← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

خامسا: الترغيب في الجهاد في سبيل الله : ظهر في هذين الحديثين الترغيب في الجهاد في سبيل الله ، وأن المجاهد له الدرجات العلى؛ لأن الحديثين اشتملا على قول الله ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] (١) وقال في الآية التي بعدها: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] (٢) وهذا ترغيب عظيم لأهل الإِيمان في الجهاد في سبيل الله (٣). سادسا: من خصائص الإسلام: رفع الحرج: دل هذان الحديثان على أن الإِسلام دين السماحة واليسر على الناس، وأنه يرفع الحرج، وأن الله لا يكلف عباده إلا بما يطيقون. وذلك أن النبي ﷺ أملى على زيد بن ثابت ﵁ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] (٤) فقال ابن أم مكتوم ﵁: " يا رسول الله فما تأمرني؛ فإني رجل ضرير البصر [لو استطعت الجهاد لجاهدت؟] " فأنزل الله : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فما أعظم هذه السماحة والتشريع، وما أكرم الله وأرحمه بعباده، ومن رحمته أن رفع عنهم الحرج (٥) كما قال : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٦) وقال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٧) فينبغي للداعية أن يبين للناس سماحة الإِسلام وتيسيره على الناس ورفع الحرج عنهم (٨).

стр. 282

٣٣ - باب التحريض على القتال ، وقول الله تعالى ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] (١). [حديث اللهم إن العيش عيش الآخرة] ٤٥ - [٢٨٣٤] حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن محَمَّدِ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة بْن عَمْرو: حَدَّثَنَا أبو إِسْحَاقَ، عَنْ حمَيْد قَالَ: سَمِعْت أَنسا (٢) ﵁ يَقول: «خَرَجَ رَسول الله ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإذَا الْمهَاجِرونَ والأنصَار يَحْفِرونَ فِي غَدَاة بَارِدَة، فَلَمْ يَكنْ لهمْ عَبِيد يَعْمَلونَ ذَلِكَ لَهمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجوعِ قَالَ: " اللَّهمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْش الآخِرَة، فَاغْفِر لِلأَنْصَارِ وَالْمهَاجِرَة. فَقَالوا مجِيبِينَ لَه ": نحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بقينَا أَبَدا » (٣). وفي رواية: «جَعَلَ المهَاجِرونَ والأنصار يَحْفرونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَة، ويَنْقلونَ التّرَابَ عَلَى متونهِمْ، وَيَقولونَ: نحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بقِينَا أَبَدا والنَّبِي ﷺ يجِيبهمْ وَيَقول: " اللَّهمَّ إِنَّه لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْر الآخِرَة فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ والْمهَاجِرَة» (٤). وفي رواية: «اللَّهمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْش الآخرة، فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمهَاجِرَة» (٥).

стр. 283

وفي رواية: «لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْش الآخرة، فَأَصْلحِ الأَنْصَارِ وَالْمهَاجِرَة» (١). وفي رواية: أَنهم يَقولونَ: "نَحْن الَّذِينَ بَايَعوا محَمَّدا ... عَلَى الإِسْلاَمِ مَا تقِينَا أَبَدا" وفيها: «يؤتَوْنَ بِمِلْءِ كَفَّي مِنَ الشَّعِيرِ، فَيصْنَع لَهمْ بِإِهَالَة سَنِخَة توضَع بَيْنَ يَدَي الْقَوْم، والْقَوْم جِيَاع وَهِي بَشِعَة في الحَلْقِ وَلَهَا رِيح منْتِن» (٢) ٣٤ - باب حَفْر الْخنْدَقِ [حديث لولا أنت ما اهتدينا] ٤٦ - [٢٨٣٦] حَدَّثَنَا أَبو الولِيدِ: حَدَّثَنَا شعْبَة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْت الْبَرَاءَ (٣) ﵁ يَقول: كَانَ النَّبِي ﷺ يَنْقل وَيَقول: «لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا» (٤). وفي رواية: «رَأَيت رَسولَ الله ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقل التّرابَ - وَقَدْ وَارَى التّراب بَياضَ بَطْنِه - وَهوَ يَقول: " لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صلَّيْنَا فأَنزِلِ السَّكينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا إنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادَوْا فِتْنَة أَبيْنَا » (٥).

стр. 284

وفي رواية: «رَأَيْت رَسولَ الله ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهو يَنْقل التّرَابَ حَتَّى وَارَى التّرَاب شَغرَ صَدْرِه، - وَكَانَ رَجلا كَثِيرَ الشَّعْرِ - وَهوَ يَرْتَجِز بِرَجَزِ عَبْد الله [بن رواحة]: اللَّهمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا فأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا إنَّ الأَعْدَاء قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادوا فِتْنَة أَبيْنَا يَرْفَع بِهَا صوْتَه» (١). وفي رواية: «يَرْفَع بِهَا صَوْتَه ": " أَبَيْنَا أَبَيْنَا» (٢). «ثمَّ يَمدّ صَوْتَه بِآخِرِها» (٣). * وفي رواية: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقل مَعَنَا التّرَابَ وَهوَ يَقول: والله لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... ولاَ صمْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا فأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا والمشْرِكونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادوا فِتْنَة أَبيْنَا» (٤). * وفي رواية: «كَانَ النَّبِي ﷺ يَنْقل التّرَابَ يَوْم الخَنْدَقِ حَتَّى أغْمَرَ بَطْنه أَو اغْبَرَّ بَطْنه» (٥). * شرح غريب الحديثين: * " غداة باردة " غَدَا يَغْدو غدوّا، والغدْوَة: ما بين صلاة الغداة [الفجر] وطلوع الشمس (٦).

стр. 285

* " النصب ": التعب (١). * " متونهم " المتن من كل شيء: ما صلب ظهره، والجمع متون، وهو من الظهر: ما اكتنف أعلى الصلب من العصب واللحم، وهما متنان. والصلب: عظم من مغرس العنق إلى عَجْب الذنب (٢). * " بإهالة سنخة " الإِهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به، والودك، والسنخة: المتغيرة الريح، والمقصود: الدهن المتغير (٣). * " بشعة في الحلق " البشع: الكريه الطعم والرائحة (٤). * " الألَى " بوزن العلَى، فهو جمع لا واحد له من لفظه، واحِده: الذي (٥) وجمعه: الذين (٦). * " أغمر بطنه ": وارى التراب جلده وستره (٧). * الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على أخذ الحذر والأهبة لصد أعداء الإِسلام. ٣ - من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق. ٤ - من سنن الله : الابتلاء والامتحان.

стр. 286

٥ - من صفات الداعية: الزهد. ٦ - من أساليب الدعوة: إنشاد الشعر الممدوح والرجز. ٧ - من وسائل الدعوة: تسلية المدعوين وتنشيطهم. ٨ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء. ٩ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ١٠ - من أساليب الدعوة: رفع الصوت في الخطب والمواعظ. ١١ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ١٢ - من صفات الداعية: التواضع. ١٣ - من صفات الداعية: إعانة المدعوين. ١٤ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم. ١٥ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار. ١٦ - من صفات الداعية: إثبات النعم لله والثناء عليه بها. ١٧ - من صفات الداعية: الاستفادة مما عند الآخرين. ١٨ - من صفات الداعية: الدقة في نقل الحديث. ١٩ - أهمية استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ . والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل الحديثان على أن الأخذ بالأسباب، لا ينافي التوكل على الله ؛ ولهذا عمل النبي ﷺ بفعل الأسباب وهو إمام المتوكلين، فحفر الخندق، وحمل التراب، وأمر أصحابه بذلك، وكان النبي ﷺ يأخذ بالأسباب ويأمر بفعلها، ويستعين بالله ، وبعد الفراغ من الأسباب لا يعتمد عليها بلَ يعتمد بقلبه على الله ، (١) وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " لابد من الأخذ بالأسباب، ومن هذه الأسباب حفر الخندق؛ لأنه يعطل الأعداء عن اجتياح المدينة " (٢).

стр. 287

وهذا يبين للداعية أهمية الأخذ بالأسباب النافعة في الدعوة إلى الله (١). ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث علي أخذ الحذر والأهبة لصد أعداء الإسلام: ظهر في هذين الحديثين أهمية الحث على التحصن من العدو وأخذ الحذر، والأهبة؛ ولهذا عمل النبي ﷺ بنفسه مع أصحابه وحفروا الخندق، وتأهبوا لقتال عدوّهم وصده، وأخذوا الحذر منه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٢). وهذا يبين للداعية أهمية الحث على أخذ الحذر من أعداء الإِسلام، والإِعداد وأخذ الأهبة لصدهم عن ديار المسلمين. ثالثا: من صفات الداعية: الصبر وتحمل المشاق: دل الحديثان على صبر النبي ﷺ وأصحابه ﵃ على مشاق الدعوة، والاستعداد لقتال أعداء الإِسلام؛ ولهذا صبروا على الجوع، والتعب في حفر الخندق، ونقل التراب على ظهورهم. وسوف يجازيهم الله على عملهم بأن يثيبهم بغير حساب قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٣). فينبغي الصبر والمصابرة على مشاق الدعوة والجهاد في سبيل الله ، (٤) قال اللِّه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (٥). رابعا: من سنن الله : الابتلاء والامتحان: الله يبتلي ويختبر عباده بالسراء والضراء، وبالخير والشر، فهذا رسول

стр. 288

الله ﷺ أفضل البشر، وهؤلاء الصحابة ﵃ أفضل الناس بعد الأنبياء: يصيبهم ما أصابهم من الجوع، والمشقة، والخوف أثناء حفر الخندق، فصبروا على ذلك ابتغاء وجه الله (١). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " وهذه من مناقب الصحابة وصبرهم على الجهاد، وهذا من ابتلاء الله لأوليائه " (٢) وقد ثبت أن النبي ﷺ عصب بطنه بحجر من الجوع أثناء حفر الخندق، وبقي هو ومن معه في الحفر ثلاثة أيام لا يذوقون طعاما (٣). فينبغي للداعية إلى الله أن يسأل الله العافية، وإذا أصابه ابتلاء واختبار صبر، واحتسب الثواب من الله . خامسا: من صفات الداعية: الزهد: دل الحديثان على زهد النبي ﷺ وأصحابه في الدنيا، وإيثارهم ما عند الله على ملذاتها؛ ولهذا قال ﷺ : «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» فالعيش الباقي والدائم المعتبر والمستمر والمطلوب، هو عيش الآخرة، وأما عيش الدنيا فإنه متاع زائل (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي هذين الحديثين إشارة إلى تحقير عيش الدنيا لما يعرض له من التكدير وسرعة الفناء " (٥). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله: " العيشة الهنيئة الراضية هي عيش الآخرة، وأما الدنيا فإنها مهما طاب عيشها فمآلها إلى الفناء، وإذا لم يصحبها عمل صالح فإنها خسارة " (٦).

стр. 289

قال الله ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (١) وقال : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧] (٢). وهذا يبين للداعية أهمية الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله ؛ لأنه هو الباقي الذي لا يفنى ولا يموت أهله (٣). سادسا: من أساليب الدعوة: إنشاد الشعر الممدوح والرجز: لا شك أن إنشاد الشعر المحمود، والرجز الممدوح من أساليب الدعوة إلى الله تعالى؛ ولهذا فعله ﵊ في حفر الخندق مع أصحابه، وهذا الرجز منسوب إلى عبد الله بن رواحة ﵁، قال العلامة العيني ﵀: " وفيه استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس، وإثارة الأنفة ودفع المَعَرَّة " (٤). وهذا يبيِّن أهمية استخدام هذا الأسلوب عند الحاجة إليه مع الالتزام بالمحمود منه واجتناب المذموم (٥). سابعا: من وسائل الدعوة: تسلية المدعوين وتنشيطهم: إن من الوسائل التي تنشط المدعو وتزيد في عزيمته ما يستعمله الداعية من الوسائل المباحة أو المشروعة، ومن هذه الوسائل إنشاد الشعر المباح والرجز الممدوح، وقد دل فعل النبي ﷺ مع أصحابه في هذين الحديثين على ذلك. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه أن في إنشاد الشعر تنشيطا في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز " فتح (٦) وقال ﵀: " الرجز من بحور الشعر على الصحيح وجرت عادة

стр. 290

العرب باستعماله في الحرب، ليزيد في النشاط ويبعث الهمم " (١) وهذا يوضح للداعية أن الشعر المحمود والرجز الممدوح من الوسائل النافعة مع بعض المدعوين. ثامنا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: لا ريب أن الدعاء للمدعو من الأساليب النافعة التي تجذب قلوب المدعوين؛ وقد دعا ﷺ للصحابة في هذين الحديثين بأدعية مباركة منوعة منها: " اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة " وقال: ". . . فبارك في الأنصار والمهاجرة " وقال: " فأكرم الأنصار والمهاجرة " " فأصلح الأنصار والمهاجرة " دعوات مباركات أحب إلى المهاجرين والأنصار من الدنيا وما فيها (٢). تاسعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل الحديثان على أهمية القدوة الحسنة في الدعوة إلى الله ؛ ولهذا عمل النبي ﷺ مع الصحابة بنفسه، فحفر معهم الخندق، وذاق ألم الجوع والتعب معهم، فقَوِي حماسهم ونشطت نفوسهم، قال الحافظ ابن حجر ﵀: " في مباشرته ﷺ الحفر بنفسه تحريض للمسلمين على العمل ليتأسوا به في ذلك " (٣) فينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة للمدعوين (٤). عاشرا: من أساليب الدعوة: رفع الصوت في الخطب والمواعظ: إن من أساليب الدعوة التي تزيد في نشاط المدعو رفع الصوت بالخطب والمواعظ؛ ولهذا رفع صوته ﷺ في الحديث الثاني من هذين الحديثين حيث

стр. 291

قال: «إذا أرادوا فتنة أبينا» قال الراوي: " يرفع بها صوته " وفي رواية: " يمد صوته بآخرها " قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه جواز رفع الصوت في عمل الطاعة لينشِّط نفسه وغيره " (١). * وقد كان هديه ﷺ رفع الصوت في الخطب؛ ليستفيد الناس منها؛ ولينتبهوا ولا يصيبهم الكسل والنعاس (٢) فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش» (٣). فينبغي للداعية أن يكون نشيطا برفع صوته على حسب الحاجة وحسب ما يناسب المدعو، والزمان، والمكان. الحادي عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن أسلوب الترغيب من أنفع الأساليب في ترغيب المدعوين في الخير والعمل به، وقد ظهر في هذين الحديثين في قوله ﷺ : " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " فَنشَّط هذا الأسلوب الصحابة ﵃، وشوَّقهم في العمل، ورغّبهم في عيش الآخرة؛ لأنه الذي يدوم ويبقى؛ ولهذا النشاط والرغبة قالوا: " نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ". فينبغي العناية بهذا الأسلوب؛ لما فيه من النفع للمدعوين (٤). الثاني عشر: من صفات الداعية: التواضع: إن من أعظم الصفات الحميدة التواضع، وقد دل هذان الحديثان على هذه الصفة؛ لأن النبي ﷺ أفضل البشر، وسيد ولد آدم ﷺ ومع ذلك يحفر مع أصحابه الخندق، ويواري التراب بطنه، ويربط الحجر على بطنه من الجوع، ويقدَّم بين يديه في هذا المكان الطعام الذي له ريح منتن كما قال الراوي:

стр. 292

" يؤتون بملء كفَّي من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنِخة، وتوضع بين يدي القوم، والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن "؛ قال الإِمام ابن أبي جمرة ﵀: " فيه دليل على تواضع النبي ﷺ وحسن خلقه؛ إذْ أنه في الفضل حيث هو، ومع ذلك الفضل العظيم كان ينقل التراب مع أصحابه، كأنه واحد منهم " (١). فينبغي للداعية أن يكون متواضعا لله مع المدعوين وغيرهم. الثالث عشر: من صفات الداعية: إعانة المدعوين: إن من الصفات التي ينبغي أن يلتزم بها الداعية: إعانة المدعوين، ومشاركتهم في عمل الخير؛ لأن أفضل الناس محمد بن عبد الله ﷺ كان يعين أصحابه ويشاركهم في أعمال الجهاد وغيره، ويشاركهم في حفر الخندق كما في هذين الحديثين؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀ في فوائد الحديث الثاني: " فيه دليل على أن الإِمام ينزل للخدمة مع أصحابه، إذا كانوا في أمور الحرب وإعانتهم فيما نحن بسبيله " (٢). الرابع عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل الحديث الثاني من هذين الحديثين على أن النبي ﷺ استخدم أسلوب القسم في قوله ﷺ : « والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا » فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه؛ لأنه يثبت المعاني في القلوب ويحملها على التصديق (٣). الخامس عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: ظهر في الحديث الثاني من هذين الحديثين أسلوب التوكيد بتكرير الكلمة في قوله ﷺ : " أبينا أبينا " ولا شك أن هذا الأسلوب مهم في تثبيت المعاني

стр. 293

في القلوب، وحملها على التصديق؛ قال العلامة الملا علي القاري ﵀ في قوله ﷺ : " أبينا أبينا " " مكرر للتأكيد والتلذذ، والتسميع لغيره من المسلمين والكافرين " (١). فينبغي العناية بأسلوب التأكيد بالتكرار؛ لما له من الأهمية في الدعوة إلى الله (٢). السادس عشر: من صفات الداعية: إثبات النعم لله والثناء عليه بها: دل حديث البراء ﵁ على أن من الصفات الحميدة إثبات النعم لله والتحدث بها والثناء على الله بذلك، لقوله ﷺ في هذا الحديث: « اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا » قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: " فيه دليل على أن أفعال الخير تنسب إلى الله وإن كان العبد هو المتسبب فيها؛ لأن المولى ﷻ هو المنعم بها " (٣). فينبغي للداعية أن ينسب جميع النعم لله تعالى، ويشكره عليها، ويتحدث بها؛ قال الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] (٤) وقال : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (٥) وقال : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] (٦). السابع عشر: من صفات الداعية: الاستفادة مما عند الآخرين: إن من صفات الداعية الاستفادة مما عند الآخرين، مما يجلب المنفعة ويحقق المصلحة؛ لحماية الدين والذود عن حياضه، وتبليغه للناس؛ وقد

стр. 294

دل مفهوم الحديثين على ذلك، فقد ذكر كثير من العلماء أن سبب حفر الخندق مشورة سلمان الفارسي ﵁ على النبي ﷺ بحفر الخندق؛ لأن سلمان قال: " إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا " فأمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة (١) وهذا وغيره يوضح للداعية أنه لا حرج من الاستفادة مما عند الآخرين إذا كان فيه نفع للإِسلام والمسلمين، وليس فيه مخالفة للشرع. الثامن عشر: من صفات الداعية: الدقة في نقل الحديث: دل حديث البراء ﵁ أن من الصفات التي ينبغي أن يعتني بها الداعية عناية خاصة: الدقة والصحة فيما يقول وينقل للناس؛ ولهذا جاء في هذا الحديث أن الراوي قال: " كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغمرَّ بطنه، أو اغبرَّ بطنه " قال الحافظ ابن حجر ﵀: " شك الراوي " (٢) وهذا يدل على عناية السلف بضبط الحديث، وبيانه للناس على الوجه الأكمل (٣). التاسع عشر: أهمية استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ : ظهر في هذين الحديثين أنه ينبغي للمدعو أن يستجيب لله ولرسوله ﷺ ، ويتحمل المشاق في سبيل العمل بهذا الدين، وقبول الدعوة: استجابة لله ورسوله ﷺ . كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (٤) وقد ظهر ذلك في هذين الحديثين؛ لقول الصحابة ﵃: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا فينبغي لكل عبد من عباد الله أن يستجيب لله ولرسوله ﷺ .

стр. 295

٣٥ - باب مَنْ حبَسه العذْر عن الغزْو [حديث إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه] ٤٧ - [٢٨٣٨] حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يونسَ: حَدَّثَنَا زهَيْر: حَدَّثَنَا حمَيْد أَن أنسا (١) حَدَّثَهمْ قَالَ: «رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَة تَبوك مع النبي ﷺ » (٢). وفي رواية: أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ فِي غَزَاة فَقَالَ: «إِنَّ أَقْوَاما بالْمَدِينة خَلْفَنَا مَا سلَكْنَا شِعْبا وَلَا وَادِيا إلَّا وَهمْ مَعَنَا فِيه، حَبَسَهم العذْر» (٣). وفي رواية: أَنَ رَسولَ الله ﷺ «رَجَعَ مِنْ غَزْوَة تَبوك، فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَة فَقَالَ: " إِنَّ بِالْمَدِينَة أَقْوَاما مَا سِرتمْ مَسِيرا، وَلَا قطعْتمْ وَادِيا إِلَّا كَانوا مَعَكم، قَالوا: يَا رَسولَ الله، وَهمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ وَهمْ بِالْمَدِينَة حَبَسَهم الْعذْر» (٤). * شرح غريب الحديث: * " شعبا " الشعب ما انخفض بين جبلين، وكان كالدرب (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - حرص الصحابة ﵃ على الجهاد وعدم تخلفهم بغير عذر. ٢ - من صفات الداعية: النية الصالحة. ٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٤ - من ميادين الدعوة: طرق السير. ٥ - من خصائص الإِسلام: اليسر والسماحة ورفع الحرج.

стр. 296

والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: حرص الصحابة ﵃ على الجهاد وعدم تخلفهم بغير عذر: ظهر في هذا الحديث عظم حرص الصحابة ﵃ على الجهاد في سبيل الله ، وعدم تخلفهم بدون عذر؛ ولهذا أخبر النبي ﷺ عن حرصهم العظيم على ذلك فقال: «إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر»، فينبغي لكل مسلم أن يقتدي برسول الله ﷺ وأصحابه في الحرص على الجهاد في سبيل الله ؛ (١) ولهذا الحرص العظيم كان الفقراء من الصحابة إذا لم يقبلهم رسول الله ﷺ في الغزو بكوا وحزنوا، قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] (٢). ثانيا: من صفات الداعية: النية الصالحة: دل الحديث على أن النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل، وأن من فضل الله إثابة العبد إذا عجز عن القربة والطاعة، مع عزمه عليها؛ ولهذا قال ﷺ : «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» وقد بين ﷺ أنه حبسهم العذر؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل " (٣). وهذا يوضح للداعية أهمية النية الصالحة وعلوَّ مكانتها، فينبغي الصدق والعزيمة في تصحيح النية وإخلاصها لله تعالى.

стр. 297

ثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: استخدم النبي ﷺ في دعوته في هذا الحديث: أسلوب الترغيب بقوله ﷺ لأصحابه: «لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسِيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم»، وهذا فيه ترغيب في الجهاد وبيان عظم منزلته، وأن المجاهد يكتب له ثواب السير، وكل عمل يعمله في طريقه إلى الجهاد، وأن من لم يحصل له الجهاد لعجزه كان شريكا للمجاهدين إذا صلحت نيته؛ قال الإِمام النووي ﵀: " وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك، وتمنّى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه والله أعلم " (١). ولهذه النية الصالحة ذكر النبي ﷺ رجلا آتاه الله مالا فجعل ينفقه في سبل الخير، وأن رجلا فقيرا قال: «لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء» (٢). فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب؛ لأهميته في الدعوة إلى الله تعالى (٣). رابعا: من ميادين الدعوة: طرق السير: إن من ميادين الدعوة، طرق السير: في السفر والجهاد، والحج وغير ذلك من الطرق؛ وقد دعا النبي ﷺ أصحابه ورغبهم في إصلاح النية أثناء سيره في طريقه إلى المدينة راجعا من غزوة تبوك كما جاء في الحديث: رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» وهذا يبين للداعية أهمية الدعوة في طرق السير، فينبغي له العناية بذلك، في طرق سيره، في السفر والحضر؛ ليقتدي بالنبي ﷺ .

стр. 298

خامسا: من خصائص الإسلام: اليسر والسماحة ورفع الحرج: دل الحديث على سعة رحمة الله، ويسر الإِسلام وسماحته، ورفعه الحرج عن أمة محمد ﷺ ؛ فإن في قوله ﷺ في الحديث: «وهم بالمدينة حبسهم العذر» دلالة واضحة على رفع الحرج عن المعذور بمرض أو كبر أو غير ذلك من الأعذار المانعة من الأعمال الصالحة: كالجهاد وغيره؛ إذا قام بما يستطيعه؛ قال الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] (١) فاستثنى الله تعالى أولي العذر ورفع الحرج عنهم.

стр. 299

٣٦ - باب فَضْلِ الصَّوْم فِي سَبِيلِ الله [حديث من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا] ٤٨ - [٢٨٤٠] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نَصْر: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنا ابْن جرَيْجٍ قال: أَخْبَرني يَحيى بْن سَعِيدٍ وَسهَيْل بْن أَبِي صالِح: أنهمَا سَمِعَا النّعْمَانَ بْنَ أبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِي (١) ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسولَ الله ﷺ يَقول «مَنْ صَامَ يَوْما فِي سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهه عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفا» (٢). * شرح غريب الحديث: * " سبعين خريفا " الخريف: الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصَّيف والشتاء، ويراد به سبعين سنة؛ لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى سبعون خريفا فقد مضت سبعون سنة (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على صيام التطوع. ٢ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٣ - من صفات الداعية: الإِخلاص. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على صيام التطوع: دل الحديث على أهمية الحث على صيام التطوع، وحض المدعوين عليه؛ ولهذا حث النبي ﷺ عليه في هذا الحديث وذلك ببيان فضل صيام يوم واحد فكيف بمن صام أكثر من ذلك، وقد حث النبي ﷺ على صيام ست من

стр. 300

شوال، وثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الأيام البيض، والاثنين والخميس، ويوم عرفة لغير الحاج، وتسعة أيام من عشر ذي الحجة، وصيام يوم عاشوراء مع يومٍ قبله، وحث على صيام شهر الله المحرم، وحث بفعله على صيام أكثر شعبان بل كان يصومه كله، وبين أن أفضل الصيام: صيام يوم وإفطار يوم. فينبغي للداعية أن يحث أهل الإِسلام على صيام التطوع كما فعل النبي ﷺ (١). ثانيا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على الترغيب في الصيام؛ لقوله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفا». قال الإِمام النووي ﵀: " فيه فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقّا، ولا يختل به قتاله، ولا غيره من مهمات غزْوِه، ومعناه المباعدة عن النار والمعافاة منها " (٢). فينبغي للداعية أن يرغِّب في صيام التطوع، ويبيِّن فضائله للناس، كما كان النبي ﷺ يرغب فيه، باستخدامه لأسلوب الترغيب؛ ولهذا بيّن ﷺ أن من صام يوما واحدا في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين سنة، وذلك على وجه المبالغة في البعد عن النار (٣). ثالثا: من صفات الداعية: الإخلاص: ظهر في هذا الحديث أهمية الإِخلاص لله تعالى؛ لقوله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله» قال الإِمام القرطبي ﵀: " أي في طاعة الله، يعني بذلك:

стр. 301

قاصدا به وجه الله تعالى وقد قيل فيه: إنه الجهاد في سبيل الله " (١) وقال الإِمام ابن دقيق العيد ﵀ على قوله ﷺ " في سبيل الله " " العرف الأكثر فيه: استعماله في الجهاد، فإذا حمل عليه، كانت الفضيلة؛ لاجتماع العبادتين - أعني عبادة الصيام والجهاد - ويحتمل أن يراد بسبيل الله: طاعته كيف كانت، ويعبر بذلك عن صحة القصد والنية فيه " (٢) وقال العلامة المناوي ﵀: «من صام يوما في سبيل الله» أي لله ولوجهه، أو في الغزو، أو في الحج " (٣) وعلى قول من فسر سبيل الله بالجهاد؛ فإن الإِخلاص شرط في صحة جميع العبادات. وهذا يبين للداعية إلى الله أهمية إخلاص العمل لله ؛ قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] (٤) فإسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله، والإِحسان فيه: متابعة رسول الله ﷺ وسنته (٥)؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] (٦) قال الفضيل بن عياض ﵀: " هو أخلصه وأصوبه " قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؛ فقال: " إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة " (٧) قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (٨) وقال : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (٩) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث لا يغلّ

стр. 302

عليهن قلب مسلم: إخلاص العَمَل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (١) والمعنى أن القلب لا يحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاث، فإنها تنفي الغِلَّ، والغِشَّ، وفساد القلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غِلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغلِّ والغش (٢). فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يخلص عمله لله ، وأن يسأل الله كثيرا هذه الصفة الحميدة العظيمة؛ ولعظم هذه الصفة قال الفضيل بن عياض ﵀: " ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإِخلاص أن يعافيك الله منهما " (٣) فأسأل الله لي ولجميع إخواني المسلمين الإِخلاص في القصد، والقول، والعمل.

стр. 303

٣٨ - بَاب فضلِ من جهز غازيا أو خلفَه بخيرِ [حديث من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا] ٤٩ - [٢٨٤٣] حَدَّثَنَا أَبو مَعْمَرٍ: حدثنا عَبْد الْوَارِثِ: حدثنا الْحسَيْن: حدَّثَنِي يحيى قَال: حَدَّثَنِي أَبو سَلَمَة: حدَثَنِي بسْر بْن سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْد بْن خَالِدٍ (١). ﵁ أَنَّ رَسولَ الله ﷺ قالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيا فِي سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيا فِي سَبِيلِ الله بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» (٢). * شرح غريب الحديث: * " جهز غازيا " تجهيز الغازي: تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه: تجهيز العروس، وتجهيز الميت (٣). * " خَلَفَ غازيا في أهله " أي قام مقامه في مراعاة أهله، يقال: خَلَفْت الرجل في أهله إذا أقمت بعده فيهم، وقمت عنه بما كان يفعله (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على إعداد الدعاة والغزاة في سبيل الله .

стр. 304

٢ - أهمية إعانة الدعاة والمجاهدين في سبيل الله . ٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على إعداد الدعاة والغزاة في سبيل الله : دل الحديث على أن تجهيز الدعاة والمجاهدين من موضوعات الدعوة التي ينبغي أن يعتنى بها؛ لأن النبي ﷺ حث على ذلك بقوله: «من جهز غازيا فقد غزا» وهذا فيه الحث على إعداد الدعاة والمجاهدين، ومساعدتهم بالمال، والكتب العلمية، وإمداد المجاهدين بالسلاح، والعتاد، وجميع ما يحتاجون إليه؛ لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (١) وقوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٢). فينبغي العناية وحث المسلمين على إعداد الدعاة بالتعليم، والكتب والمال، ووسائل النقل المناسبة ثم إرسالهم للدعوة إلى الله ، وإعداد المجاهدين بالتعليم، والزاد، ووسائل النقل المناسبة، والسلاح، وغير ذلك من لوازم إعداد وتجهيز الدعاة والمجاهدين في سبيل الله (٣). ثانيا: أهمية إعانة الدعاة والمجاهدين في سبيل الله : ظهر في هذا الحديث أهمية إعانة الدعاة إلى الله ، والمجاهدين في سبيل الله ؛ لقوله ﷺ : «ومن خلف غازيا في سبيل الله فقد غزا» وهذا فيه بيان لأهمية إعانة الدعاة والمجاهدين، بإصلاح حال أهلهم، والقيام على ما يحتاجون إليه، والنيابة عنهم بالرعاية، والنفقة، وتفقد أحوالهم، وحمايتهم مما يضرهم، والدفاع عنهم، وإصلاح حال الأولاد، ومراقبة استقامتهم على

стр. 305

طاعة الله، وإرشادهم وتوجيههم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة (١) قال الإِمام النووي ﵀: " وفي هذا الحديث الحث على الإِحسان إلى من فعل مصلحة للمسلمين أو قام بأمر من مهماتهم " (٢). ثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: في هذا الحديث الحث على أسلوب الترغيب في تجهيز الدعاة والمجاهدين والعناية بما يحتاجون إليه في دعوتهم وجهادهم، وفي القيام بمصالح أهلهم وحمايتهم من بعدهم؛ ولهذا قال ﷺ : «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا». وهذا يبين فضل من جهز داعيا إلى الله أو غازيا في سبيل الله كما يبين فضل من قام برعاية مصالح الدعاة والغزاة في أهلهم وأموالهم قال الإِمام النووي ﵀ في شرحه لقوله ﷺ : " فقد غزا " " أي حصل له أجر بسبب الغزو، وهذا الأجر يحصل بكل جهاد، وسواء قليله وكثيره، ولكل خالف له في أهله بخير: من قضاء حاجة لهم وإنفاقٍ عليهم، أو مساعدتهم في أمرهم، ويختلف قدر الثواب بقلة ذلك وكثرته " (٣) وهذا من فضل الله على عباده أن جعل من جهز غازيا في سبيل الله أو خلفه في أهله، كالغازي في المرتبة؛ لأنه إذا جهزه بماله يجاهد، وإذا خلفه في أهله بخير فكأن المجاهد لم يخرج من بيته؛ لقيام أموره فيه وإصلاح حال أهله، وحمايتهم، ونصرتهم (٤). قال الإِمام القرطبي ﵀: " القائم على مال الغازي وعلى أهله نائب عن الغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوه إلا بأن يكفى ذلك العمل، فصار كأنه يباشر معه الغزو، فليس مقتصرا على النية فقط، بل هو عامل في الغزو، ولما

стр. 306

كان كذلك كان له مثل أجر الغازي كاملا. . . " (١). وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف، وهذا يدخل فيه من جاهد بنفسه ومن لم يجاهد؛ لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل بناقة مخطومة وقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» (٢) وهذا كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] (٣). ومن فضل الله أن من رَغَّبَ في الدعوة أو الجهاد أو غير ذلك من أنواع الطاعات فله مثل أجر من دعا وجاهد وعمل وإن لم يدع، ولم يعمل، ولم يجاهد (٤)؛ ولهذا جاء رجل إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يحمله فقال رسول الله ﷺ : " ما عندي " فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٥) وهذا فيه أعظم الترغيب في إعانة الدعاة والمجاهدين والمشاركة والدلالة على جميع أنواع الخير.

стр. 307

[حديث إني أرحمها قتل أخوها معها] ٥٠ - [٢٨٤٤] حَدَّثَنا موسَى بْن إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا هَمَّام عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عبد الله عَنْ أَنسٍ (١) ﵁، «أَنَّ النَّبِي ﷺ لَمْ يَكنْ يَدْخل بَيْتا بِالْمَدِينَة غَيْرَ بَيْتِ أمِّ سلَيمٍ (٢) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِه، فَقِيلَ لَه، فَقَالَ: " إِنِّي أَرْحَمهَا قتِلَ أَخوهَا (٣) مَعِي» (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٢ - من وسائل الدعوة: زيارة أهل المصائب وتسليتهم. ٣ - من صفات الداعية: التواضع.

стр. 308

٤ - من صفات الداعية: الرحمة. ٥ - من صفات الداعية: الإِحسان. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: القدوة الحسنة وسيلة نافعة من وسائل الدعوة إلى الله ، وقد ظهر ذلك في قول أنس ﵁: «إن النبي ﷺ لم يكن يدخل بيتا بالمدينة غير بيت أمِّ سليم إلا على أزواجه» وقد وضَّح معنى ذلك لفظ الحديث عند مسلم «كان النبي ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا على أم سليم» قال الإِمام القرطبي ﵀: " إنما كان النبي ﷺ لا يدخل على النساء عملا بما شرع من المنع من الخلوة بهنّ؛ وليقْتَدى به في ذلك " (١) وقال الإِمام النووي ﵀: " قال العلماء: أراد امتناع الأمة من الدخول على الأجنبيات " (٢). وهذا يبين للداعية أهمية القدوة الحسنة وتأثيرها في حياة المدعوين؛ فإن النبي ﷺ فعل ذلك وهو قدوة الدعاة، وقد ذكر القرطبي ﵀ وغيره من أهل العلم: أن أم سليم كانت محرما للنبي ﷺ من جهة الرضاع (٣) وقيل: كانت خالته من الرضاع أو من النسب (٤). فينبغي للداعية أن يبتعد عن الدخول على النساء الأجنبيات؛ لامتثال أمر الشارع؛ وليقتدي به الناس. ثانيا: من وسائل الدعوة: زيارة أهل المصائب وتسليتهم: ظهر في هذا الحديث أهمية زيارة أهل المصائب وتسليتهم ومشاركتهم في ذلك؛ لأن النبي ﷺ شارك أم سليم في مصيبتها بقتل أخيها في غزوة بئر

стр. 309

معونة؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " والنبي ﷺ كان يجبر قلب أم سليم بزيارتها، ويعلل ذلك بأن أخاها قتل معه " (١) فينبغي للداعية أن يعتني بذلك؛ لما فيه من جذب قلوب المدعوين وإدخال السرور عليهم وجبر قلوبهم. ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: إن التواضع من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ؛ لأن النبي ﷺ سيد ولد آدم، وله من الفضل والشرف ما ليس لغيره من البشر، ومع ذلك يزور أم سليم، ويدخل السرور على قلبها. قال الإِمام النووي ﵀: " فيه بيان ما كان عليه ﷺ من الرحمة والتواضع وملاطفة الضعفاء " (٢). فينبغي للداعية أن يتصف بخلق التواضع لله ثم لعباده (٣). رابعا: من صفات الداعية: الرحمة: لا ريب أن الرحمة من الصفات العظيمة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها وأولى الناس بهذه الصفة الداعية إلى الله ، وقد ظهرت هذه الرحمة في قوله ﷺ لأم سليم: «إني أرحمها قتل أخوها معي» وهذا مصداقا لقوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤) وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٥). فينبغي العناية بذلك، ورحمة المدعوين والشفقة عليهم، والله المستعان (٦). خامسا: من صفات الداعية: الإحسان: دل مفهوم الحديث على أن الإحسان من الصفات الكريمة؛ وقد حث النبي

стр. 310

صلى الله عليه وسلم على الإِحسان إلى المجاهدين بالعناية بأهلهم ورعايتهم فقال: ". . . «ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا» (١) فمن غاية الإِكرام للغازي والإِحسان إليه: العناية بأهله ورعاية مصالحهم، والقيام على ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، وهذا في حياة الغازي أو الداعية فمن باب أولى إكرام أهله والإِحسان إليهم بعد موته، وهذا يؤخذ من زيارة النبي ﷺ لأم سليم والإِحسان إليها بعد قتل أخيها، قال ﷺ : «إني أرحمها قتل أخوها معي» (٢). فينبغي العناية بأهل العالم، والداعية، والمجاهد بعد موتهم إكراما لهم، وإحسانا إليهم، ووفاء بحقهم. والله أعلم.

стр. 311

٣٩ - باب التّحّنطِ عنْدَ الْقتَال [حديث ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله] ٥١ - [٢٨٤٥] حَدَّثَنَا عبد الله بْن عَبْدِ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِد بْن الحَارِثِ: حَدَّثَنَا ابْن عَوْنٍ، عَن موسَى بْنِ أنس قَالَ: وَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَة قَالَ: «أَتَى أنس بن مَالِكٍ (١) ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ (٢) وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْه وَهوَ يَتَحَنَّط فَقَالَ: يَا عَمِّ، مَا يَحْبسكَ أَن لَّا تَجيءَ؟ قَالَ: الآن يَا ابْنَ أَخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّط - يَعْنِي مِنَ الحنوطِ - ثمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْكِشَافا مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: هَكَذا عَنْ وجوهِنَا حَتَّى نضَارِبَ القَوْمَ، مَا هكَذا كنَّا نَفعْل مَعَ رَسولِ الله ﷺ ، بِئْسَ مَا عوَّدْتمْ أَقْرَانَكمْ» رَواه حَمَّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنس. * شرح غريب الحديث: * " حسر عن فخذيه " أي كشف (٣). * " ما يحبسك " أي يؤخرك (٤).

стр. 312

* " يتحنط " يستعمل الحنوط، وهو ما يحنَّط به الموتى خاصة من الطيب، والكافور، وإنما كان يتحنط حرصا على الموت، وعزما عليه، واستعدادا له، وتوطين النفس عليه بالصبر على القتال؛ لما رأى من انكشاف الناس (١). * " انكشافا من الناس " الانكشاف: الفِرار أو الهزيمة (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث والتحريض على الجهاد. ٢ - من صفات الداعية: التلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير. ٣ - من صفات الداعية: الاستعداد للقاء الله . ٤ - من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته. ٥ - من صفات الداعية: الشجاعة والثبات. ٦ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٧ - تأديب المدعو بالكلمة القوية عند الحاجة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث والتحريض على الجهاد. دل هذا الحديث على الحث والتحريض والحض على الجهاد، وتوبيخ من يتكاسل عنه بالكلام المناسب؛ ولهذا قال أنس ﵁ لقيس بن ثابت: «يا عمّ ما يحبسك أن لَّا تجيء؟ " فقال له: " الآن يا ابن أخي» وهذا فيه تحريض على الجهاد؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه التداعي إلى الحرب والتحريض عليها " (٣).

стр. 313

وهذا يبين أهمية التحريض على الجهاد كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] (١) قال الإِمام القرطبي ﵀: " أي حثهم وحضهم " (٢). ثانيا: من صفات الداعية: التلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير: دل على ذلك قول أنس ﵁ لثابت بن قيس ﵁: «يا عمِّ ما يحبسك أن لا تجيء» فقوله: " يا عمِّ " قال ابن حجر ﵀: " إنما دعاه بذلك: لأنه كان أسنَّ منه؛ ولأنه من قبيلة الخزرج " (٣) وقد رد عليه ثابت ﵁ بقوله: «الآن يا ابن أخي». وهذا فيه تلطف وإكرام وإجلال، والعرب تتوسع في هذه الكلمات: تلطفا وتوددا، وتعبيرا عن إنزال المخاطب منزلة الابن أو ابن الأخ، أو العم، أو الأب (٤). وهذا يوضح للداعية مكانة التلطف والتودد وتأثيره في القلوب قال الله لموسى وهارون حينما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] (٥) وهذا يؤكد العناية بهذه الصفة الحميدة. (٦). ثالثا: من صفات الداعية الاستعداد للقاء الله : من الأمور المهمة أن يكون المسلم وخاصة الداعية إلى الله على استعداد تام للموت، وذلك بالتوبة من الذنوب، وإصلاح العمل، والقيام بالواجبات، والابتعاد عن المحرمات، وقد دل هذا الحديث على العناية بالاستعداد للموت والتأهب له وذلك بفعل ثابت بن قيس بتحنطه قبل القتال ﵁ استعدادا للقاء الله، ورغبة في الانتقال من هذه الدنيا على أحسن حال (٧) وهذا

стр. 314

يؤكد العناية بذلك عناية خاصة فائقة؛ لأن الإِنسان لا يدري متى يدركه الأجل، والله المستعان (١). رابعا: من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته: من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية: صحة اليقين وقوته؛ ولهذا تحنَّط ثابت بن قيس ﵁ استعدادا للشهادة في سبيل الله تعالى، وثقة بالله أن يثيبه، وهذا يدل على قوة يقينه ورغبته فيما عند الله موقنا بذلك؛ لعلمه بأن الله لا يخلف وعده؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه قوة ثابت بن قيس، وصحة يقينه ونيته " (٢). فينبغي للداعية أن يحسن ظنه بالله ويوقن إيقانا صادقاَ بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا (٣). خامسا: من صفات الداعية: الشجاعة والثبات: دل الحديث على أن الشجاعة والثبات من أعظم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد ظهرت هذه الصفة في فعل ثابت بن قيس ﵁، وإقدامه إلى المعركة بقوة ونشاط وعزيمة صادقة؛ ولهذه الشجاعة قال لأصحابه؛ " هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ " والمعنى: افسحوا لي حتى أقاتل (٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه الإِشارة إلى ما كان الصحابة عليه في عهد النبي ﷺ من الشجاعة والثبات في الحرب " (٥). فينبغي أن يكون الداعية متصفا بالشجاعة العقلية والقلبية والأدبية (٦).

стр. 315

سادسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة إلى الله ؛ ولهذا قال ثابت بن قيس ﵁: " ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ " والمعنى أن الصف في القتال لا ينصرف عن موضعه في زمن النبي ﷺ بل يثبتون في قتالهم ولا يتقهقرون (١) فقد اقتدى ﵁ بفعله هو وأصحاب النبي ﷺ في عهده، وأرشد المجاهدين بهذه الكلمة إلى ما كان عليه الصحابة مع النبي ﷺ من الثبات في قتال عدوهم (٢). وهذا يبين أهمية هذه الوسيلة في الدعوة إلى الله وأن الداعية ينبغي بل يلزمه أن يكون قدوة صالحة حسنة لغيره (٣). سابعا: تأديب المدعو بالكلمة القوية عند الحاجة: لا ريب أن المدعوين يختلفون على حسب أحوالهم، وعقولهم، والداعية يخاطبهم مراعيا في ذلك ما ينفعهم على حسب أحوالهم؛ لأنه كالطبيب الحاذق الذي يقدم الدواء على حسب الداء، ومن هذا الدواء والعلاج تأديب بعض المدعوين بالكلام القوي، والزجر عما يضرهم، وقد ظهر هذا التأديب في كلام ثابت بن قيس ﵁ في هذا الحديث لأصحابه بقوله: " بئس ما عودتم أقرانكم " قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وأراد ثابت بن قيس بقوله هذا توبيخ المنهزمين! أي عودتم نظراءكم في القوة من عدوكم الفرار منهم حتى طمعوا فيكم " (٤) وهذا يبين أهمية تأديب المدعو بالكلام إذا ظهرت المصلحة وانتفت المفسدة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستخدم الكلمة القوية عند الحاجة إليها، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» (٥).

стр. 316

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: " أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني» (١) واستعمل رسول الله ﷺ على الصدقة ابن اللتبية فجاء بالمال فدفعه إلى النبي ﷺ فقال: «هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي، فقال له النبي ﷺ : " أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا»؟ " (٢). فينبغي للداعية جلب المصالح ودفع المفاسد؛ فإن تعارضت المصالح والمفاسد دفعت أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وجلبت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح (٣).

стр. 317

٤٠ - بَاب فَضلِ الطلِيعةِ [حديث لكل نبي حواري وحواري الزبير] ٥٢ - [٢٨٤٦] حَدَّثَنَا أَبو نعَيمٍ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ محَمَّدِ بْنِ المنكَدِرِ، عَنْ جَابِر (١). ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِي ﷺ : " مَنْ يأتيني بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " يَوْمَ الأحْزَاب، قَالَ الزّبَيْر (٢) أنا. ثَمَّ قَالَ: " مَنْ يأتيني بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " قَالَ الزّبَيْر: أنا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " إِنَّ لِكلِّ نَبي حَوَارِيّا وَحَوَارِي الزّبير» (٣). وفي رواية: «نَدَب النَّبِي ﷺ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، ثمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، ثمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، قَالَ النَّبِي ﷺ : " إِنَّ لِكلِّ نِبي حَوَاريّا.

стр. 318

وإِنَّ حَوَارِي الزّبير بن العَوَّامِ» (١). وفي رواية: «مَنْ يأتينا بِخَبَرِ القَوْمِ؟ " فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: " مَنْ يَأْتِينَا بخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: " مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: " إِنَّ لِكلِّ نَبِي حَوَارِيّا، وإِنَّ حَوَارِي الزّبَيْر» (٢). وفي رواية: قَالَ سفْيَان: حَفِظْته مِنْ ابْنِ المنكَدِرِ، وَقَالَ لَه أَيّوب: يَا أَبَا بَكْرٍ، حدّثْهمْ عَنْ جَابِرٍ؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ يعْجِبهمْ أَنْ تحَدِّثَهمْ عَنْ جَابِرٍ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ المَجْلِسِ: سَمِعْت جَابِرا، فَتَتَابَعَ بَيْنَ أَحَادِيثَ سَمِعْت: جَابِرا، قلْت لِسفْيَانَ: فَإِنَّ الثَّوْرِي يَقول: يَوْمَ قرَيْظَة، فَقَالَ: كَذَا حَفِظْته مِنْه كَمَا أنكَ جَالِس: " يَوْمَ الْخَنْدَقِ " قَالَ سفْيَان: هوَ يَوْم وَاحِد، وتَبَسَّمَ سفْيَان (٣). وفي رواية: " قَالَ سفْيَان: الْحَوَارِي: النَّاصِر " (٤). * شرح غريب الحديث: * «إن لكل نبي حواريّا» الحواري: الناصر المجتهد في النصر، والخاصة من الأصحاب، ومنه الحواري من الطعام، وهو: ما بيِّض واجتهد في تبييضه. والحواري: أصله: من التحوير: وهو التبييض (٥). * " ندب. . . فانتدب " يقال: ندبت الرجل للأمر أو للجهاد فانتدب: أي بعثته ودعوته فأجاب (٦).

стр. 319

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد. ٢ - من فقه الدعوة: معرفة أحوال المدعوين. ٣ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٤ - من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته. ٥ - سرعة استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ . ٦ - أهمية نصر الداعية وشد عضده. ٧ - من أساليب الدعوة: التأكيد والتكرار. ٨ - من أساليب الدعوة: الحوار. ٩ - من صفات الداعية: الدقة والضبط في نقل الحديث. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد. دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث على الجهاد والتحريض عليه؛ لفعل النبي ﷺ في هذا الحديث وندبه الناس في قول جابر ﵁: «ندب النبي الناس فانتدب الزبير» قال الإِمام النووي ﵀ في هذا المعنى؛ " أي دعاهم للجهاد وحرضهم عليه فأجابه الزبير " (١) وهذا يبين أهمية العناية بالحث على الجهاد والحض عليه (٢). ثانيا: من فقه الدعوة: معرفة أحوال المدعوين: لا شك أن من فقه الدعوة معرفة الداعية لأحوال المدعوين؛ لمعرفة ما هم عليه، وللحذر من مكائد الأعداء، والاستعداد لهم بما يناسبهم من دعوة أو

стр. 320

جهاد، وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (١) وقال : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] (٢) والله قد بين سبيل المؤمنين مفصَّلة وسبيل المجرمين مفصَّلة (٣) وقوله : ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] قال الإِمام الطبري ﵀ على قراءة الرفع ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] وكأن معنى الكلام عندهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] ولتتضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين " وقال على قراءة من قرأه بالنصب (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمجْرِمِينَ) " كأن معناه عندهم: ولتستبين، أنت يا محمد [أو يا مخاطب] سبَيلَ المجرمين " ثم قال ﵀: وأولى القراءتين بالصواب عندي في " السبيل " الرفع؛ لأن الله تعالى ذِكْره فصَّل آياته في كتابه وتنزيله؛ ليتبين الحقَّ بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض (٤) وقال الإِمام ابن القيم ﵀: " فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبان لهم السبيلان " (٥). وقد دل هذا الحديث على أهمية معرفة أحوال الأعداء في قوله ﷺ : «من يأتينا بخبر القوم. . . " " وانتدب الناس فانتدب الزبير» وهذا يوضح للداعية أهمية معرفة أحوال المدعوين؛ ليقدم للمستجيبين منهم ما يناسبهم، وَليَحْذَرَ كيد الكائدين منهم؛ ولهذا قال ﷺ لمعاذ ﵁ حينما أرسله إلى اليمن: «إنك تأتي قوما أهل كتاب». . . " (٦). فبين له حالهم؛ ليستعد لهم بما يناسبهم. ثالثا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهرت في هذا الحديث شجاعة الزبير بن العوام ﵁ حينما انتدب النبي
следующие страницы →