← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: " أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني» (١) واستعمل رسول الله ﷺ على الصدقة ابن اللتبية فجاء بالمال فدفعه إلى النبي ﷺ فقال: «هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي، فقال له النبي ﷺ : " أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا»؟ " (٢). فينبغي للداعية جلب المصالح ودفع المفاسد؛ فإن تعارضت المصالح والمفاسد دفعت أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وجلبت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح (٣).

стр. 317

٤٠ - بَاب فَضلِ الطلِيعةِ [حديث لكل نبي حواري وحواري الزبير] ٥٢ - [٢٨٤٦] حَدَّثَنَا أَبو نعَيمٍ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ محَمَّدِ بْنِ المنكَدِرِ، عَنْ جَابِر (١). ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِي ﷺ : " مَنْ يأتيني بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " يَوْمَ الأحْزَاب، قَالَ الزّبَيْر (٢) أنا. ثَمَّ قَالَ: " مَنْ يأتيني بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " قَالَ الزّبَيْر: أنا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " إِنَّ لِكلِّ نَبي حَوَارِيّا وَحَوَارِي الزّبير» (٣). وفي رواية: «نَدَب النَّبِي ﷺ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، ثمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، ثمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزّبَيْر، قَالَ النَّبِي ﷺ : " إِنَّ لِكلِّ نِبي حَوَاريّا.

стр. 318

وإِنَّ حَوَارِي الزّبير بن العَوَّامِ» (١). وفي رواية: «مَنْ يأتينا بِخَبَرِ القَوْمِ؟ " فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: " مَنْ يَأْتِينَا بخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: " مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " فَقَالَ الزّبَيْر: أنا. ثمَّ قَالَ: " إِنَّ لِكلِّ نَبِي حَوَارِيّا، وإِنَّ حَوَارِي الزّبَيْر» (٢). وفي رواية: قَالَ سفْيَان: حَفِظْته مِنْ ابْنِ المنكَدِرِ، وَقَالَ لَه أَيّوب: يَا أَبَا بَكْرٍ، حدّثْهمْ عَنْ جَابِرٍ؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ يعْجِبهمْ أَنْ تحَدِّثَهمْ عَنْ جَابِرٍ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ المَجْلِسِ: سَمِعْت جَابِرا، فَتَتَابَعَ بَيْنَ أَحَادِيثَ سَمِعْت: جَابِرا، قلْت لِسفْيَانَ: فَإِنَّ الثَّوْرِي يَقول: يَوْمَ قرَيْظَة، فَقَالَ: كَذَا حَفِظْته مِنْه كَمَا أنكَ جَالِس: " يَوْمَ الْخَنْدَقِ " قَالَ سفْيَان: هوَ يَوْم وَاحِد، وتَبَسَّمَ سفْيَان (٣). وفي رواية: " قَالَ سفْيَان: الْحَوَارِي: النَّاصِر " (٤). * شرح غريب الحديث: * «إن لكل نبي حواريّا» الحواري: الناصر المجتهد في النصر، والخاصة من الأصحاب، ومنه الحواري من الطعام، وهو: ما بيِّض واجتهد في تبييضه. والحواري: أصله: من التحوير: وهو التبييض (٥). * " ندب. . . فانتدب " يقال: ندبت الرجل للأمر أو للجهاد فانتدب: أي بعثته ودعوته فأجاب (٦).

стр. 319

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد. ٢ - من فقه الدعوة: معرفة أحوال المدعوين. ٣ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٤ - من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته. ٥ - سرعة استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ . ٦ - أهمية نصر الداعية وشد عضده. ٧ - من أساليب الدعوة: التأكيد والتكرار. ٨ - من أساليب الدعوة: الحوار. ٩ - من صفات الداعية: الدقة والضبط في نقل الحديث. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على الجهاد. دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث على الجهاد والتحريض عليه؛ لفعل النبي ﷺ في هذا الحديث وندبه الناس في قول جابر ﵁: «ندب النبي الناس فانتدب الزبير» قال الإِمام النووي ﵀ في هذا المعنى؛ " أي دعاهم للجهاد وحرضهم عليه فأجابه الزبير " (١) وهذا يبين أهمية العناية بالحث على الجهاد والحض عليه (٢). ثانيا: من فقه الدعوة: معرفة أحوال المدعوين: لا شك أن من فقه الدعوة معرفة الداعية لأحوال المدعوين؛ لمعرفة ما هم عليه، وللحذر من مكائد الأعداء، والاستعداد لهم بما يناسبهم من دعوة أو

стр. 320

جهاد، وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (١) وقال : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] (٢) والله قد بين سبيل المؤمنين مفصَّلة وسبيل المجرمين مفصَّلة (٣) وقوله : ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] قال الإِمام الطبري ﵀ على قراءة الرفع ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] وكأن معنى الكلام عندهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] ولتتضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين " وقال على قراءة من قرأه بالنصب (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمجْرِمِينَ) " كأن معناه عندهم: ولتستبين، أنت يا محمد [أو يا مخاطب] سبَيلَ المجرمين " ثم قال ﵀: وأولى القراءتين بالصواب عندي في " السبيل " الرفع؛ لأن الله تعالى ذِكْره فصَّل آياته في كتابه وتنزيله؛ ليتبين الحقَّ بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض (٤) وقال الإِمام ابن القيم ﵀: " فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبان لهم السبيلان " (٥). وقد دل هذا الحديث على أهمية معرفة أحوال الأعداء في قوله ﷺ : «من يأتينا بخبر القوم. . . " " وانتدب الناس فانتدب الزبير» وهذا يوضح للداعية أهمية معرفة أحوال المدعوين؛ ليقدم للمستجيبين منهم ما يناسبهم، وَليَحْذَرَ كيد الكائدين منهم؛ ولهذا قال ﷺ لمعاذ ﵁ حينما أرسله إلى اليمن: «إنك تأتي قوما أهل كتاب». . . " (٦). فبين له حالهم؛ ليستعد لهم بما يناسبهم. ثالثا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهرت في هذا الحديث شجاعة الزبير بن العوام ﵁ حينما انتدب النبي

стр. 321

صلى الله عليه وسلم الناس فانتدب الزبير ثلاث مرات؛ ولهذا قال العلامة القسطلاني ﵀؛ " فيه منقبة للزبير وقوة قلبه وشجاعته " (١). فينبغي للداعية أن يكون شجاعا: قلبيّا، وأدبيّا: حسيّا ومعنويّا (٢). رابعا: من صفات الداعية: صحة اليقين وقوته: دل هذا الحديث على صحة يقين الزبير ﵁ وقوته؛ فإنه كان أوَّلَ الناس في إجابة النبي ﷺ حينما ندب الناس؛ لقوة يقينه ورغبته فيما عند الله ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: " فيه منقبة للزبير، وقوة قلبه، وصحة يقينه " (٣) ﵁ ورحمه (٤). خامسا: أهمية سرعة استجابة المدعو لله ولرسوله ﷺ : إن سرعة الاستجابة لله ولرسوله ﷺ من أهم المهمات، ومن أعظم القربات؛ لأن بها تحصل السعادة في الدنيا والآخرة، وقد دل هذا الحديث على أهمية سرعة استجابة المدعو عندما قال ﷺ : «من يأتينا بخبر القوم " فقال الزبير: أنا». وانتدب ﷺ الناس فانتدب الزبير فكان ﵁ أسرع الصحابة في الاستجابة لرسول الله ﷺ قال الإِمام الكرماني: " فانتدب الزبير، أي أجاب وأسرع " (٥). فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية أن يكون مستجيبا لله ولرسوله ﷺ على الفور لكل ما كلف به (٦). سادسا: أهمية نصر الداعية وشَدِّ عَضده: ظهر في هذا الحديث أن نصر الداعية وإعانته، ومؤازرته من أهم المهمات؛ ولهذا عندما ندب النبي ﷺ الناس فانتدب الزبير ثلاث مرات قال ﷺ : «إن

стр. 322

لكل نبي حواريا وحواري الزبير» والحواري هو الناصر والخاصة من الأصحاب، والصحابة ﵃ كلهم كانوا أنصارا لرسول الله ﷺ بلا ريب، ولكن الزبير ﵁ كان له اختصاص بالنصرة وزيادة فيها، ولاسيما في يوم الأحزاب (١). فينبغي لكل مسلم أن ينصر الدعاة إلى الله ويعينهم بقوله وفعله؛ ولأهمية هذه النصرة سأل موسى ﷺ ربه أن يجعل له من يؤازره من أهله ويعينه وينصره فاستجاب الله له، كما بيَّن الله ذلك في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي - هَارُونَ أَخِي - اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي - وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي - كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا - وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا - إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا - قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٢٩ - ٣٦] (٢) وقال : ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] (٣). وهذا يبين أهمية نصر الدعاة إلى الله والشد من أزرهم. سابعا: من أساليب الدعوة: التأكيد والتكرار: إن النبي ﷺ استخدم هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ وذلك بإعادة الكلام ثلاث مرات بقوله ﷺ : «من يأتينا بخبر القوم» وقد كان ﷺ يكَرِّر الكلام عند الحاجة لذلك حتى يفهم عنه، فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ «أنه كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه. .» (٤). فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٥). ثامنا: من أساليب الدعوة: الحوار: دل هذا الحديث على أسلوب الحوار الهادي المثمر بين أيوب السختياني،

стр. 323

وأبي بكر محمد بن المنكدر، وبين علي بن المديني شيخ البخاري وسفيان بن عيينة ﵏، وفي نهاية الحوار قال سفيان: هو يوم واحد وتبسم. وقد أثمر هذا الحوار على أن لفظة " يوم قريظة " في الحديث، ويوم " الخندق " في الرواية الأخرى، و " يوم الأحزاب " في الرواية الأولى كلها تدل على معنى واحد؛ وذلك أنه أريد بقوله " يوم قريظة " أي اليوم الذي أراد ﷺ أن يعلم فيه خبر بني قريظة وهو لا يزال في الخندق. قال الكرماني ﵀: " إذ الثلاثة في زمن واحد " (١) وقال ابن حجر ﵀: " وقعة الخندق دامت أياما آخرها لما انصرفت الأحزاب ورجع النبي ﷺ وأصحابه إلى منازلهم جاء جبريل ﵇ بين الظهر والعصر فأمره بالخروج إلى بني قريظة فخرجوا " (٢) وهذا يبين أهمية الحوار في الدعوة إلى الله (٣). تاسعا: من صفات الداعية: الدقة والضبط في نقل الحديث: دلت هذه المحاورة في هذا الحديث على عناية السلف الصالح رحمهم الله تعالى بالدقة والعناية بضبط الحديث حتى يصل إلى الناس سليما من الخطأ والتصحيف، والكذب (٤) وهذا يبين للداعية أهمية الالتزام بذلك في نقله للعلم وتبليغه للناس (٥).

стр. 324

٤٣ - باب: الخيل معقود فِي نواصيها الخير إلى يوم القيامة [حديث الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة] ٥٣ - [٢٨٤٩] حَدَّثَنَا عبد الله بْن مَسْلَمَة: حَدَّثنَا مَالِك، عَنْ نافعٍ، عَنْ عبد الله بْنِ عمَرَ (١) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : «الْخَيْل فِي نَواصِيهَا الْخَير إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة» (٢). وفي رواية: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَوَاصيهَا الْخَيْر إِلى يَوْمِ الْقِيَامَة» (٣). [حديث الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة] ٥٤ - [٢٨٥٠] حَدَّثَنَا حَفْص بْن عمَرَ: حَدَّثَنَا شعْبَة، عَنْ حصَيْنٍ، وابْنِ أبِي السَّفَرِ، عَنْ الشَّعْبِي، عَنْ عرْوَة (٤) بْنِ الجَعْدِ، عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَواصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة». قَالَ سلَيْمَان: عَنْ شعْبَة: " عَنْ عرْوَة بْنِ أَبِي الجَعْدِ ": تَابَعَه مسدَّد، عَنْ هشَيْمٍ، عَنْ حصَينٍ، عَن الشَّعْبِي: " عَنْ عرْوَة بْنِ أَبِي الجَعْدِ " (٥). وفي رواية: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْمِ الْقِيَامة: الأَجْر والْمَغْنَم» (٦).

стр. 325

وفي رواية: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر، والأَجْر، والْمَغْنَم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة» (١). وفي رواية: عن شبيب عن عروة: «الْخَيْر مَعْقود بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَي يَوْمِ الْقِيَامَة»، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْت فِي دَارِه سَبْعينَ فَرَسا. قَالَ سفْيَان: " يَشْتَرِي لَه شَاة كأنها أضحِيَّة " (٢). [حديث البركة في نواصي الخيل] ٥٥ - [٢٨٥١] حَدَّثَنَا مسَدَّد: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ عَنْ شعْبَة، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ (٣) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : «الْبَرَكَة فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ» (٤). وفي رواية: «الْخَيْل مَعْقود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر» (٥). * شرح غريب الأحاديث: * " معقود في نواصيها الخير " أي ملازم لها كأنه معقود فيها (٦). والناصية مقدم الرأس، وشعر مقدم الرأس إذا طال (٧). * الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على الإِعداد للجهاد لإِعلاء كلمة الله . ٢ - من صفات النبي ﷺ : الفصاحة والبلاغة. ٣ - من معجزات النبي ﷺ : الإِخبار بالمغيبات.

стр. 326

٤ - من خصائص الإِسلام: البقاء إلى يوم القيامة. ٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٦ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على الإعداد للجهاد لإعلاء كلمة الله : دلت هذه الأحاديث الثلاثة على الحض على الإِعداد للجهاد في سبيل الله تعالى؛ لإِعلاء كلمة الله ؛ لأن في قوله ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» وفي قوله ﷺ : «البركة في نواصي الخيل» حث على الإعداد للجهاد؛ قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: في هذا الحديث الحض على اكتساب الخيل، وفيه تفضيلها على سائر الدواب، لأنَّه ﷺ لم يأتِ عنه في غيرها مثل هذا القول، وذلك تعظيم منه؛ لشأنها، وحض على اكتسابها، ونَدْب لارتباطها في سبيل الله، عدَّة للقاء العدوِّ، إذ هي من أقوى الآلات في الجهاد، فالخيل المعدة للجهاد هي التي في نواصيها الخير، وما كان معدّا منها للفتن وسلب المسلمين فتلك كما قال ابن عمر " خيل الشيطان " (١). وهذا يوضح العناية بالإِعداد للجهاد في سبيل الله بكل ما يستطيعه المسلمون من قوة (٢) وذلك باتخاذ الأسباب وآلات الحرب لإِرهاب أعداء الله، ولكل زمان ما يناسبه: من خيل، أو مدافع، أو مدرعات، أو مصفحات، أو طائرات جوية، أو سفن بحرية (٣)؛ لقوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٤).

стр. 327

ثانيا: من صفات النبي ﷺ : الفصاحة والبلاغة: من الصفات الكريمة التي أعطيها النبي ﷺ : البلاغة والفصاحة؛ وقد ظهرت في قوله ﷺ : «البركة في نواصي الخيل» وقوله ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير» قال القاضي عياض ﵀: " في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير " (١) وقال الإِمام القرطبي ﵀: " وهذا الكلام جمع من أصناف البديع ما يعجز عنه كلّ بليغ، ومن سهولة ألفاظه ما يعجب ويستطاب " (٢). وهذا يبين أهمية البلاغة والفصاحة في الدعوة إلى الله ، فعن ابن عمر ﵄: أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس؛ لبيانهما فقال رسول الله ﷺ : «إن من البيان لسحرا» أو «إن بعض البيان سحر» (٣). وهذا يبين للداعية أهمية الفصاحة والبلاغة وحسن الكلام، وبيان الحق للناس. والبيان نوعان: الأول ما يبيَّن به المراد، والثاني تحسين اللفظ حتى يستميل به قلوب السامعين، وهذا النوع الذي يشبَّه به السحر، والمذموم منه ما يقْصد به الباطل، أما مَا يبيَّن به الحق للناس بعذوبة الكلام وفصاحته وبلاغته واقتصاده فهو المطلوب في الدعوة إلى الله (٤). وقد بين الحافظ ابن حجر ﵀: أن المذموم من البيان ما يكون فيه صرف الحق إلى الباطل بتحسين الكلام كأن يكون الإِنسان عليه حق وهو ألحن بالحجة من صاحب الحق، فيسحر الناس ببيانه، فيذهب بالحق (٥) وأما إذا كان البيان في تزيين الحق فهو الممدوح، وقد امتنّ الله بذلك على عباده حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ - عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤] (٦) قال الحافظ ابن حجر

стр. 328

رحمه الله: " وقد اتفق العلماء على مدح الإِيجاز، والإِتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإِطناب في مقام الخطابة بحسب المقام وهذا كله من البيان بالمعنى الثاني " (١). فينبغي للداعية أن يراعي ذلك في الدعوة إلى الله بحسب الاستطاعة؛ وليعلم أن الإِفراط والتفريط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها (٢). ثالثا: من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالمغيبات: من علامات النبوة التي تدل على صدق النبي ﷺ ما أخبر به ﷺ من الأمور الغيبية في القرون الغابرة، وما أخبر به في زمنه: كأعمال المنافقين وغيرهم، وما أخبر به من الأمور الغيبية في المستقبل (٣). وهذه الأحاديث التي أخبر فيها ﷺ بأن: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (٤) من إخباره ﷺ بالغيوب في المستقبل؛ فإن الخير ملازم للخيل إلى يوم القيامة كما أخبر ﷺ ، وهذا يدل على صدقه وأنه رسول الله حقا؛ ولهذا ذكر الإِمام البخاري ﵀ هذه الأحاديث في علامات النبوة (٥). رابعا: من خصائص الإسلام؛ البقاء إلى يوم القيامة: دلت هذه الأحاديث - كغيرها - على أن الإِسلام باقٍ إلى يوم القيامة؛ لبيانه ﷺ أن الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: " وقد استدل جماعة من العلماء بأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة تحت راية كلِّ برٍّ وفاجر من الأئمة بهذا الحديث، وذلك أن رسول الله ﷺ قال

стр. 329

فيه: «إلى يوم القيامة» والمجاهدون تحت راياتهم يغزون " (١) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه بشرى ببقاء الإِسلام وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون " (٢) ولهذا قال النبي ﷺ : «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» (٣) وقال ﷺ : «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (٤). قال النووي ﵀: " فيه دليل على بقاء الإِسلام والجهاد إلى يوم القيامة: والمراد قبيْل القيامة بيسير: أي حتى تأتي الريح الطيبة من قبل اليمن تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح " (٥). خامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دلت هذه الأحاديث الثلاثة على الترغيب في الإِعداد للجهاد، واستحباب رباط الخيل واقتنائها للغزو، وقتال أعداء الله، وأن فضلها وخيرها باق إلى يوم القيامة (٦) ولهذا قال ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم» وقوله ﷺ : «الأجر والمغنم» تفسير للخير: أي الثواب في الآخرة والغنيمة في الدنيا (٧) وقد بيَّن الخطابي ﵀: أن فيه الترغيب في اتخاذ الخيل والغزو عليها في سبيل الله، وأن المال الذي يكتسب بالخيل من خير وجوه الأموال وأطيبها (٨) وقد قال النبي ﷺ : «الخيل ثلاثة: هي لرجل

стр. 330

وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر» (١). فرجل ربطها: رياء، وفخرا، ونواء (٢) على أهل الإِسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر (٣) فرجل ربطها في سبيل الله [تغنيا وتعففا] ثم لم ينسَ حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإِسلام [فأطال لها (٤)] في مرج (٥) وروضة (٦) فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِوَلها (٧) فاستنّت (٨) شرفا أو شرفين (٩) إلا كتب الله له عدد آثارها، وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهْر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات (١٠). وهذا يبين أهمية الترغيب في الإِعداد للجهاد في سبيل الله ، وأن المراد بالخيل المرغب فيها: ما يتخذ للغزو في سبيل الله ويقاتل عليها، أو يرتبط من أجل ذلك (١١) وهذا الترغيب في الخيل فكيف

стр. 331

بمن أعد العدة للجهاد بأعظم وأقوى من الخيل ابتغاء وجه الله كالطائرات، والدبابات، والسفن وغيرها مما يستطيعه المسلمون؟ (١). سادسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: إن أسلوب التشبيه من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله وقد ظهر في قوله ﷺ : «معقود في نواصيها الخير» وتفسيره بـ «الأجر والمغنم»، أسلوب التشبيه. قال ابن الأثير ﵀ قوله: «معقود» أي ملازم لها كأنه معقود فيها " (٢) وتعقّبه الإِمام الطيبي ﵀ فقال: أقول: يجوز أن يكون الخير المفسر بالأجر والغنيمة: استعارة مكنية، شبهه لظهوره وملازمته بشيء محسوس معقود بخيل، على مكان رفيع؛ ليكون منظورا للناس ملازما لنظرهم، فنسب الخير إلى لازم المشبَّه به، وذكر الناصية تجريدا للاستعارة (٣). فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب على حسب الاستطاعة والحاجة (٤). سابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهرت في حديث عروة ﵁ هذه الوسيلة؛ لأنه ممن روى الحديث عن النبي ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير». . " ثم طبَّق ذلك على نفسه فكان يعتني بإعداد الخيل للجهاد في سبيل الله؛ قال شبيب بن غرقدة، الذي روى عنه الحديث: " وقد رأيت في داره سبعين فرسا " وهذا يدل على أنه ﵁ روى للناس الحديث وكان قدوة حسنة لهم في ذلك؛ وقد ذكِرَ عنه أنه اشترى فرسا بعشرة آلاف درهم (٥). وهذا يبيِّن للداعية أهمية القدوة الحسنة في الدعوة إلى الله .

стр. 332

٤٥ - باب من احتبس فرسا لقوله تعالى ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [ الأنفال: ٦٠] (١). [حديث من احتبس فرسا في سبيل الله] ٥٦ - [٢٨٥٣] حَدَّثَنَا عَلِي بْن حَفْصٍ: حَدَّثَنَا ابْن المبَارَكِ: أَخبَرَنَا طَلْحَة بْن أَبي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدا المَقْبرِي يحَدِّث أَنه سَمِعَ أَبَا هرَيْرَة (٢). ﵁ يَقول: قَالَ النَّبِي ﷺ : «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسا فِي سَبيلِ الله، إِيمَانا بِالله وَتَصْدِيقا بِوَعْدِه؛ فَإِنَّ شِبَعَه، وَرِيَّه، وَرَوْثَه، وَبَوْلَه فِي ميزانه يَوْمَ القِيَامَة». * شرح غريب الحديث: * «من احتبس فرسا في سبيل الله» أي: جعله وقفا للمجاهدين وغيرهم في سبيل الله، يقال: حَبَسْت أحْبِس حَبْسا، وأحبست أحبِس إحْبَاسا: أي وقفت (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله . ٢ - من صفات الداعية: الإِخلاص. ٣ - من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب. ٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٥ - التصريح بذكر بعض الألفاظ المستقذرة عند الحاجة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد في سبيل الله : دل هذا الحديث على أهمية الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله ،

стр. 333

والمدافعة عن المسلمين، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ : «من احتبس فرسا في سبيل الله»؛ فإن فيه الحث على وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه وقف غير الخير من آلات القتال وغيرها وكل ما يعين على الجهاد وإرهاب أعداء الإِسلام (١). فينبغي العناية بذلك (٢). ثانيا: من صفات الداعية: الإخلاص: إن الإِخلاص من أعظم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد ظهرت هذه الصفة في قوله ﷺ : «من احتبس فرسا في سبيل الله». قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: " يريد من حبسه بنية جهاد العدو ولا يريد غير ذلك، وفيه دليل على تأكيد النية في احتباسه لذلك؛ لأنه أتى بلفظ احتبس، التي هي من أبنية المبالغة كافتعل، ولم يقل حبس إشارة منه ﷺ إلى تأكيد النية في هذا الفعل وإزالة الشوائب عنها " (٣). وهذا يبين أهمية الإِخلاص لله ؛ (٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه أن المرء يؤجر بنيته كما يؤجر العامل " (٥) وقال الطيبي ﵀ على قوله ﷺ : " إيمانا " مفعول له: " أي ربطه خالصا لله تعالى امتثالا لأمره " (٦). ثالثا: من صفات الداعية: احتساب الأجر والثواب: دل الحديث على أن احتساب الأجر والثواب من الله من الصفات العظيمة التي ينبغي أن لا يهملها المسلم وخاصة الداعية إلى الله ، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ : «وتصديقا بوعده» قال الإِمام الطيبي ﵀ معلقا على هذه الجملة من الحديث: " عبارة عن الثواب المرتب على الاحتباس. تلخيصه:

стр. 334

أنه احتبس امتثالا واحتسابا، وذلك أن الله تعالى وعد الثواب على الاحتباس، فمن احتبس فكأنه قال: صدقت فيما وعدتني " (١). وهذا يوضح أهمية احتساب الأجر والثواب والتصديق بوعد الله (٢). رابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: ظهر في هذا الحديث أهمية الترغيب في اتخاذ الخيل وإعدادها للجهاد في سبيل الله ، وابتغاء مرضاته، ورغبة في حماية المسلمين والدفاع عنهم، والدعوة إلى الله ؛ فإن في ذلك الفضل العظيم؛ لأن الله يثيب من فعل ذلك عن كل ما تأكله الخيل، أو تشربه، أو يخرج من بول وروث، ويكون ذلك كله في موازين حسناته (٣) وهذا فيه ترغيب في اقتناء كل ما يساعد على الجهاد والعناية بكل ما فيه قوة المسلمين في كل زمان بما يناسبه (٤). فينبغي للداعية العناية بترغيب الناس في ذلك (٥). خامسا: التصريح بذكر بعض الألفاظ المستقذرة عند الحاجة: لا حرج على الداعية إلى الله أن يذكر بعض الألفاظ التي يستحيى منها أو تستقذر إذا دعت الحاجة لذلك؛ وقد ذكر النبي ﷺ : بول الفرس وروثه وأنه في موازين حسنات من وقفه في سبيل الله . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " لا بأس بذكر الشيء المستقذر بلفظه عند الحاجة " (٦).

стр. 335

٤٦ - باب اسم الفرسِ وَالحمارِ [حديث فرس النبي ﷺ ] ٥٧ - [٢٨٥٥] حَدَّثَنَا عَلِي بْن عبد الله بْنِ جَعْفَر: حَدَّثَنَا مَعْن بن عِيسى: حَدَّثَنِي أبَي بْن عباسِ بْنِ سَهْل عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه (١) قَالَ: «كَانَ للنَّبِي ﷺ في حَائِطِنَا فَرَس يقَال لَه اللحَيْف». قَالَ أَبو عبد الله: وَقَالَ بَعْضهمْ: اللخَيْف. * شرح غريب الحديث: * " حائطنا " الحائط: " هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار " (٢). * " اللحَيْف " قال القاضي عياض ﵀: " اللحَيْف: بالحاء المهملة وضم اللام على التصغير كذا ضبطناه، وضبطناه أيضا بفتح اللام وكسر الحاء مكبرا، " اللَّحِيف " وقال بعضهم: بالخاء المعجمة والمعروف الأول " (٣) وهو اسم فرس النبي ﷺ ، وسمِّي بذلك؛ لطول في ذنبه، فعيل بمعنى فاعل. كأنه يلحف الأرض بذنبه، أي يغطيها به، يقال: لحفت الرّجلَ باللِّحاف: طرحته عليه. قال ابن الأثير " ويروى بالجيم والخاء " (٤) وقال في موضع آخر: " وأما من رواه بالخاء فلا وجه له " (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الإِعداد للجهاد في سبيل الله . ٢ - أهمية تعاون المدعو مع ولي أمر المسلمين.

стр. 336

والحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الإعداد للجهاد في سبيل الله : دل هذا الحديث على عناية النبي ﷺ بالإِعداد للجهاد في سبيل الله ؛ ولهذا جعل الفرس في حائط الصحابي سهل بن سعد الساعدي ﵄؛ ولعناية النبي ﷺ بإعداد الخيل فقد كان لها أسماء تعرف بها في زمنه ﷺ (١). فينبغي العناية بالإِعداد للجهاد، وحث المسلمين على ذلك (٢). ثانيا: أهمية تعاون المدعو مع ولي أمر المسلمين: لا شك أنه ينبغي التعاون مع ولاة أمر المسلمين، والدعاة وشد أزرهم ابتغاء وجه الله ، وقد دل هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على التعاون مع النبي ﷺ ، ومن هذا التعاون ما فعله سهل بن سعد بن مالك الساعدي ﵄ من حفظ فرس رسول الله ﷺ في حائطه تعاونا على الإِعداد للجهاد في سبيل الله . ومن حرص الصحابة ﵃ على التعاون في الإِعداد للجهاد ما فعله سعد بن مالك (٣) أبو سهل بن سعد؛ فإنه أوصى برحل راحلته عند موته للنبي ﷺ كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (٤). فينبغي للمدعوين أن يتعاونوا مع ولاة الأمر والعلماء والدعاة في كل ما يكون فيه خدمة وحماية ودفاع ونصرة للإِسلام والمسلمين، كما قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] (٥).

стр. 337

[حديث معاذ كنت رديف النبي على حمار] ٥٨ - [٢٨٥٦] حَدَّثَنا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ أنه سَمِعَ يَحْيَى بْنَ آدَمَ: حَدَّثَنَا أبو الأَحْوَصِ، عَن أَبي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمونٍ، عَنْ معَاذٍ (١) ﵁ قَالَ: «كَنْت رِدْفَ النَّبِي ﷺ عَلَى حِمَارٍ يقَال لَه: عفَيْر، فَقَالَ: " يَا معَاذ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ الله عَلَى عِبَادِه؟ وَمَا حَقّ العِبَادِ عَلَى الله؟ " قلْت: الله وَرَسوله أَعْلَم. قَالَ: " فَإِنَّ حَقَّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبدوه وَلَا يشْرِكوا بِه شَيْئا، وَحَقّ العِبَادِ عَلَى الله أَنْ لا يعَذِّبَ منْ لا يشْرِك بِه شَيْئا "، فَقلْت: يَا رَسولَ الله أَفَلا أبَشِّر بِه النَّاسَ؟ قَالَ: " لا تبَشِّرْهمْ فَيَتَّكِلوا» (٢).

стр. 338

وفي رواية: «بَيْنَا أَنَا رَدِيف النَّبِي ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَه إِلَّا آخِرَة الرَّحْلِ، فَقَالَ: " يَا معَاذ " قلْت: لَبَّيْكَ يَا رَسولَ الله وَسَعْدَيْكَ. ثمَّ سَارَ سَاعَة، ثمَّ قَالَ: " يَا معَاذ "، قلت: لَبَّيْكَ رَسولَ الله وَسَعْدَيْكَ. ثمَّ سَارَ سَاعَة، ثمَّ قَالَ: " يَا معَاذ بْنَ جَبَلٍ "، قلْت: لَبَّيْكَ رَسولَ الله وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: " هَلْ تَدْرِي مَا حَقّ الله عَلَى عِبَادِه؟ " قلْت: الله وَرَسوله أَعْلَم. قَالَ: " حَقّ الله عَلَى عبَادِه أَنْ يَعْبدوه وَلَا يشْرِكوا به شَيْئا "، ثمَّ سَارَ سَاعَة، ثمَّ قَالَ: " يَا معَاذ بْنَ جَبَلٍ! "، قلْت: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّه وَسَعْديْكَ. قَالَ: " هَلْ تَدْرِي مَا حَقّ العِبَادِ عَلَى الله إِذَا فَعَلوه؟ " قلْت: الله وَرَسوله أَعْلَم. قَالَ: " حَقّ الْعِبَادِ عَلَى الله أَنْ لَا يعَذِّبَهمْ» (١). * شرح غريب الحديث: * " رديف " يقال: ردفت الرجل أردفه: إذا ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفي (٢). * " عفير " وهو تصغير ترخيم لأعفر، من العفرة: وهي الغبرة ولون التراب (٣). * " آخرة الرحل " هي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير (٤). * " لبَّيْك " هو من التلبية، وهي إجابة المنادي. ويقال: لبى بالحج إذا قال: لبيك اللهم لبيك: أي إجابتي لك يا ربِّ، وهو مأخوذ من لبَّ بالمكان وألبَّ به إذ أقام به ولم يفارقه، ولفظ التثنية في معنى التكرير: أي إجابة بعد إجابة. أو: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: " لبيك اللهم لبيك " أي اتجاهي وتوجهي إليك يا ربِّ وقصدي، وثنِّي للتوكيد، من قولهم: داري تلِبّ دارك:

стр. 339

أي تواجهها. وقيل: محبتي لك يا ربِّ، من قول العرب: امرأة لبَّة: أي محبة لولدها عاطفة عليه. وقيل: إخلاصي لك يا ربّ، من قولهم: حَسَب لبَاب: إذا كان خالصا محضا (١). * " وسَعْدَيْكَ " أي: سَاعَدَتْ طَاعَتك مسَاعدة بَعْدَ مسَاعَدَة، وإسعادا بعد إسعاد (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: التواضع. ٢ - من ميادين الدعوة: مراكب المواصلات. ٣ - من أساليب الدعوة: استفسار الداعية المدعو؛ ليختبر ما عنده. ٤ - من أساليب الدعوة: النداء والإِجابة لتأكيد الاهتمام. ٥ - أهمية تعليم العامة قبل أن يسألوا. ٦ - أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه. ٧ - أهمية مراعاة أحوال المدعوين. ٨ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار. ٩ - من سنة إلقاء العلم: الوقار والتثبت. ١٠ - من أدب المدعو: الاقتراب من مجالس العلم. ١١ - من أدب الداعية: رد علم ما لا يعلمه إلى الله . ١٢ - من أهم موضوعات الدعوة: الحض على الطاعات واجتناب المعاصي. ١٣ - أهم موضوعات الدعوة: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك. ١٤ - من صفات الداعية: حب الخير للناس وتبشيرهم به؛ لإِدخال السرور عليهم. ١٥ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الاتكال.

стр. 340

١٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب. ١٧ - من صفات النبي ﷺ : الفصاحة والبلاغة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على خلق التواضع وأنه من صفات النبي ﷺ ؛ ولهذا ركب على الحمار وأردف معاذ بن جبل خلفه، قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: " فيه دليل على تواضع النبي ﷺ وحسن خلقه إذ أنه في الفضل حيث هو وكان يركب هو وغيره على دابة واحدة " (١) ومن عظم تواضعه ما ذكره ابن حجر ﵀: أن ابن منده ﵀ أفرد أسماء من أردفه النبي ﷺ فبلغوا ثلاثين نفسا (٢). فينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة (٣). ثانيا: من ميادين الدعوة: مراكب المواصلات: لا شك أن مراكب المواصلات: من ميادين الدعوة، التي تستغل لنشر الدعوة أثناء السير فالنبي ﷺ كان يعلِّم أثناء سيره وهو راكب على الحمار كما فعل مع معاذ ﵁ في هذا الحديث، وكما فعل مع ابن عباس ﵄ حينما كان رديفه على حمار فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٤).

стр. 341

وهذا يبين للداعية أهمية انتهاز الفرص أثناء ركوبه على وسائل المواصلات؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀ في فوائد حديث معاذ ﵁: " فيه في دليل على جواز الحث في العمل في الطريق على الدواب، هذا بشرط أن يكون الطريق ليس فيه اللغط الكثير؛ لأنه قلَّ أن يأتي التعلم مع كثرة اللغط " (١). فينبغي للداعية أن ينتهز الفرص أثناء ركوبه على وسائل المواصلات: كالسيارات، والطائرات، والقطارات، والسفن البحرية وغيرها، فينشر الدعوة، ويعلم الخير، إلا إذا منع من ذلك مانع، أو عارض ذلك مصلحة شرعية، أو خشي الداعية حصول مفسدة، أو تعطل مصلحة أعظم. . . والداعية الحكيم هو الذي يضع دعوته في موضعها المناسب. والله المستعان. ثالثا: من أساليب الدعوة: استفسار الداعية المدعو ليختبر ما عنده: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة طرح الداعية الأسئلة على المدعوين؛ ليختبر ما عندهم من العلم؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: «يا معاذ هل تدري حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟». وقد بيَّن الحافظ ابن حجر ﵀: أن في هذا الحديث من الفوائد " استفسار الشيخ تلميذه؛ ليختبر ما عنده، ويبيِّن له ما يشكل عليه منه " (٢) ومما يؤكد أهمية هذا الأسلوب أن البخاري ﵀ قال في أول كتاب العلم: " باب طرح الإِمام المسألة على أصحابه؛ ليختبر ما عندهم من العلم " ثم ساق تحته حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مَثَل المسلم، حدثوني ما هي؟ " قال فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: " هي النخلة» (٣) وهذا يبيِّن للداعية أهمية هذا الأسلوب في الدعوة إلى الله .

стр. 342

رابعا: من أساليب الدعوة: النداء والإجابة لتأكيد الاهتمام: دل قوله ﷺ : " يا معاذ " على أنَّ نداء الشخص باسمه قبل إلقاء العلم إليه من أدب العلم ومن أساليب الدعوة إلى الله ؛ ولهذا بيَّن الإِمام عبد الله بن أبي جمرة أن في هذا الحديث من الفوائد في جذب قلب المدعو: " إحضار ذهنه إليك؛ ليعي ما تلقيه إليه؛ لأن الأذهان قد يطرقها فكرة فتكون بها مشغولة فلا تعي كل ما يلقى إليها " (١). فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه. خامسا: أهمية تعليم العامة قبل أن يسألوا: إن تعليم عامة الناس من أهم المهمات، وليس من شرطه أن يبقى الداعية ينتظر أسئلتهم، بل عليه أن يجتهد في تعليمهم العلم، وقد دل قوله ﷺ لمعاذ ﵁: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» أن الداعية يعلم الناس العلم ولو لم يسألوا عنه؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: " وفي تعليمه ﷺ معاذا من غير سؤال منه له ﷺ دليل لمن يقول إن للعالم أن يعلم دون أن يسأل " (٢). سادسا: أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه: إن السؤال عما أشكل من الأمور المهمة؛ ولهذا قال معاذ ﵁: «فقلت يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: " لا تبشرهم فيتكلوا»؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه جواز استفسار الطالب عما يتردد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده " (٣) وقد أمر الله بسؤال العلماء، وحذر العلماء من كتمان العلم فقال : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (٤) وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٥).

стр. 343

فينبغي للمدعو أن يسأل، وللداعية أن يجيب، ويسأل من هو أعلم منه (١). سابعا: أهمية مراعاة أحوال المدعوين: دل الحديث على أهمية مراعاة أحوال المدعوين؛ لأن النبي ﷺ علَّم معاذا أن: «حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» وعندما قال له معاذ ﵁: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ فقال ﷺ : «لا تبشرهم فيتكلوا» وهذا يبين أن الداعية يراعي أحوال المدعوين فيقدم لكل إنسان ما يناسبه؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: " ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة " (٢) وقال علي بن أبي طالب ﵁: " حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكَذَّبَ الله ورسوله؟ " (٣) وذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم» (٤). وقد ذكر ابن حجر ﵀ على قوله ﷺ : «لا تبشرهم فيتكلوا» أن العلماء قالوا: " يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس؛ لئلا يتكلوا: أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها وقد سمعها معاذ ولم يزدد إلا اجتهادا في العمل وخشية لله ، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يؤمن أن يقصر اتكالا على ظاهر الخبر " (٥). ومما بين مراعاة أحوال المدعوين أن البخاري ﵀ بوَّب في صحيحه بابا قال فيه: " باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا " ثم ذكر

стр. 344

تحته حديث أنس بن مالك الآخر: أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل قال: «يا معاذ بن جبل "، قال: لبيك يا رسول الله وسَعْدَيْك. قال: " يا معاذ " قال: لبيك يا رسول الله وسعديك " ثلاثا " قال: " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار " قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: " إذا يتكلوا» وأخبر بها معاذ عند موته تأثما (١). وهذا يبين للداعية أهمية مراعاة أحوال المدعوين في دعوته إلى الله (٢). ثامنا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث بقوله ﷺ : " يا معاذ " وكرر نداء معاذ " ثلاث مرات " وهذا التكرار، لتأكيد الاهتمام بما يخبره به؛ وليكمل تنبيه معاذ فيما يسمعه (٣) قال الإِمام القرطبي ﵀: " وإنما كرر النبي ﷺ نداء معاذ ثلاثا؛ ليستحضر ذهنه وفهمه؛ وليشعره بعظم ما يلقيه عليه " (٤) وهذا يحث الداعية ويبين له أهمية استخدام هذا الأسلوب في الدعوة إلى الله (٥). تاسعا: من سنة إلقاء العلم: الوقار والتثبت: إن الداعية الناجح هو الذي يلتزم التثبت والوقار في تعليمه للناس الخير وإلقاء العلم إليهم، ويؤخذ هذا من إبطائه ﷺ في الجواب؛ ولهذا قال: «يا معاذ " فقال معاذ ﵁: قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة فقال: " يا معاذ " فقال ﵁: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال: " يا معاذ بن جبل " فقال معاذ: " لبيك رسول الله وسعديك» قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: " ويؤخذ من إبطائه ﷺ بين الندائين أن من سنة إلقاء العلوم

стр. 345

الوقار، والتؤدة " (١) ومن كمال الحكمة والوقار والتؤدة أنه ﷺ ناداه بقوله: " يا معاذ " مرتين ثم زاد في الثالثة " يا معاذ بن جبل " قال ابن أبي جمرة ﵀ عن هذه الزيادة " إنما هي إشارة إلى أن هذه الثالثة آخر النداء فاسمع ما يلقى إليك؛ لأن زيادة (بن جبل) هو الكمال في التعريف، فإذا كمل الشيء فقد تم " (٢). عاشرا: من أدب المدعو: الاقتراب من مجالس العلم: دل هذا الحديث على التأكيد والتنبيه على الاقتراب من حلقات العلم ومجالسه، وأن ذلك مما يعين السامع على الضبط؛ ولهذا قال معاذ بن جبل ﵁: " ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل " قال الإِمام النووي ﵀: " أراد المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أوقع في نفس سامعه؛ لكونه أضبط " (٣). ومما يؤكد أهمية الاقتراب من مجالس العلم ما رواه البخاري ﵀ عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «بينما رسول الله ﷺ في المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد، فأما أحدهما فرأى فرجة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الآخر فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: " ألا أخبركم عن الثلاثة: أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (٤). وهذا يبين أهمية الاقتراب من مجالس العلم وسد الفرج فيها. الحادي عشر: من أدب الداعية: رد علم ما لا يعلمه إلى الله : لا شك أنه ينبغي بل يلزم كل مسلم - وخاصة الداعية إلى الله إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: الله أعلم، أو لا أدري، أو سأراجع المسألة إن شاء الله، وقد دل هذا الحديث على هذا الأدب الكريم في قول معاذ بن جبل

стр. 346

رضي الله عنه: " الله ورسوله أعلم ". ومما يبين أهمية هذا الأدب ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: " يا أيها الناس من عَلِمَ شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم " (١) قال الله : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٢). وسئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: " لا أعلم " ثم قال: " ويل للذي يقول لما لا يعلم: إني أعلم " (٣) وقال مالك: " ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري؛ فإنه عسى أن يهيأ له خير " (٤) وقال ابن وهب: " لو كتبنا عن مالك: لا أدري، لملأنا الألواح " (٥). وعن عقبة بن مسلم أنه قال: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا، فكثيرا ما كان يسأل فيقول: " لا أدري " ثم يلتفت إلي فيقول: " تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرا إلى جهنم " (٦). وقال أبو داود: " قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم نصف العلم " (٧). وهذا كله يؤكد للداعية أهمية قوله: الله أعلم، أو لا أدري لما لا يعلمه وأن ذلك من الآداب الجميلة التي تدل على خشية الله (٨). الثاني عشر: من أهم موضوعات الدعوة: الحض كل الطاعات، واجتناب المعاصي: دل الحديث على أن القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات من أعظم

стр. 347

الفرائض التي فرضها الله على عباده؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ ﵁: «حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» قال الكرماني ﵀: قوله ﷺ : «أن يعبدوه» أشار إلى العمليات، وقوله: «ولا يشركوا به شيئا» أشار إلى الاعتقاديات (١). فقوله: " أشار إلى العمليات " والمراد عمل الطاعات واجتناب المحرمات؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀، على قوله ﷺ : «أن يعبدوه»: " المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي، وعطف عليها عدم الشرك؛ لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة: أن بعض الكفرة كانوا يدَّعون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى، فاشترط نفي ذلك " (٢). وأفضل ما عرِّفت به العبادة: قول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: " العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال: الباطنة والظاهرة " (٣) والعبادة أصل معناها الذل، يقال: طريق معبّد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل بغاية المحبة لله ولرسوله ﷺ ودينه (٤). وقد عرف العلامة ابن القيم ﵀: العبادة بتعريف جامع قال فيه: وعبادة الرحمن غاية حبِّه ... مع ذلِّ عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان (٥) / ٥٠ فينبغي للداعية إلى الله أن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، ويحثهم على الإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله ، والعمل بمقتضى الشهادتين: من إقام الصلاة، وإيتاء

стр. 348

الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وأن يعبد العبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، وإنجاز الوعد، والإِحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، والمملوك من الآدميين والبهائم، وإكرام الضيف، وتنفيس الكرب عن المكروب من المسلمين، والتيسير على المعسر، وستر المسلم، وإعانته، والإِخلاص لله، والتوكل عليه، والمحبة له ولرسوله ﷺ ، وخشية الله، ورجاء رحمته، والتوبة والإِنابة إليه، والصبر على حكمه، والشكر لنعمه، وقراءة القرآن، وذكر الله، والدعاء، ومسألته والرغبة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله للكفار والمنافقين، وأن يصل المسلم من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، والعدل في جميع الأمور، وعلى جميع الخلق حتى الكفار، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، وحسن الخلق، والدعوة إلى الله، والنصيحة لله، ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، وغير ذلك من أنواع العبادات (١). ومن العبادات: أن يبتعد الإِنسان عن جميع المعاصي والسيئات، فينبغي للداعية أن يحذر الناس عن الشرك، والتكذيب بالرسل، والكفر، والحسد، والكذب، والفجور، والخيانة، والظلم، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، والغدر، وقطيعة الرحم، والجبن عن الجهاد، والبخل، والشح، واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والجزع عند المصائب، والفخر والبطر عند النعم، وترك فرائض الله، واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته، وخوف المخلوق دون الخالق، ورجاء المخلوق دون الخالق، والتوكل على المخلوق دون الخالق، والعمل رياء وسمعة، ومخالفة الكتاب والسنة، وطاعة المخلوق في معصية الخالق، والتعصب بالباطل، والاستهزاء بآيات الله، وجحد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة،

стр. 349

والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وإعطاء الرشوة وأخذها، وأكل أموال الناس بالباطل، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، وشرب الخمر، والكبر والخيلاء، والسرقة، واليمين الغموس، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمنّ بالعطية، وإنفاق السلعة بالحلف الكاذب، وتصديق الكاهن والمنجم، والتصوير لذوات الأرواح، واتخاذ القبور مساجد، والنياحة على الميت، وإسبال الإِزار، ولبس الحرير أو الذهب للرجال، وأذى الجار، وإخلاف الوعد، ونقض العهد، وغير ذلك من المحرمات (١) ولا يمكن تفصيل ذلك واستغراقه، لكن يجمع جميع أنواع العبادة قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] (٢). فيلزم الداعية أن يحث المدعوين على جميع الطاعات تفصيلا وتوضيحا وبيانا، ويحذرهم عن جميع المعاصي تفصيلا وتبيينا دقيقا، مع الالتزام بالأدلة من الكتاب والسنة، ومع التنويع، وإعطاء كل قوم ما يناسبهم من الأمر والنهي. وهذا هو حق الله على عباده. قال الإِمام القرطبي ﵀: " وحق الله على عباده: ما أوجبه عليهم بحكمه وألزمهم إياه بخطابه " (٣). الثالث عشر: أهم موضوعات الدعوة: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك: دل الحديث على أن أهم موضوعات الدعوة: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك بالله ؛ لأن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» وقد بين الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: أن حق الله على عباده هو الجمع بين امتثال الحكمة في الأمر والنهي، وحقيقة التوحيد (٤) وبين الحافظ ابن حجر أن المراد بالعبادة في الحديث عمل الطاعات

стр. 350

واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك؛ لأنه تمام التوحيد (١). فيلزم الداعية إلى الله أن يبين للناس توحيد الله كما جاء في الكتاب والسنة، ويوضح لهم أن التوحيد نوعان: النوع الأول: التوحيد الخبري العلمي الاعتقادي، وهو توحيد في المعرفة والإِثبات، وهذا هو توحيد الربوبية، والأسماء والصفات، وهو إثبات حقيقة ذات الرب وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتكلمه بكتبه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره، وحكمته، وتنزيهه عما لا يليق به من غير: تمثيلٍ، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تحريف، ولا تفويض للمعاني. النوع الثاني: التوحيد الطلبي القصدي الإِرادي: وهو توحيد في الطلب والقصد: وهو توحيد الإِلهية والعبادة (٢). والقرآن كله من أوله إلى آخره في إثبات وتقرير هذين النوعين؛ لأنه إما خبر عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأقواله، وما يجب أن يوصف به، وما يجب أن ينزه عنه. فهو التوحيد العلمي الخبري. وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلْع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإِرادي الطلبي. وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في أمره ونهيه، فهي حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن إكرام الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم

стр. 351

في الآخرة من العذاب. فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم (١). وهذا كله يؤكد على الداعية إلى الله أن يبين للناس التوحيد وأنواعه، ويحذرهم عن كل ما يضاده من الشرك وأنواعه؛ فإن ذلك من أعظم الواجبات على كل داعية إلى الله . الرابع عشر: من صفات الداعية: حب الخير للناس وتبشيرهم به؛ وإدخال السرور عليهم: دل الحديث على أهمية حب المسلم - وخاصة الداعية - الخير للناس وفرحه بذلك؛ لأن معاذ بن جبل ﵁ فرح فرحا شديدا بقوله ﷺ : «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» فقال معاذ: " يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ "؛ ولهذا بين الإِمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن في هذا الحديث من الفوائد: استحباب بشارة المسلم بما يسره (٢). وقد بين النبي ﷺ أن حب الخير للمسلم من كمال الإيمان فقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣). فينبغي للداعية أن يحب الخير للناس ويدخل السرور عليهم بتبشيرهم بما يسرهم؛ فإن ذلك يؤثر في نفوسهم ويكون وسيلة إلى قبول دعوته (٤). الخامس عشر: من موضوعات الدعوة: التحذير من الاتكال: دل هذا الحديث على أن التحذير من الاتكال من موضوعات الدعوة؛ لأن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل ﵁: «لا تبشرهم فيتكلوا» وهذا فيه إنذار من

стр. 352

الاتكال وترك العبادة (١) وقد ذكر الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀ على قوله ﷺ : «لا تبشرهم فيتكلوا» أنه ﷺ إنما نهاه عن الإِخبار بهذا الفضل العظيم؛ لأن التوكل على نوعين: شرعي، ولغوي، ويعبَّر عنه بالطمع. فالتوكل الشرعي: هو التوكل على الله والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه مع بذل الجهد في امتثال الأوامر واجتناب النواهي والعمل بالأسباب (٢). أما التوكل اللغوي: فهو الاتكال بدون عمل (٣)؛ ولهذا نهى ﷺ معاذ بن جبل عن تبشير الصحابة ﵃؛ لئلا يعتمدوا على ذلك فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة (٤). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من الاتكال والكسل، ويحثهم على العمل والنشاط؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] (٥). السادس عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: دل على هذين الأسلوبين قوله ﷺ : «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». قال الإِمام القرطبي رحمه الله تعالى: " حق الله على عباده ما أوجبه عليهم بحكمه وألزمهم إياه بخطابه، وحق العباد على الله: هو ما وعدهم به من الثواب والجزاء، فحقَّ ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق، الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله تعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا بحكم العقل إذ العقل كاشف لا موجب " (٦).

стр. 353

فظهر بذلك معنى " حق العباد على الله " أنه متحقق لا محالة (١) فهو حق جعله سبحانه على نفسه تفضلا وكرما؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] (٢) فهو الذي أوجب على نفسه حقا لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته، وحكمته، وعدله، كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم (٣) قال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] (٤) وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] (٥) وهذا استحقاق تفضل وإحسان وإنعام وامتنان من الله على عباده (٦). وقد ظهر أسلوب الترغيب في هذا الحديث في قوله ﷺ : " أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا "؛ ولهذا قال ﷺ : «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٧) وهذا فيه ترغيب لمن مات لا يشرك بالله شيئا؛ فإن الله يدخله الجنة. أما أسلوب الترهيب فقد ظهر من مفهوم الحديث؛ فإنه ﷺ قال: «حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» فمنطوق الحديث أنه لا يعذب من لا يشرك به شيئا، ومفهومه أنه يعذب من مات وهو يشرك بالله شيئا. وقد فسَّرت الأحاديث الأخرى هذا الحديث، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار» قال عبد الله ﵁: " وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " (٨) وقد جاء ذلك صريحا من كلام النبي ﷺ ، فعن جابر بن عبد الله ﵄ أن

стр. 354

رسول الله ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار» (١) قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢). فينبغي للداعية أن يرغب الناس في التوحيد وثوابه، ويخوفهم من الشرك وعقابه. والله المستعان. السابع عشر: من صفات النبي ﷺ : الفصاحة والبلاغة: دل هذا الحديث على فصاحة النبي ﷺ وبلاغته؛ لأنه جمع المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة، فقوله ﷺ : «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» كلمات قصيرات، شملت المعاني الكثيرة، مع كمال الوضوح والبيان (٣). فينبغي للداعي أن يجتهد في الإيجاز في الألفاظ التي تتسع معانيها على حسب القدرة والاستطاعة (٤).

стр. 355

٤٧ - باب ما يذْكَر من شؤْم الفرسِ [حديث إِنْ كَانَ الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن] ٥٩ - [٢٨٥٩] حَدَّثَنَا عبد الله بْن مَسْلَمَة، عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي (١) ﵁ أَن رَسولَ الله ﷺ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شيءٍ فَفِي: المَرْأَة، والْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ» (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية اختيار الداعية الوسائل المعينة على الدعوة. ٢ - من صفات الداعية: التوكل. والحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي: أولا: أهمية اختيار الداعية الوسائل المعينة على الدعوة: من الأمور المهمة أن يعتني الداعية بالوسائل التي تعينه على الدعوة وتزيد في نشاطه وقوته في الدعوة إلى الله ، ومن هذه الوسائل: اختيار المركب الصالح، والمرأة الصالحة، والمسكن المناسب، وقوله ﷺ : «إن كان في شيء ففي المرأة، والفرس، والمسكن» أي إن كان الشؤم في شيء ففي هذه الثلاثة كما فسره حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار» (٣) وفي لفظ لمسلم: «لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار» (٤).
следующие страницы →