣) «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (٤).

стр. 177

٤ - باب درجات المجاهدين في سبِيلِ اللهِ يقَال: هَذِهِ سَبِيلِي، وهَذَا سَبِيلِي، قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: ﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] (١) وَاحِدهَا غازٍ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣] (٢) لَهمْ دَرَجَات. [حديث من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة] ٢٢ - [٢٧٩٠] حدَّثَنَا يَحْيى بْن صَالِحٍ: حَدَّثَنا فلَيْح، عن هِلالِ بْنِ عليّ، عنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (٣) ﵁ قَالَ: قَال النَّبِيّ ﷺ : «مَنْ آمَنَ باللهِ وَبِرَسولهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقّا عَلَى اللهِ أَنْ يدْخِلَه الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبيلِ اللهِ أوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي ولِدَ فِيهَا ". فَقَالوا: يَا رَسولَ اللهِ، أفَلا نبَشِّر النَّاسَ؟ قَالَ: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ مائةَ دَرَجةٍ أَعدَّهَا الله لِلمجَاهِدينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَينِ كَمَا بينَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتم اللهَ فاسْأَلوه الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّه أَوْسَط الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ " أراه قَالَ: " وَفَوْقَه عَرْش الرَّحْمنِ ومنْه تَفَجَّر أَنْهَار الجَنَّةِ». قَالَ محَمَّد بْن فلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ: «وَفَوقَه عَرْش الرَّحْمَنِ» (٤). وِفي رواية: ". . . «هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ». . " وفيها: «أَفَلاَ ننَبِّئ النَّاسَ بِذَلِكَ» (٥). * شرح غريب الحديث: * " الفردوس ": وهو البستان الذي يجمع كل شيء من ثمار البساتين، وقيل: هو الذي فيه العنب والأشجار، والجمع فراديس؛ ومنه: جنة الفردوس (٦).

стр. 178

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على أصول الإِيمان. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على العمل بأصول الإسلام. ٣ - من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين. ٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله . ٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٦ - من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة. ٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء. ٨ - من صفات الداعية: جهاد النفس. ٩ - من أساليب الدعوة: الأسلوب الحكيم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على أصول الإيمان: إن الحديث عن أصول الإيمان والحث عليها والتزامها من أهم الأمور التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية خاصة؛ لأن بالتزامها والعمل بمقتضاها تصلح أحوال الناس، وترسخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم. ويؤخذ من مفهوم هذا الحديث الحث على هذه الأصول، وذلك بحث النبي ﷺ على الإِيمان بالله وبرسوله ﷺ حيث قال: «من آمن بالله وبرسوله». . " ثم بين فضل ذلك ورغب فيه. فينبغي للداعية أن يبين للناس أصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله . قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] (١)

стр. 179

وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (١). ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على العمل بأصول الإسلام: لا ريب أن تعليم الناس أصول الإسلام من أهم المهمات التي ينبغي للداعية إلى الله أن يعتني بها، ويبيِّنها للناس حتى يعملوا بها، وقد تضمن هذا الحديث الحث على ذلك، حيث قال ﷺ : «من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان». . . " ثم بين فضل من عمل ذلك ورغب فيه وحث عليه، وهذا يبيِّن للداعية أهمية الدعوة إلى أركان الإسلام وبيانها للناس من: شهادة الحق " لا إِله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ " ومعناها ومقتضاها، وشروطها، وأركانها، ونواقضها، ومن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا؛ ولهذا قال ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (٢). ثالثا: من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين: إن من أساليب الدعوة إلى الله تطييب قلوب المدعوِّين المستجيبين وتأنيس نفوسهم إذا لم يستطيعوا القيام بالدعوة والجهاد؛ ولهذا قال ابن حجر ﵀ في شرحه لقوله ﷺ في هذا الحديث: «أو جلس في أرضه»: " فيه تأنيس لمن حرِمَ الجهاد، وأنه ليس محروما من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة، وإن قصر عن درجات المجاهدين " (٣) وهذا يحث الداعية على أن يتصف بهذه الصفة، ويطيِّب نفوس المدعوِّين بما يشرح صدورهم،

стр. 180

ويغني قلوبهم عما فاتهم بما شرع الله لهم من أعمال الخير: من القيام بالواجبات، واجتناب المحرمات، والنيَّة الصادقة الصالحة (١) قال ﷺ : «من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٢). رابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله : لا شك أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقبّته، ومنازل أهله أعلى المنازل في جنات النعيم، وقد ظهر من مفهوم هذا الحديث حث النبي ﷺ على الجهاد، وذلك ببيان فضله ومنازل أهله، فينبغي للداعية أن يبين للناس منزلة الجهاد ويحثهم عليه، وعلى الإعداد له، والاستعداد (٣). خامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن أسلوب الترغيب له شأن عظيم في الحث على العمل والتشويق إليه؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفي الحديث فضيلة ظاهرة للمجاهدين، وفيه عظم الجنة وعظم الفردوس منها. . " (٤). ومما يظهر فيه الترغيب من هذا الحديث أن النبي ﷺ بيَّن ما لِمَنْ قام بهذه الأعمال: من الإيمان، والصلاة، والصيام بقوله: «كان حقا على الله أن يدخله الجنة» وهذا الحق بطريق الفضل والكرم منه تعالى وأن ذلك ثابت بوعده الصادق، ثم رغب ﷺ في الجهاد في سبيل الله وبين ما أعده الله للمجاهدين من الدرجات العلا، وأن أعلى الجنة وأوسطها (٥) وأفضلها الفردوس الذي منه تفجّر أصول أنهار الجنة، من: الماء، واللبن، والخمر، والعسل، وأن سقف الفردوس عرش الرحمن (٦).

стр. 181

فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب مع المدعوين، لما له من الأهمية البالغة في الحث على العمل والمواظبة عليه. سادسا: من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة: النية الصادقة الصالحة من أعظم صفات الداعية؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه»، فدل ذلك على أن المهاجر في سبيل الله يحصل على فضل المجاهد في سبيل الله بالنية الصالحة الصادقة، وأن من جلس في أرضه ولم يهاجر ولم يجاهد، ولكن عنده أعمال صالحة، ونية صادقة يتمنَّى الجهاد بها، فله فضل الجهاد. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه إشارة إلى أن درجة المجاهدين قد ينالها غير المجاهد، إما بالنية الصالحة، أو بما يوازيه من الأعمال الصالحة؛ لأنه ﷺ أمر الجميع بالدعاء بالفردوس بعد أن أعلمهم أنه أعِدَّ للمجاهدين " (١). فينبغي للداعية أن يتصف بالنية الصالحة الصادقة؛ فإنه يحصل بها على الثواب العظيم؛ ولهذا قال ﷺ : «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٢) وقال ﷺ : «ما من امرئ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم، إلا كتِبَ له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة» (٣) وقد عظَّم الله أمر النية الصالحة فقال : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] (٤) وهذا يدل على أهمية النية الصالحة وأن الدعاة إلى الله بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أعطيَ العبد الثواب

стр. 182

العظيم والأجر الكبير، ولو لم يعمل وإنما نوى نية صادقة مع الله . ومن ذلك قوله ﷺ : «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل» (١). وقال ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا» (٢) والأصل في ذلك قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣) وهذا من فضل الله على عباده أن يكتب لهم ما نووا من الخير وإن لم يعملوه، وأنهم يثابون على نياتهم الصادقة إذا حال بينهم وبين العمل نوم، أو نسيان، أو مرض (٤). فينبغي للداعية أن يتصف بالإخلاص والنية الصالحة، وبهذا يحصل على الثواب المضاعف والأجر الكبير، وبالنية الصالحة يبارك له في الأعمال المباحة، ويثاب عليها؛ ولهذا قال ﷺ : «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (٥) وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك» (٦). سابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء: إن هذا الحديث دل على أن الحث على الدعاء والحض عليه من موضوعات

стр. 183

الدعوة؛ ولهذا قال ﷺ : ". . «فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة». . "، وهذا يدل على أهمية الدعاء، وأنه يحصل به أعظم المطالب، ولهذا قال الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (١) وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٢) وقال ﷺ : «إن ربكم ﵎ حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا» (٣). فينبغي للداعية أن يحث الناس على الدعاء، ويبين لهم شروطه، وموانعه، وآدابه، وفضله، وأوقات إجابته، ويرغبهم في ذلك، ويبين لهم أن أعظم ما يسأله العبد ربَّه: الفردوس الأعلى؛ لأن ذلك أعظم المطالب (٤). ثامنا: من صفات الداعية: جهاد النفس: دل هذا الحديث على أن جهاد النفس من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ قال الكرماني ﵀: " وفيه الحث على ما يحصل به أقصى درجات الجنان من المجاهدة مع النفس " (٥) قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٦) وقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (٧). فينبغي للداعية أن يجاهد نفسه على طلب العلم، والعمل بما علم، والدعوة

стр. 184

إلى العلم والعمل، وتعليم من لا يعلم، ويجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله للِّه، فإذا عَلِمَ الداعية، وعَمِلَ، وعَلّمَ دعيَ عظيما في ملكوت السماوات والأرض (١). تاسعا: من أساليب الدعوة: الأسلوب الحكيم: من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية أن يسلكها في دعوته: الأسلوب الحكيم؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ في هذا الحديث وفي غيره؛ وقد ذكر الطيبي والحافظ ابن حجر رحمهما الله: على قوله ﷺ : «وإن في الجنة مائة درجة» أن هذا الجواب من الأسلوب الحكيم: أي بشرهم بدخول الجنة بما ذكر من الأعمال " (٢). فينبغي للداعية أن يستخدم الأساليب الحكيمة في دعوته إلى الله تعالى. والله المستعان.

стр. 185

٥ - بَاب الغَدوةِ والرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وقَاب قوْسِ أَحَدِكمْ في الجَنَّةِ [حديث لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها] ٢٣ - [٢٧٩٢] حَدَّثَنَا معلَّى بن أَسَدٍ: حَدَّثَنا وهَيْب: حدَّثَنا حمَيد عَن أنسِ بنِ مالكٍ (١) ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لغَدْوَة فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَة خَير مِنَ الدّنْيا وَمَا فِيهَا» (٢). وفِي رواية: «وَلَقَاب قَوْسِ أَحَدِكمْ مِنَ الجَنَّةِ أَو مَوْضِع قِيدٍ - يَعْنِي: سَوْطَه- خيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَة مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعتْ إِلى أَهْلِ الأَرْضِ لأضَاءَتْ مَا بينَهمَا وَلَمَلأَتْه رِيحا، وَلَنَصِيفهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا فيْهَا» (٣). وفي رواية: «وَلَقَاب قَوْسِ أَحَدِكمْ أَوْ مَوْضِع قَدَمٍ مِنَ الجَنَّةِ خَير مِنَ الدّنْيَا وَمَا فيهَا» وفيها: «وَلَنَصِيفها- يَعْنِي الْخِمَارَ-» (٤). [حديث لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب] ٢٤ - [٢٧٩٣] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن المنْذِرِ: حَدَّثَنا محَمَّد بْن فلَيْحٍ قَالَ: حدَّثنِي أَبِي عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَليٍّ، عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁، (٥) عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَاب قَوْسٍ فِي الجَنَّةِ خَيْر مِمَّا تَطْلع عَلَيْهِ الشَمْس وَتَغْرب»، وَقَالَ: «لَغَدْوَة أَوْ رَوْحَة فِي سَبِيل اللهِ خَيْر مِمَّا تَطْلع عَلَيْهِ الشَّمْس وَتَغْرب» (٦).

стр. 186

وفي رواية: «وَلقاب قوْسِ أحدِكمْ فِي الجَنّةِ خَيْر مِمَّا طَلعَتْ عَليْهِ الشّمْس أوْ تغرب» (١). [حديث الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها] ٢٥ - [٢٧٩٤] حَدَّثَنَا قَبيْصَة: حَدَّثَنَا سفيان، عَنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سعد (٢) ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «الرَّوْحَة وَالغَدْوَة فِي سَبيل اللهِ أَفْضَل مِنَ الدنيا وَمَا فِيْهَا» (٣). وفي رواية: «رباط يوم في سبيل الله خَيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِع سَوطِ أحدكم من الجنة خَيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، والرَّوْحَة يَروحهَا الْعَبْد فِي سَبيل الله أو الغدوة خَيْر مِنَ الدّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (٤). * شرح غريب الأحاديث: * " لغدوة ": المرة من الغدو: وهو سير أول النهار، نقيض الرواح، يقال: غدا يغدو غدوا، والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (٥). * " روحة ": الروحة: الفعلة الواحدة: والرواح: رواح العشيّ: وهو من زوال الشمس إلى الليل (٦).

стр. 187

* " لقَاب قَوْسِ ": القاب القَدْر: أي موضِع قدْره، وقيل: القاب من القوس ما بين المقبض والسِّيَةِ، ولكل قوس قابان، وسية القوس: طرفها، وقيل: قاب قوس: أي قدر ذراع، ويقال: بيني وبينه قاب رمحٍ، وقَاد رمْحٍ، وقيد رمْحٍ: أي قَدر رمْحٍ في المساحة (١). * " رباط يوم في سبيل الله " الرباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، والرباط: ملازمة ثغر العدوِّ، يقال: رابطت إذا لازمت الثَّغرَ والعدوَّ، ويقال: لما يربط به الشيء ويلازم حِفظه: رِبَاط. وقيل: المرابطة أن يربط هؤلاء خيلهم، وهؤلاء خيلهم في الثغر كلّ معِدّ لصاحبه، فَسمِّيَ المقام في الثغور، رباطا لذلك (٢). * الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث الثلاثة دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٢ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من أساليب الدعوة: الترغيب: الترغيب أسلوب عظيم من أساليب الدعوة إلى الله تعالى، وفي هذه الأحاديث ترغيب عظيم في الجهاد في سبيل الله تعالى، وأن المشاركة في الجهاد بغدوة أو روحة، أو رباط يوم في سبيل الله يحصل بها الفوز العظيم والثواب الكبير وذلك خير من الدنيا وما فيها وما عليها؛ ولهذا بيّن النبي ﷺ : أن

стр. 188

موضع قدم، أو موضع سوطٍ، أو خمار امرأة من أهل الجنة على رأسها، خير من الدنيا وما فيها، وهذا وصف لا يدور بالخيال؛ وقد قال النبي ﷺ : " يقول الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١)؛ ولأهمية الترغيب قال الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (٢). وهذا يوضح للداعية عظم أمر الترغيب وعلوَّ شأنه، وأن له التأثير العظيم في النفوس، فينبغي أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوة الناس وتوجيههم إلى الخير (٣). ثانيا: من أساليب الدعوة: التشبيه. دلت هذه الأحاديث على أن أسلوب التشبيه من أساليب الدعوة إلى الله تعالى؛ قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: (وفي قوله ﷺ : «خير من الدنيا وما فيها» وجهان: أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس، تحقيقا له وتثبيتا في النفوس؛ فإن ملك الدنيا، ونعيمها، ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس، فحقَق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط - وهو من المغيبات - خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا. الثاني: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل الحديث، أو ما هو معناه: على أن هذا الذي رتِّب عليه الثواب خير من الدنيا كلها، لو أنفقت في طاعة الله - تعالى - ثم قال ﵀: " والأول عندي أوجه وأظهر) (٤).

стр. 189

فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب التشبيه في دعوته إلى الله (١). ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد إن مفهوم هذه الأحاديث تضمن الحث على الجهاد والمشاركة فيه، ولو برباط يوم في سبيل الله تعالى، أو غدوة، أو روحة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «رباط يوم وليلة خير من صيام شهِر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وَأجرِيَ عليه رزقه، وأمِنَ الفَتان» (٢). " (٣). وفي بيان دلالة هذه الأحاديث على الحث على الجهاد يقول ابن حجر، ﵀: " والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حَصَّل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد: الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فَنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا " (٤). وهذا يحث الداعية على أن يبين للناس فضل الجهاد، ويحثهم عليه، ويبيِّن حدوده، وضوابطه من الكتاب والسنة (٥).

стр. 190

٦ - بَاب الحور العين وصِفَتِهنَّ يحَار فِيها الطَّرْف: شَدِيدَة سَوَادِ العَيْنِ، شَدِيدَة بَياَضِ العَينْ ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] (١) أنكَحْناَهمْ. [حديث ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا] ٢٦ - [٢٧٩٥] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن محَمَّدٍ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة بْن عَمْرو: حَدَّثَنَا أَبو إِسَحَاقَ، عَنْ حميدٍ قال: سَمِعْت أنس بْنَ مَالِكٍ (٢) ﵁، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَموت لَه عِنْدَ اللهِ خَيْر يَسره أَنْ يرجِعَ إِلَى الدّنْيَا وَأَنَّ لَه الدنْيَا وَمَا فِيهَا، إلاَّ الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْل الشَّهاَدِةِ؛ فَإنَّه يَسره أَنْ يرجعَ إلى الدّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّة أخْرَى» (٣). وفي رواية: «مَا أَحَد يَدْخل الجَنَّةَ يحِبّ أَنْ يرجِعَ إِلى الدّنْيَا وَلَه مَا عَلَى الأَرْضِ مِن شيء إلا الشَّهِيد، يَتَمَنَّى أَنْ يرجِعَ إِلى الدّنْيَا فَيقْتَلَ عَشْرَ مرَاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ» (٤). * شرح غريب الحديث: * الشهيد الشهيد في الأصل من قتِلَ مجاهدا في سبيل الله ، ويجمع على الشهداء، ثم اتّسِعَ فيه فأطلق على من سماه النبي ﷺ شهيدا من: المبطون، والغَرِق، والحَرِق، وصاحب الهدم، وذات الجَنْب، وغيرهم، وسمِّي شهيدا؛ لأنه حيّ لم يمت، كأنه شاهد حاضر؛ لأن أرواحَ الشهداء شهدت وحضرت دار السلام، وغيرهم لا يشهدونها إلا بعد التعب يوم القيامة. وقيل: سمِّي شهيدا؛ لأن الله وملائكته شهود له بالجنة. وقيل: لأن ملائكة

стр. 191

الرحمة تشهده، وقيل: لشهادته بالحق في أمر الله حتى قتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعده الله له من الكرامة بالقتل، وقيل: لأنه ممن يستشهد يوم القيامة مع النبي ﷺ على الناس، وذلك تخصيص لا يكون لكل أحد، وقيل غير ذلك (١). قلت: والظاهر والله أعلم أنه سمِّي لذلك كله. * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - الترغيب في طلب الشهادة في سبيل الله . ٢ - من أساليب الدعوة: تمني أفضل الأعمال. ٣ - من معجزات الرسول ﷺ : الإِخبار بالأمور الغيبية. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: الترغيب في طلب الشهادة في سبيل الله تعالى. في هذا الحديث ترغيب في طلب الشهادة في سبيل الله ؛ لما فيها من الكرامة والفوز بالدرجات العلى في الجنة؛ قال ابن بطال ﵀: " هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة، وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد؛ فلذلك عظم فيه الثواب " (٢). وقال النووي ﵀: " وهذا من صرائح الأدلة في عظيم فضل الشهادة، والله المحمود المشكور " (٣). فينبغي للداعية أن يعتني بأسلوب الترغيب في دعوته إلى الله ؛ لما له من الأثر العظيم في نفوس المدعوين (٤).

стр. 192

ثانيا: من أساليب الدعوة: تمني أفضل الأعمال: إن من أساليب الدعوة تمني أفضل الأعمال؛ للرغبة في الحصول على أعْلَى الدرجات وأعظم الثواب؛ ولهذا بين ﷺ في هذا الحديث أن الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة، قال العلامة ملا علي القاري ﵀: " وفيه إيماء إلى أنه لا يتمنى شيئا من شهوات الدنيا إلا الشهادة، وهي ليست منها فيكون من قبيل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم. . . " (١). وقد كان النبي ﷺ يتمنى الشهادة في سبيل الله بحضرة الصحابة، ﵃، ومن ذلك قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل» (٢). ولا شك أن الصحابة ﵃ طمعوا في فضل الله -تعالى - ورغبوا في الحصول على الشهادة؛ لسماعهم تمنيه ﷺ . وهذا يبين للداعية أن تمني أفضل الأعمال، ونقل تمنِّي أهل الصلاح إلى المدعوين مما يرَغِّب المدعوين في عمل الصالحات والرغبة فيها. ثالثا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالأمور الغيبية: إن من الدلائل على صدق الرسول ﷺ ما أخبر به من الأمور الغيبية، ومن ذلك ما أخبر به في هذا الحديث بقوله ﷺ : «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنَّى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة»، وهذا يؤكد أن النبي ﷺ أعلمه الله بذلك، ويكون كما أخبر ﷺ (٣).

стр. 193

٩ - باب منْ ينكب أوْ يطعَن فِي سبيل اللهِ [قوله في بعض المشاهد هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت] ٢٧ - [٢٨٠٢] حَدَّثَنَا موسَى بْن إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبو عَوانةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جندَب بْنِ سفيانَ (١) أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصبَعه فَقَالَ: «هَلْ أَنتِ إِلَّا إِصْبَع دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقيتِ» (٢). وفي رواية: " بينَمَا النبي ﷺ يَمْشِي إِذْ أَصَابَه حَجَر فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعه، فقال. . . " (٣). الحديث. * شرح غريب الحديث: * " المشاهِد ": المغازي، سميت بذلك؛ لأنها مكان الشهادة، وقيل. محضر الناس، ومجمعهم (٤). * " إصبع ": فيها عشر لغات: تثليث الهمزة، ومع كل حركة تثَلَّث الباء، واللغة العاشرة: أصبوع (٥). * " دميت " صفة للأصبع: أي ما أنت يا أصبع موصوفة بشيء إلا بأن دميتِ،

стр. 194

كأنها لما دميت خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة مسلّيا لها: أي تثبتي، فإنك ما ابتليتِ بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دَميت، ولم يكن ذلك أيضا هدرا، بل كان في سبيل الله - تعالى - ورضاه (١). * " عثر " المقصود هنا: أنه ﷺ عثر في مشيه: أصابه حجر فسقط وزلت به رجله ﷺ (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الصبر على المصائب. ٢ - من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب على الله . ٣ - من أساليب الدعوة: الرّجز والشعر الممدوح. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الصبر على المصائب. دل هذا الحديث على أن الداعية ينبغي له أن يصبر على ما أصابه؛ فإنه لو سلم أحد من المصائب لسلم رسول الله ﷺ ، فهو في هذا الحديث في غزوة من الغزوات وأصيب بحجر عثر فيه، ودميت أصبعه، فصبر ولم يجزع من تلك الدماء، فينبغي للداعية أن يقتدي برسول الله ﷺ ويصبر على ما أصابه قال الله - تعالى - في مدح المؤمنين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٥] (٣). وهذا يؤكد أهمية الصبر (٤).

стр. 195

ثانيا: من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب على الله : إن من الصفات الحميدة أن يحتسب الداعية ما يصيبه فيرجو بذلك ثواب الله ويطمع في فضله وإحسانه ؛ ولهذا احتسب إمام الدعاة ﷺ الثواب على ربه حينما أصيبت أصبعه فقال: «هل أنت إلا أصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ» فبين ﷺ أن ذلك لم يكن هدرا وإنما هو في سبيل الله ورضاه (١). فينبغي للداعية أن يحتسب كل ما يصيبه من المصائب والمتاعب والمشاق حتى يثاب على ذلك من الله تعالى؛ قال النبي ﷺ : «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» (٢). ثالثا: من أساليب الدعوة: الرَّجز والشعر الممدوح. من الأساليب الدعوية التي يجذب بها الداعية بعض المدعوّين: الرَّجز (٣). عند الحاجة إلى ذلك في بعض الأحيان مع بعض الفئات من الناس، ولكن لا يستعمل الداعية منه إلا ما فيه نفع وحث على الخير، وترغيب في الطاعات، وتخويف من المعاصي والسيئات؛ ولهذا قال ﷺ : " " (٤). والمعنى إن من الشعر: قولا صادقا، مطابقا للحق. فالشعر منه حسن ومنه قبيح فيأخذ الداعية الحسن ويدع القبيح (٥). والنبي ﷺ لم يكن شاعرا ولا ينبغي له ذلك؛ لقول الله : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] (٦). ولكن ما جاء

стр. 196

عنه إما أن يكون من باب الرجز، وإما أن يكون كلاما لغيره يتمثّل ببعضه، وإما أن يكون قال ذلك ولم يقصد الشعر ولم يعتنِ به، وإنما جاء على لسانه (١). واختار الإمام الطحاوي ﵀: أن ما حكِيَ عن النبي ﷺ من الكلام الذي ادعِيَ أنه شعر أو رجز: هو من الحكم التي في الشعر، فتكلم به على لسانه على أنه حكمة، والله يجري الحكمة على لسانه، لا أنه شعر أراده مما لا حكمة فيه (٢). فلا حرج على الداعية أن يستخدم أسلوب الرجز، أو الشعر الحسن في دعوته إلى الله تعالى.

стр. 197

١٢ - باب قول الله تعالى ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١). [حديث استشهاد أنس بن النضر] ٢٨ - [٢٨٠٥] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن سَعِيدٍ الخزَاعِيّ: حَدَّثَنَا عَبْد الأَعْلَى، عنْ حمَيْدٍ قَالَ: سَأَلْت أَنَسا، ح: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن زرَارَةَ: حَدَّثَنَا زِياد قال: حَدَّثَنِي حمَيْد الطَّوِيل عَنْ أَنَسٍ (٢) ﵁ قَالَ: «غَابَ عَمِّي أَنس بْن النَّضْرِ (٣) عَنْ قِتالِ بَدْرٍ: فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، غِبْت عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المشْرِكِينَ، لَئِنِ الله أَشْهَدَنِي قِتَالَ المشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ الله مَا أَصْنَع، فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحدٍ وانْكَشَفَ المسْلِمونَ قَالَ: اللَّهمَّ إِنِّي أَعْتَذِر إِليْكَ مَّا صَنَعَ هَؤلَاءِ- يَعْنِي أَصحابَه- وَأَبْرَأ إِليْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤلَاءِ: - يَعْنِي المشْرِكِينَ- ثمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَه سَعْد بْن معَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْد بْنَ معَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضرِ، إِني أَجِد رِيحَهَما مِنْ دونِ أحدٍ. قَالَ سَعْد: فَمَا اسْتَطَعْت يَا رَسولَ اللهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أنس: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعا وَثَمَانِينَ ضَرْبة بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنة بِرمْح، أَوْ رَمْيَة بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاه قَدْ قتِلَ وَقَدْ مثَّلَ بِهِ المشْرِكونَ، فَمَا عَرَفَه أَحد إِلَّا أخته بِبَنَانِهِ». قَالَ أَنس: كنَا نَرَى- أَوْ نَظنّ- أَن هَذِهِ الآية نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (٤) إِلَى آخرِ الآية " (٥).

стр. 198

وفي رواية: ". . «لَئِن أَشْهَدَنِي الله مع النَّبِيِّ ﷺ ؛ لَيَرَيَنَّ الله مَا أجِدّ، فَلَقِيَ يَوْمَ أحدٍ فَهزِمَ النَّاس، فقَالَ اللَّهمَّ إِنَي أَعْتَذِر إِليْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤلاءِ - يعني المسْلِمينَ- وَأَبْرَأ إِليْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ المشْرِكونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ معَاذٍ فَقَالَ: أَيْنَ يا سَعْد؛ إِنَي أَجِد رِيحَ الجَنَّة دونَ أحدٍ، فَمَضَى فَمَا عرِفَ حَتَّى عَرَفَتْه أخْته بِشَامَةٍ، أَوْ بِبَنانِهِ، وَبِهِ بضع وثَمَانونَ مِنْ طَعْنةٍ، وضَرْبَةٍ، وَرَمْيَةٍ بسَهْمٍ» (١). * شرح غريب الحديث: * " لَيَرَينَّ الله مَا أجِدّ " أي ما أجتهد (٢). * " وانكشف المسلمون " أي انهزموا (٣). * " ببنانه " البنان: الأصابع، وقيل: أطرافها (٤). * " أخته " أي أخت أنس بن النضر، وهي: الربيع بنت النضر، عمة أنس بن مالك ﵃ (٥). * " بشامة " الشامة: الخال في الجسد (٦). * " بضعا وثمانين ضربة " البضع في العدد بالكسر، وقد يفتح: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما بين الواحد إلى العشرة؛ لأنه قطعة من العدد (٧). * " نحبه " النحب النذر، كأنه ألزم نفسه أن يصدق الله في قتال أعداء الله فوَفَى به، وقيل: النحب الموت، كأنه يلزم نفسه أن يقاتل حتى يموت (٨).

стр. 199

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: بذل النفس والتضحية في سبيل الله . ٢ - من صفات الداعية: الوفاء بالعهد. ٣ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله . ٤ - من صفات الداعية: صحة الإِيمان وقوة اليقين. ٥ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٦ - من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق. ٧ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٨ - من أساليب الدعوة: القصة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: بذل النفس والتضحية في سبيل الله : إن بذل النفس والتضحية في سبيل اللِّه - تعالى - من صفات الداعية، وقد دل الحديث على هذه الصفة الحميدة: من تضحية أنس بن النضر ﵁ بنفسه في سبيل الله حتى وجد فيه أكثر من ثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وهذا كله يدل على بذله نفسه لله ؛ ولهذا قال سعد بن معاذ ﵁: " فما استطعت يا رسول الله ما صنع ". قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه جواز بذل المرء نفسه في طلب الشهادة " (١). فينبغي للداعية أن يضحي بكل ما يملك في خدمة الإسلام ونصرته، وفي كل ما يحبه الله -ويرضاه. ثانيا: من صفات الداعية: الوفاء بالعهد. إن الوفاء بالعهد من أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ وقد

стр. 200

قال الله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١). وفي هذا الحديث قال أنس بن النضر ﵁: " لئن أشهدني الله قتال المشركين ليريَنَّ الله ما أصنع " وقد وفى بما عاهد الله عليه حتى اشتهر ذلك عند الصحابة ﵃؛ ولهذا قال أنس بن مالك ﵁: " كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ": ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد: جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها " (٢). فينبغي للداعية أن يعتني بعهده؛ فإن ذلك من أعظم صفات الداعية الصادق. ثالثا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله : لا ريب أن من رجا شيئا طمع فيه وطلبه ورغب فيه (٣). وقد دل هذا الحديث على أن الرغبة فيما عند الله تعالى والطمع في رضاه من صفات الداعية، وذلك في قول أنس بن النضر ﵁: " يا سعد بن معاذ: الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد " (٤). ثم تقدم فقاتل حتى قتل، وما ذلك إلا لرغبته فيما عند الله . فينبغي للداعية أن يرغب فيما عند الله، سبحانه تعالى، ويطمع في رضاه، قال الله : ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦] (٥) وهذا يوضح أهمية الرغبة فيما عند الله (٦).

стр. 201

رابعا: من صفات الداعية: صحة الإيمان وقوة اليقين: دل الحديث على أن صحة الإِيمان وقوة اليقين من أهم صفات الداعية؛ ولهذا بذل أنس بن النضر روحه وجسده في سبيل الله، ، وأيقن بأن الله يثيبه على عمله المبارك. ولا شك أن اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد (١). قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (٢)؛ ولهذه الأهمية قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر ﵁ وما كان عليه من صحة الإِيمان، وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين " (٣). فينبغي للداعية إلى الله - تعالى - أن يتصف بهذه الصفة العظيمة؛ لأن اليقين في الحقيقة: قبول دين الله كما جاء به النبي ﷺ والإيمان بالغيب الذي أخبر به الله، ، وأخبر به رسوله ﷺ ، إيمانا صادقا، لا يدخل القلب فيه شبهة ولا شك ولا تناس ولا غفلة (٤). ولهذه المكانة العظيمة بين النبي ﷺ أن أعظم ما أعطي العبد: هو اليقين فقال: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية» (٥). خامسا: من صفات الداعية: الشجاعة: من الصفات الحميدة التي دل عليها هذا الحديث الشجاعة، فقد ظهرت شجاعة أنس بن النضر، ﵁، وذلك بإقدامه في معركة أحد، وقتاله العظيم

стр. 202

حتى ضحى بنفسه التي هي أغلى ما يملك بعد الإِيمان، وذلك لشجاعته القلبية التي حملته على ما صنع ﵁ (١). فينبغي للداعية أن يتصف بالشجاعة القلبية، والعقلية، فيصبر في ساحات الجهاد؛ لأن الشجاعة في الحقيقة: هي ضبط النفس عن مثيرات الخوف، حتى لا يجبن الإِنسان في المواضع التي تحسن فيها الشجاعة، ويقبح فيها الجبن، قال ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفي الحديث جواز الأخذ بالشدة في الجهاد " (٢). سادسا: من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق: يظهر في هذا الحديث صبر أنس بن النضر، ﵁، وإقدامه ومثابرته في قتال المشركين، وهذا يبين للدعاة وغيرهم من المسلمين أن صفة الصبر خلق فاضل من أخلاق النفس، تمنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها (٣). فينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة التي تمكنه من ضبط نفسه؛ لتحمل المتاعب والمشاق في سبيل الدعوة إلى الله ؛ ولهذا أمر الله به الرسول ﷺ ، فقال : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (٤) وقال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٥) أسأل الله العفو والعافية لي ولجميع المسلمين (٦). سابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أن أسلوب الترغيب مهم في الدعوة إلى الله ؛

стр. 203

لأنه يجذب القلوب إلى فعل الخير؛ ولهذا استشهد أنس بن مالك ﵁ بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١). وهذا يرغب في الوفاء بالعهد والثبات عليه، ويبين للدعاة أهمية استخدام هذا الأسلوب في الدعوة إلى الله (٢). ثامنا: من أساليب الدعوة: القصة: القصص: هو الخبر المقصوص، وهو بمعنى تتبع الأثر، فقيل القاص يقص القصص؛ لإِتبَاعه خبرا بعد خبر، وسوقه الكلام سوقا (٣). ولا شك أن القصص من أساليب الدعوة التي تؤثر في نفوس المدعوين، وقد دل هذا الحديث على أهمية القصص في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن من سمع حديث أنس بن مالك عن قصة عمه أنس بن النضر أثر ذلك في نفسه، وصور له واقع ما فعله ﵁ من التضحية والمثابرة الجادة الصادقة؛ ولهذا التأثير العظيم ذكر الله في القرآن الكريم قصصا كثيرة، وذكر النبي ﷺ قصصا في سنته (٤). وبين الله أن في القصص عبرا وعظات، قال : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] (٥). فينبغي للداعية أن يعتني بالقصص من الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة، ويبينه للناس حتى يحصل التأثير والقبول بإذن الله (٦).

стр. 204

[حديث أمر أبي بكر زيد بن ثابت بنسخ المصحف] ٢٩ - [٢٨٠٧] حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شعيب، عنِ الزهريِّ حِ، وحَدَثَنَا إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سلَيْمَانَ، أرَاه عَنْ محَمَّدِ بنِ أِبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، ﵁، (١). قَال: " نَسَخْت الصّحفَ فِي المَصَاحِفِ فَفَقَدْت آية مِنْ سورِةِ الأَحْزَابِ كنْت أَسْمَع رَسولَ اللهِ ﷺ يقْرَأ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلّا مَعَ خزَيْمةَ بْنِ ثَابتٍ (٢). الأنصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسول اللهِ ﷺ شَهَادَتَه شَهَادَةَ رَجلَينِ، وَهَو قوله: (٣)

стр. 205

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١). وفي رواية: " فَألحَقْنَاها في سورَتهَا فيِ المصْحَفِ " (٢). وفي رواية: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: " أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَة وَعِنْدَه عمَر بن الخطاب ﵁، فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: إِنَّ عمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقرّاءِ القرْانِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنِ اسْتَحَرَّ القَتْل بِالقرَّاءِ بِالمَوَاطِن فَيَذْهَب كَثِيْر مِنِ القرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمرَ بجَمْع القرْانِ. قَالَ أَبو بَكْرٍ: قلْت لِعمَرَ: كَيْفَ تَفْعَل شيئا لَمْ يَفْعَلْه رَسول اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عمر: هَذَا وَاللهِ خَيْر. فَلَمْ يَزَلْ عمَر يرَاجِعنِي حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْت فِي ذَلِكَ الذِي رَأَى عمَر. قَالَ زَيْد: وَعمَر عِنْدَه جَالِس لاَ يَتكَلَّم - فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: إٍنكَ رَجل: شَابّ عَاقِل، وَلاَ نَتَّهمكَ، وَكنْتَ تَكْتب الوَحْيَ لِرَسولِ اللهِ ﷺ فتَتبّع القرْآنَ فَاجْمَعْه. فَوَاللهِ لَوْ كلّفوني نَقْلَ جَبَلٍ مِن الجبَالِ مَا كَان أَثْقَلَ عَليَّ مِمّا أَمَرَني بهِ مِنْ جَمْعِ القرآنِ. قلْت: كَيْفَ تَفْعَلانِ شيئا لَمْ يَفْعَلْه رَسول اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ أبو بَكْرٍ: هوَ واللهِ خَيْر. فَلَمْ أَزَلْ أرِاجِعه حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَه صَدْرَ أَبِي بكْرٍ وَعمَرَ ﵄. فقمْت فَتَتبّعْت القرْآنَ أَجْمَعه: مِنِ الرقَّاعِ، وَالأَكْتَافِ، وَالعسبِ [واللِّخَافِ]، وَصدورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْت آخِرَ سورةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خزَيْمَةَ الأنصَارِي. . " (٣). وفي رواية: " حَتَّى وَجَدْت مِنْ سورَةِ التَّوبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خزَيمةَ الأنصَارِي (٤) لَمْ

стр. 206

أَجِدْهمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِه (١). ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٢) إِلى آخِرِهَا ". وَكَانَتْ الصّحف الَّتِي جمعَ فِيْهَا الْقرْآن عِنْدَ أَبِي بَكر حتى تَوَفَّاه الله، ثمَّ عِنْدَ عمَرَ حَتَّى تَوَفَّاه الله، ثمَ عند حَفْصَةَ بِنْتِ عمَرَ [﵃] (٣). * شرح غريب الحديث: * " استحرَّ ": كثر واشتدَّ؛ لأن المكروه غالبا يضاف إلى الحر، كما أن المحبوب يضاف إلى البرد، يقولون: أسخن الله عينه، وأقرَّ الله عينه (٤). * " انشراح الصدر " سعته، وانفساحه، وتقبله للخير (٥). * " العسب " جمع عسيب: وهو جريد النخل (٦). * " الأكتاف " الكتف عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان كانوا يكتبون عليه لقلة القراطيس عندهم (٧). * " اللخاف " حجارة بيض رقاق، واحدتها لخفة، وقيل: هي الخزف (٨). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 207

١ - من صفات الداعية الفطنة والذكاء. ٢ - أهمية تقييد العلم وضبطه بالكتابة. ٣ - من صفات الداعية: العقل السليم، والنشاط، والأمانة، والخبرة. ٤ - حرص الصحابة ﵃ على العناية بالقرآن الكريم. ٥ - حرص الصحابة ﵃ على الاقتداء برسول الله ﷺ . ٦ - من أساليب الدعوة: الحوار. ٧ - أهمية اختيار الداعية الصالح للأمور المهمة. ٨ - حرص السلف الصالح على الدقة في ضبط الرواية. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الفطنة والذكاء: جعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بن ثابت ﵁ شهادة رجلين؛ لِمَا رأى فيه من الفطنة والذكاء، وسبب ذلك أن «النبي ﷺ اشترى فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق (١). رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي ﷺ حين سمع كلام الأعرابي فقال: " أوليس قد ابتعته منك؟ " فقال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه، فقال النبي ﷺ : " بلى قد ابتَعته منك " فطفق الأعرابي يقول: هَلمَّ شَهِيدا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: " بِمَ تَشْهَد؟ " فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين» (٢).

стр. 208

قال ابن حجر ﵀ في فوائد حديث زيد بن ثابت ﵁: " وفيه فضيلة الفطنة في الأمور، وأنها ترفع منزلة صاحبها؛ لأن السبب الذي أبداه خزيمة حاصل في نفس الأمر يعرفه غيره من الصحابة، وإنما هو؛ لِمَا اختص بِتَفَطنِهِ لما غفل عنه غيره مع وضوحه، وجوزِيَ على ذلك بأن خصَّ بفضيلة من شَهدَ له خزيمة أو عليه " (١). وهذا يبين أهمية الفطنة والذكاء وأن الداعية ينبغي له أن يكون فطنا ذكيا، ويسأل الله أن يوفقه لذلك. ثانيا: أهمية تقييد العلم وضبطه بالكتابة: ظهر في هذا الحديث أهمية ضبط العلم بالكتابة؛ ولهذا ظهرت فائدة ضبط خزيمة بن ثابت ﵁ آية الأحزاب بالكتابة فوجدها زيد بن ثابت عنده مكتوبة ولم يجدها عند غيره؛ ولهذه الأهمية أمر أبو بكر بجمع القرآن وكتابته في الصحف، ووافقه عمر، وزيد، ﵃، فنفع الله بذلك أمة محمد ﷺ ؛ وقد اعتنى الصحابة، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم بإحسان، بضبط العلم بالكتابة، وأوصوا بذلك، فعن خالد بن خداش قال: وَدَّعْت أنس بن مالك فقلت يا أبا عبد الله أوصني. فقال: " عليك بتقوى الله في السر والعلانية، والنصح لكل مسلم، وكتابة العلم من عند أهله " (٢). وعن سليمان بن موسى قال: " يجلس إلى العالم ثلاثة: رجل يأخذ كل ما يسمع فذلك حاطب ليل، ورجل لا يكتب ويسمع فيقال له: جليس العالم، ورجل ينتقي وهو خيرهم [وذلك العالم] " (٣). وقال الخليل بن أحمد: " ما سمعت شيئا إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته إلا نفعني " (٤). فينبغي للداعية إلى الله أن يحرص على كتابة العلم عن أهله، ومراجعته

стр. 209

حتى يحفظه ويعمل به؛ لأن الجمع بين الكتابة والحفظ من تمام الضبط، والعلم صيد فليقيد بالكتابة. ثالثا: من صفات الداعية: العقل السليم، والنشاط، والأمانة، والخبرة: دل الحديث على هذه الصفات الأربع، لقول أبي بكر - بحضرة عمر - لزيد بن ثابت ﵃: " إنك رجل شاب، عاقل، ولا نتهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ " وهذه الصفات بشيء مْن التفصيل على النحو الآتي: ١ - العقل السليم: قال العلامة الأصفهاني ﵀: " العقل يقال للقوة المتهيِّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإِنسان بتلك القوة: عقل. . . " (١). ثم بَيَّنَ ﵀ أن كل موضع في القرآن الكريم رفع فيه التكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأول، وأن الثاني هو المعني بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] (٢). فاتضح أن العقل السليم: هو المتصف بالعلم النافع والعمل الصالح (٣). وقد جاء في كلام العلامة القسطلاني على قول أبي بكر ﵁ لزيد: " إنك. . . عاقل ولا نتهمك " قوله ﵀: " فيه تمام معرفته، وغزارة علمه، وشدة تحقيقه، وتمكنه من هذا الشأن " (٤). وهذا يبيِّن للداعية أهمية الاتصاف بالعقل السليم؛ ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن زيد بن ثابت ﵁: " لو لم تثبت أمانته وكفايته، وعقله، لما استكتبه النبي ﷺ الوحي، وإنما وصفه بالعقل وعدم الاتهام دون ما عداهما إشارة إلى استمرار ذلك له، وإلا فمجرد قوله " لا نتهمك " مع قوله " عاقل " لا يكفي في ثبوت الكفاية والأمانة، فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة " (٥).

стр. 210

٢ - النشاط: ظهر في الحديث أن النشاط صفة من صفات الداعية؛ ولهذا بين العلامة القسطلاني ﵀ في شرحه لقوله: " إنك رجل شاب " قال في ذلك: " إشارة إلى نشاطه وقوته فيما يطلب منه، وبعده عن النسيان، وحدة نظره، وضبطه وإتقانه " (١). وهذا يوضح للداعية أهمية النشاط وعدم الكسل، وأن يستعين بالله - تعالى -ولا يعجز ولا يكسل (٢). ٣ - الأمانة: يظهر في الحديث أن الأمانة صفة من صفات الداعية؛ قال العلامة العيني ﵀ على قوله: " ولا نتهمك وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ": " وكتابة الوحي تدل على أمانته الغاية، وكيف وكان من فضلاء الصحابة ومن أصحاب الفتوى " (٣). وقال العلامة القسطلاني ﵀: " ولا نتهمك ": " بكذب ولا نسيان، والذي لا يتهم تركن النفس إليه " (٤). وهذا يبين أن الأمانة صفة لابد منها للداعية إلى الله قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] (٥). ٤ - الخبرة: دل الحديث على أن الخبرة والممارسة صفة من صفات الداعية؛ ولهذا قال أبو بكر ﵁ لزيد بن ثابت ﵁: " وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ " قال القسطلاني ﵀: " فهو أكثر ممارسة له من غيره " (٦). ولا شك أن الخبرة والتجارب تعين الداعية إلى الله، ، وبها يعرف أحوال الناس، فيدعو إلى الله على بصيرة. وهذه الصفات الأربع المتقدمة آنفا من أعظم صفات الدعاة إلى الله ؛

стр. 211

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى - في وصف أبي بكر لزيد بن ثابت ﵄: " ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شابا فيكون أنشط لما طلب منه، وكونه عاقلا فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه كان يكتب الوحي فيكون أكثر ممارسة له. وهذه الصفات التي اجتمعت له قد تكون في غيره، لكن مفرقة " (١). فينبغي للداعية أن يكون عاقلا، نشيطا، أمينا، مجربا عارفا بالأمور على وجهها. والله المستعان. رابعا: حرص الصحابة ﵃ على العناية بالقرآن الكريم: لا شك أن الله قد تكفل بحفظ القرآن الكريم، بقوله تعالى (: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢) وقال : ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (٣) ومن حفظ الله له أن قيَّض له من يعتني به. وقد دل هذا الحديث على عناية الصحابة ﵃ بالقرآن الكريم، والقرآن الكريم كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله ﷺ ، وقد روى البخاري - رحمه الله تعالى - عن أنس ﵁ قال: " جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد " (٤). وقد كان لهؤلاء شركاء من الصحابة ﵃ يحفظونه كله، ولكن هؤلاء أشد اشتهارا به، وأكثر تجريدا للعناية بقراءته، ثم جمِعَ القرآن الكريم في المصحف بإتقان من أبي بكر وعمر وهما من الخلفاء الراشدين المأمور بالاقتداء بهم، ووافقهما عثمان، وزيد بن ثابت كاتب الوحي، ثم اتفق الملأ من الصحابة ﵃ أجمعين على أن ما بين الدفتين قرآن منزل على رسول الله ﷺ لم يختلفوا في شيء منه (٥).

стр. 212

فينبغي للدعاة إلى الله العناية بالقرآن الكريم: تَعلما، وحفظا، وتدبرا، وعملا، ودعوة إليه. خامسا: حرص الصحابة ﵃ علي الاقتداء برسول الله ﷺ : دل هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على الاقتداء برسول الله ﷺ ؛ ولهذا قال أبو بكر لعمر ﵄ حينما طلب منه أن يجمع القرآن: " كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ " وقال هذه الكلمة زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر ﵃: " كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ ". وهذا يدل على أن الاقتداء برسول الله ﷺ صفة عظيمة من صفات الصحابة. وينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة ويحرص عليها أشد الحرص؛ قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (١). سادسا: من أساليب الدعوة: الحوار: لا شك أن الحديث دل على أسلوب الحوار، وذلك لما حصل بين أبي بكر وعمر، ثم زيد بن ثابت ﵃ من الحوار الهادئ، في مسألة جمع القرآن الكريم، ثم اتفقوا بعد هذا الحوار على جمع القرآن الكريم، والحوار في الحقيقة هو مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين (٢). وقد جاء في كتاب الله في مواضع منها قو له : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (٣) فعلى هذا يكون الحوار أسلوبا نافعا من أساليب الدعوة إلى الله . فينبغي للداعية إلى الله أن يعتني بهذا الأسلوب، ويراعي آدابه وشروطه حتى يكون على بصيرة من أمره. والله المستعان (٤).

стр. 213

سابعا: أهمية اختيار الداعية الصالح للأمور المهمة: إن من الأمور المهمة التي ينبغي العناية بها أن يختار الإمام أو نائبه الداعية الصالح للأمور المهمة؛ لأن أبا بكر ﵁ اختار زيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم؛ لما علم من قوته، وعلمه، وخبرته، ونشاطه لهذا الأمر العظيم؛ ولهذا قال أبو بكر ﵁ لزيد ﵁: " إنك رجل، شاب، عاقل، ولا نتهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه "، وهذه الصفات الكريمة جعلت أبا بكر يختار زيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم (١). ثامنا: حرص السلف الصالح على الدقة في ضبط الرواية: إن من الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة، الحرص على الدقة في ضبط الرواية؛ ولهذه الأهمية اعتنى السلف الصالح ﵃ بذلك عناية فائقة، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن الصحابة ﵃ اعتنوا بتتبع القرآن من أفواه الرجال، ومن النظر في المكتوب في الصحف حتى يوافق ما حفظ ما كتب فبذلك يحصل اليقين الذي لا يتطرق إليه شك بوجه من الوجوه أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ . فينبغي الاقتداء بالسلف الصالح في الحرص على الدقة في ضبط الرواية (٢). والله المستعان (٣).

стр. 214

١٣ - بَاب: عَمل صالح قَبْلَ القِتَال وَقَالَ أَبو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تقَاتِلونَ بِأَعْمَالِكمْ، وَقَوْله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ - إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢ - ٤] (١). [حديث عمل قليلا وأجر كثيرا] ٣٠ - [٢٨٠٨] حَدَّثَنِي محَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحِيمِ: حَدَّثَنَا شَبَابَة بْن سَوَّارٍ الفَزَارِيّ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْت الْبَراءَ ﵁ (٢). يَقول: «أتى النَّبِيَّ ﷺ رَجل (٣). مقَنَّع بِالحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، أقَاتِل وأسلِم؟ (٤). قَالَ: " أَسْلِمْ ثمَّ قَاتِلْ "، فَأَسْلَمَ ثَمَّ قَاتَلَ فَقتِلَ. فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ : " عَمِلَ قَلِيلا وَأجِرَ كَثيرا» (٥). * شرح غريب الحديث: * " مقنع بالحديد ": هو المتَغطِّي بالسلاح، ويقال: تقنّع بثوبه: أي تَغَطَّى به، وقيل: هو الذي على رأسه بيضة، وهي الخوذة؛ لأن الرأس موضع القناع (٦).

стр. 215

الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة. ٢ - أهمية المبادرة والمسارعة إلى الخير. ٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٤ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. ٥ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة: دل قوله ﷺ في هذا الحديث: " عمل قليلا وأجر كثيرا " على أن النية الصالحة أعظم الصفات الحميدة، وأن الإنسان يثاب على العمل القليل الثواب العظيم الكثير بهذه النية؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " وفي هذا الحديث أن الأجر الكثير قد يحصل بالعمل اليسير، فضلا من الله وإحسانا " (١). وقال العلامة العيني ﵀: ". . . فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه، وإن كان عملا قليلا؛ لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنا طول حياته، فنفعته نيته، وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار؛ لأنه انضاف إلى كفره اعتقاد أنه يكون كافرا طول حياته؛ لأن الأعمال بالنيات " (٢). وهذا يبيِّن للداعية وغيره من المسلمين أهمية النية الصالحة الخالصة لله (٣).
следующие страницы →