← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

في الآخرة من العذاب. فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم (١). وهذا كله يؤكد على الداعية إلى الله أن يبين للناس التوحيد وأنواعه، ويحذرهم عن كل ما يضاده من الشرك وأنواعه؛ فإن ذلك من أعظم الواجبات على كل داعية إلى الله . الرابع عشر: من صفات الداعية: حب الخير للناس وتبشيرهم به؛ وإدخال السرور عليهم: دل الحديث على أهمية حب المسلم - وخاصة الداعية - الخير للناس وفرحه بذلك؛ لأن معاذ بن جبل ﵁ فرح فرحا شديدا بقوله ﷺ : «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» فقال معاذ: " يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ "؛ ولهذا بين الإِمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن في هذا الحديث من الفوائد: استحباب بشارة المسلم بما يسره (٢). وقد بين النبي ﷺ أن حب الخير للمسلم من كمال الإيمان فقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣). فينبغي للداعية أن يحب الخير للناس ويدخل السرور عليهم بتبشيرهم بما يسرهم؛ فإن ذلك يؤثر في نفوسهم ويكون وسيلة إلى قبول دعوته (٤). الخامس عشر: من موضوعات الدعوة: التحذير من الاتكال: دل هذا الحديث على أن التحذير من الاتكال من موضوعات الدعوة؛ لأن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل ﵁: «لا تبشرهم فيتكلوا» وهذا فيه إنذار من

стр. 352

الاتكال وترك العبادة (١) وقد ذكر الإِمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀ على قوله ﷺ : «لا تبشرهم فيتكلوا» أنه ﷺ إنما نهاه عن الإِخبار بهذا الفضل العظيم؛ لأن التوكل على نوعين: شرعي، ولغوي، ويعبَّر عنه بالطمع. فالتوكل الشرعي: هو التوكل على الله والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه مع بذل الجهد في امتثال الأوامر واجتناب النواهي والعمل بالأسباب (٢). أما التوكل اللغوي: فهو الاتكال بدون عمل (٣)؛ ولهذا نهى ﷺ معاذ بن جبل عن تبشير الصحابة ﵃؛ لئلا يعتمدوا على ذلك فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة (٤). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من الاتكال والكسل، ويحثهم على العمل والنشاط؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] (٥). السادس عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: دل على هذين الأسلوبين قوله ﷺ : «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». قال الإِمام القرطبي رحمه الله تعالى: " حق الله على عباده ما أوجبه عليهم بحكمه وألزمهم إياه بخطابه، وحق العباد على الله: هو ما وعدهم به من الثواب والجزاء، فحقَّ ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق، الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله تعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا بحكم العقل إذ العقل كاشف لا موجب " (٦).

стр. 353

فظهر بذلك معنى " حق العباد على الله " أنه متحقق لا محالة (١) فهو حق جعله سبحانه على نفسه تفضلا وكرما؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] (٢) فهو الذي أوجب على نفسه حقا لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته، وحكمته، وعدله، كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم (٣) قال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] (٤) وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] (٥) وهذا استحقاق تفضل وإحسان وإنعام وامتنان من الله على عباده (٦). وقد ظهر أسلوب الترغيب في هذا الحديث في قوله ﷺ : " أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا "؛ ولهذا قال ﷺ : «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٧) وهذا فيه ترغيب لمن مات لا يشرك بالله شيئا؛ فإن الله يدخله الجنة. أما أسلوب الترهيب فقد ظهر من مفهوم الحديث؛ فإنه ﷺ قال: «حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» فمنطوق الحديث أنه لا يعذب من لا يشرك به شيئا، ومفهومه أنه يعذب من مات وهو يشرك بالله شيئا. وقد فسَّرت الأحاديث الأخرى هذا الحديث، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار» قال عبد الله ﵁: " وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " (٨) وقد جاء ذلك صريحا من كلام النبي ﷺ ، فعن جابر بن عبد الله ﵄ أن

стр. 354

رسول الله ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار» (١) قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢). فينبغي للداعية أن يرغب الناس في التوحيد وثوابه، ويخوفهم من الشرك وعقابه. والله المستعان. السابع عشر: من صفات النبي ﷺ : الفصاحة والبلاغة: دل هذا الحديث على فصاحة النبي ﷺ وبلاغته؛ لأنه جمع المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة، فقوله ﷺ : «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» كلمات قصيرات، شملت المعاني الكثيرة، مع كمال الوضوح والبيان (٣). فينبغي للداعي أن يجتهد في الإيجاز في الألفاظ التي تتسع معانيها على حسب القدرة والاستطاعة (٤).

стр. 355

٤٧ - باب ما يذْكَر من شؤْم الفرسِ [حديث إِنْ كَانَ الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن] ٥٩ - [٢٨٥٩] حَدَّثَنَا عبد الله بْن مَسْلَمَة، عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي (١) ﵁ أَن رَسولَ الله ﷺ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِي شيءٍ فَفِي: المَرْأَة، والْفَرَسِ، وَالْمَسْكَنِ» (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية اختيار الداعية الوسائل المعينة على الدعوة. ٢ - من صفات الداعية: التوكل. والحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي: أولا: أهمية اختيار الداعية الوسائل المعينة على الدعوة: من الأمور المهمة أن يعتني الداعية بالوسائل التي تعينه على الدعوة وتزيد في نشاطه وقوته في الدعوة إلى الله ، ومن هذه الوسائل: اختيار المركب الصالح، والمرأة الصالحة، والمسكن المناسب، وقوله ﷺ : «إن كان في شيء ففي المرأة، والفرس، والمسكن» أي إن كان الشؤم في شيء ففي هذه الثلاثة كما فسره حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار» (٣) وفي لفظ لمسلم: «لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار» (٤).

стр. 356

قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في هذا الحديث فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله سكناها سبباَ للضرر أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعيَّنة أو الفرس أو الخادم، قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاث كما صرح به في رواية: " إن يكن الشؤم في شيء " وقال الخطابي وكثيرون: " هو في معنى الاستثناء من الطيرة: أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه وطلاق المرأة. وقال آخرون: شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، وقيل حِرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوِّضَ إليه، وقيل: المراد بالشؤم هنا: عدم الموافقة " (١) وقال بعض العلماء: الأحاديث في الشؤم ثلاثة أقسام: أحدها: ما لم يقع الضرر به ولا التأذي ولا اطَّردت عَادة به خاصة ولا عامة، لا نادرة ولا متكرِّرَة، فهذا لا يصْغَى إليه وقد أنكر الشرع الالتفات إليه، وهو الطيرة، كلقي غراب في بعض الأسفار، أو صراخ بومة في دار، وهذا الذي كانت العرب في الجاهلية تعتبره وتعمل عليه، مع أنه ليس في ذلك ما يشعر بالأذى ولا المكروه. الثاني: ما يقع به الضرر، ولكنه يعم ولا يخص، ويندر ولا يتكرر، كالوباء، فهذا لا يقْدم عليه عملا بالحزم والاحتياط، ولا يخرج منه ولا يفرّ منه لإِمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفارِّ فيكون سفره سببا في محنته وتعجيلا لهلكته. الثالث: ما يخص ولا يعمّ ويلحق به الضرر بطول الملازمة كالدار، والفرس، والمرأة، فهذه الثلاثة يباح الفرار منها واستبدالها بغيرها مما يناسب الإِنسان، والتوكل على الله تعالى، والإِعراض عما يقع في النفوس من ذلك من أفضل

стр. 357

الأعمال والله أعلم (١). قال الإِمام الخطابي رحمه الله تعالى: " اليمن والشؤم سمتان لما يصيب الإِنسان من الخير والشر والنفع والضر ولا يكون شيء من ذلك إلا بمشيئة الله وقضائه وإنما هذه الأشياء مَحَالّ وظروف جعلت مواقع لأقضيته، ليس لها بأنفسها وطباعها فعل ولا تأثير في شيء، إلا أنها لما كانت أعم الأشياء التي يقتنيها الناس وكان الإِنسان في غالب أحواله لا يستغنى عن دار يسكنها، وزوجة يعاشرها وفرس يرتبطه. . . وكان لا يخلو من مكروه في زمانه ودهره أضيف اليمن والشؤم إليها إضافة مكانٍ ومحل وهما صادران عن مشيئة الله سبحانه " (٢). وقال ابن حجر ﵀: " وقيل يحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع " (٣). وسمعت سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول عند شرحه لحديث سهل بن سعد ﵁: " والتشاؤم من هذه الثلاثة مستثنى ولا ينافي التوكل، فلا بأس بتركها، فقد لا تناسبه: الدابة، والزوجة، والمسكن، فلا بأس بمفارقة غير المناسب، فقد يجد شرورا في بعض هذه الأشياء فلا بأس أن يفارقها لعدم مناسبتها له، وقد تناسب غيره فلا يخبره بشؤمها، والسيارة تقوم مقام الدابة " (٤). وإذا حمل الشؤم على عدم الموافقة وسوء الطباع فهو كحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيِّق، والمركب السوء» (٥).

стр. 358

وهذا يبيِّن للداعية أهمية اختيار الوسائل المناسبة التي تعينه على القيام بالدعوة إلى الله ؛ لأن لهذه الأشياء أهمية عظمى في حياة الإِنسان، فإن كانت الزوجة صالحة، والدار صحِيَّة واسعة، والفرس أو السيارة قوية مريحة، والجار صالحا ارتاح الإِنسان وشعر بالسعادة والاستقرار النفسي وتفرَّغ للدعوة إلى الله تعالى (١). ثانيا: من صفات الداعية: التوكل: دل مفهوم الحديث على أهمية التوكل على الله ، واعتماد القلب عليه، مع الأخذ بالأسباب النافعة، ومن هذه الأسباب اختيار الوسائل المناسبة في الدعوة إلى الله . فينبغي للداعية أن يعتني بهذه الصفة ويتخلق بها؛ لعظمها وعلوِّ مكانتها (٢).

стр. 359

٥١ - بَاب سهامِ الفرس وقَالَ مَالِك: يسهَم لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا لِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] (١) وَلَا يسْهَم لأِكْثر مِنْ فَرَسِ. [حديث جعل رسول الله للفرس سهمين ولصاحبه سهما] ٦٠ - [٢٨٦٣] حَدَّثَنَا عبَيد بْن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أسَامَة، عَنْ عبَيْدِ الله، عنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عمَرَ (٢) ﵄: «أَنَّ رَسولَ الله ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ولِصَاحِبِه سَهْما» (٣). وفي رواية: «قَسَمَ رَسول الله ﷺ يَوْمَ خَيْبَرِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْما» قالَ: فَسّرَه نافِع فَقَالَ: " إِذَا كَانَ مَع الرَّجلِ فرَس فَلَه ثَلاثة أَسْهمٍ، فإِنْ لَمْ يَكنْ لَه فَرس فَلَه سَهم " (٤). * شرح غريب الحديث: * " السهم " السهم في الأصل واحِد السِّهام التي يضرب بها في الميْسِرِ، وهي القداح، ثم سمِّي به ما يفوز به الفالج سهمه، ثم كثر حتى سمِّي كل نصيبٍ سهما. ويجمع السَّهم على أسْهم، وسِهَام، وسهْمَان (٥). * " الراجل " أي الماشي (٦). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 360

١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله . ٢ - من صفات الداعية: العدل. ٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد في سبيل الله : دل هذا الحديث على الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله ؛ لأن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين، وللراجل سهما واحدا، وهذا فيه حث على الإِعداد للجهاد؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث حث على اكتساب الخيل واتخاذها للغزو؛ لما فيها من البركة، وإعلاء الكلمة، وإعظام الشوكة " (١). وهذا يبيِّن أهمية الإِعداد للجهاد وأخذ الحذر والحيطة (٢). ثانيا: من صفات الداعية: العدل: إن من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتخلق بها صفة العدل، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة، لأن النبي ﷺ أعطى الراجل سهما وإن كان معه فرس أعطاه ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " واستدل الجمهور من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة لخدمتها وعلفها، وبأنه يحصل بها من الغنى في الحرب ما لا يخفى " (٣) وذكر الخطابي ﵀: أن مؤنة الفرس مضاعفة على مؤنة صاحبه فضوعف له العرض من أجله وهذا قول عامة العلماء (٤). وهذا يدل على عدله ﷺ وإنصافه تطبيقا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] (٥).

стр. 361

وهذا يبين للداعية أهمية العدل والإِنصاف. ثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل عمل النبي ﷺ في إعطاء الفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهما واحدا على الترغيب في اقتناء الخيل وإعدادها للجهاد في سبيل الله ، وهذا فيه تشجيع وإعانة على الإعداد وأخذ الحذر (١).

стр. 362

٥٢ - باب من قاد دابة غيره في الحرب [حديث أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب] ٦١ - [٢٨٦٤] حَدَّثَنَا قتَيْبَة: حَدَّثَنَا سَهْل بْن يوسفَ، عَنْ شعْبَة، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ: «قَالَ رَجل لِلْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ (١) ﵄: أَفَرَرْتمْ عَنْ رَسولِ الله يَوْمَ حنَيْنٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسولَ الله ﷺ لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانوا قوما رماة، وَإِنَّا لَمَّا لقِيَناهمْ حَمَلْنَا عَليْهم فانْهَزَموا، فَأَقْبَلَ المسْلِمونَ عَلَى الغَنَائِمِ، فَاسْتَقْبَلونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسول الله ﷺ فلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْته وَإنَّه لَعَلَى بَغْلَتِه الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سفْيَانَ (٢) آخِذ بِلِجَامِها وَالنَّبِي ﷺ يَقولَ: " أَنَا النَّبِي لَا كذِبْ، أَنَا ابْن عبْدِ المطَّلِبْ» (٣). وفي رواية: «لَا وَالله مَا وَلَّى رَسول الله ﷺ ، وَلَكِنَّه خَرَجَ شبَّان أَصحَابِه وَخِفَافهمْ حسَّرا لَيْسَ بِسِلاحٍ، فَأَتَوْا قوما رمَاة جَمْعِ هَوازِنَ وَبَنِي نَضْرٍ مَا يَكاد يَسْقط لَهمْ سَهْم فَرشَقوهمْ رَشْقا مَا يَكادونَ يخْطِئون، فَأَقْبَلوا هنَالِكَ إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَهوَ عَلَى بَغْلَتِه الْبَيْضَاءِ وَابْن عَمِّه أَبو سفْيَانَ بْن الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ يَقود بِه، فنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ثمَّ قَالَ: " أَنَا النَّبِي لَا كَذِبْ، أَنَا ابْن عَبْدِ المطَّلِبْ» ثمَّ صَفَّ أَصْحَابَه (٤).

стр. 363

وفي رواية: «فَلَمَّا غَشِيَه المشْرِكون نَزلَ فَجَعَلَ يَقول: أَنا النَّبِي لَا كَذِبْ، أَنَا ابْن عَبْدِ المطَّلِبْ»، قَالَ: " فَمَا رؤي مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدّ مِنْه " (١) يعني النبي ﷺ . وفي رواية: «كَانَتْ هَوَازِن رمَاة وإِنَّا لَمَّا حَملْنَا عَلَيْهم انْكَشَفوا فَأَكْبَبْنَا على الْغَنَائِمِ، فَاسْتقْبِلْنَا بِالسِّهَامِ. .» (٢). وفي رواية: «يَا أَبَا عمَارَة أَتَولَّيْتَ يَوْمَ حنيْنِ؟ فَقَالَ: أَمَّا أنا فَأَشْهَد عَلَى النَّبي ﷺ أَنَّه لَمْ يولِّ، وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَان الْقَوْمِ فرَشَقَتْهمْ هَوازِن. .» (٣). * شرح غريب الحديث: * " وخفافهم " الأخفاء: السراع المسرعون (٤). * " حسَّرا " الحسَّر: الذين لا دروع عليهم (٥). * " فرشقوهم رشقا " هو الوجه من الرمي إذا رمى القوم كلهم دفعة واحدة، فإذا رمى القوم بأجمعهم، قالوا: رمينا رِشقا، وأما الرشق بفتح الراء فهو المصدر، يقال: رَشقت بالسَّهم رَشقا، والرَّشْق أيضا: الصوت، تقول: سمعت رَشْقَ كذا: أي صوته (٦). * " سَرَعان القوم " السَّرَعان بفتح السين والراء: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة (٧). * " انكشفوا " أي انهزموا وانكشفت عنهم جنَّتهم (٨).

стр. 364

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الشجاعة والثبات في الجهاد في سبيل الله . ٢ - شجاعة النبي ﷺ وثباته. ٣ - من أسباب نصر الدعاة: عدم الإِعجاب بالكثرة أو القوة. ٤ - من صفات الداعية: حسن الأدب في الجواب. ٥ - من صفات الداعية: الاستنصار بالله . ٦ - خطر حرص المدعو على الدنيا. ٧ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم. ٨ - من أساليب الدعوة: الرَّجَز. ٩ - من أساليب الدعوة: بيان الداعية مناقبه عند الحاجة. ١٠ - من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة: أنا فلان، وأنا ابن فلان. ١١ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ١٢ - الابتلاء والاختبار في الدعوة إلى الله . ١٣ - من أصناف المدعوين: المشركون. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الشجاعة والثبات في الجهاد في سبيل الله : دل الحديث على الحث على الشجاعة والثبات في الجهاد في سبيل الله ؛ لأن النبي ﷺ كان أشجع الناس في الجهاد في سبيل الله وأثبتهم قلبا وقدما، وهذا فيه تحريض وحث على الجهاد والثبات في المعركة؛ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] (١). وقد مدح النبي ﷺ أهل الشجاعة والثبات في الجهاد حثا على ذلك فقال

стр. 365

عن نبي الله داود ﷺ : «كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى» (١). فينبغي للداعية أن يحث الناس ويحضهم على الشجاعة والثبات في سبيل الله . ثانيا: شجاعة النبي ﷺ وثباته: دل الحديث على شجاعة النبي ﷺ وقوة قلبه في ذلك؛ ولهذا قاتل في معركة حنين قتالا عظيما، ومما يدل على شجاعته وإقدامه ﷺ ما فعله في جميع غزواته التي قاتل فيها، فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منهن (٢) بل ذكر الإِمام النووي وغيره أنه كان عدد سراياه التي بعثها ستا وخمسين سرية، وسبعا وعشرين غزوة، وقاتل في تسعِ من غزواته (٣). ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁ عن شجاعة النبي ﷺ : «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدوِّ، وكان من أشدِّ الناس يومئذٍ بأسا» (٤). وقال علي ﵁: «كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ ، فلا يكون أحد منا أدنى إلى القوم منه» (٥) وقال البراء ﵁: «كنا والله إذا احمر البأس (٦) نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به»، يعني النبي ﷺ " (٧) وركوبه على البغلة في معركة حنين وغيرها يدل على شجاعته؛ ولهذا ذكر العلماء: أن ركوبه ﷺ البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد البأس: هو النهاية في الشجاعة والثبات؛ لأن ركوب الفحولة أو الفرس مظنة الاستعداد للفرار

стр. 366

والتولي (١) ونزوله ﷺ إلى الأرض حين غشوه يدل على المبالغة في الثبات، والشجاعة والصبر (٢) دل على ذلك رواية لمسلم عن سلمة ﵁ قال فيها: «مررت على رسول الله ﷺ منهزما (٣) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ : " لقد رأى ابن الأكوع فزعا "، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجمره القوم فقال: " شاهت الوجوه " (٤). فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولّوا مدبرين، فهزمهم الله ، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين (٥)». وقد كان ﷺ شجاعا في حماية أصحابه في غير معارك القتال أيضا، فعن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قِبَلِ الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ وقد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: " لم تراعوا، لم تراعوا " وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج. .» (٦). وهذا كله يدل على شجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فلها صور كثيرة من أبرزها موقفه ﷺ من تعنت سهيل بن عمرو وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل ﷺ عن كلمة " بسم الله الرحمن الرحيم " إلى " باسمك اللهم "، وعن كلمة " محمد رسول الله " إلى " محمد بن عبد الله "، وقبوله شرط سهيل على أنه لا يأتي النبي ﷺ رجل من قريش حتى ولو كان مسلما إلا ردّد إلى أهل مكة، وقد استشاط الصحابة غيظا، وبلغ الغضب حدّاَ لا مزيد عليه، وهو ﷺ صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان الصلح بعد ذلك فتحا مبينا، فضرب ﷺ المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية والعقلية، مع بعد النظر

стр. 367

وأصالة الرأي وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضره بأصل قضيته؛ لتحقيق أشياء أعظم منها (١). فينبغي للداعية أن يقتدي برسول الله ﷺ في شجاعته وثباته، وصبره، وفى كل أحواله (٢). ثالثا: من أسباب نصر الدعاة: عدم الإعجاب بالكثرة أو القوة: إن من أسباب النصر عدم الإِعجاب بالكثرة والقوة، بل ينبغي التواضع والتذلل لله والتوكل عليه والاعتماد؛ لأن ما حصل من الفرار يوم حنين في أول المعركة بسبب الإِعجاب بالكثرة؛ قال الله : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦] (٣). وكان من أسباب ذلك " أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين قال: يا رسول الله، لن نغلب اليوم من قلة، وأعجبه كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفا، فسار رسول الله ﷺ فَوكِلوا إلى كلمة الرجل فانهزموا عن رسول الله ﷺ غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن ابن أم أيمن قتل يومئذِ بين يديه. . " (٤) وكانوا عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفين من الطلقاء الذين أسلموا يوم الفتح، وهم الذين فرّوا بالناس لحداثتهم بالإِسلام (٥). وهذا يبيِّن للدعاة إلى الله أن النصر بيد الله تعالى وأن الإِعجاب بالكثرة أو القوة من أسباب الهزيمة والخذلان.

стр. 368

فينبغي الاستعداد بكل ما يستطيعه المسلمون من قوة ثم المّوكل على الله، والاعتماد عليه، والضراعة بين يديه، والافتقار إليه وذلك من أعظم أسباب النصر والتمكين. رابعا: من صفات الداعية: حسن الأدب في الجواب: دل الحديث على أن من الصفات الحميدة: حسن الأدب في الجواب وذلك أن رجلا قال للبراء ﵁: يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين؟ قال: " لا والله ما ولَّى رسول الله ولكنه خرج شبَّان أصحابه وخفافهم حسَّرا ليس بسلاح فأتوا قوما رماة. . " قال الإِمام النووي ﵀: هذا الجواب الذي أجاب به البراء ﵁ من بديع الأدب؛ لأن تقدير الكلام: فررتم كلكم يقتضي أن النبي ﷺ وافقهم في ذلك، فقال البراء: " لا والله ما فر رسول الله ﷺ ولكن جماعة من الصحابة جرى لهم كذا وكذا " (١) وأوضح أن فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام (٢)؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب والإٍرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب " (٣). فينبغي للداعية أن يتحلَّى بحسن الأدب في الخطاب. خامسا: من صفات الداعية: الاستنصار بالله : إن من الصفات الحميدة الاستنصار وطلب الغوث والنصر من الله ؛ ولهذا قال البراء عن النبي ﷺ في قتاله في معركة حنين: «فنزل واستنصر» أي دعا وطلب النصر من الله ؛ قال الإِمام النووي ﵀ في فوائد هذا الحديث: " فيه استحباب الدعاء عند قيام الحرب " (٤) وهذا من سننه ﷺ في الحروب وغيرها من الأمور المهمة، ومن ذلك ما فعله في يوم بدر، فعن

стр. 369

عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه (١) " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض "، فمازال يهتف بربه مادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر ﵁، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: " يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (٢) فأمده الله بالملائكة» (٣) «وخرج رسول الله ﷺ من العريش وهو يقول (٤). ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] (٥)». وهذا يبيِّن للدعاة إلى الله والمجاهدين في سبيله أهمية الاستنصار وطلب العون من الله . سادسا: خطر حرص المدعو على الدنيا: دل الحديث على أن الهزيمة في أول المعركة كانت على المشركين، فلما أقبل بعض المسلمين على الغنائم استقبلهم المشركون بالسهام فحصل ما حصل ثم أنزل الله نصره وتراجع المسلمون. قال البراء ﵁: " إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام "، وهذا يبين خطر الحرص على الدنيا، وفيه تحذير للمدعوين وغيرهم من الإِقبال على الحطام الفاني (٦).

стр. 370

فينبغي الحذر من ذلك والله المستعان. سابعا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: ظهر في هذا الحديث أسلوب التوكيد بالقسم، في قول البراء ﵁: " لا والله ما ولّى رسول الله ﷺ "، ولا شك أن أسلوب التوكيد بالقسم يعطي القلوب قناعة وتصديقا، فيحصل بذلك سرعة التنفيذ (١). ثامنا: من أساليب الدعوة: الرجز: دل الحديث على أن استعمال الرجز من أساليب الدعوة إلى الله في بعض الأحوال، مع بعض المدعوين، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ : " أنا النبي لا كَذبْ ... أنا ابن عبد المطلب " (٢). تاسعا: من أساليب الدعوة: بيان الداعية مناقبه عند الحاجة: ظهر في هذا الحديث أن بيان الداعية بعض مناقبه عند الحاجة لا حرج فيه، إذا كان فيه مصلحة راجحة تنفع المدعوين أو ترفع من شأن الدعوة إلى الله ؛ ولهذا والله أعلم قال ﷺ : «أنا النبي لا كذب». قال الإِمام النووي ﵀: " أي أنا النبي حقا فلا أفرّ ولا أزول " (٣) وهذا يعطي المدعو معرفة به ﷺ وأنه رسول الله حقا وصدقا (٤). عاشرا: من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة أنا فلان وأنا ابن فلان: ظهر في هذا الحديث أسلوب بيان الداعية نسبه عند الحاجة، إذا كان في ذلك مصلحة للدعوة أو زيادة ثقة في قلوب المدعوين عند معرفتهم نسبه

стр. 371

ومكانته؛ ولهذا والله أعلم قال ﵊: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب». وانتسب ﷺ إلى جده دون أبيه؛ لشهرة عبد المطلب بين الناس؛ لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر؛ ولأن عبد الله مات شابا ولم يشتهر؛ ولهذا كان كثير من العرب يدعون النبي ﷺ ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم عليه: " أيكم ابن عبد المطلب " (١) وقيل: لأنه اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويكون خاتم الأنبياء فانتسب إليه؛ ليذكر ذلك من كان يعرفه، وأنه لا بد أن يظهر على أعدائه، وأن العاقبة له؛ لتقوى نفوس أصحابه، وأعلمهم أيضا بأنه ثابت ملازم للحرب لم يولِّ مع من ولى، وعَرَّفهم موضعه؛ ليرجع إليه الراجعون والله أعلم، ولم يكن ذلك على جهة الافتخار بآبائه؛ فإن ذلك من خلقِ الجاهلية التي قد نهى عنها النبي ﷺ وحرمها، وذَمَّ من انتمى إليها (٢)؛ وقد جاء في حديث أبي بن كعب ﵁ يرفعه: «من تَعزَّى بعزاء " (٣) الجاهلية فأَعِضّوه (٤) [بهنِ أبيه] ولا تكنوا» (٥)؛ وقال ﷺ لرجل قال: ياللمهاجرين، ولآخر قال: ياللأنصار: «دعوها فإنها منتنة» (٦). أما إذا كان الانتساب للآباء في المعارك والحروب على عادة الشجعان في

стр. 372

انتسابهم؛ لإِظهار عز الإِسلام وإذلال أعداء الله فلا حرج (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى على قوله ﷺ : «أنا النبي لا كذب. . أنا ابن عبد المطلب»: " في هذا دليل على جواز قول الإِنسان في الحرب: أنا فلان وأنا ابن فلان " (٢). ومثل ذلك قول سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد: " أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع (٣) " (٤) وقول عامر بن الأكوع في غزوة خيبر: قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بَطَل مغامر (٥) وقول علي بن أبي طالب ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدرة (٦) ... كليث غابات كريه المنظرة (٧) أوفيهم بالصاع كيل السندرة (٨) "

стр. 373

الحادي عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل الحديث على أن القدوة الحسنة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ؛ لأن النبي ﷺ ثبت قي المعركة ولم يتراجع مع من تراجع؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وإذا كان رأس الجيش قد وطَّن نفسه في الحرب على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك، كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات " (١). فينبغي للداعية أن يكون قدوة حسنة للناس (٢). الثاني عشر: الابتلاء والاختبار في الدعوة إلى الله : دل هذا الحديث على الابتلاء والامتحان، وأن الله يبتلي عباده بالسراء والضراء، وبالشدة والرخاء؛ ولهذا حصل للنبي ﷺ ما حصل في غزوة حنين: من تراجع أصحابه عنه في أول القتال، واقتحام المشركين عليه ، ثم نصره الله وأمده بعونه، وهزم أعداءه (٣). الثالث عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: دل قتاله ﷺ في معركة حنين على أن من أصناف المدعوين: أهل الشرك بالله ؛ وأنهم يدعون إلى الإِسلام، ويقاتلون إذا لم يدخلوا في الإِسلام، ولم يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ووقفوا في طريق الدعوة إلى الله (٤).

стр. 374

٥٩ - باب ناقة النبي ﷺ قَالَ ابْن عمَرَ: «أَرْدَفَ النَّبِي ﷺ عَلَى الْقَصْوَاءِ»، وَقَالَ المسْوَر: قَالَ النَّبِي ﷺ : «مَا خَلأتِ القَصْوَاء». [حديث ناقة النبي ﷺ العضباء] ٦٢ - [٢٨٧١] حَدَّثَنَا عبد الله بْن محَمّدٍ: حَدَّثَنَا معَاوِيَة: حَدَّثَنَا أَبو إسحاق، عَنْ حمَيدٍ قَالَ: سَمِعْت أَنسا (١) ﵁ يَقول: «كَانَتْ نَاقَة النَّبِي ﷺ يقَال لَهَا الْعَضْبَاء» (٢). وفي رواية: «كَانَ للنَّبِي ﷺ ناقَة تسَمَّى الْعَضْباءَ لاَ تسْبَق - قَالَ حمَيد: أَوْ لاَ تَكاد تسْبَق - فَجَاءَ أَعْرَابِي عَلَى قَعودٍ، فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المسْلِمِينَ حَتّى عَرَفَه فَقَالَ: " حَقّ عَلَى الله أَنْ لَّا يَرْتَفعَ شيء مِنَ الدّنْيَا إِلَّا وَضَعَه». طَوَّله موسَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنسٍ عَنِ النَّبِي ﷺ (٣). وفي رواية: «إِنَّ حَقّا عَلَى الله أَن لَّا يرفَعَ شيئا مِنَ الدّنْيَا إِلَّا وَضَعَه» (٤). * شرح غريب الحديث: * " العضباء ": علم من قولهم: ناقة عضباء: أي مشقوقة الأذن، ولم تكن ناقة رسول الله ﷺ مشقوقة الأذن وإنما كان هذا لقبا لها وهذا هو الصواب. والعضباء أيضا مكسورة القرن، وقد يكون العضب في الأذن قطعها. والعضب: السيف القاطع، والعضب القطع نفسه أيضا، فلعل ناقة النبي ﷺ سميت باشتقاق من هذا لسرعتها وقطعها الأرض في سيرها (٥).

стр. 375

* " قعود " القعود من الإبل: ما أمكن أن يركب، وأدناه أن يكون له سنتان، ثم قعود إلى أن يثني فيدخل في السنة السادسة، ثم هو جمل، فالقعود: هو ما يقتعده الإِنسان للركوب والحمل، ولا يكون إلا ذكرا؛ لأن الأنثى بهذا السن يقال لها القلوص، وقيل يقال لها: القعودة (١). * " الأعرابي " ساكن البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة (٢). قال ابن حجر ﵀: " لم أقف على اسم هذا الأعرابي بعد التتبع الشديد " (٣). * " حتى عرفه " أي حتى عرف أثر المشقة في وجوههم، فَسَّر ذلك الرواية الأخرى " فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: سبقت العضباء " (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على التواضع والتحذير من الكبر. ٢ - من صفات الداعية: الزهد. ٣ - من صفات الداعية: التواضع. ٤ - من صفات الداعية: حسن الخلق. ٥ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة. ٦ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٨ - محبة الصحابة للنبي ﷺ . ٩ - ذكاء النبي ﷺ وفطنته. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 376

أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على التواضع والتحذير من الكبر: إن الحث على التواضع والتحذير من الكبر من أهم موضوعات الدعوة، فهو دعوة للأمة للتحلي بالتواضع، والابتعاد عن الكبر، فإن العادة غالبا جرت أن الله لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا حطَّه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه»، وقد دعا ﷺ أمته إلى ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، فإذا كان ذلك كذلك كان حقا على كل عاقل أن يحث الناس على التواضع ويحذرهم من الكبر والفخر، والله المستعان (١). ثانيا: من صفات الداعية: الزهد: دل هذا الحديث على أن الزهد من الصفات العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يتصف بها؛ لأنه لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه الله، فإذا كان ذلك كذلك كان حقا على كل عاقل أن يزهد في الدنيا ومتاعها؛ لأنها ناقصة غير كاملة؛ ولهوانها على الله ، وهذا فيه تنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة، وأن كل شيء هان على الله فهو محل الضعة، فحق على كل ذي عقل أن يزهد فيه، ويقل المنافسة في طلبه. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه التزهيد في الدنيا، للإشارة إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلا اتضع " (٢). والله المستعان (٣). ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: التواضع صفة عظيمة من صفات الدعاة إلى الله تعالى؛ لأن التواضع: هو تذلل وتخاشع لله تعالى؛ وقد مدِح الله تعالى الدعاة المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٤) والمعنى أنهم يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين، ولا متكبرين،

стр. 377

ولا مرحين، فهم دعاة علماء، حلماء؛ وأصحاب وقار وعفة، والتواضع فيه مصلحة الدين والدنيا؛ فإن الناس لو استعملوه في الدنيا لزالت بينهم الشحناء؛ ولاستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة (١). والدعاة إلى الله تعالى إذا تواضعوا رفعهم الله في الدنيا والآخرة؛ لقوله ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفوٍ إلا عزّا، ومن تواضع لله رفعه» (٢) وهذا مما يفتح الله به للداعية قلوب الناس؛ فإن الله يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه منزلة في قلوب الناس، ويرفعه عندهم، ويجلّ مكانه (٣) أما إذا تكبر الداعية على الناس فقد توعده الله بالذلِّ والهوان في الدنيا والآخرة؛ فالله : «العزّ إزاره، والكبرياء رداؤه فمن ينازعه ذلك عذبه» (٤). ففي حديث الباب حث على التواضع، وهذه صفة يجب على كل داعية أن يتَّصف بها في دعوته وفي كل أموره (٥)؛ قال ﷺ : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد» (٦). رابعا: من صفات الداعية: حسن الخلق: دل الحديث على أن حسن الخلق من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ، قال ابن حجر رحمه الله تعالى في حديث الباب: " وفيه حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه؛ لكونه رضي أن أعرابيّا يسابقه " (٧). ومعلوم عند العقلاء أن الخلق الحسن يحبب الداعية إلى الناس جميعا، فكل من جالسه أو خالطه أحبه؛ ولهذا يسهل على الداعية جذب قلوب الناس إلى دعوته؛ لأن من لم يتخلَّق بالخلق الحسن ينفر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من

стр. 378

علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم، أو يبدو منه احتقارهم واستصغارهم ولو كان ما يقوله حقّا؛ قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١). والخلق الحسن للداعية يشمل: التواضع وغيره من الأخلاق الجميلة الحميدة؛ كالحلم، والأناة، والجود والكرم، والعفو والصفح، والرفق واللين، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة التي يتأكد على كل داعية صادق أن يتصف بها (٢). والله الموفق (٣). خامسا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: إن المدعو ينبغي له أن يلتزم الأدب مع العلماء والدعاة، ولا يشق عليهم، والذي ظهر من هذا الحديث أن الأعرابي لم يراع الأدب في طلب مسابقة النبي ﷺ على قعوده، ولكن لتواضع النبي ﷺ وافقه على ذلك. فينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع العلماء والدعاة وطلاب العلم (٤). سادسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل الحديث على أن الترهيب أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن الترهيب يكون بما يخيف المدعو، ويحذره من عدم الاستجابة أو رفض الحق، أو عدم الثبات عليه بعد قبوله. فقد دل هذا الحديث على الترهيب من الكبر وأن عاقبته وخيمة؛ لأنه كان حقّا على الله أن يضع المتكبر ولو بعد حين؛ وقد بيّن النبي ﷺ ، في هذا الحديث أنه: «حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» وقد حذر الله من الكبر والخيلاء فقال: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ - وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩] (٥)

стр. 379

وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث منجيات: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، ومخافة الله في السر والعلانية» (١) والله المستعان (٢). سابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: في هذا الحديث تواضع النبي ﷺ وموافقته أن يسابق الأعرابي، ثم عندما شق ذلك على أصحابه بيَّن لهم أن حقّا على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه، فكان ﵊ بهذا الفعل وهذا القول قدوة بالقول والعمل للدعاة إلى الله تعالى، فإن من وسائل التبليغ المهمة وجذب الناس إلى الإسلام التبليغ بالسيرة الطيبة للداعية إلى الله تعالى، وأفعاله الحميدة، وصفاته العالية، وأخلاقه الكريمة، والتزامه بالإِسلام ظاهرا وباطنا مما يجعله قدوة طيبة؛ لأن التأثير بالأفعال والسلوك أبلغ من التأثير بالكلام وحده، ويجمع ذلك كله: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول (٣). ورسول الله ﷺ هو الأسوة للدعاة، فقد كان متواضعا في دعوته للناس؛ وقد جاء رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له: «هوِّن عليكَ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء» (٤) ثم تلا جرير: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] (٥). فعلى الدعاة إلى الله تعالى أن يقتدوا برسول الله ﷺ ، فقد كان متواضعا في دعوته مع الناس، فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وتأخذ بيده الأمَة فتنطلق به حيث شاءت،

стр. 380

وكان في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى شيء يسير، فكان متواضعا من غير ذلة، جوادا من غير سرف، رقيق القلب رحيما بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، ليِّن الجانب لهم، فيجب على الدعاة أن يقتدوا به ﷺ (١). ثامنا: محبة الصحابة للنبي ﷺ : ظهر في هذا الحديث محبة الصحابة لرسول الله ﷺ ؛ ولهذا شق عليهم ما حصل من سبق قعود الأعرابي لناقة النبي ﷺ ؛ قال أنس ﵁: " فشق ذلك على المسلمين ". ومحبة النبي ﷺ من علامات كمال الإيمان؛ قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين» (٢). فينبغي للداعية أن يحب الله ورسوله حبا كاملا؛ قال ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٣). تاسعا: ذكاء النبي ﷺ وفطنته: النبي ﷺ أذكى البشر وأفطنهم، ولا يحتاج ذلك إلى استدلال، ولكن المقصود هو استنباط ما يدل عليه الحديث من الفوائد والدروس الدعوية. وهذه الفائدة مأخوذة من قول أنس ﵁: " فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه " أي حتى عرف ﷺ أثر المشقة في وجوههم (٤).

стр. 381

٦٥ - باب غزوِ النساءِ وَقِتالهِنَّ معَ الرّجَالِ [حديث سقي عائشة وأم سليم الجرحى يوم أحد] ٦٣ - [٢٨٨٠] حَدَّثَنَا أَبو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِثِ: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيزِ، عنْ أنسٍ (١) ﵁ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْم أحدٍ انْهَزَمَ النَّاس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: ولَقَدْ رَأَيْت عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ (٢). وَأمَّ سلَيْمٍ (٣). وَإِنَّهمَا لَمشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سوقِهِنَّ تَنْقزانِ القِرَبَ -وَقَالَ غَيره: تَنقلانِ القِرَبَ- عَلَى متونهِمَا ثمَّ تفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا ثمَّ تَجِيئَانِ فَتفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ " (٤)». وفي رواية: «لَمّا كَانَ يَوْم أحدٍ انهَزَمَ النَّاس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبو طَلْحَة (٥) بَيْنَ يدَي النَّبِيِّ ﷺ مجَوِّب عَلَيْهِ بِحجَفَةٍ لَه، وَكَانَ أَبو طَلْحَةَ رَجلا رَامِيا شَدِيدَ النَّزْع، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثا، وَكَانَ الرَّجل يَمرّ مَعَه بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ فَيَقول: " انثرهَا لأَبِي طَلْحَةَ " قَالَ: ويشْرِف النَّبِيّ ﷺ ينْظر إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقول أَبو طَلْحَةَ: بِأَبِي أنتَ وَأمِّي لَا تشْرِفْ يصِيبكَ سَهْم مِنْ سِهامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دونَ نَحْرِكَ، وَلَقَدْ رَأَيْت عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأمَّ سلَيْمٍ وَإِنَّهمَا لَمشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سوقِهِمَا تنْقِزَانِ القِرَبَ عَلَى متونهمَا، تفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثمَّ تَرْجِعَانِ فتَمْلآنِهَا ثمَّ تَجِيئانِ فَتفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْم، وَلَقَدْ وقَعَ السَّيْف مِن يَدِ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاثا» (٦). وفي رواية: «كَانَ أَبو طَلْحَةَ يَتَتَرَّس مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بترْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبو طَلْحَةَ

стр. 382

حَسَنَ الرَّمْي، فَكَانَ إِذَا رَمَى يشْرِف النبِيّ ﷺ فَيَنْظر إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ» (١). * شرح غريب الحديث: * " خَدَم سوقهِنَّ " الخدم: الخلاخيل، واحدتها خدمة، وخلخال والسوق: جمع ساق وقد يسمى الساقان خدمين؛ لأنهما موضع الخدمين، وهما الخلخالان، وسمي الخلخال خدمة؛ لأنه ربما كان من سيور مركبة فيه الذهب والفضة، والخدمة في الأصل السير الغليظ مثل الحلقة يشد في رسغ البعير، والرسغ، ما فوق الخف من أول القوائم، ويشد في هذا السير الذي كالحلقة سرائح نعل البعير (٢). * " تنقزان القرب " أي تحملانها وتقفزان بها وثبا، والنقز: القفز، والوثب (٣). * " متونهما " المتن من الظهر ما اكتنف أعلى الصلب من العصب واللحم، وهما متنان، والصلب: عظم من مغرس العنق إلى الذنب، ومن الإِنسان إلى العصعص، والعصعص: عَجْب الذنب (٤). * " مجَوِّب عليه " أي ساتر له، قاطع بينه وبين العدو (٥). * " بحجفة " الحجفة: الترس الصغير (٦). * " شديد النزع " أصل النزع: الجذب والقلع، ومنه نزع الميت روحه، ونزع القوس إذا جذبها (٧). * " جعبة " الجعبة: الكنانة التي تجعل فيها السهام (٨) وهي خريطة النّشَّابِ من الجلود (٩).

стр. 383

* " نحري " النحر: أول الصدر، وهو موضع القلادة (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية دفاع المدعو عن العلماء والدعاة. ٢ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٣ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. ٤ - أهمية الإِشراف على المدعو وملاحظته. ٥ - من وسائل الدعوة: إثارة غيرة الرجال. ٦ - أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة. ٧ - تاريخ الدعوة في الأمر بالحجاب. ٨ - محبة الصحابة للنبي ﷺ . ٩ - الابتلاء والامتحان في الدعوة إلى الله . والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية دفاع المدعو عن العلماء والدعاة: دل هذا الحديث على أهمية دفاع المدعو عن العلماء والدعاة؛ ولهذا دافع أبو طلحة يوم أحد عن النبي ﷺ دفاعا عظيما، فكان يستر النبي ﷺ عن الأعداء بترسه، وقاتل قتالا شديدا حتى كسر قوسين أو ثلاثا. فينبغي للمدعو أن يدافع عن ولاة أمر المسلمين، وعلمائهم، ودعاتهم المخلصين: بالقول والفعل. والله المستعان (٢). ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث أن الشجاعة صفة عظيمة من صفات الداعية إلى الله

стр. 384

عز وجل؛ ولهذا برزت شجاعة أبي طلحة ومن معه من الصحابة في معركة أحد، بل قد اشترك في هذه الصفة حتى النساء كما فعلت عائشة وأم سليم ﵄. فينبغي للداعية أن يتحلى بهذه الصفة الحميدة (١). ثالثا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: لا شك أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن النبي ﷺ سيد المتوكلين وقد أخذ بالأسباب وأقر أصحابه على الأخذ بها، فهذا أبو طلحة ﵁ يدافع عنه بالسهام، والأقواس، ويستره بالترس، وهذه عائشة وأم سليم ﵄ تفرغان القرب في أفواه القوم؛ وقد ذكر ابن حجر ﵀: أن اتخاذ الآلات لا ينافي التوكل، والحذر لا يرد القدر، ولكن يضيِّق مسالك الوسوسة لما طبع عليه البشر (٢). فينبغي للداعية أن يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله ؛ لأن التوكل يقوم على ركنين: اعتماد القلب على الله ، والأخذ بالأسباب (٣). رابعا: أهمية الإشراف على المدعو وملاحظته: دل الحديث على أنه ينبغي للداعية أن يشرف على المدعو ويلاحظه؛ لكي يطمئن على استقامته وإتقانه للعمل كما يحبه الله ، ومن ذلك ما فعله النبي ﷺ مع أبي طلحة ﵁ في هذا الحديث كما قال أنس ﵁: " وكان أبو طلحة حسن الرمي فكان إذا رمى يشْرِف النبي ﷺ فينظر إلى موضع نبله ". خامسا: من وسائل الدعوة: إثارة غيرة الرجال: لا ريب أن إثارة غيرة الرجال من وسائل الدعوة، ففي غزوة أحد اشترك النساء في مداواة الجرحى وإسقاء المرضى وغير ذلك؛ قال الإِمام الأبي ﵀: " وفي حضور النساء معارك الحرب إثارة غيرة الرجال، وحمية

стр. 385

الأنوف لصونهن. . . " (١). سادسا: أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة: إن ما حصل من مشاركة بعض النساء في الجهاد في هذا الحديث يدل على أن هذه المشاركة لا حرج فيها عند الحاجة مع التزام الأوامر واجتناب النواهي، ويكون ذلك في حدود طاقة المرأة: كالمشاركة في خدمة المجاهدين، ومداواة الجرحى، مع المحافظة على الحجاب والبعد عن الفتنة، والخلوة، وكانت المرأة في عهد رسول الله ﷺ تتأهب للدفاع عن نفسها، فعن أنس بن مالك ﵁: «أن أمَّ سليم اتخذت يوم حنين خنجرا، فكان معها فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ : " ما هذا الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ : " يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن» (٢). أما ما حصل من النظر إلى عائشة وأم سليم يوم أحد فقد أجاب النووي ﵀ عن ذلك فقال: " وهذه الرواية للخدم لم يكن فيها نهي؛ لأن هذا كان يوم أحد قبل أمر النساء بالحجاب، وتحريم النظر إليهن؛ ولأنه لم يذكر هنا أنه تعمد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حصلت تلك النظرة فجأة بغير قصد، ولم يستدمها " (٣). سابعا: تاريخ الدعوة في الأمر بالحجاب: ظهر في هذا الحديث أن الأمر بالحجاب زمن معركة أحد لم ينزل بعد؛ ولهذا والله أعلم حصل ما حصل من النظر إلى الخلاخل والسوق؛ وقد ذكر الأبي ﵀ بعض أقوال أهل العلم في ذلك ثم قال: " والقضية كانت يوم أحد

стр. 386

أول الإِسلام قبل الأمر بالحجاب والستر، وقيل النهي عن إبداء الزينة، إلا لمن خصه الله في كتابه في سورة النور، وإنما نزل كثير منها بعد قصة الإِفك، وفي غزوة المريسيع بعدها سنة ست في قول ابن إسحاق، أو سنة أربع في قول ابن عقبة، أو في سنة خمس في قول الواقدي " (١). وهذا فيه دلالة على أن معركة أحد وقعت قبل الأمر بالحجاب الشرعي، فإذا حصل من النساء مشاركة في المعركة فلا بد من الالتزام بالحجاب، والبعد عن الخلوة بالرجال الأجانب. ثامنا: محبة الصحابة للنبي ﷺ : دل هذا الحديث على عظم محبة الصحابة للنبي ﷺ ؛ ولهذا دافع عنه أبو طلحة، وأظهر هذه المحبة بقوله ﵁ للنبي ﷺ : " بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك " والمعنى أنه يقدم نحره وصدره ترسا حماية للنبي ﷺ ؛ قال الإِمام النووي ﵀: " هذا من مناقب أبي طلحة الفاخرة " (٢). فينبغي للداعية أن يحب رسول ﷺ أكثر من محبة الولد، والوالد، والناس أجمعين (٣). تاسعا: الابتلاء والامتحان في الدعوة إلى الله : ظهر في هذا الحديث ما حصل للنبي ﷺ وأصحابه من الابتلاء في معركة أحد، فصبروا، وصابروا، وجاهدوا (٤).

стр. 387

٦٦ - باب حَمْلِ النّساء القرَب إلَى النّاسِ في الغزو [حديث أم سليط التي كانت تزفر القرب يوم أحد] ٦٤ - [٢٨٨١] حَدَّثَنَا عَبْدَان: أَخْبَرَنَا عبد الله: أَخْبَرَنَا يونس، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ثَعْلبَة بْن أَبِي مَالِكٍ: " إِنَّ عمَرَ بْنَ الخَطَّابِ (١) ﵁، قَسَمَ مروطا بَينَ نِساءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَة، فَبَقِيَ مِرْط جَيِّد، فَقَالَ لَه بَعْض مَنْ عِنْدَه: يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ أَعْطِ هَذا ابْنَةَ رَسولِ اللهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ- يرِيدونَ أمَّ كلْثومٍ (٢) بِنْتَ

стр. 388

عَلِيٍّ - فَقَالَ عمَر: أمّ سَلِيطٍ أَحَقّ (١). وَأمّ سَلِيطِ مِنْ نِسَاءِ الأنصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ عمَر: فإِنهَا كَانَتْ تَزْفِر لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أحدٍ " قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: تَزْفِر: تَخِيط (٢). * شرح غريب الحديث: * " مروطا " المروط الأكسية، من قطن أو صوف، أو خز، واحدها مرط، يؤتزر به (٣). * " تزفر لنا القرب " زفر يزفر، وازدفر: حمل حملا فيه ثقل، والزفر حمل القرب الثقال، ويقال للقربة نفسها: الزِّفْر (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: العدل: ٢ - من صفات الداعية: مكافأة المحسن وتشجيعه على إحسانه. ٣ - أهمية الشورى مع الإِمام أو العلماء والدعاة. ٤ - أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة. ٥ - من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: العدل: دل هذا الحديث على عدل عمر بن الخطاب ﵁ ونزاهته، وإيثاره على

стр. 389

نفسه وأهله، وتركه إعطاء أهله في سبيل العدل ومصلحة المسلمين، قال الوزير ابن هبيرة ﵀: " وفيه أن عمَرَ آثر أمَّ سليط على أمِّ كلثوم، وما ذاك لأجل نسب أم سليط، ولكن لأنها بايعت رسول الله ﷺ ، وكانت تزفر القرب أي تحمل " (١). وهذا يبين للداعية أنه ينبغي العدل ومراعاة المصالح التي يحبها الله ثم تقديمها على رغبة كل أحدٍ من الناس طاعة لله (٢). ثانيا: من صفات الداعية: مكافأة المحسن وتشجيعه على إحسانه: دل فعل عمر ﵁ وقوله: " أم سليط أحق به، كانت تزفر لنا القرب يوم أحد " على أنه ينبغي تشجيع الأبطال ومكافأتهم على إحسانهم، فقد آثر عمر امرأة عربية على حفيدة رسول الله ﷺ ؛ لأنها عملت لصالح الأمة ما لم تعمله زوجة أمير المؤمنين وتقدمها بالإِسلام والنصرة والتأييد (٣). ثالثا: أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة: ظهر في هذا الحديث أهمية المشورة بالرأي على الإمام، وذلك لأجل النصيحة له، كالوزير الصالح والكاتب المخلص، والعالم أو الداعية الصادق، وغيرهم ممن يستنير الإِمام برأيهم (٤)؛ ولهذا قال بعض من عند عمر ﵁: " يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أمَّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ ". رابعا: أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة: دل الحديث على أهمية اشتراك النساء في الجهاد عند الحاجة بحسب طاقتهن: من خدمة المجاهدين ومداواة الجرحى، وسقي العطشى، والدفاع

стр. 390

عن أنفسهن، مع التزام الأمور الشرعية في الحجاب، وعدم الخلوة بغير المحرم، وغير ذلك (١) والله المستعان (٢). خامسا: من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه: دل هذا الحديث على أن من الصفات التي تدل على حكمة الداعية وإصابته: وضع كل شيء في موضعه؛ ولهذا قسم عمر بن الخطاب ﵁ المروط على النساء دون الرجال؛ لأن هذه المروط تختص بالنساء، قال الوزير العالم ابن هبيرة ﵀: " وفيه من الفقه أن عمر قسم ما يصلح للنساء في النساء " (٣).
следующие страницы →