← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عنانها ويكبحها بلجامها عن النزع والبطش بغير حق (١) قال ﷺ : «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢) قال العلامة العيني رحمه الله تعالى: " قال حكماء الإِسلام، للإنسان ثلاث قوى: العقلية، والغضبية، والشهوية: وكمال القوة الغضبية الشجاعة، وكمال القوة الشهوية الجود، وكمال القوه العقلية الحكمة " (٣). فالداعية بحاجة إلى الاتصاف والتخلّق بخلق الشجاعة؛ لأنها تضبط نفسه عن الخوف عند مثيراته في النفس حتى لا يجبن الداعية في المواضع التي تحسن فيهما الشجاعة وتكون خيرا، ويقبح فيها الجبن ويكون شرّا (٤) ولهذا قال ﷺ لمن سأله عن أفضل الجهاد: «كلمة حق عند سلطان جائر» (٥). وحقيقة شجاعة الداعية: هي الصبر والثبات والإِقدام على الأمور النافعة، وتكون شجاعة الداعية في الأقوال والأفعال، ولا بد أن تكون شجاعته موافقة للحكمة، وأعظم ما يمد ويقوي شجاعة الداعية: الإِيمان العميق، وقوة التوكل على الله، تعالى، وكمال الثقة به سبحانه، ومعرفته لأحوال النبي ﷺ ومواقفه في الشجاعة القلبية والعقلية (٦). والداعية يحتاج إلى أن يَتَمَرَّن على الإِقدام والتكلم بما في النفس، وإلقاء المقالات والخطب في المحافل بقصد نصر الحق وقمع الباطل، فمن مرن نفسه على ذلك لم يزل به الأمر حتى يكون ملكة له، وتزول هيبة الخلق من قلبه، فلا يبالي ألقى الخطب والمقالات في المحافل الصغار أو الكبار على العظماء أو غيرهم، وكذلك يمرِّن نفسه على لقاء الأعداء في ميادين القتال

стр. 247

حتى تزول عنه المخاوف ولا يبالي بلقاء الأعداء بعد ذلك سواء كان ذلك في الجهاد باليد أو باللسان (١). سادسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة وسيلة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ ، قدوة الدعاة إلى الله تعالى، بل يجب على الناس أجمعين أن يقتدوا به ﷺ ، في أقواله، وأفعاله، وأخلاقه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢) فهو ﵊، قدوة وأسوة عملية وقولية لأتباعه، فقد تخلَّق في هذا الحديث بأصول الأخلاق والحكمة: فحلم على الأعراب ولم يعاقبهم على إساءة الأدب معه ﷺ ، ومع هذا وعدهم خيرا، وبيَّن لهم وسيلة أخرى من وسائل الإِيضاح فقال: «لو كان لي عَدَد هذه العضاه نَعَما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا». وهذا كله يدل على رغبته ﷺ في أن يقتدي به الناس في هذه الأخلاق الكريمة (٣). سابعا: تعريف الداعية نفسه عند الحاجة: الداعية إذا احتاج إلى ذكر صفاته الحميدة فلا حرج في ذلك عند الحاجة أو عند انتفاع المدعوين بذلك؛ ولهذا قال ﷺ : «. . ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا»، قال العلامة الملاّ على القاري ﵀: " فيه دليل على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه؛ ليعتمد عليه " (٤). ثامنا: أهمية الوعد بالخير: يدل الحديث على أن الوعد الحسن بالمال تأليفا به من أساليب الدعوة؛

стр. 248

لأن النبي ﷺ ، بين أنه لا يبخل عليهم إذا وجد مالا؛ قوله ﷺ : «ثم لا تجدوني بخيلا»، وقد ذكر الله - تعالى - الوعد الحسن وحثّ عليه لمن لم يجد مالا فقال سبحانه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] وقد نظر ﷺ إلى أحوال المدعوين وأنهم من الأعراب الجفاة فلم يعاقبهم على سوء أدبهم معه ﷺ ، وهذا يبيّن، ويوضح لأتباعه أهمية الاقتداء به ﷺ . تاسعا: من موضوعات الدعوة: الحث على مكارم الأخلاق: في هذا الحديث الشريف دعوة للأمة للتحلِّي بمكارم الأخلاق، وأصول الحِكَم، فقد دعا النبي ﷺ جميع الناس في هذا الحديث وفي غيره إلى التحلي بالشجاعة، والكرم، والجود، والصدق، والصبر والتحمل (١) وذلك بفعله وقوله ﷺ ؛ لأن فعله وتقريره، وقوله دعوة لأمته. ودعا الناس في هذا الحديث إلى ترك الكذب، والبخل، والجبن، وذلك بنفيها عن نفسه والتنفير عن هذه الأخلاق الذميمة بقوله ﷺ : «فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا»؛ قال العلامة العيني، رحمه الله تعالى: " وهذا من جوامع الكلم إذ أصول الأخلاق: الحكمة، والكرم، والشجاعة. وأشار بعدم الكذب إلى كمال القوة العقلية: أي الحكمة، وبعدم الجبن إلى كمال القوة الغضبية: أي الشجاعة، وبعدم البخل إلى كمال القوة الشهوية: أي الجود، وهذه الثلاث هي أمهات فواضل الأخلاق، والأول هو مرتبة الصِّدِّيقين، والثاني هو مرتبة الشهداء، والثالث هو مرتبة الصالحين اللهم اجعلنا منهم " (٢). ودعا ﷺ الأمة كلها جمعاء إلى العمل بهذه المكارم، وحذرها تعريضا وتلميحا في هذا الحديث من مساوئ ومفاسد الأخلاق الذميمة؛ فإن الداعية يجب عليه أن يبتعد عنها وخاصة هذه الخصال المذكورة في الحديث:

стр. 249

البخل، والكذب، والجبن، والطيش وعدم التحمل (١). عاشرا: من أصناف المدعوين: الأعراب: لا شك أن الأعراب من أصناف المدعوين؛ لأن النبي ﷺ اعتنى بدعوتهم، وراعى أحوالهم، وبين لهم بفعله وقوله مكارم الأخلاق في هذا الحديث، فحلم عنهم، وقال: «. . . لو كان لي عدد هذه العضاه نَعَما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني: بخيلا، ولا كذوبَاَ، ولا جبانا»، وهذا فيه تعليم للأعراب وإحسان إليهم مع شدتهم وجفائهم مع رسول الله ﷺ ، كما جاء في هذا الحديث: «علقت رسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة خطفت رداءَه. . .» فينبغي الاقتداء برسول الله ﷺ في مراعاة أحوال الأعراب والعفو عنهم (٢).

стр. 250

٢٥ - باب ما يتعوذ من الجبن [حديث تعوذه ﷺ دبر الصلاة] ٣٦ - [٢٨٢٢] حَدَّثَنَا موسَى بْن إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبو عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا عَبْد المَلِكِ بْن عمَيرٍ قَالَ: سَمِعْت عَمْرَو بْنَ مَيمونٍ الأَوْدِيَّ قَالَ: " كَانَ سَعْد (١) يعلِّم بَنِيهِ هَؤلاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يعَلِّم الْمعَلم الْغِلْمَانَ الْكِتَابةَ، وَيَقول: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعوَّذ مِنْهنَّ دبرَ الصَّلاَةِ: «اللَّهمَّ إِنِّي أَعوذ بِكَ مِنَ الجبْنِ، وَأَعوذ بِكَ أَنْ أرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العمرِ، وَأَعوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ الدّنْيَا، وَأَعوذ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، فَحدَّثْت بِهِ مصعَبا فصدَّقه " (٢). وفي رواية: " كَانَ سَعْد يَأْمر بِخَمْسٍ، وَيَذْكرهنَّ عن النبي ﷺ أنه كَانَ يَأْمر بهِنَّ: «اللَّهمَّ إِنِّي أَعوذ بِكَ مِنَ الْبخْلِ، وَأَعوذ بِكَ مِنَ الْجبْنِ، وأَعوذَ بِكَ أَنْ أرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعمرِ، وَأَعوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ الدّنْيَا- يَعْنِي فِتْنَةَ الدَّجَّالِ- وَأَعوذ بكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبر» (٣). وفي رواية: عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: «كَانَ النَّبِي ﷺ يعَلِّمنَا

стр. 251

هَؤلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تعَلَّم الْكِتَابة. .» (١). [حديث تعوذه ﷺ من العجز والكسل] ٣٧ - [٢٨٢٣] حَدَّثَنَا مسَدَّد: حَدَثَنَا معتَمِر قَالَ: سَمِعْت أَبِي قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِك (٢) ﵁ يقول: كَانَ النَّبِيّ ﷺ يَقول: «اللَّهمَّ إِنِّي أَعوذ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالكَسَلِ، والجبْنِ والْهَرَم، وأَعوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعوذ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٣). وفي رواية: «اللَّهمَّ إِنِّي أعوذ بِكَ مِنَ الْكَسَل، وَأَعوذ بكَ مِنَ الْجبْنِ، وَأَعوذ بِكَ مِنَ الْهَرَمِ، وَأَعوذ بِكَ مِنَ البخْلِ» (٤). وفي رواية: أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعو: «أَعوذ بِكَ مِنَ الْبخْلِ وَالْكَسَلِ، وأَرْذَلِ العمرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وفتْنَةِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ» (٥). * شرح غريب الحديث: * " أرذل العمر " آخره في حال الكِبَرِ والعجز والخرف، والأرذل من كل شيء: الرديء منه (٦). * " الفتنة " الابتلاء والاختبار، والامتحان، وأصل الفتنة من قولك: فتنت الذهب إذ أحرقته بالنار؛ ليتبيَّن الجيد من الرديء، وقد كثر استعمالها بمعنى: الإِثم، والكفر، والضلال، والقتال، والإِحراق، والإِزالة، والصرف عن

стр. 252

الشيء، والفضيحة، والعذاب، والجنون (١). * " الهرم " الكِبَرِ (٢). * الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: النشاط. ٢ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٣ - من صفات الداعية: الكرم. ٤ - من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير. ٥ - أهمية العناية بالأهل والأقارب. ٦ - من صفات الداعية: الالتجاء إلى الله . ٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٨ - من موضوعات الدعوة: تعليم المدعوين الدعاء والأذكار. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: النشاط: دل مفهوم الحديث الثاني على أن النشاط من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم وخاصة الداعية إلى الله ؛ ولهذا استعاذ ﷺ من ضد النشاط فقال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل»؛ وذكر العلامة العيني ﵀ أن الكسل: ضعف الهمة وإيثار الراحة للبدن على التعب، وإنما استعيذ منه؛ لأنه يبعد عن الأعمال الصالحة (٣). فينبغي للداعية أن يكون نشيطا؛ لأن الكسل من أسباب الخسارة والوقوع في

стр. 253

أسباب المعاصي والسيئات، وترك أسباب الطاعات (١)؛ ولأن الكسل تثاقل عن المصالح الدينية والدنيوية، فيمنع من أداء الحقوق الواجبة (٢) والله الموفق (٣). ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: لا شك أن الشجاعة من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، ولا سيما الداعية إلى الله ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن»، فاستعاذته من الجبن دليل على ضده: الشجاعة وأنها خلق كريم؛ ولأن الجبن عدم الإِقدام على الشيء النافع (٤) وشعب الجبن متفرقة، ومن أقبحه أن يجبن عن معاملة الله في تصديق وعده، ثم تقديم العوائد على مقتضيات شرعه (٥) وهذا يؤكد أهمية المجاعة (٦). ثالثا: من صفات الداعية: الكرم: ظهر في مفهوم هذين الحديثين أن الكرم صفة حميدة ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا قال ﷺ : «. . وأعوذ بك من البخل»، فاستعاذ ﷺ من ضد الكرم؛ لأن البخل صفة ذميمة تنافي الجود والكرم؛ وقد كان ﷺ أجود الناس وأكرم الناس، فينبغي للدعاة أن يقتدوا به ﷺ (٧). رابعا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير: إن الداعية الصادق مع الله هو الذي يحرص على نفع الناس، وإيصال الخير إليهم قولا وفعلا؛ ولهذه الصفة الحميدة فقد كان النبي ﷺ حريصا على تعليم أمته الخير، وقد دل الحديث الأول من هذين الحديثين على ذلك "؛

стр. 254

لقول سعد ﵁: «كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تعلَّم الكتابة»، وهذا الحرص المبارك من النبي الأمين الكريم يبين للدعاة إلى الله أهمية الحرص على تعليم الناس الخير (١). خامسا: أهمية العناية بالأهل والأقارب: لا شك أن حق الأهل والأقارب أعظم من حق غيرهم، ورعايتهم وتعليمهم ما ينفعهم من أهم الواجبات، وأعظم الحسنات؛ ولهذا كان السلف الصالح يعتنون بأهلهم وقراباتهم عناية خاصة؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون في الحديث الأول من هذين الحديثين: " كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلِّم المعلّم الغلمان الكتابة. . "، وهذا يبرز للدعاة العناية بالأهل وتعليمهم ما ينفعهم ويعود عليهم بالخير والصلاح، في الدين والدنيا، والآخرة (٢). سادسا: من صفات الداعية: الالتجاء إلى الله : دل هذان الحديثان على أهمية الالتجاء إلى الله تعالى، والاستعاذة به من هذه الخصال التسع: " البخل، والجبن، وأرذل العمر، والعجز، والكسل، وفتنة المحيا والممات، وفتنة الدجال وفتنة الدنيا، وعذاب القبر "، ومفتاح كل شر: العجز والكسل، ويصدر عنهما الهمّ، والحزن، والجبن، والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وأصل المعاصي كلها العجز، فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات، وعن الأسباب التي تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها فيقع في المعاصي (٣). قال الإمام ابن القيم ﵀: " التمني رأس أموال المفاليس، والعجز مفتاح كل شر " (٤). وهذا يبين للمسلم- وخاصة الداعية إلى الله أهمية الالتجاء

стр. 255

إلى الله والاستعاذة به من هذه الخصال كلها، ولا سيما الاستعاذة من العجز والكسل؛ لأن العجز: ترك العمل مع عدم القدرة على عمله، والكسل: ترك العمل مع القدرة على عمله؛ لعدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه (١). ويستعيذ الداعية من البخل والجبن؛ لأن الجود: إما بالنفس: وهو الشجاعة، ويقابله الجبن، وإما بالمال وهو السخاوة ويقابله البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة، ولا ينعدمان إلا لمتناهٍ في النقص (٢) وقد قرن رسول الله ﷺ بين: الاستعاذة من الجبن والبخل؛ لأن الإِحسان المتوقع من العبد: إما بماله، وإما ببدنه، فالبخيل مانع لنفع ماله، والجبان مانع لنفع بدنه (٣). ويلتجئ الداعية إلى الله، ويستعيذ به من فتنة الدنيا؛ لأن من أصيب بذلك باع آخرته بما يتعجله في الدنيا من حال ومال (٤) وفتنة المحيا: ما يتعرض له الإِنسان مدة حياته، من الافتتان بالدنيا، والشهوات والجهالات، وأعظمها - والعياذ بالله - سوء الخاتمة عند الموت، وفتنة الدنيا أطلقت على فتنة الدجال؛ لأن فتنته أعظم الفتن في الدنيا، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا (٥) ويستعيذ بالله من فتنة الممات. قال ابن دقيق العيد ﵀: " وفتنة الممات " يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت لقربها منه، وتكون فتنة المحيا - على هذا - ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرفه في الدنيا، ويجوز أن يكون المراد بفتنة الممات: فتنة القبر. . . ولا يكون على هذا متكررا مع قوله: " من عذاب القبر "؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة. . . " (٦).

стр. 256

والاستعاذة من فتنة المحيا والممات: كلمة جامعة لمعانٍ كثيرة (١). ويستعيذ بالله من أرذل العمر؛ لأن الإنسان إذا هرم وضعف: سخف عقله، وعجز عن الفرائض وخدمة نفسه، فيكون كلاّ على أهله ثقيلا بينهم، يتمنون موته؛ فإن لم يكن له أهل فالمصيبة أعظم (٢). فدل ذلك كله على أهمية الاستعاذة والالتجاء إلى الله . وسؤاله العفو والعافية، وهذا من أعظم صفات الداعية إلى الله . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وينبغي أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك " (٣). سابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة إلى الله ؛ لأن النبي ﷺ استعاذ من الجبن والبخل؛ لما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات، والقيام بحقوق الله تعالى، وإزالة المنكر، والإِغلاظ على العصاة؛ ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات، ويقوم بنصر المظلوم، والجهاد، وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال، وينبعث للإِنفاق، والجود، ولمكارم الأخلاق، ويمتنع من الطمع فيما ليس له (٤). قال الإمام النووي ﵀: " قال العلماء: واستعاذته من هذه الأشياء؛ لتكمل صفاته في كل أحواله وَشَرَعَه أيضا تعليما " (٥) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وكان ﷺ يتعوذ من جميع ما ذكر دفعا عن أمته، وتشريعا لهم، ليبيِّن لهم صفة المهم من الأدعية " (٦).

стр. 257

وهذا يبين للداعية أهمية القدوة؛ لأن الناس يستفيدون من أفعال الداعية أكثر مما يستفيدون من أقواله، فينبغي له أن يقتدي برسول الله ﷺ ؛ ليكون قدوة صالحة لغيره (١). ثامنا: من موضوعات الدعوة: تعليم المدعو لهن: الدعاء والأذكار: إن هذين الحديثين يدلان على مشروعية تعليم المدعوين الأدعية النافعة، والأذكار الجامعة؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك مع أصحابه ﵃، قال سعد ﵁ في الحديث الأول من هذين الحديثين: «كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تعلم الكتابة». وهذا يبيِّن للداعية أنه ينبغي له أن يعلم الناس الأذكار المشروعة: أدبار الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم واليقظة، وغير ذلك من الأذكار، ويعلمهم الدعوات الجامعة المشروعة، حتى ينفع الناس (٢) والله المستعان.

стр. 258

٢٦ - باب من حدث بمشاهده في الحرب قَالَه أَبو عثْمَانَ عَنْ سَعْدٍ. [حديث طلحة بن عبيد الله عن يوم أحد] ٣٨ - [٢٨٢٤] حَدَّثَنَا قتَيْبَة بْن سَعِيد: حَدَّثَنَا حَاتِم، عَنْ محَمَّدِ بْنِ يوسفَ، عَنِ السَّائِبِ (١). بْنِ يَزِيدَ قَالَ: " صَحِبْت طَلْحَةَ بْنَ عبيدِ اللهِ (٢). وَسَعْدا لم (٣). والمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ (٤). وَعَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ (٥). ﵃، فَمَا سمِعْت أَحَدا مِنْهمْ يحَدِّث عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، إِلّا أني سَمِعْت طَلْحَةَ يحَدِّث عنْ يَومِ أحدٍ " (٦).

стр. 259

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الورع. ٢ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض عمله الصالح عند الحاجة ليقتدى به. ٣ - أهمية صحبة الأخيار. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الورع: الورع: هو الكف عما لا ينبغي، ثم استعير للكفِّ عن المباح والحلال (١) وقال الإمام ابن القيم ﵀: " الورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة " (٢). وقد دل هذا الحديث على تورع الصحابة ﵃؛ ولهذا قال الوزير العالم ابن هبيرة ﵀: " في هذا الحديث من الفقه تورّع أصحاب رسول الله ﷺ في الحديث " (٣) وقد بين كثير من العلماء أن بعض الصحابة الكبار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ خشية المزيد، والنقصان، والسهو، والدخول في الوعيد (٤) لقوله ﷺ : «من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٥). قال العلامة السندي ﵀: " ولعلهم كانوا يحدثون عند شدة الحاجة، ورغبة الطالب؛ والأحاديث المشهورة عنهم رووها على هذا الوجه، وإلا كيف أشهر هؤلاء هذه الأحاديث. . أو أنهم تركوا الرواية بعد أن بلغوا الغائبين ما كان عندهم من الحديث، ورأوا أن هذا كافٍ في امتثال الأمر، أو حملوا ذلك على الوجوب على الكفاية، فإذا قام به البعض كأبي هريرة سقط الطلب عن الباقين، والله أعلم " (٦).

стр. 260

فينبغي للداعية أن يحفظ حديث رسول الله ﷺ ثم يبلغه غيره، كما ينبغي له أن يكون ورعا متثبتا فلا ينقل عن رسول الله ﷺ ما لم يقل. ثانيا: من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض عمله الصالح عند الحاجة ليقتدى به: دل هذا الحديث على أن ذكر الداعية بعض عمله الصالح عند الحاجة من أساليب الدعوة؛ لأن طلحة ﵁ حدث عن يوم أحد، وما صنع مع رسول الله ﷺ . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وأما حديث طلحة فهو جائز إذا أمنَ الرياء والعجب، ويترقى إلى الاستحباب إذا كان هناك من يقتدي بفعله " (١). وقال العلامة العيني ﵀: " حدث طلحة عن مشاهد يوم أحد؛ ليقتدى به ويرغب الناس في مثل فعله " (٢). وقال ﵀ أيضا: " وفي قول طلحة: ذكر المرء بعمله الصالح ليؤدي ما علم مما لم يعلم غيره؛ لأنه انفرد برسول الله ﷺ حينئذ " (٣). وهذا يوضح للدعاة إلى الله أنه لا حرج أن يخبر الداعية ببعض أعماله الطيبة رغبة في أن يقتدى به في عمله؛ وليرغِّب المدعوين في ذلك، أما الذي يذكر عمله؛ للافتخار، وإظهار فضله: رياء، وسمعة، وعجبا، فهذا عمل قبيح، لا يجوز لمسلم أن يعمله. ثالثا: أهمية صحبة الأخيار: ظهر في هذا الحديث أهمية صحبة الأخيار؛ لأن السائب بن يزيد صحب طلحة، وسعدا، والمقداد، وابن عوف، فاستفاد منهم الورع في الحديث عن رسول الله ﷺ خشية الزيادة أو النقصان، ولا شك أن صحبة الأخيار تزيد في الحلم، والفهم، والتقوى؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه؛ وإما أن تجد منه ريحا طيبه، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك

стр. 261

وإما أن تجد ريحا خبيثة» (١) وقال ﷺ : «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٢) وقال ﷺ : «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (٣) فينبغي للمرء المسلم العناية بصحبة الأخيار؛ ليستفيد منهم، والله المستعان.

стр. 262

٢٨ - باب الكافرِ يَقتل المسلم ثم يسلم فيسدّد بعد ويقتل [حديث يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة] ٣٩ - [٢٨٢٦] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن يوسفَ: أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (١). ﵁ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يَضْحَك الله إِلى رجلَينِ يَقتل أَحَدهمَا الآخرَ يَدخلانِ الجَنَّةَ، يقَاتِل هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فيقْتَل، ثم يَتوب الله عَلَى القَاتِلِ فَيسْتَشْهَد» (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال الله . ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على التوبة النصوح. ٣ - من صفات الداعية: عدم اليأس من رحمة الله . ٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال لله : دل الحديث على أن إثبات صفات الكمال لله من موضوعات الدعوة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة». . " وهذا يدل على إثبات الضحك لله تعالى على الوجه اللائق به (٣). ولا شك أنه ينبغي للداعية أن يبين للمدعوين صفات الكمال لله ، فيصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويمرّ نصوص الصفات

стр. 263

كما جاءت بلا كيف مع الإِيمان بمعانيها، وما تدل عليه. قال الوليد بن مسلم رحمة الله: " سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي في ذكر الرؤية، فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف " (١) وليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيها؛ فالمشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدما، والموَحِّد يعبد إلها واحدا صمدا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢). وينبغي للداعية أن يبين للمخالفين بالحكمة أن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أنا نثبت لله ذاتا لا تشبه الذوات، فكذلك يقال في صفاته: إنها لا تشبه الصفات، فليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا تشبه صفاته صفات المخلوقين. ويقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فمن أثبت بعض الصفات وأول بعضها، فإنه لا فرق بين ما نفاه وبين ما أثبته؛ لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر. ويبين الداعية للمدعوين أن الصفات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله ، فهو لم يزل ولا يزال متصفا بها كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر والغنى والكرم والعظمة والكبرياء والعزة والعلو وغير ذلك من صفات الكمال. القسم الثاني: الصفات الفعلية وهي التي تتعلق بالمشيئة والقدرة: كالاستواء والنزول والمجيء والضحك والرضا والغضب والإحياء والإماتة والفرح والحب وغير ذلك من صفات الكمال وهذه الصفات تتعلق بالمشيئة إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها. والإيمان بجميع الصفات من أعظم الواجبات، وكيفية الصفات لا علم

стр. 264

للعباد بها؛ ولهذا لما سئل الإمام مالك بن أنس ﵀ عن كيفية الاستواء، قال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " (١) وهذا ينطبق على جميع الصفات، وأن الصفات معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة. قال الله : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] (٢) قال الإمام اللالكائي ﵀: " فدلت هذه الآية أنه تعالى في السماء وعلمه محيط بكل مكان: من أرضه، وسمائه، وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة ﵃، ومن التابعين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل " (٣). فينبغي للداعية أن يبين للناس هذه العقيدة كما جاءت في الكتاب والسنة؛ لأن الله أعلم بنفسه . كما ينبغي أن ينفي عن الله صفات النقص التي نفاها عن نفسه ، أو نفاها عنه رسوله ﷺ ، ويبين أن النفي يقتضي إثبات ما يضاده من صفات الكمال، فكل ما نفى الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص فإنها تدل على إثبات ضدها من صفات الكمال (٤).

стр. 265

ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على التوبة النصوح: دل الحديث على أن الحث على التوبة من أهم موضوعات الدعوة؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: ". . . «ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد» وهذا فيه بيان للناس أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها، فينبغي للداعية إلى الله أن يحث المدعوين على التوبة، ويبين لهم أن الله أمر بها، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] (١) وقال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (٢) وقال ﷺ لعمرو بن العاص: " أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله " (٣) وكذلك التوبة تهدم ما كان قبلها إذا كملت شروطها: من الندم، والإِقلاع عن الذنب، والعزيمة على عدم العودة ورد المظالم؛ فإن: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " (٤). ثالثا: من صفات الداعية: عدم اليأس من رحمة : لا شك أن الله يقبل توبة التائبين، وأن الكافر إذا تاب من كفره قبل الله توبته، ولو كان قد قتل أحدا من المسلمين؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، وقد هدمه الإِسلام، فما دون الشرك أولى بالهدم بالإِسلام والتوبة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: " ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد ". فينبغي للتائب عدم اليأس فِي رَوْحِ الله وعدم القنوط من رحمة الله، قال الله ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (٥) وقال ﴿قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفوا عَلَى أَنْفسِهِمْ لا تَقْنَطوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (٦).

стр. 266

رابعا: من وسائل الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على الترغيب في الإِسلام، والترغيب في الجهاد في سبيل الله ، والترغيب في التوبة من جميع المعاصي، فقد بين ﷺ فيه أن القاتل تاب الله عليه وقاتل في سبيل الله فقتل فدخل الجنة. ومعنى هذا الحديث عند العلماء " أن قاتل الأول كان كافرا، وتوبته المذكورة في هذا الحديث: إسلامه " (١) قال الله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] (٢). قال الإِمام ابن عبد البر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " فيه دليل أن كل من قتِلَ في سبيل الله فهو في الجنة - إن شاء الله - وكل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى فهو في الجنة (٣). فينبغي للداعية إلى الله أن يرغب الناس في الإِسلام ويرغبهم في التوبة إلى الله انظر (٤).

стр. 267

[قول أبان بن سعيد ينعى علي قتل رجل مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه] ٤٠ - [٢٨٢٧] حَدَّثَنَا الحمَيْدِيّ: حَدَّثَنَا سفْيَان: حَدَّثَنَا الزّهْرِيّ قَالَ: أَخبرَني عَنْبَسَة بْن سَعِيد، عَنْ أَبي هريْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «أَتَيْت رَسولَ اللهِ ﷺ وَهوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحوهَا فَقلَت: يَا رَسولَ اللهِ أَسْهمْ لِي، فَقَالَ بَعْض بَنِي سَعِيدِ بْن العَاصِ: (٢) لا تسْهِمْ لَه يَا رَسولَ اللهِ، فَقَالَ أبو هرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِل ابْنِ قَوْقَلٍ (٣) فَقَالَ ابْن سعِيدِ بْنِ العَاصِ: وَاعَجَبا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قدومِ ضَأْنٍ (٤) يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجل مسْلِمٍ أَكْرَمَه الله عَلَى يَدَيَّ، وَلَمْ يهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلاَ أَدْرِي أَسْهَمَ لَه أمْ لَمْ يسْهِمْ». قَالَ سفْيَان: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيديّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ. قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: السَّعِيدِيّ هوَ عَمْرو بْن يَحْيَى بنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَعيدِ ابْنِ العاص (٥). وفي رواية: «بَعَثَ رَسول اللهِ ﷺ أَبَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، قَالَ أَبو هرَيْرَةَ: فَقَدِمَ أَبَان وَأَصْحَابه عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحَهَا، وَإِنَّ حزمَ خَيْلِهِمْ لَلِيْف. قَالَ أبو هرَيْرَةَ: يَا رَسولَ اللهِ لا تَقْسِمْ لَهم. قَالَ أَبَان: وَأنتَ بهَذَا يَا وَبْر تَحَدَّرَ مِنْ رَأْسِ ضَأْنٍ. فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " يَا أَبَان اجْلِسْ " فَلَمْ يَقْسِمْ لَهمْ» (٦).

стр. 268

وفي رواية: " أَنَّ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ أَقْبَلَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبو هرَيْرَةَ يَا رَسولَ اللهِ هَذَا قَاتِل ابْنِ قَوْقَلٍ " الحديث (١). * شرح غريب الحديث: وبر ": الوبْر: دويبة على قدر السنور، غبراء أو بيضاء، حسنة العينين، شديدة الحياء، حجازية، والأنثى: وبرة، وجمعها: وبور، ووبار؛ وإنما شبهه بالوبر تحقيرا له (٢). * " تحدر " أي: تَنَزَّل (٣). * " قدوم ضأن " قيل هي ثنية أو جبل بالسراة من أرض دوس (٤). * " ينعى " أي يعيبني بقتل رجلٍ أكرمه الله بالشهادة على يديّ (٥). * " الليف " الليف: ليف جمّار النخل (٦) واحدته ليفة: وهو قشر النخل الذي يجاور السعف (٧). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أدب المدعو مع الداعية. ٢ - الدفاع عن النفس بالصدق والحكمة. ٣ - أهمية إرسال الدعاة إلى البلدان. ٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.

стр. 269

والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أدب المدعو مع الداعية: دل الحديث على أنه ينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع الداعية، فيسلم عليه إذا أقبل، ولا يجادل في مجلسه ولا يخاصم؛ ولهذا الأدب جاء في هذا الحديث: " أن أبان بن سعيد ﵁ أقبل إلى النبي ﷺ ، فسلم عليه "، وهذا من حسن أدبه كون، ومن حسن أدب أبي هريرة ﵁ أنه لم يَردَّ على أبان بن سعيد بحضرة النبي ﷺ ، بل سكت احتراما وإجلالا للنبي ﷺ (١). ثانيا: الدفاع عن النفس بالصدق والحكمة: إن الدفاع عن النفس بالصدق والأسلوب الحسن لا حرج فيه ولا عيب؛ ولهذا قال أبان بن سعيد في هذا الحديث لأبي هريرة ﵁: ". . ينعى عليَّ قتل رجل مسلم أكرمه الله على يَدَيَّ، ولم يهنِّي على يديه "، وهذا الرد صدق وحق وحكمة؛ فإن التائب من الذنب لا لوم عليه ولا توبيخ؛ ولهذا حَجَّ أبان أبا هريرة ﵁ كما حج آدم موسى صلى الله عليهما وسلم، وقد ثبت الحديث بذلك، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك (٢) بيده أتلومني على أمر قدّره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؛ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى» ثلاثا (٣) فالإِنسان لا يلام على الذنب بعد التوبة منه، ولا يلام على المصائب التي أصابته (٤).

стр. 270

ثالثا: أهمية إرسال الدعاة إلى البلدان: إن إرسال الدعاة إلى الله إلى البلدان والأقطار التي ليس فيها من يدعو إلى الله من أهم المهمات؛ ولهذا كان النبي ﷺ يبعث البعوث، ويرسل السرايا للدعوة إلى الله ، ثم لقتال من رد الدعوة ولم يدفع الجزية للمسلمين. وقد ظهر في هذا الحديث ما يدل على ذلك من قول أبي هريرة ﵁ «بعث رسول الله ﷺ أبان على سرية من المدينة قِبَل نجد»، فينبغي لمن له أمر وقدرة مشروعة أن يبعث الدعاة إلى الله ؛ ليبلغوا دين الله ويقيموا الحجة على الناس، والله المستعان (١). رابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب في الجهاد، والإِسلام، والتوبة؛ ولهذا قال أبان بن سعيد ﵁ في شأن أبي هريرة ﵁: " ينعى عليَّ قتل رجل مسلم أكرمه الله على يديَّ ولم يهني على يديه " قال العلامة العيني رحمة الله في فوائد هذا الحديث: " وفيه أن التوبة تمحو ما سلف قبلها من الذنوب: القتل وغيره؛ لقوله: " أكرمه الله على يديَّ، ولم يهنِّي على يديه "؛ لأن ابن قوقل وجبت له الجنة بقتل ابن سعيد له، ولم تجب لابن سعيد النار؛ لأنه أسلم " (٢).

стр. 271

٢٩ - بَاب من اخْتارَ الْغزْوَ على الصّوْمِ [حديث أنس في أبي طلحة أنه ما كان يصوم على عهد النبي من أجل الغزو] ٤١ - [٢٨٢٨] حَدَّثَنَا آدَم: حَدَّثَنَا شعبَة: حَدَّثَنَا ثَابِت البنَانِي قَالَ: سَمِعْت أنسَ بْنَ مَالِكٍ تقدمت (١) ﵁ قَالَ: " كَانَ أَبو طَلْحَة (٢) لَا يَصوم عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قبِضَ النبيّ ﷺ لَمْ أَرَه مفْطِرا إِلَّا يَوْمَ فِطْر أَوْ أَضْحَى ". * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - فضل الجهاد في سبيل الله : ٢ - من القواعد الدعوية: عمل أعْلَى المصلحتين عند التعارض. ٣ - من صفات الداعية: الحرص على فعل الخير. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: فضل الجهاد في سبيل الله : يظهر في هذا الحديث أن الجهاد من أفضل الأعمال الصالحة، وأنه أفضل

стр. 272

من صيام التطوع؛ ولهذا كان أبو طلحة ﵁ يترك صيام التطوع؛ لِيَتَقَوَّى على الجهاد في سبيل الله ؛ لعلمه ﵁ بفضل الجهاد ومكانته من الدين (١). ثانيا: من القواعد الدعوية: عمل أعْلَى المصلحتين عند التعارض: دل الحديث على هذه القاعدة العظيمة، وأن المسلم وخاصة الداعية إلى الله إذا تعارضت عنده مصلحتان ولا يستطيع الجمع بينهما؛ فإنه يأخذ بأعلاهما أجرا وثوابا وفائدة؛ ولهذا قَدَّم أبو طلحة ﵁ الجهاد على صيام التطوع؛ لأن الجهاد من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله وهذا يبين للداعية أهمية الأخذ بأعلى المصالح، والبدء بالأهم فالمهم (٢). ثالثا: من صفات الداعية: الحرص على فعل الخير: يظهر في هذا الحديث أن من الصفات الحميدة الحرص على فعل الخير، وأن ذلك من أهم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ؛ ولهذا حرص أبو طلحة على الجهاد مع رسول الله ﷺ وترك ما يضعفه عنه من صيام التطوع، فلما مات رسول الله ﷺ ، وقوي الإِسلام واشتدت وطأة المسلمين على العدو، ورأى أنه في سعة عما كان عليه من الجهاد، حرص على أن يأخذ بحظه من الصوم؛ ليجمع بين هاتين الطاعتين العظيمتين ﵁ (٣). وهذا يبين للمسلم وخاصة الداعية أهمية الحرص على عمل الخير، والمبادرة إليه: من الصيام المشروع، وغيره من الطاعات التي تجعله قدوة صالحة لغيره من الناس، ولعل قول أنس ﵁ عن أبي طلحة ﵁ " لم أره مفطرا إلا يوم فِطر أو أضحى " كناية عن كثرة الصيام لا عن صيام الدهر، والله

стр. 273

أعلم (١)؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا صام من صام الأبد» (٢) وقد ذكر ابن حجر ﵀ أن ذلك يفيد كراهية صوم الدهر، لأنه ﷺ دعا على من صام الأبد، وقيل «لا صام» للنفي أي ما صام (٣) وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " يحتمل أنه دعاء على من صام الأبد، ويحتمل أنه إخبار بأنه لا صوم له وأنه ليس بصوم شرعي " (٤) وسمعته يقول عن صيام أبي طلحة ﵁ " وهذا يدل على أن أبا طلحة ﵁ لم يبلغه حديث «لا صام من صام الأبد» فلا يجوز صيام الدهر " (٥). فينبغي للداعية أن يكون حريصا على فعل الخير، ولكن يتقيّد بما شرعه الله وبينه رسوله الكريم ﷺ .

стр. 274

٣٠ - بَاب الشَّهادَة سبع سوَى القتل [حديث الطاعون شهادة لكل مسلم] ٤٢ - [٢٨٣٠] حَدَّثَنَا بِشْر بْن محَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللهِ: أَخْبَرَنَا عَاصِم، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِيْنَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (١) ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: «الطَّاعون شَهَادَة لِكلِّ مسْلِم» (٢). وفي رواية: حفصة بنت سيرين مات أخوها يحيى فقال لها أنس بن مالكٍ ﵁ ": " يَحْيَى بم مَات؟ قَالَتْ: قلْت مِنَ الطَاعون، قَالَ: قَالَ رَسول اللهِ ﷺ : «الطَّاعونَ شَهَادة لِكلِّ مسْلم» (٣). * شرح غريب الحديث: " الطاعون " المرض العامّ والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة، والأبدان (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من خصائص الإِسلام: شهداء غير المعركة. ٢ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٣ - من أساليب الدعوة: تسلية المصاب بذكر الثواب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من خصائص الإسلام: شهداء غير المعركة: دل الحديث على أن الطاعون شهادة لكل مسلم خاصة؛ لأن النبي ﷺ قيَّد

стр. 275

هذه الشهادة بالإِسلام كما في نص الحديث: «الطاعون شهادة لكل مسلم»، وهذا يدل على أن الخير العظيم لأهل الإِسلام؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة في فوائد هذا الحديث: " فيه دليل على فضل هذه الأمة على غيرها؛ لأن الطاعون كان بلاء لغيرها، وجعِلَ شهادة لها " (١). وقد بين النبي ﷺ أن الله خص أمته بشهداء كثير فقال ﷺ : «ما تعدون الشهيد فيكم؟ " قالوا يا رسول الله، من قتِلَ في سبيل الله فهو شهيد. قال: " إن شهداء أمتي إذا لقليل " قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: " من قتِلَ في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد» وفي رواية: «والغَرِيق شَهِيد» (٢) وفي حديث آخر: ". . «وصاحب الهدم» (٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة "، ثم ذكر هؤلاء الشهداء (٤) وقال ابن التين ﵀: " هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد ﷺ بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبَلِّغهم بها مراتب الشهداء " (٥) وقال الكرماني ﵀: ". . الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد الدنيا والآَخرة، بأن لا يغسل ولا يصلَّى عليه في الدنيا وله الثواب في الآخرة، وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وشهيد الدنيا؛ بأن لا يغسل ولا يصلَّى عليه في الدنيا ولم يكن له الثواب في الآخرة، وهو من قاتل للرياء والسمعة والغنيمة، وشهيد الآخرة، فيغسل ويصلى عليه وله الثواب في الآخرة كالمطعون. . " (٦) وهذا كله يدل على فضل أمة محمد ﷺ وأن الله خصها بخصائص عظيمة.

стр. 276

ثانيا: من أساليب الدعوة الترغيب: ظهر في هذا الحديث أسلوب الترغيب في الشهادة ولو في غير المعركة، وهو يحث على الصبر والاحتساب، رغبة في الحصول على الشهادة؛ ولهذا بيَّن النبي ﷺ في هذا الحديث أن " الطاعون شهادة لكل مسلم " وثبت عنه ﷺ «أن الطاعون " كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد» (١). فينبغي للداعية أن يرغب المدعوين في احتساب الثواب والصبر للرغبة في ذلك، وسؤال الله العافية في الدنيا والآخرة (٢). ثالثاَ: من أساليب الدعوة: تسلية المصاب بذكر الثواب: إن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ، تسلية المصاب بذكر الثواب من الله ولهذا ذكر أنس بن مالك ﵁ في هذا الحديث لحفصة بنت سيرين ثواب من مات بالطاعون؛ لأنه لما توفي أخوها يحيى، قال لها أنس ﵁: " يحيى بمَ مات؟ قالت: قلت من الطاعون. قال: قال رسول الله ﷺ : «الطاعون شهاَدة لكل مسلم». فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب مع من أصيب بمصائب في الأهل أو النفس أو المال، والله المستعان.

стр. 277

٣١ - باب قولِ الله ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] (١). [حديث سبب نزول قوله تعالى غير أولي الضرر] ٤٣ - [٢٨٣١] حَدَّثَنَا أَبو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شعْبَة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْت البَرَاءَ (٢) ﵁ يَقول: «لمَا نَزَلَت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دَعَا رِسول اللهِ ﷺ زَيْدا (٣) فَجَاءَ بِكتَابٍ فَكَتَبَهَا. وَشَكَا ابن أمِّ مَكْتوم (٤) ضَرارتَه فنزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]» (٥). وفي رواية: عن البراء ﵁ قال: «لَمَا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] قَالَ النَّبِيّ ﷺ " ادْع لي زَيْدا، وَلْيَجِيء بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ والْكَتِفِ - أَوْ الْكَتِفِ والدَّوَاةِ " ثمَّ قَالَ: " اكْتبْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] وَخَلْفَ ظَهْرِ النَّبِيّ ﷺ عَمْرو ابْن أمِّ مَكْتومٍ الأَعْمَى، فَقَالَ يَا رَسولَ اللهِ فَمَا تَأْمرني؛ فَإني رَجل ضرير الْبَصَرِ؟ فنَزَلَتْ مَكَانَها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]

стр. 278

[والمجاهدون في سبيل الله] ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]» الآية / (١). [حديث آخر في سبب نزول قوله تعالى غير أولي الضرر] ٤٤ - [٢٨٣٢] حَدَّثَنَا عَبْد العَزِيزِ بْن عَبدِ اللهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْدِ الزّهْرِيّ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِح بْن كَيْسَانَ، عَن ابْنِ شهَاب، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنه قَالَ: «رَأَيْت مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ جَالِساَ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلْت حَتَّى جَلَسْت إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرنَا أَنَّ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخبرَه: أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] قَالَ فَجَاءَه ابْن أمِّ مَكْتومٍ وهوَ يملهَا عَلَيَّ فَقَالَ: يَا رَسولَ اللهِ لَوْ أَسْتَطِيع الجِهَادَ لَجَاهَدْت - وَكَانَ رَجلا أَعْمَى - فَأَنزَلَ الله تَعَالَى عَلَى رَسولِهِ ﷺ وَفَخِذه عَلَى فَخِذِي. فَثَقلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْت أَنْ ترَضَّ فَخِذِي. ثمَّ سرِّيَ عَنْه، فَأَنزَلَ الله : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]» (٢). * شرح غريب الحديثين: * " الكتف ": عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان (٣). " الدواة " هي: المحبرة (٤). " ترَضّ " الرضّ: الكسر، والدق بالحجر، بمعنى واحد (٥). " سرِّيَ عنه " أي: كشِفَ عنه الخوف، وقد تكررت هذه اللفظة في الأحاديث، وخاصة في ذكر نزول الوحي عليه ﷺ ، وكلها بمعنى: الكشف والإِزالة، يقال: سرَوْت الثَوْبَ: وَسريْته: إذا خَلَعته. والتشديد فيه للمبالغة (٦).

стр. 279

* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله . ٢ - النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل عند عدم الاستطاعة. ٣ - أهمية تقييد العلم بالكتابة. ٤ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث. ٥ - الترغيب في الجهاد في سبيل الله . ٦ - من خصائص الإِسلام: رفع الحرج. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله : دل هذان الحديثان على أن الرغبة فيما عند الله من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، وخاصة الداعية إلى الله ؛ ولهذه الرغبة حزن عمرو ابن أم مكتوم على الجهاد، ورغب فيه: رغبة في فضله وفضل الشهادة في سبيل الله فقال ﵁ عندما سمع قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت؛ لأنه ﵁ كان أعمى، وقال: يا رسول الله فما تأمرني فإني ضرير البصر، وهذا كله يدل على الرغبة فيما عند الله (١). ثانيا: النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل عند عدم الاستطاعة: دل الحديثان على أن النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل عند عدم استطاعة العبد لذلك؛ ولهذا لما صلحت نية عمرو ابن أم مكتوم وصدق حبه للجهاد كتب الله له أجر نيته الصالحة؛ قال الإِمام ابن العربي: " فيه تسوية المعذور والقادر العامل في الأجر من دليل الكتاب والسنة " (٢) والآية نص صريح في تسوية أولي الضرر بالمجاهدين في الأجر والثواب إذا صلحت نيَّاتهم.

стр. 280

قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نيَّاتهم " (١) وقال العلامة العيني ﵀: " وفيه أن من حبسه العذر عن الجهاد وغيره من أعمال البر مع نية فيه فله أجر المجاهد والعامل؛ لأن نص الآية على المفاضلة بين المجاهد والقاعد، ثم استثنى من المفضولين أولي الضرر، وإذا استثناهم منها فقد ألحقهم بالفاضلين " (٢) وهذا يبيِّن للمسلم وخاصة الداعية إلى الله أهمية النية الصالحة (٣). ثالثا: أهمية تقييد العلم بالكتابة: إن تقييد العلم بالكتابة من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها عناية خاصة؛ ولهذا أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت ﵁ بكتابة هذه الآية في هذين الحديثين وفي غيرهما. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي أحاديث الباب من الفوائد: اتخاذ الكاتب، وتقريبه، وتقييد العلم بالكتابة " (٤) وهذا يدل على أهمية ضبط العلم بالكتابة (٥). رابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: إن من الصفات الحميدة: العناية والدقة في نقل الحديث، وفي نقل العلم للناس، وقد دل الحديث على هذه الصفة في قول الراوي: " وليجيء باللّوح والدواة، والكتف - أو الكتف والدواة - "، قال الإمام الكرماني ﵀ " شكّ الراوي في تقديم الدواة على الكتف وتأخيرها " (٦) وهذا يدل على حرص السلف الصالح ﵏ على الدقة في نقل العلم وتبليغه كما سمعوه (٧).

стр. 281

خامسا: الترغيب في الجهاد في سبيل الله : ظهر في هذين الحديثين الترغيب في الجهاد في سبيل الله ، وأن المجاهد له الدرجات العلى؛ لأن الحديثين اشتملا على قول الله ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] (١) وقال في الآية التي بعدها: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] (٢) وهذا ترغيب عظيم لأهل الإِيمان في الجهاد في سبيل الله (٣). سادسا: من خصائص الإسلام: رفع الحرج: دل هذان الحديثان على أن الإِسلام دين السماحة واليسر على الناس، وأنه يرفع الحرج، وأن الله لا يكلف عباده إلا بما يطيقون. وذلك أن النبي ﷺ أملى على زيد بن ثابت ﵁ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] (٤) فقال ابن أم مكتوم ﵁: " يا رسول الله فما تأمرني؛ فإني رجل ضرير البصر [لو استطعت الجهاد لجاهدت؟] " فأنزل الله : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فما أعظم هذه السماحة والتشريع، وما أكرم الله وأرحمه بعباده، ومن رحمته أن رفع عنهم الحرج (٥) كما قال : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٦) وقال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٧) فينبغي للداعية أن يبين للناس سماحة الإِسلام وتيسيره على الناس ورفع الحرج عنهم (٨).

стр. 282

٣٣ - باب التحريض على القتال ، وقول الله تعالى ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] (١). [حديث اللهم إن العيش عيش الآخرة] ٤٥ - [٢٨٣٤] حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن محَمَّدِ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة بْن عَمْرو: حَدَّثَنَا أبو إِسْحَاقَ، عَنْ حمَيْد قَالَ: سَمِعْت أَنسا (٢) ﵁ يَقول: «خَرَجَ رَسول الله ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإذَا الْمهَاجِرونَ والأنصَار يَحْفِرونَ فِي غَدَاة بَارِدَة، فَلَمْ يَكنْ لهمْ عَبِيد يَعْمَلونَ ذَلِكَ لَهمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجوعِ قَالَ: " اللَّهمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْش الآخِرَة، فَاغْفِر لِلأَنْصَارِ وَالْمهَاجِرَة. فَقَالوا مجِيبِينَ لَه ": نحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بقينَا أَبَدا » (٣). وفي رواية: «جَعَلَ المهَاجِرونَ والأنصار يَحْفرونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَة، ويَنْقلونَ التّرَابَ عَلَى متونهِمْ، وَيَقولونَ: نحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بقِينَا أَبَدا والنَّبِي ﷺ يجِيبهمْ وَيَقول: " اللَّهمَّ إِنَّه لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْر الآخِرَة فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ والْمهَاجِرَة» (٤). وفي رواية: «اللَّهمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْش الآخرة، فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمهَاجِرَة» (٥).

стр. 283

وفي رواية: «لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْش الآخرة، فَأَصْلحِ الأَنْصَارِ وَالْمهَاجِرَة» (١). وفي رواية: أَنهم يَقولونَ: "نَحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الإِسْلاَمِ مَا تقِينَا أَبَدا" وفيها: «يؤتَوْنَ بِمِلْءِ كَفَّي مِنَ الشَّعِيرِ، فَيصْنَع لَهمْ بِإِهَالَة سَنِخَة توضَع بَيْنَ يَدَي الْقَوْم، والْقَوْم جِيَاع وَهِي بَشِعَة في الحَلْقِ وَلَهَا رِيح منْتِن» (٢) ٣٤ - باب حَفْر الْخنْدَقِ [حديث لولا أنت ما اهتدينا] ٤٦ - [٢٨٣٦] حَدَّثَنَا أَبو الولِيدِ: حَدَّثَنَا شعْبَة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْت الْبَرَاءَ (٣) ﵁ يَقول: كَانَ النَّبِي ﷺ يَنْقل وَيَقول: «لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا» (٤). وفي رواية: «رَأَيت رَسولَ الله ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقل التّرابَ - وَقَدْ وَارَى التّراب بَياضَ بَطْنِه - وَهوَ يَقول: " لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صلَّيْنَا فأَنزِلِ السَّكينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا إنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادَوْا فِتْنَة أَبيْنَا » (٥).

стр. 284

وفي رواية: «رَأَيْت رَسولَ الله ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهو يَنْقل التّرَابَ حَتَّى وَارَى التّرَاب شَغرَ صَدْرِه، - وَكَانَ رَجلا كَثِيرَ الشَّعْرِ - وَهوَ يَرْتَجِز بِرَجَزِ عَبْد الله [بن رواحة]: اللَّهمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا فأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا إنَّ الأَعْدَاء قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادوا فِتْنَة أَبيْنَا يَرْفَع بِهَا صوْتَه» (١). وفي رواية: «يَرْفَع بِهَا صَوْتَه ": " أَبَيْنَا أَبَيْنَا» (٢). «ثمَّ يَمدّ صَوْتَه بِآخِرِها» (٣). * وفي رواية: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقل مَعَنَا التّرَابَ وَهوَ يَقول: والله لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... ولاَ صمْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا فأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا والمشْرِكونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادوا فِتْنَة أَبيْنَا» (٤). * وفي رواية: «كَانَ النَّبِي ﷺ يَنْقل التّرَابَ يَوْم الخَنْدَقِ حَتَّى أغْمَرَ بَطْنه أَو اغْبَرَّ بَطْنه» (٥). * شرح غريب الحديثين: * " غداة باردة " غَدَا يَغْدو غدوّا، والغدْوَة: ما بين صلاة الغداة [الفجر] وطلوع الشمس (٦).

стр. 285

* " النصب ": التعب (١). * " متونهم " المتن من كل شيء: ما صلب ظهره، والجمع متون، وهو من الظهر: ما اكتنف أعلى الصلب من العصب واللحم، وهما متنان. والصلب: عظم من مغرس العنق إلى عَجْب الذنب (٢). * " بإهالة سنخة " الإِهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به، والودك، والسنخة: المتغيرة الريح، والمقصود: الدهن المتغير (٣). * " بشعة في الحلق " البشع: الكريه الطعم والرائحة (٤). * " الألَى " بوزن العلَى، فهو جمع لا واحد له من لفظه، واحِده: الذي (٥) وجمعه: الذين (٦). * " أغمر بطنه ": وارى التراب جلده وستره (٧). * الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على أخذ الحذر والأهبة لصد أعداء الإِسلام. ٣ - من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق. ٤ - من سنن الله : الابتلاء والامتحان.
следующие страницы →