← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى - في وصف أبي بكر لزيد بن ثابت ﵄: " ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شابا فيكون أنشط لما طلب منه، وكونه عاقلا فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه كان يكتب الوحي فيكون أكثر ممارسة له. وهذه الصفات التي اجتمعت له قد تكون في غيره، لكن مفرقة " (١). فينبغي للداعية أن يكون عاقلا، نشيطا، أمينا، مجربا عارفا بالأمور على وجهها. والله المستعان. رابعا: حرص الصحابة ﵃ على العناية بالقرآن الكريم: لا شك أن الله قد تكفل بحفظ القرآن الكريم، بقوله تعالى (: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢) وقال : ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (٣) ومن حفظ الله له أن قيَّض له من يعتني به. وقد دل هذا الحديث على عناية الصحابة ﵃ بالقرآن الكريم، والقرآن الكريم كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله ﷺ ، وقد روى البخاري - رحمه الله تعالى - عن أنس ﵁ قال: " جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد " (٤). وقد كان لهؤلاء شركاء من الصحابة ﵃ يحفظونه كله، ولكن هؤلاء أشد اشتهارا به، وأكثر تجريدا للعناية بقراءته، ثم جمِعَ القرآن الكريم في المصحف بإتقان من أبي بكر وعمر وهما من الخلفاء الراشدين المأمور بالاقتداء بهم، ووافقهما عثمان، وزيد بن ثابت كاتب الوحي، ثم اتفق الملأ من الصحابة ﵃ أجمعين على أن ما بين الدفتين قرآن منزل على رسول الله ﷺ لم يختلفوا في شيء منه (٥).

стр. 212

فينبغي للدعاة إلى الله العناية بالقرآن الكريم: تَعلما، وحفظا، وتدبرا، وعملا، ودعوة إليه. خامسا: حرص الصحابة ﵃ علي الاقتداء برسول الله ﷺ : دل هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على الاقتداء برسول الله ﷺ ؛ ولهذا قال أبو بكر لعمر ﵄ حينما طلب منه أن يجمع القرآن: " كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ " وقال هذه الكلمة زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر ﵃: " كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ ". وهذا يدل على أن الاقتداء برسول الله ﷺ صفة عظيمة من صفات الصحابة. وينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة ويحرص عليها أشد الحرص؛ قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (١). سادسا: من أساليب الدعوة: الحوار: لا شك أن الحديث دل على أسلوب الحوار، وذلك لما حصل بين أبي بكر وعمر، ثم زيد بن ثابت ﵃ من الحوار الهادئ، في مسألة جمع القرآن الكريم، ثم اتفقوا بعد هذا الحوار على جمع القرآن الكريم، والحوار في الحقيقة هو مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين (٢). وقد جاء في كتاب الله في مواضع منها قو له : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (٣) فعلى هذا يكون الحوار أسلوبا نافعا من أساليب الدعوة إلى الله . فينبغي للداعية إلى الله أن يعتني بهذا الأسلوب، ويراعي آدابه وشروطه حتى يكون على بصيرة من أمره. والله المستعان (٤).

стр. 213

سابعا: أهمية اختيار الداعية الصالح للأمور المهمة: إن من الأمور المهمة التي ينبغي العناية بها أن يختار الإمام أو نائبه الداعية الصالح للأمور المهمة؛ لأن أبا بكر ﵁ اختار زيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم؛ لما علم من قوته، وعلمه، وخبرته، ونشاطه لهذا الأمر العظيم؛ ولهذا قال أبو بكر ﵁ لزيد ﵁: " إنك رجل، شاب، عاقل، ولا نتهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه "، وهذه الصفات الكريمة جعلت أبا بكر يختار زيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم (١). ثامنا: حرص السلف الصالح على الدقة في ضبط الرواية: إن من الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة، الحرص على الدقة في ضبط الرواية؛ ولهذه الأهمية اعتنى السلف الصالح ﵃ بذلك عناية فائقة، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن الصحابة ﵃ اعتنوا بتتبع القرآن من أفواه الرجال، ومن النظر في المكتوب في الصحف حتى يوافق ما حفظ ما كتب فبذلك يحصل اليقين الذي لا يتطرق إليه شك بوجه من الوجوه أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ . فينبغي الاقتداء بالسلف الصالح في الحرص على الدقة في ضبط الرواية (٢). والله المستعان (٣).

стр. 214

١٣ - بَاب: عَمل صالح قَبْلَ القِتَال وَقَالَ أَبو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تقَاتِلونَ بِأَعْمَالِكمْ، وَقَوْله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ - إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢ - ٤] (١). [حديث عمل قليلا وأجر كثيرا] ٣٠ - [٢٨٠٨] حَدَّثَنِي محَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحِيمِ: حَدَّثَنَا شَبَابَة بْن سَوَّارٍ الفَزَارِيّ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْت الْبَراءَ ﵁ (٢). يَقول: «أتى النَّبِيَّ ﷺ رَجل (٣). مقَنَّع بِالحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، أقَاتِل وأسلِم؟ (٤). قَالَ: " أَسْلِمْ ثمَّ قَاتِلْ "، فَأَسْلَمَ ثَمَّ قَاتَلَ فَقتِلَ. فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ : " عَمِلَ قَلِيلا وَأجِرَ كَثيرا» (٥). * شرح غريب الحديث: * " مقنع بالحديد ": هو المتَغطِّي بالسلاح، ويقال: تقنّع بثوبه: أي تَغَطَّى به، وقيل: هو الذي على رأسه بيضة، وهي الخوذة؛ لأن الرأس موضع القناع (٦).

стр. 215

الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة. ٢ - أهمية المبادرة والمسارعة إلى الخير. ٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٤ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. ٥ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: استصحاب النية الصالحة: دل قوله ﷺ في هذا الحديث: " عمل قليلا وأجر كثيرا " على أن النية الصالحة أعظم الصفات الحميدة، وأن الإنسان يثاب على العمل القليل الثواب العظيم الكثير بهذه النية؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " وفي هذا الحديث أن الأجر الكثير قد يحصل بالعمل اليسير، فضلا من الله وإحسانا " (١). وقال العلامة العيني ﵀: ". . . فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه، وإن كان عملا قليلا؛ لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنا طول حياته، فنفعته نيته، وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار؛ لأنه انضاف إلى كفره اعتقاد أنه يكون كافرا طول حياته؛ لأن الأعمال بالنيات " (٢). وهذا يبيِّن للداعية وغيره من المسلمين أهمية النية الصالحة الخالصة لله (٣).

стр. 216

ثانيا: أهمية المبادرة والمسارعة على الخير. دل هذا الحديث على المسارعة إلى الخير، قال الإمام النووي ﵀: " وفيه المبادرة إلى الخير " (١). والمسارعة والمبادرة إلى الخير من الأعمال الصالحة التي يبادر إليها أهل الإيمان وخاصة الدعاة إلى الله، ، وقد أمر الله بالمسارعة إلى الخير فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (٢) وقال ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] (٣). وقد مدح الله السابقين إلى الخيرات، وعظم شأنهم فقال أثناء ذكره لصفات المؤمنين الكمَّل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١] (٤). وقال : ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] (٥). وقال في الثناء على زكريا وأهله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٦). وهذا يبين للداعية إلى الله وغيره من المسلمين أهمية المبادرة إلى الخيرات والمسابقة إليها والمسارعة (٧). ثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: في هذا الحديث الترغيب في النية الصالحة، وأن العمل القليل الخالص

стр. 217

لله يكون كثيرا في الثواب والجزاء؛ ولهذا قال النبي ﷺ لهذا الرجل الذي لم يصلِّ لله ركعة واحدة، وإنما أسلم فقاتل فقتل: «عمل قليلا وأجر كثيرا» وفي هذا الحديث الترغيب في الجهاد، وأن من قتل في سبيل الله لإِعلاء كلمته فله الجنة؛ «وقد قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: " في الجنة " فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل» (١). قال الإمام النووي ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه ثبوت الجنة للشهيد " (٢). فينبغي للداعية إلى الله أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته إلى الله (٣). رابعا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: دل الحديث على أهمية السؤال عن العلم؛ لأن هذا الرجل عندما أشكل عليه هل يسلم قبل أن يقاتل أو يقاتل ثم يسلم؟ فسأل الرسول ﷺ فبيَّن له النبي ﷺ بقوله: «أسلم ثم قاتل» وهذا يوضح أهمية السؤال عن العلم، وما لا يفهمه الإِنسان؛ ولأهمية السؤال عن العلم قال ابن شهاب ﵀: " العلم خزائن ومفاتيحها السؤال " (٤). وكان الأصمعي ﵀ ينشد: شفاء العمى طول السؤال وإنما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل (٥) وقال آخر: إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي ... يسائل من يدري فكيف إذن تدري ؟ (٦). وقال وهب بن منبه وسليمان بن يسار رحمهما الله: " حسن المسألة نصف العلم " (٧). وقال علي بن أبي طالب ﵁: " لا يخاف العبد إلا ذنبه، ولا يرجو

стр. 218

إلا ربه، ولا يستحي جاهل أن يسأل، ولا يستحي عالم إن لم يعلم أن يقول: الله أعلم " (١). وهذا يبين أهمية السؤال عن العلم والعناية بذلك (٢). خامسا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: في هذا الحديث أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وذلك أن هذا الرجل تقنع بالحديد، وجاء إلى النبي ﷺ ، وأقره على ذلك، ولا شك أن التوكل يقوم على ركنين: اعتماد القلب على الله، ، والعمل بالأسباب المشروعة. يقال: وكلت أمري إلى الله: ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه (٣). وقد بين ابن القيم ﵀ أن من نفى الأسباب لا يستقيم له توكل؛ لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول المدعو به، فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بالأسباب، فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته، وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية، والله أعلم (٤). فينبغي للداعية وغيره من المسلمين أن يتوكل على الله ويعمل بالأسباب التي شرعها الله ؛ قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] (٥) وقال : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨] (٦)

стр. 219

وقال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] (١) وقال ﷺ : «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا» (٢). وعن أنس ﵁ قال: «قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: " اعقلها وتوكل» (٣).

стр. 220

١٤ - باب من أتاه سهم غرب فقتله [حديث يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى] ٣١ - [٢٨٠٩] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن عَبْد اللهِ: حَدَّثَنَا حسَيْن بْن محَمَّدٍ أَبو أحمَدَ: حَدَّثَنَا شَيْبَان، عن قَتَادَةَ: حَدَّثَنَا أنس بْن مَالِكٍ (١) «أَنَّ أمَّ الرّبيَّعِ بِنْتَ البَرَاء (٢). وهي أمّ حَارثة بن سراقة (٣). أتت النبي ﷺ فَقَالت: يَا نَبِيَّ اللهِ أَلَا تحَدّثنِي عَنْ حَارِثَةَ - وَكَانَ قتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَه سَهْم غَرب- فَإِن كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْت وإِنْ كَانَ غَيرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْت عَلَيْهِ فِي البكَاءِ، قَالَ: " يَا أمَّ حَارِثةَ إِنَّهَا جِنَان فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلى» (٤). وفي رواية: «فَإِنْ يَكنْ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ وأحتسب، وَإِنْ تَكنِ الأخْرَى تَرَى مَا أَصْنَع؟ قَالَ: " وَيْحَكِ أَوَ هَبِلْتِ؟ أَوَ جَنَّة وَاحِدَة هِيَ؟ إِنَّها جِنَان كَثيرَة وَإِنَّه فِي جَنَّةِ الفِردوْس» (٥). * شرح غريب الحديث: * " سَهْم غرب " وهو الذي لا يدْرَى مَنْ رَمَى به ويقال: بالإِضافة " سَهْم

стр. 221

غَرْب " وقيل: هو بالسكون إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح " سَهْم غَرَب " إذا رماه فأصاب غيره (١). * " ويحك " كلمة تَرحّمٍ وتَوَجعٍ، تقال: لمن وقع في هلكة لا يستحقها، فيرثى له، ويتحزّن عليه " بويح " (٢). * " أَوَ هَبِلتِ " والمعنى أفقدتِ عقلكِ بفقد ابنكِ حتى جعلتِ الجنان جنة واحدة (٣). * " الفردوس ": هو البستان الذي فيه العنب والأشجار، ويجمع كل شيء من ثمار البساتين، والجمع فراديس، وفيه جنة الفردوس (٤). * " الجنة ": دار النعيم في الدار الآخرة، من الاجتنان: وهو الستر، لتكاثف أشجارها، وتظليلها بالتفاف أغصانها، وسميت بالجنة: وهي المرة الواحدة من مصدر جَنَّه جَنّا: إذا ستره، فكأنها سَتْرَة واحدة؟ لشدة التفافها وإظلالها (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. ٢ - من صفات الداعية: الصبر. ٣ - من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب. ٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٥ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري. ٦ - أهمية الخوف من عذاب الله .

стр. 222

٧ - من أصناف المدعوين النساء. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: في هذا الحديث سؤال أم الربيع للنبي ﷺ عن ابنها حارثة وإجابة النبي ﷺ لها بما يسرها. وهذا يبين أهمية سؤال أهل العلم عن كل ما يشكل على الإِنسان حتى يكون على بصيرة من أمره (١). ثانيا: من صفات الداعية: الصبر: دل الحديث على أن الصبر من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الدعاة إلى الله قال الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] (٢) وقد بينت أم الربيع للنبي ﷺ أنها ستصبر على ما أصيبت به من قتل ابنها حارثة ﵁ (٣). ثالثا: من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب: في قول أم الربيع ﵂: " وأحتسب " دليل أن الاحتساب من الصفات التي يرغب فيها المؤمن، وخاصة الدعاة إلى الله، ، والإِنسان معرض للمصائب والأقدار المؤلمة، والمشاق والمتاعب، فينبغي للمؤمن أن يحتسب الثواب من الله في كل ما يصيبه (٤). رابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: ظهر في هذا الحديث أسلوب الترغيب في قوله ﷺ في شأن حارثة بن سراقة

стр. 223

رضي الله عنه: «إنها جنان كثيرة في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» وهذا يبين أن كل من خرج في سبيل الله فقتل فهو شهيد، ولو برمية طائشة، وأن منازل الشهداء في الفردوس الأعلى (١) فينبغي للداعية إلى الله أن يرَغِّبَ المدعوين، ويبيِّن لهم ما أعد الله لعباده في جنات النعيم؛ لأن معرفة ما أعده الله للمؤمنين في الجنة تهوِّن المصائب (٢). خامسا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: إن الاستفهام الإِنكاري من الأساليب النافعة في الدعوة إلى الله، ، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لقوله ﷺ لأم الربيع: «ويحك أَوَهبلت؟ أوجنة واحدة هي؟» قال العلامة العيني ﵀: " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإِنكار، والواو للعطف " (٣). وهذا يبين للداعية أهمية أسلوب الاستفهام الإِنكاري في الدعوة إلى الله عند الحاجة إليه (٤). سادسا: أهمية الخوف من عذاب الله : إن الخوف من الله وعذابه وانتقامه من أهم الصفات الحميدة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها وخاصة الدعاة إلى الله، ، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لخوف أم الربيع ﵂ على ابنها حارثة من عذاب الله . قال ابن العربي ﵀ في فوائد هذا الحديث: " حمل أم حارثة كثرة الإِشفاق على الخوف عليه وقد مات مجاهدا مسلما، فلم تقنع بهذا الظاهر، مخافة من العذاب بذنوبه، فأعطاها النبي ﷺ اليقين بنجاته (٥). وينبغي للداعية أن يقرن الخوف بالرجاء: يخاف الله، ويرجو ثوابه ورحمته

стр. 224

ورضوانه، وقد بين الله أن ذلك من صفات المؤمنين فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٥٨] (١) وقال : ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] (٢). سابعا: من أصناف المدعوين: النساء: لا شك أن الداعية يدعو إلى الله جميع أصناف الناس، ولكن المقصود: هو استخراج فوائد الحديث الدعوية وإبرازها للاستفادة منها، فقد دل هذا الحديث على أن النساء من أصناف المدعوين؛ ولهذا بين ﷺ لأم الربيع ما أعده الله لابنها من الكرامة والفوز العظيم، وقد كان ﷺ يعظ النساء ويذكرهن، فعن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار " فقالت امرأة منهن جزلة: ما لنا يا رسول الله، أكثر أهل النار؟ قال: " تكثرن اللعن وتكفرن العشير» (٣). فينبغي للداعية أن يعتني بأصناف المدعوين ويخاطب كلا على قدر فهمه وعقله، ولكن عليه أن ينتبه للضوابط الشرعية، فلا يخلو بالمرأة غير المحرم، ولا ينظر إلى ما حرم الله عليه، ولا يعرّض نفسه للتهم والريب، ومواطن الشبه.

стр. 225

١٩ - باب فَضْلِ قَوْل اللهِ تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١] (١). [حديث صبح أناس غداة أحد الخمر فقتلوا من يومهم شهداء وذلك قبل تحريمها] ٣٢ - [٢٨١٥] حَدَّثَنَا عَليّ بْن عَبدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سفْيان، عَنَ عَمْرٍو: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ (٢) ﵁ يَقول: " اصْطَبَحَ نَاس الْخَمْرَ يَوْمَ أحدٍ، ثمَّ قتِلوا شهَدَاءَ، فَقيْلَ لِسفْيَانَ: مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا فِيهِ " (٣). وفي رواية: " صَبّحَ أناس غَدَاةَ أحدٍ الْخَمْرَ فَقتِلوا مِنْ يَوْمِهمْ جَمِيعا شهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمهَا " (٤). * شرح غريب الحديث: * " اصطبح الخمر " اصطبح الخمر أناس: أي شربوها أول النهار يوم أحد، ثم قتلوا في ذلك اليوم ولم تكن الخمر قد حرمت يومئذ (٥).

стр. 226

* " الخمر " اسم لكل مسكر خامر العقل: أي غطاه (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من خصائص الإسلام: رفع الحرج. ٢ - من أساليب الدعوة: التدرج. ٣ - من تاريخ الدعوة: ذكر تحريم الخمر بعد غزوة أحد. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من خصائص الإسلام: رفع الحرج: دل هذا الحديث على أن من خصائص الإِسلام رفع الحرج عن هذه الأمة؛ لأن الإنسان لا يؤاخذ بفعل المباح قبل التحريم؛ قال العلامة العيني ﵀: "الخمر التي شربوها ذلك اليوم لم تضرهم؛ لأنها كانت مباحة في وقت شربها؛ وقد أثنى الله عليهم بعد موتهم، ورفع عنهم الخوف والحزن " (٢). فمن رحمة الله تعالى أنه لا يؤاخذ عباده على فعل ما لم يحرمه عليهم؛ قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٣) والحمد لله رب العالمين (٤). ثانيا: من أساليب الدعوة: التدرج: لا شك أن هذا الحديث دل على التدرج في تحريم الخمر؛ لأنها كانت مباحة زمنا في أول الإِسلام ثم حرمت في سنة ثلاث من الهجرة، ولا شك أن القرآن قد بين التدرج في تحريمها، فأنزل الله تحريم الخمر على ثلاثة أوجه: ١ - أنزل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] (٥).

стр. 227

٢ - ثم أنزل قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] (١) فقالوا: لا نشربها عند قرب الصلاة. ٣ - ثم أنزل الله قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] (٢) فحرمت إلى يوم القيامة (٣). وهذا يبين أهمية التدرج في الدعوة على حسب الأحوال والأزمان، والمدعوين (٤) ولهذا قالت عائشة ﵂ في التدرج في نزول القرآن: " إنما نزل أول ما نزل منه سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا. . . " (٥). ثالثا: من تاريخ الدعوة: ذكر تحريم الخمر بعد غزوة أحد: دل الحديث على تاريخ الدعوة إلى تحريم الخمر تحريما مؤبدا، وذلك أن تحريمها كان بعد غزوة أحد، في شهر شوال، سنة ثلاث من الهجرة (٦).

стр. 228

٢٢ - باب: الجنة تحت بارقة السيوف وَقَالَ الْمغِيرَة بْن شعْبَةَ: أَخْبَرَنَا نَبِيّنَا ﷺ عنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: «مَنْ قتِلَ مِنَّا صارَ إِلَى الجَنَّةِ». وَقَالَ عمَر للنَّبِيِّ ﷺ : «أَليْسَ قتْلاَنا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلاَهمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: " بَلَى ".» [حديث من قتل منا صار إلى الجنة] ٣٣ - [٢٨١٨] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بن محَمَّدٍ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة بْن عَمْرو: حَدَّثَنَا أبو إسْحَاقَ، عَنْ موسَى بْنِ عقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عمَرَ بْنِ عبَيدِ اللهِ - وَكَانَ كَاتِبَه - قَالَ: كَتَبَ إِليْهِ عَبْد اللهِ بْن أَبِي أَوفَى (١) ﵄ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «وَاعْلَموا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السّيوفِ» (٢). تَابَعَه الأويسِيّ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنادِ، عَنْ موسَى بْنِ عقْبَةَ. وفي رواية: ". . أَنَّ عَبْد اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ فَقَرَأْته: أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِذَا لَقيتموهمْ فَاصْبِروا». . " (٣). وفي رواية: «أَنَ رَسولَ اللهِ ﷺ في بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقيَ فِيْهَا انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْس، ثمَّ قَامَ فِي النَّاسِ» (٤). وفي رواية: " ثمَّ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبا قَال: «أيها النَّاسَ لاَ تَتَمنَّوْا لِقَاءَ الْعَدوِّ، وسَلوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فِإِذَا لَقيتموهمْ فَاصْبِروا، وَاعْلَموا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السّيوفِ»، ثم قَالَ: «اللَّهمْ منْزِلَ الْكِتَابِ، وَمجْرِيَ السَّحَاب، وَهَازِمَ الأَحْزَاب

стр. 229

اهْزِمْهمْ وَانْصرْنَا عَليْهمْ» (١). * شرح غريب الحديث: * " الجنة تحت ظلال السيوف " هو كناية عن الدّنوِّ من القتال في الجهاد حتى يعلوه السيف ويصيرَ ظله عليه، والظِّلّ: الفَيء الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة إلى الله: الكتابة. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على سلوك الأدب وتعليم المدعوين ما يحتاجون إليه. ٣ - من وسائل الدعوة: مراعاة نشاط المدعو. ٤ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٥ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد. ٦ - من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء. ٧ - من صفات الداعية: الصبر. ٨ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٩ - من وسائل الدعوة: اغتنام التذكير عند الحوادث الملمة. ١٠ - من وسائل الدعوة: الخطابة. ١١ - من صفات الداعية: التواضع. ١٢ - من أسباب نصر الداعية: الدعاء. والحديث عن هذه الدروس والفوائد على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة إلى الله: الكتابة: دل الحديث على أن الكتابة من وسائل الدعوة إلى الله ؛

стр. 230

لأن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ كتب إلى مولى عمر بن عبيد الله: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» وهذا يبين للدعاة أن الكتابة من: الكتاب، والرسالة، والمقال، من أهم وسائل الدعوة إلى الله تعالى؛ وقد جاءت رواية مسلم ". . . عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ يقال له عبد الله بن أبي أوفى، فكتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية. . . " (١). قال الإمام النووي ﵀ على قوله: " عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ . . . " قال: قال الدارقطني: " واتفاق البخاري ومسلم على روايته حجة في جواز العمل بالمكاتبة، والإجازة. . . وبه قال جماهير العلماء " (٢). ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على سلوك الأدب وتعليم المدعوين ما يحتاجون إليه: ظهر في هذا الحديث أن الحث على سلوك الأدب، وتعليم المدعوين ما يحتاجون إليه من الموضوعات المهمة؛ لأن النبي ﷺ حث على ذلك بقوله وفعله، فقد نهى ﷺ عن تمنِّي لقاء العدو، وحث على الصبر عند اللقاء، وَرَغَّبَ أصحابه في الجنة، وبين لهم بفعله ﷺ أهمية الدعاء، وآدابه، لأنه دعا الله بما يناسب حاجته في قوله: «اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم»؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ عند ذكره لفوائد هذا الحديث: ". . . فيه وصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه، وسؤال الله بصفاته العلى، وبنعمه السالفة، والحث على سلوك الأدب وغير ذلك " (٣). ثالثا: من وسائل الدعوة: مراعاة نشاط المدعو: في هذا الحديث دلالة واضحة على أنه ينبغي للداعية أن يراعي أوقات نشاط المدعو؛ فقد كان ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس ثم قاتل قال الإمام النووي ﵀: " قال العلماء سببه أنه أمكن للقتال؛ فإنه وقت

стр. 231

هبوب الريح، ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطا وإقداما على عدوهم " (١). وهذا يوضح للداعية أهمية مراعاة أحوال النشاط عند المدعوين؛ لأن هذا من أهم وسائل الدعوة إلى الله . (٢). رابعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: لا شك أن التشبيه يقرب المراد ويوصله إلى ذهن السامع؛ ولهذا كان التشبيه من الأساليب النافعة في الدعوة إلى الله تعالى، ويؤخذ هذا الأسلوب في هذا الحديث من قوله ﷺ : «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» قال الإمام ابن الأثير ﵀: " وهذا من باب الكناية والاستعارة، وهو حث على الجهاد؛ لأن الإنسان يميل إلى الظل طلبا للراحة، فقيل له: إن الجنة تحت ظلال السيوف، فمن أرادها فليدخل تحت السيف، بأن يحمله ويقاتل به، ويصبر على ألم وقعه " (٣). وهذا يبين أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله (٤). خامسا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد: دل هذا الحديث على أن الحث والحض على الجهاد من موضوعات الدعوة إلى الله ، وقد ظهر في قوله ﷺ : «فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» قال الإمام القرطبي ﵀: ". . . استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدوِّ، واستعمال السيوف. . . " (٥). وهذا يبين أهمية الجهاد والحض عليه، وأنه من موضوعات الدعوة إلى الله (٦).

стр. 232

سادسا: من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء: إن من الموضوعات المهمة: الحض على الدعاء، والإكثار منه في الرخاء والشدة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لقوله ﷺ : «لا تتمنوا لقاء العدوِّ وسلوا الله العافية»، وهذا يؤكد أهمية الدعاء والإِلحاح فيه (١). سابعا: من صفات الداعية: الصبر: الصبر من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله، ، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة في قوله ﷺ : «فإذا لقيتموهم فاصبروا» قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: " أي إذا قابلتم المشركين فاثبتوا، وقفوا؛ لأن الثبات عند المقابلة: هو المطلوب، والفرار من كبائر الذنوب، وفيه دليل على الصبر عند نزول المحنة " (٢) ولا شك أن لقاء العدو فيه ابتلاء وامتحان؛ ولهذا أمِرَ بالصبر فيه (٣). وهذا يبين أهمية الصبر في الدعوة إلى الله (٤). ثامنا: من أساليب الدعوة: الترغيب: في هذا الحديث دليل على الترغيب في الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لأن بالجهاد تحصل الشهادة، والشهيد في أعلى درجات الجنة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» قال الإمام القرطبي ﵀: " هذا من الكلام البديع النفيس الذي جمع ضروب البلاغة: جزالة اللفظ وعذوبته، وحسن استعارته وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ المعسولة الوجيزة " ثم قال: " فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد والإخبار بالثواب عليه " (٥). ومعلوم أن الترغيب يجذب القلوب إلى المرغب فيه، فينبغي أن يعتني به الداعية إلى الله (٦).

стр. 233

تاسعا: من وسائل الدعوة: اغتنام التذكير عند الحوادث الملمة: دل الحديث على أن من وسائل الدعوة اغتنام التذكير عند الحوادث العظيمة ونحوها التي تقع؛ لأن المدعو في الغالب يستفيد من ذلك؛ ولأن النبي ﷺ ذكَّر أصحابه في هذا الحديث ووعظهم عند إرادة القتال؛ قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: " وفيه دليل على التذكار عند نزول الحوادث الملمة، وإن كان من نزل به ذلك عارفا بها؛ لأن التذكار زيادة قوة للمذكّر وإن كان عارفا بذلك " (١). ومثل هذا ما ثبت عن أبي بكر ﵁ عند وفاة النبي ﷺ أنه قام في الناس وخطبهم، وذكرهم قَولَه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٢) فكأنهم سمعوها أول مرة، فتسلَّوا بها، وقوي بها إيمانهم ويقينهم، فما سَمِع أحد بشرا منهم إلا وهو يتلوها، مع أن العلم كان لهم بها قبل ذلك (٣). وهذا يدل على أهمية التذكير عند الحوادث والمصائب الحاصلة للمدعوين، ولكن بالحكمة. أسأل الله لي ولِجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة. عاشرا: من وسائل الدعوة: الخطابة: إن الخطابة من أهم وسائل الدعوة إلى الله، ، لقول عبد الله بن أبي أوفى في هذا الحديث: " ثم قام في الناس خطيبا، قال: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو». فينبغي للداعية أن يعتني بوسيلة الخطابة حتى ينفع الناس (٤) وقد كان ﷺ يخطب الناس خطبا دائمة ثابتة: كخطبة يوم الجمعة، وخطبا عارضة إذا دعت الحاجة إليها، قام فخطب ﷺ وهذه كثيرة جدا (٥).

стр. 234

الحادي عشر: من صفات الداعية: التواضع: لا ريب أن مفهوم الحديث يدل على أن التواضع من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في الداعية إلى الله، ، وهذا يظهر من نهيه ﷺ عن تمني لقاء العدو؛ قال الإمام النووي ﵀: " إنما نهى عن تمني لقاء العدو؛ لما فيه من صورة الإِعجاب والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي، وقد تضمن الله لمن بغي عليه أن ينصره؛ ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم " (١). وهذا يوضح أهمية التواضع والخشوع لله وحده، وطلب العون منه (٢). الثاني عشر: من أسباب نصر الداعية: الدعاء: إن في هذا الحديث دلالة على أهمية الدعاء، وسؤال الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ ولهذا قال ﷺ فيه: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» وقد ذكر الإمام النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله: أن مما يستفاد من هذا الحديث: استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار (٣). ومما يدل على أن الدعاء من أسباب النصر قوله ﷺ في هذا الحديث أيضا: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوِّ واسألوا الله العافية» قال الإمام النووي ﵀: " وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لرفع جميع المكروهات: في البدن، والباطن، في الدين، والدنيا والآخرة " (٤). وقد جمع الله أسباب النصر على الأعداء في قوله :

стр. 235

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧] (١). فقد ذكر ستة أسباب من أسباب النصر: الثبات، وذكر الله كثيرا، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع، والصبر، والتواضع وعدم الكبر. فينبغي للمسلم وخاصة الدعاة: أن يعتنوا بالدعاء والذكر، ولا يغفلوا عن أسباب النصر التي ذكرها الله وبينها رسوله ﷺ (٢).

стр. 236

٢٣ - باب من طلب الولد للجهاد [حديث نبي الله سليمان لأطوفن الليلة على مائة امرأة] ٣٤ - [٢٨١٩] وَقالَ اللَّيث: حَدَّثَني جَعْفَر بْن رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ هرْمزَ قَالَ: سَمعْت أَبَا هرَيْرَةَ (١) ﵁، عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ سلَيْمَان بْن دَاودَ ﵉: لأَطوفَنَّ اللَّيْلةَ عَلَى مِائة امْرَأَةٍ - أَوْ تِسْعٍ وتسعِينَ - كلهنَّ يَأْتي بِفَارِسٍ يجَاهِد فِي سَبيلِ اللهِ. فَقَالَ لَه صَاحِبه: قلْ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَقلْ إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ تَحْمِلْ منْهن إِلا امْرَأَة وَاحِدَة جَاءَتْ بشِقِّ رَجلٍ. وَالَّذِي نَفْس محَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَجَاهَدوا فِي سبِيلِ اللهِ فرسَانا أَجْمَعونَ» (٢). وفي رواية: «فَقَالَ لَه المَلَك: قلْ إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَقلْ وَنَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَم تَلِدْ مِنْهنَّ إِلا امْرَأَة نِصْفَ إِنْسَانٍ فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : " لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ الله لَمْ يَحْنثْ وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ» (٣). وفي رواية: «فَقَالَ لَه صَاحِبه: قَالَ سفْيَان: يَعني الْمَلَكَ، قلْ إِنْ شَاءَ الله فَنَسِيَ». وفيها: «لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ الله لم يَحْنَثْ وَكَانَ دَرَكا فِي حَاجَتِهِ» (٤). * شرح غريب الحديث: * " شق رجل " الشق النصف (٥). * " لم يحنث " الحنث في اليمين: نقضها والنكث فيها، يقال: حنث في يمينه يحنث، وكأنه من الحِنث: الإِثم والمعصية (٦).

стр. 237

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - حرص الأنبياء على الجهاد في سبيل الله . ٢ - أهمية قول المسلم: إن شاء الله لما يريد عمله في المستقبل. ٣ - عمل الأسباب لا ينافي التوكل. ٤ - من أساليب الدعوة: القصص. ٥ - حرص السلف على الدقة في نقل الحديث. ٦ - من صفات الداعية: النية الصالحة. ٧ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم. ٨ - أهمية تذكير الناسي ولو كان عظيما. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: حرص الأنبياء على الجهاد في سبيل الله : إن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - هم أحرص الناس على الجهاد في سبيل الله لإِعلاء كلمة الله؛ ولهذا قال سليمان ﷺ : «لأطوفن الليلة على- مائة امرأة- أو تسع وتسعين- كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله»، وهذا يؤكد الحرص العظيم على الجهاد؛ لأنه قصد بإتيانه لأهله الرغبة في الحصول على المجاهدين، ولكن الله لم يرد له هذا فلم يقل: " إن شاء الله ". فينبغي للداعية أن يكون حريصا على الجهاد، ويستصحب النية للإعداد للجهاد في سبيل الله . ثانيا: أهمية قول المسلم: إن شاء الله لما يريد عمله في المستقبل: دل هذا الحديث على أهمية قول المسلم: إن شاء الله؛ لما يخبر بعمله في المستقبل؛ ولهذا لما نسي سليمان ﷺ أن يقولها يحصل له ما أراد؛ ولأجل ذلك قال نبينا ﷺ في هذا الحديث: «والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله» وفي الرواية الأخرى: «لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان دركا لحاجته». وقد أمر الله بذلك فقال : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣]

стр. 238

﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] (١) وهذا يوضح للداعية أهمية هذا الأدب وأنه ينبغي له العمل به (٢). ثالثا: عمل الأسباب لا ينافي التوكل: لا شك أن عمل الأسباب لا بد منه، ولكن لا بد مع الأسباب من اعتماد القلب على الله قال ابن حجر ﵀: " وفي الحديث فضل فعل الخير وتعاطي أسبابه " (٣). وهذا سليمان ﷺ يفعل ما أقسم عليه من طوافه على أهله، وهذا من أعظم الأسباب للحصول على الذرية، فينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يأخذ بالأسباب ويعتمد قلبه على الله وحده (٤). رابعا: من أساليب الدعوة: القصص: القصص من القرآن الكريم، والحديث الصحيح من أهم أساليب الدعوة؛ لما له من التأثير في النفوس، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب، فقص علينا النبي ﷺ قصة سليمان وما فيها من قدرة الله تعالى، فيحسن ويجمل للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب عناية فائقة؛ لما له من الأهمية (٥). خامسا: حرص السلف على الدقة في نقل الحديث: دل الحديث على عناية السلف الصالح عناية فائقة بنقل الحديث وتبليغه؛ وقد ثبت في هذا الحديث قول سليمان ﷺ : «لأطوفن الليلة على مائة امرأة- أو تسع وتسعين» قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: " شَكّ من راوي الحديث في أيهما قال ﵇ " (٦) وهذا يوضح للدعاة إلى الله أهمية ضبط الحديث ونقله بدقة كما فعل السلف ﵏ (٧).

стр. 239

سادسا: من صفات الداعية: النية الصالحة: النية الصالحة من أعظم الصفات الحميدة، وقد دل عليها هذا الحديث، وذلك في قول سليمان ﷺ : «. . كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله»؛ ولهذا بيَّن الإِمام ابن أبي جمرة ﵀ في فوائد هذا الحديث: أن سليمان ﷺ قال ذلك: " تقوية رجاءٍ منه وإبلاغ في حسن النية؛ لأنه قد تقرر أن نية المؤمن أبلغ من عمله، فهو ينوي ما استطاع أن يعقد النية عليه، فإن قدر عليه فبها ونعمت، وإن عجز فقد حصل له أمر النية " (١) وإذا فعل المسلم ذلك وخاصة الدعاة إلى الله صار كثير من الأعمال المباحة والملاذ مستحبا بالنية والقصد الحسن (٢) والله المستعان (٣). سابعا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: التوكيد بالقسم من الأساليب المهمة التي تقرب المعاني إلى الأذهان، وتثبتها في القلوب، وتحملها على التصديق، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ في هذا الحديث: «والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله» وفي قول سليمان ﷺ : «لأطوفن الليلة على مائة امرأة». فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب في دعوته إلى الله عند الحاجة إليه (٤). ثامنا: أهمية تذكير الناسي ولو كان عظيما: ظهر في هذا الحديث تذكير الملك لسليمان حينما لم يقل إن شاء الله بقوله " قل إن شاء الله " وهذا يبين أهمية تذكير الناسي ولو كان عظيما، وقد قال نبينا ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» (٥) ومعلوم أنه ﷺ أفضل الخلق، وأنه معصوم فيما يبلغه عن الله . فينبغي للداعية بل لكل مسلم أن يذكِّر الناسي ولو كان عظيما، لما لذلك من الأهمية البالغة، والفوائد النافعة.

стр. 240

٢٤ - باب الشجاعة في الحرب والجبن [حديث لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم] ٣٥ - [٢٨٢١] حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ: أَخبرنَا شعَيْب، عَنِ الزّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عمَر بْن محَمَّدِ بْنِ جبَيْرِ بْنِ مطْعِمٍ: أَنَّ محَمّدَ بْنَ جبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جبير بن مطعم (١) أَنَّه بَيْنَمَا هوَ يَسير مَعَ رسول الله ﷺ ومَعَه النَّاس مَقْفَلَه مِنْ حنَيْنٍ، فَعَلِقَه النَّاس يَسْألونَه حَتَّى اضْطَرّوه إِلَى سَمرَةٍ فخَطِفتْ رِدَاءَه، فوَقف النبي ﷺ فقَالَ: «أَعطوني رِدَائي، لَوْ كَانَ لي عَدَد هَذِهِ العِضَاهِ نَعَما لَقَسَمْته بينَكمْ، ثمَّ لَا تَجِدوني بَخِيلا، وَلا كَذوبا، وَلَا جَبَانا» (٢). وفي رواية: «. . . وَمَعَه النَّاس مقْبِلا مِنْ حنَيْنٍ عَلِقتْ رَسولَ اللهِ ﷺ الأَعْرَاب، يسألونه. . .» (٣). * شرح غريب الحديث: * " مَقْفَلة من حنين " القفول: الرجوع من السفر، وقيل القفول: رجوع الجند بعد الغزو، والمعنى: عند رجوعه من غزوة حنين سنة ثمان للهجرة، وحنين وادٍ بين مكة والطائف (٤).

стр. 241

* " علقت " وفي رواية: " فعلقه الناس ": نشبوا وتعلَّقوا به، وقيل: طفقوا (١). * " اضطروه ": ألجؤوه، يقال: قد اضطر إلى الشيء: أي ألجئ إليه، والاضطرار إلى الشيء: الاحتياج إليه (٢). * " سمرة " السمرة: ضرب من الشجر صغار الورق قصار الشوك، وله بَرَمَة صفراء يأكلها الناس، وهي من شجر الطلح، وليس في العضاه شيء أجود خشبا من السمر (٣). * " العضاه " العضاه: كل شجر عظيم له شوك، وقيل: شجر الشوك: كالطلح، والعوسج، والسدر (٤). * " نعما ": إبلا. وقيل: الإبل، والبقر، والغنم (٥). والراجح والله أعلم أنه عام في الأنواع الثلاثة؛ لقوله : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٦) وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١] (٧). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة. ٢ - من صفات الداعية: الحلم. ٣ - من صفات الداعية: الكرم.

стр. 242

٤ - من صفات الداعية: الصدق. ٥ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٦ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٧ - تعريف الداعية نفسه عند الحاجة. ٨ - أهمية الوعد بالخير. ٩ - من موضوعات الدعوة: الحث على مكارم الأخلاق. ١٠ - من أصناف المدعوين: الأعراب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: دل هذا الحديث على أن الأعراب لم يلتزموا الأدب مع النبي ﷺ ، ولا ينبغي لهم ذلك، ودل الحديث بمفهومه على أنه ينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع الدعاة والعلماء، ويستفيد مما يسمع منهم، وقد أمر الله المؤمنين أن يلتزموا الأدب مع رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ - ٥] (١). فالمدعو ينبغي له أن ينصت، ويصغي إلى ما يلقيه إليه الداعية أو العالم؛ لأن المدعو لا يستفيد من الداعية إلا إذا التزم الأدب، وصمت، واستمع، وعمل بما سمع، وبلَّغ ما سمع لغيره (٢).

стр. 243

ثانيا: من صفات الداعية: الحلم: ظهر في هذا الحديث: الحلم؛ فإن الأعراب سألوا النبي ﷺ حتى ألجؤوه إلى شجرة السمر فخطفت رداءه، ومع هذا الأذى لم يغضب ﷺ ولم يتضجَّر بل حلم عليهم، وصبر على أذاهم وجفائهم، وكم حدث له ﷺ من الصبر على جفاة الأعراب وقلة أدبهم؟ ولم يعاقبهم بقوله ولا فعله ﵊ (١) وهذا يعطي الداعية قدوة في الحلم وتَحَمّل الأذى والسكون عند الغضب أو المكروه مع القدرة، والقوة، والصفح والعقل (٢). فينبغي للداعية أن يضبط نفسه عند هيجان الغضب، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة؛ لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة واحتمال؛ وقد مدح الله -تعالى - الكاظمين الغيظ ووعدهم بالجنة ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] (٣) ومما يزيد الداعية رغبة في الحلم وشوقا إلى الاتِّصاف به مدح النبي ﷺ الحلم وتعظيم أمره، وأنه من الخصال التي يحبها الله تعالى، قال ﷺ للأشج: «إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٤)؛ ولهذا الفضل العظيم قال الأشجّ ﵁: " الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله " (٥). والحلم الممدوح الذي يحتاجه الداعية في دعوته هو حالة متوسطة بين رذيلتين: الغضب والبلادة، فإذا استجاب الداعية لغضبه بلا تعقل ولا تصبّر كان على رذيلة، وإن تبلَّد وضيَّع حقه ورضي بالهضم والظلم كان على رذيلة، وإن تحلَّى بالحلم وتخلَّق به مع القدرة، وكان حلمه مع من يستحقه كان على

стр. 244

فضيلة، فإذا أصبح ذلك هيئة راسخة في النفس، وأصبح طبعا من طبائعها كان ذلك هو الحلم الواجب على الدعاة إلى الله تعالى، (١) وهذا يحتاج في بداية الأمر إلى جهاد وعزيمة، وقوة؛ لقوله ﷺ : «ليس الشديد بالسرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». (٢). ثالثا: من صفات الداعية: الكرم: الجود والكرم من الصفات الحميدة؛ ولهذا قال ﷺ في الحديث: «. . . فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم»، وهذا يدل على كرمه وعظيم جوده وسخائه ﷺ ويؤكد على الدعاة إلى الله تعالى الاقتداء به، وأن يكونوا كرماء أسخياء لا بخلاء أشحَّاء؛ فإن الداعية الكريم يجذب الناس إلى دعوته بفضل الله تعالى ثم بكرمه وجوده؛ ولهذا ما سئل ﷺ على الإِسلام شيئا إلا أعطاه، وجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة (٣) ولهذا قال أنس بن مالكَ ﵁: " إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإِسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها " (٤) ومما يدل على فضل الجود والكرم وأنه من أعظم الأساليب التي ترغِّب الناس في قبول الدعوة، ما فعله رسول الله ﷺ مع صفوان بن أمية؛ فإنه أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» (٥). والداعية ينبغي له أن يتصف بأنواع الجود والكرم كلها، فيجود بنفسه في

стр. 245

طاعة الله وفي سبيل نشر الإسلام، ويجود برئاسته والإِيثار في قضاء حاجات الناس، ويجود براحته تعبًا في مصلحة غيره، ويجود بعلمه فينشره بين الناس، ويجود بجاهه فيشفع لأصحاب الحاجات، ويجود ببدنه في خدمهّ الناس والإِصلاح بينهم وإعانتهم ببدنه، ويجود بعرضه فيعفو عمَّن اغتابه أو سبَّه، ويجود بصبره فيصبر على أذى الناس، ويجود بالخلق الحسن وبشاشة الوجه والبسطة، ويجود بما في أيدي الناس عليهم فمزهد فيه، فلا يلتفت إليه، وكل أنواع الجود والكرم ينبغي أن يأخذ منها الداعية أكبر الحظ والنصيب، اقتداء بنبيه ﷺ (١) والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، (٢). رابعا: من صفات الداعية: الصدق: دل هذا الحديث على أن الصدق من الصفاتّ الحميدة؛ لِقوله ﷺ : «ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا. .»، وهذا يبيِّن للدعاة أن الصدق من الصفات التي ينبغي لهم أن يتصفوا بها، ويبيّن لهم قبح الكذب، وهو الإِخبار عن الشيء بخلاف ما هو سواء كان ذلك عمداَ أو جهلا، والإِثم يختص بالعمد (٣). وينبغي لهم أن لا ينقلوا عن رسول الله ﷺ إلا ما صح عنه؛ لقوله ﷺ : «من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبين» (٤) فإذا صدق الداعية في القول والفعل، والنية كان من الرابحين (٥). خامسا: من صفات الداعية: الشجاعة: الشجاعة مطلب كريم وخلق عظيم، وصفة نبيلة من صفات الدعاة الصادقين؛ ولهذا نفى النبي ﷺ الجبن عن نفسه، وهذا يدل على شجاعته «ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا» والشجاعة تحمل الداعية على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم؛ فإن الداعية بقوة نفسه وشجاعتها يمسك

стр. 246

عنانها ويكبحها بلجامها عن النزع والبطش بغير حق (١) قال ﷺ : «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢) قال العلامة العيني رحمه الله تعالى: " قال حكماء الإِسلام، للإنسان ثلاث قوى: العقلية، والغضبية، والشهوية: وكمال القوة الغضبية الشجاعة، وكمال القوة الشهوية الجود، وكمال القوه العقلية الحكمة " (٣). فالداعية بحاجة إلى الاتصاف والتخلّق بخلق الشجاعة؛ لأنها تضبط نفسه عن الخوف عند مثيراته في النفس حتى لا يجبن الداعية في المواضع التي تحسن فيهما الشجاعة وتكون خيرا، ويقبح فيها الجبن ويكون شرّا (٤) ولهذا قال ﷺ لمن سأله عن أفضل الجهاد: «كلمة حق عند سلطان جائر» (٥). وحقيقة شجاعة الداعية: هي الصبر والثبات والإِقدام على الأمور النافعة، وتكون شجاعة الداعية في الأقوال والأفعال، ولا بد أن تكون شجاعته موافقة للحكمة، وأعظم ما يمد ويقوي شجاعة الداعية: الإِيمان العميق، وقوة التوكل على الله، تعالى، وكمال الثقة به سبحانه، ومعرفته لأحوال النبي ﷺ ومواقفه في الشجاعة القلبية والعقلية (٦). والداعية يحتاج إلى أن يَتَمَرَّن على الإِقدام والتكلم بما في النفس، وإلقاء المقالات والخطب في المحافل بقصد نصر الحق وقمع الباطل، فمن مرن نفسه على ذلك لم يزل به الأمر حتى يكون ملكة له، وتزول هيبة الخلق من قلبه، فلا يبالي ألقى الخطب والمقالات في المحافل الصغار أو الكبار على العظماء أو غيرهم، وكذلك يمرِّن نفسه على لقاء الأعداء في ميادين القتال

стр. 247

حتى تزول عنه المخاوف ولا يبالي بلقاء الأعداء بعد ذلك سواء كان ذلك في الجهاد باليد أو باللسان (١). سادسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة وسيلة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ ، قدوة الدعاة إلى الله تعالى، بل يجب على الناس أجمعين أن يقتدوا به ﷺ ، في أقواله، وأفعاله، وأخلاقه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢) فهو ﵊، قدوة وأسوة عملية وقولية لأتباعه، فقد تخلَّق في هذا الحديث بأصول الأخلاق والحكمة: فحلم على الأعراب ولم يعاقبهم على إساءة الأدب معه ﷺ ، ومع هذا وعدهم خيرا، وبيَّن لهم وسيلة أخرى من وسائل الإِيضاح فقال: «لو كان لي عَدَد هذه العضاه نَعَما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا». وهذا كله يدل على رغبته ﷺ في أن يقتدي به الناس في هذه الأخلاق الكريمة (٣). سابعا: تعريف الداعية نفسه عند الحاجة: الداعية إذا احتاج إلى ذكر صفاته الحميدة فلا حرج في ذلك عند الحاجة أو عند انتفاع المدعوين بذلك؛ ولهذا قال ﷺ : «. . ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا»، قال العلامة الملاّ على القاري ﵀: " فيه دليل على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه؛ ليعتمد عليه " (٤). ثامنا: أهمية الوعد بالخير: يدل الحديث على أن الوعد الحسن بالمال تأليفا به من أساليب الدعوة؛

стр. 248

لأن النبي ﷺ ، بين أنه لا يبخل عليهم إذا وجد مالا؛ قوله ﷺ : «ثم لا تجدوني بخيلا»، وقد ذكر الله - تعالى - الوعد الحسن وحثّ عليه لمن لم يجد مالا فقال سبحانه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] وقد نظر ﷺ إلى أحوال المدعوين وأنهم من الأعراب الجفاة فلم يعاقبهم على سوء أدبهم معه ﷺ ، وهذا يبيّن، ويوضح لأتباعه أهمية الاقتداء به ﷺ . تاسعا: من موضوعات الدعوة: الحث على مكارم الأخلاق: في هذا الحديث الشريف دعوة للأمة للتحلِّي بمكارم الأخلاق، وأصول الحِكَم، فقد دعا النبي ﷺ جميع الناس في هذا الحديث وفي غيره إلى التحلي بالشجاعة، والكرم، والجود، والصدق، والصبر والتحمل (١) وذلك بفعله وقوله ﷺ ؛ لأن فعله وتقريره، وقوله دعوة لأمته. ودعا الناس في هذا الحديث إلى ترك الكذب، والبخل، والجبن، وذلك بنفيها عن نفسه والتنفير عن هذه الأخلاق الذميمة بقوله ﷺ : «فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا»؛ قال العلامة العيني، رحمه الله تعالى: " وهذا من جوامع الكلم إذ أصول الأخلاق: الحكمة، والكرم، والشجاعة. وأشار بعدم الكذب إلى كمال القوة العقلية: أي الحكمة، وبعدم الجبن إلى كمال القوة الغضبية: أي الشجاعة، وبعدم البخل إلى كمال القوة الشهوية: أي الجود، وهذه الثلاث هي أمهات فواضل الأخلاق، والأول هو مرتبة الصِّدِّيقين، والثاني هو مرتبة الشهداء، والثالث هو مرتبة الصالحين اللهم اجعلنا منهم " (٢). ودعا ﷺ الأمة كلها جمعاء إلى العمل بهذه المكارم، وحذرها تعريضا وتلميحا في هذا الحديث من مساوئ ومفاسد الأخلاق الذميمة؛ فإن الداعية يجب عليه أن يبتعد عنها وخاصة هذه الخصال المذكورة في الحديث:

стр. 249

البخل، والكذب، والجبن، والطيش وعدم التحمل (١). عاشرا: من أصناف المدعوين: الأعراب: لا شك أن الأعراب من أصناف المدعوين؛ لأن النبي ﷺ اعتنى بدعوتهم، وراعى أحوالهم، وبين لهم بفعله وقوله مكارم الأخلاق في هذا الحديث، فحلم عنهم، وقال: «. . . لو كان لي عدد هذه العضاه نَعَما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني: بخيلا، ولا كذوبَاَ، ولا جبانا»، وهذا فيه تعليم للأعراب وإحسان إليهم مع شدتهم وجفائهم مع رسول الله ﷺ ، كما جاء في هذا الحديث: «علقت رسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة خطفت رداءَه. . .» فينبغي الاقتداء برسول الله ﷺ في مراعاة أحوال الأعراب والعفو عنهم (٢).

стр. 250

٢٥ - باب ما يتعوذ من الجبن [حديث تعوذه ﷺ دبر الصلاة] ٣٦ - [٢٨٢٢] حَدَّثَنَا موسَى بْن إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبو عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا عَبْد المَلِكِ بْن عمَيرٍ قَالَ: سَمِعْت عَمْرَو بْنَ مَيمونٍ الأَوْدِيَّ قَالَ: " كَانَ سَعْد (١) يعلِّم بَنِيهِ هَؤلاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يعَلِّم الْمعَلم الْغِلْمَانَ الْكِتَابةَ، وَيَقول: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعوَّذ مِنْهنَّ دبرَ الصَّلاَةِ: «اللَّهمَّ إِنِّي أَعوذ بِكَ مِنَ الجبْنِ، وَأَعوذ بِكَ أَنْ أرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العمرِ، وَأَعوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ الدّنْيَا، وَأَعوذ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، فَحدَّثْت بِهِ مصعَبا فصدَّقه " (٢). وفي رواية: " كَانَ سَعْد يَأْمر بِخَمْسٍ، وَيَذْكرهنَّ عن النبي ﷺ أنه كَانَ يَأْمر بهِنَّ: «اللَّهمَّ إِنِّي أَعوذ بِكَ مِنَ الْبخْلِ، وَأَعوذ بِكَ مِنَ الْجبْنِ، وأَعوذَ بِكَ أَنْ أرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعمرِ، وَأَعوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ الدّنْيَا- يَعْنِي فِتْنَةَ الدَّجَّالِ- وَأَعوذ بكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبر» (٣). وفي رواية: عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: «كَانَ النَّبِي ﷺ يعَلِّمنَا
следующие страницы →