أول الإِسلام قبل الأمر بالحجاب والستر، وقيل النهي عن إبداء الزينة، إلا لمن خصه الله في كتابه في سورة النور، وإنما نزل كثير منها بعد قصة الإِفك، وفي غزوة المريسيع بعدها سنة ست في قول ابن إسحاق، أو سنة أربع في قول ابن عقبة، أو في سنة خمس في قول الواقدي " (١).
وهذا فيه دلالة على أن معركة أحد وقعت قبل الأمر بالحجاب الشرعي، فإذا حصل من النساء مشاركة في المعركة فلا بد من الالتزام بالحجاب، والبعد عن الخلوة بالرجال الأجانب.
ثامنا: محبة الصحابة للنبي ﷺ : دل هذا الحديث على عظم محبة الصحابة للنبي ﷺ ؛ ولهذا دافع عنه أبو طلحة، وأظهر هذه المحبة بقوله ﵁ للنبي ﷺ : " بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك " والمعنى أنه يقدم نحره وصدره ترسا حماية للنبي ﷺ ؛ قال الإِمام النووي ﵀: " هذا من مناقب أبي طلحة الفاخرة " (٢).
فينبغي للداعية أن يحب رسول ﷺ أكثر من محبة الولد، والوالد، والناس أجمعين (٣).
تاسعا: الابتلاء والامتحان في الدعوة إلى الله : ظهر في هذا الحديث ما حصل للنبي ﷺ وأصحابه من الابتلاء في معركة أحد، فصبروا، وصابروا، وجاهدوا (٤).
стр. 387
٦٦ - باب حَمْلِ النّساء القرَب إلَى النّاسِ في الغزو
[حديث أم سليط التي كانت تزفر القرب يوم أحد]
٦٤ - [٢٨٨١] حَدَّثَنَا عَبْدَان: أَخْبَرَنَا عبد الله: أَخْبَرَنَا يونس، عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ثَعْلبَة بْن أَبِي مَالِكٍ: " إِنَّ عمَرَ بْنَ الخَطَّابِ (١) ﵁، قَسَمَ مروطا بَينَ نِساءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَة، فَبَقِيَ مِرْط جَيِّد، فَقَالَ لَه بَعْض مَنْ عِنْدَه: يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ أَعْطِ هَذا ابْنَةَ رَسولِ اللهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ- يرِيدونَ أمَّ كلْثومٍ (٢) بِنْتَ
стр. 388
عَلِيٍّ - فَقَالَ عمَر: أمّ سَلِيطٍ أَحَقّ (١). وَأمّ سَلِيطِ مِنْ نِسَاءِ الأنصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ عمَر: فإِنهَا كَانَتْ تَزْفِر لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أحدٍ " قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: تَزْفِر: تَخِيط (٢).
* شرح غريب الحديث: * " مروطا " المروط الأكسية، من قطن أو صوف، أو خز، واحدها مرط، يؤتزر به (٣).
* " تزفر لنا القرب " زفر يزفر، وازدفر: حمل حملا فيه ثقل، والزفر حمل القرب الثقال، ويقال للقربة نفسها: الزِّفْر (٤).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: العدل:
٢ - من صفات الداعية: مكافأة المحسن وتشجيعه على إحسانه.
٣ - أهمية الشورى مع الإِمام أو العلماء والدعاة.
٤ - أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة.
٥ - من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: العدل: دل هذا الحديث على عدل عمر بن الخطاب ﵁ ونزاهته، وإيثاره على
стр. 389
نفسه وأهله، وتركه إعطاء أهله في سبيل العدل ومصلحة المسلمين، قال الوزير ابن هبيرة ﵀: " وفيه أن عمَرَ آثر أمَّ سليط على أمِّ كلثوم، وما ذاك لأجل نسب أم سليط، ولكن لأنها بايعت رسول الله ﷺ ، وكانت تزفر القرب أي تحمل " (١).
وهذا يبين للداعية أنه ينبغي العدل ومراعاة المصالح التي يحبها الله ثم تقديمها على رغبة كل أحدٍ من الناس طاعة لله (٢).
ثانيا: من صفات الداعية: مكافأة المحسن وتشجيعه على إحسانه: دل فعل عمر ﵁ وقوله: " أم سليط أحق به، كانت تزفر لنا القرب يوم أحد " على أنه ينبغي تشجيع الأبطال ومكافأتهم على إحسانهم، فقد آثر عمر امرأة عربية على حفيدة رسول الله ﷺ ؛ لأنها عملت لصالح الأمة ما لم تعمله زوجة أمير المؤمنين وتقدمها بالإِسلام والنصرة والتأييد (٣).
ثالثا: أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة: ظهر في هذا الحديث أهمية المشورة بالرأي على الإمام، وذلك لأجل النصيحة له، كالوزير الصالح والكاتب المخلص، والعالم أو الداعية الصادق، وغيرهم ممن يستنير الإِمام برأيهم (٤)؛ ولهذا قال بعض من عند عمر ﵁: " يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أمَّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ ".
رابعا: أهمية مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة: دل الحديث على أهمية اشتراك النساء في الجهاد عند الحاجة بحسب طاقتهن: من خدمة المجاهدين ومداواة الجرحى، وسقي العطشى، والدفاع
стр. 390
عن أنفسهن، مع التزام الأمور الشرعية في الحجاب، وعدم الخلوة بغير المحرم، وغير ذلك (١) والله المستعان (٢).
خامسا: من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه: دل هذا الحديث على أن من الصفات التي تدل على حكمة الداعية وإصابته: وضع كل شيء في موضعه؛ ولهذا قسم عمر بن الخطاب ﵁ المروط على النساء دون الرجال؛ لأن هذه المروط تختص بالنساء، قال الوزير العالم ابن هبيرة ﵀: " وفيه من الفقه أن عمر قسم ما يصلح للنساء في النساء " (٣).
стр. 391
٦٧ - بَاب مداواةِ النِّساءِ الجرحى في الغزوِ
[حديث الربيع بنت معوذ كنا مع النبي نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة]
٦٥ - [٢٨٨٢] حَدَّثَنَا عَليّ بْن عبد الله: حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْمفَضَّلِ: حَدَّثَنَا خَالِد بْن ذَكْوَانَ عَنِ الرّبيِّع بِنْتِ معَوِّذٍ (١) قَالَتْ: «كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي، وَندَاوِي الْجَرْحَى، وَنَردّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ» (٢).
وفي رواية: «كنَّا نَغْزو مَعَ رَسولِ الله ﷺ : نَسْقِي الْقَوْمَ، وَنَخْدمهمْ، وَنَردّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى الْمَدِينَةِ» (٣).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة.
٢ - الابتلاء والامتحان.
والحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي:
أولا: مشاركة النساء في الجهاد بالخدمة والعلاج عند الحاجة: قال الكرماني ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه خروج النساء في الغزو، والانتفاع بهن بالسقي ونحوه، وإن كان المداواة لغير المحارم لا تمس البشرة إلا عند الحاجة " (٤) وقال ابن حجر ﵀: ". . . فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها، فيما يتعلق بالنظر، والجس باليد وغير ذلك " (٥)
стр. 392
ثم ذكر ﵀ أن الرجل لا يغسل المرأة إذا ماتت، والفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت: أن الغسل عبادة، والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات (١).
وسمعت سماحة الشيخ ابن باز حفظه الله يقول: " يحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، وإذا كان بعد الحجاب فعلى وجه لا محذور فيه، من التزام الحجاب، وعدم الخلوة، والنصوص يفسر بعضها بعضا، فيستعان بالنساء عند الحاجة من غير خلوة " (٢).
ثانيا: الابتلاء والامتحان: دل الحديث على ما أصاب أصحاب النبي ﷺ من الابتلاء والامتحان ﵃؛ ولهذا قالت الربيع ﵂: " كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة ".
وفي هذا دلالة على ما أصابهم من الجهد والبلاء فصبروا في ذات الله تعالى ﵃ وأرضاهم (٣).
عَامِرٍ: قَتَلَ الله صَاحِبَكَ، قَالَ فَانزع هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْته فَنَزَا مِنْه الْمَاء، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئ النَّبِيَّ السَّلاَمَ وِقلْ لَه استَغْفِرْ لِي، واسْتَخْلَفَنِي أَبو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ فَمَكَثَ يَسِيرا ثمَ مَاتَ، فرَجَعْت فَدَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مرْمَلٍ وَعَلَيهِ فِرَاش قَدْ أثَّر رِمَال السَّرِيرِ فِي ظَهْرٍهِ وَجَنبيْهِ، فَأَخْبَرْته بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ وَقَال: قل لَه اسْتَغْفِرْ لِي فَدَعَا بِمَاءٍ فتَوَضَّأَ ثمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: " اللَّهمَّ اغْفر لِعبيدٍ أَبِي عَامِرٍ " وَرَأَيْت بياضَ إبْطَيْهِ ثمَّ قَالَ: " اللَّهمَّ اجْعَلْه يَوْمَ الْقيَامَةِ فَوْقَ كَثيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ " فَقلْت وَلي فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ: " اللَّهمَّ اغْفر لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَه، وَأَدْخِلْه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مدْخَلا كَرِيْما " قَالَ أَبو برْدَةَ: إحْدَاهمَا لأَبِي عَامِرٍ وَالأخْرَى لأَبِي موسَى (١)».
* شرح غريب الحديث: * " فنزا منه الماء " يقال: نزِف دمه، ونزِيَ: إذا جرى ولم ينقطع (٢).
* " سرير مرمَل " أي منسوج في وجه السرير بالسعف (٣).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - الابتلاء والامتحان للدعاة إلى الله .
٢ - من صفة الداعية: التعاون على البر والتقوى.
٣ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة والمجاهدين في سبيل الله .
٤ - من صفات الداعية: الشجاعة.
٥ - حب الصحابة لرسول الله ﷺ .
٦ - من أساليب الدعوة: التبشير والتهنئة.
стр. 395
٧ - من صفات الداعية: الزهد.
٨ - من صفات الداعية: التواضع.
٩ - من صفات الداعية: الرحمة.
١٠ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله .
١١ - من أصناف المدعوين: المشركون.
١٢ - من أساليب الدعوة: الدعاء للمدعو.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: الابتلاء والامتحان للدعاة إلى الله : دل هذا الحديث على أن من سنن الله تعالى ابتلاء عباده المؤمنين بالسراء والضراء، ومن هذا الابتلاء ما حصل لأبي عامر ﵁ من رميه بالسهم ثم موته شهيدا ﵁ بعد ابتلائه وصبره؛ قال النبي ﷺ : «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» (١). وقال ﷺ : «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السّخْط» (٢)؛ قال الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] (٣) وقال : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (٤) وقال : ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] (٥).
стр. 396
ثانيا: من صفات الداعية: التعاون على البر والتقوى: ظهرت هذه الصفة الحميدة في هذا الحديث؛ لأن أبا موسى الأشعري ﵁، جاء إلى أبي عامر فقال: يا عمِّ من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى قاتله, وقال: ذاك قاتلي الذي رماني، قال أبو موسى الأشعري: فقصدت له فلحقته, فلما رآني ولَّى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ وعند ذلك وقف ثم قاتله أبو موسى حتى قتله.
فينبغي للداعية أن يكون متعاونا على البر والتقوى كما قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] (١).
ثالثا: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة والمجاهدين في سبيل الله : دل هذا الحديث على أن من الوسائل النافعة إرسال الدعاة والمجاهدين في سبيل الله ، للدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله ؛ ولهذا بعث رسول الله ﷺ أبا عامر على جيش إلى أوطاس ومعهم أبو موسى الأشعري ﵁، وهذه سنته ﷺ أن يرسل السرايا ويبعث البعوث؛ وقد ذكر أهل العلم أنه بعث منذ هجرته حتى وفاته ﷺ : ستا وخمسين سرية، وغزا سبعا وعشرين غزوة، قاتل في تسع منها؛ وما ذاك إلا من أجل الدعوة إلى الله (٢).
رابعا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهرت صفة الشجاعة في هذا الحديث، وذلك بما قام به أبو موسى
стр. 397
الأشعري ﵁، من قتال من قتل أبا عامر حتى قتله، وقد ظهرت حكمته وبراعته في القتال حيث قال له: " ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ " حتى وقف له خجلا من عار الفرار، قال أبو موسى ﵁: " فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ".
فينبغي للداعية أن يتحلى بالشجاعة والثبات (١).
خامسا: حب الصحابة لرسول الله ﷺ : دل هذا الحديث على عظم حب الصحابة لرسول الله ﷺ ولهذا قال أبو عامر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁: " يا ابن أخي أقرئ النبي السلام وقل له استغفر لي ".
وهذا يدل على محبته العظيمة لرسول الله ﷺ حتى وهو يلفظ أنفاسه عند نزع الموت لروحه. فينبغي لكل مسلم أن يحب رسول الله ﷺ محبة كاملة صادقة (٢).
سادسا: من أساليب الدعوة: التبشير والتهنئة: وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لأن أبا موسى بَشَّرَ أبا عامر وأعلمه أنه قتل من رماه بالسهم فقال: " قتل الله صاحبك " وهذا يدل أيضا على حسن الأدب، فإنه أسند الأمر إلى الله ؛ لأن الله سبحانه الذي أعانه على قتله.
فينبغي للدعاة إلى الله أن يعرفوا أهمية التهنئة والتبشير، وأن يلتزموا الآداب الحسنة (٣).
سابعا: من صفات الداعية: الزهد: إن الزهد من أهم صفات الداعية، وقد ظهر في هذا الحديث من فعل النبي ﷺ حين نام على السرير المرمل حتى أثَّرَ في جنبيه، قال أبو موسى ﵁: " فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل. . . قد أثَّر رمال السرير في ظهره وجنبيه ".
стр. 398
فينبغي للداعية أن ينظر إلى هذا الزهد العظيم، فيعلم أن الدنيا دار ممر ومتاع زائل (١).
ثامنا: من صفات الداعية: التواضع: التواضع من أجمل الصفات وأحسنها وقدوة الداعية في ذلك رسول الله ﷺ ، وقد دل هذا الحديث على ذلك حينما وصل الخبر إلى النبي ﷺ بموت أبي عامر شهيدا وطلبه ﵁ الاستغفار من رسول الله ﷺ ، فدعا النبي ﷺ بماءٍ فتوضأ ثم رفع يديه فدعا لأبي عامر دعوات عظيمة. فينبغي للداعية إلى الله أن يتصف بالتواضع اتباعا لسيد الأولين والآخرين ﷺ (٢).
تاسعا: من صفات الداعية: الرحمة: ظهرت صفة الرحمة في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ دعا لأبي عامر بقوله: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر» ورفع يديه في الدعاء حتى رأى أبو موسى ﵁ بياض إبطيه ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» فالمبالغة في رفع الأيدي (٣).
وتكرير الدعاء وتنويعه يدل على رحمته ﷺ (٤).
عاشرا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله : إن من أجل الأعمال الصالحة وأجمل الصفات الحميدة: الرغبة فيما عند الله ، وقد ظهرت هذه الصفة الكريمة في طلب أبي عامر الاستغفار له من رسول الله ﷺ ، وظهرت هذه الرغبة أيضا عند أبي موسى ﵁ عندما سمع استغفار النبي ﷺ لأبي عامر، فقال: " ولي فاستغفر " فقال ﷺ : «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما».
стр. 399
فينبغي لكل مسلم أن يرغب ويطمع في رحمة الله وفيما عنده من الخيرات (١).
الحادي عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الشرك، ولهذا بعث النبي ﷺ أبا عامر على جيش إلى أوطاس، وقبل ذلك دعا رسول الله ﷺ مشركي مكة، وقاتلهم في معركة بدر، وأحد، وغير ذلك من سراياه وبعوثه التي أرسل بها وبعثها ﷺ إلى أهل الشرك؛ لدعوتهم إلى التوحيد الخالص (٢).
الثاني عشر: من أساليب الدعوة: الدعاء للمدعو: إن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله : الدعاء للمدعو؛ ولهذا قال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما»، وهذا يؤكد أهمية الدعاء للمدعو؛ لما فيه من تأليف القلوب ونفع المدعوين (٣).
стр. 400
٧٠ - باب الحراسة في الغزو في سبيل لله
[حديث ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة]
٦٧ - [٢٨٨٥] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن خَلِيلٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مسْهِرٍ: أَخْبَرَنَا يحيى بْن سَعِيدٍ: أَخْبَرَنَا عبد الله بْن عَامرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْت عَائِشَةَ (١). ﵂ تَقول: «كانَ النَّبِيّ ﷺ سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: " ليت رَجلا مِن أَصْحَابِي صَالِحا يَحْرسنِي اللَّيلةَ "، إِذْ سَمعْنَا صَوتَ سِلاح، فَقَالَ: " مَنْ هَذَا؟ " فَقَالَ: أنا سَعْد بْن أَبِي وقَاصٍ (٢) جِئْت لأَحرسَكَ: " فَنَامَ النَّبِي ﷺ » (٣).
وفي رواية: «أَرِقَ النَّبِيّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: " لَيْتَ رَجلا صَالِحا مِنْ أَصْحَابِي يَحرسنِي اللَّيْلَةَ "، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلاحِ، قَالَ: " مَنْ هَذَا؟ " قِيلَ: سَعْد يَا رَسولَ اللهِ، جِئْت أَحْرسكَ ". فَنَامَ النَّبِيّ ﷺ حَتَّى سمعنا غَطِيطَه، قَالَ أَبو عبد الله: وَقَالَتْ عَائِشَة قَالَ بلال: ألا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَة بَوادٍ وَحَوْلِي إِذْخِر وَجَلِيل، فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ ﷺ » (٤).
* شرح غريب الحديث: * " غطيطه " الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم (٥).
* " إذخر " الإذخر حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب (٦).
* " وجليل " الجليل: الثمام واحده جليلة، وقيل: هو الثمام إذا عظم وجل (٧).
стр. 401
* " أرق " الأرق: السهر، يقال: رجل أرق إذا سهر لعلة، فإن كان السهر من عادته قيل: أرق (١).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.
٢ - الابتلاء والامتحان لأولياء الله .
٣ - حب الصحابة لرسول الله ﷺ .
٤ - من وظائف المدعو الصالح: حراسة السلطان المسلم والعالم العامل بعلمه.
٥ - أهمية اختيار الرجل الصالح للأمور المهمة.
٦ - من أساليب الدعوة: الثناء على من تبرع بالخير.
٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ، ولهذا قال أعظم وسيد المتوكلين ﷺ : «ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة»، قال الإِمام النووي ﵀: " فيه جواز الاحتراس من العدو، والأخذ بالحزم، وترك الإِهمال، في موضع الحاجة إلى الاحتياط " (٢). وقد قال بعض العلماء: كانت حراسة النبي ﷺ في أول الأمر قبل أن ينزل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٣) ومعلوم أن هذه الآية نزلت بعد حراسة سعد بأزمان (٤) وقال الإِمام القرطبي ﵀: " ويحتمل أن
стр. 402
يقال: إن قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ليس فيه ما ينافي احتراسه من الناس، ولا ما يمنعه، كما أن إخبار الله تعالى عن نصره وإظهاره لدينه، ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العَدَد والعدَد، والأخذ بالجد والحزم، والحذر. . . ولما بحثت عن ذلك وجدت الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن، وأخذ الحذر، ومدافعتهم بالقتل، والقتال، وإعداد الأسلحة، والآلات، وقد عمل النبي ﷺ بذلك، وأخذ به، فلا تعارض في ذلك، والله الموفق المفهم ما هنالك " (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ساق كلام القرطبي هذا: " وعلى هذا فالمراد العصمة من الفتنة والإِضلال، أو إزهاق الروح والله أعلم " (٢).
فينبغي لكل مسلم أن يعتمد بقلبه على الله ويعمل بالأسباب النافعة (٣).
ثانيا: الابتلاء والامتحان لأولياء الله : دل هذا الحديث على أن الابتلاء سنة من سنن الله ، فهو يبتلي عباده بالسراء والضراء، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وهذا رسول الله ﷺ يصاب بالسهر حتى حرسه سعد ﵁. فينبغي للعبد إذا أصابه البلاء أن يصبر ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (٤).
ثالثا: حب الصحابة لرسول الله ﷺ : ظهر في هذا الحديث عظم حب الصحابة لرسول الله ﷺ ؛ ولهذه المحبة العظيمة جاء سعد في الليل، ليفدي بنفسه رسول الله ﷺ ؛ وليسهر عينيه وينام رسول الله ﷺ .
فينبغي لكل مسلم أن يحب رسول الله ﷺ أكثر من حبه ولده، ووالده، ونفسه والناس أجمعين (٥).
стр. 403
رابعا: من وظائف المدعو الصالح: حراسة السلطان المسلم والعالم العامل بعلمه: لا شك أنه ينبغي للناس أن يعتنوا بحراسة السلطان المسلم والعالم العامل بعلمه النافع للناس؛ ولهذا حرس سعد ﵁ النبي ﷺ .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث الأخذ بالحذر والاحتراس من العدو، وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل " (١).
خامسا: أهمية اختيار الرجل الصالح للأمور المهمة: دل الحديث على أنه ينبغي أن يختار الرجل الصالح للأمور المهمة؛ لأن النبي ﷺ قال: «ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة»، قال الإِمام القرطبي ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: " فيه دليل على مكانة نبينا ﷺ وكرامته على الله؛ فإنه قضى أمنيته وحقق في الحين طلبته، وفيه دليل على أن سعدا ﵁ من عباد الله الصالحين، المحدَّثين، الملهمين، وتخصيصه بهذه الحالة كلها وبدعاء رسول الله ﷺ له من أعظم الفضائل وأشرف المناقب " (٢).
فينبغي لأهل الحل والعقد من ولاة أمر المسلمين أن يسندوا جميع الأعمال المهمة العظيمة لأهل الصلاح والتقوى.
سادسا: من أساليب الدعوة: الثناء على من تبرع بالخير: إن من أساليب الدعوة إلى الله الثناء على من تبرع بالخير، وتسميته صالحا، دل على ذلك ثناء النبي ﷺ بالصلاح على من يحرسه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه الثناء على من تبرع بالخير وتسميته صالحا " (٣). وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «لا يَشْكر اللهَ من لا يشكر النَّاسَ» (٤).
стр. 404
فينبغي الثناء على من فعل خيرا إذا أمن من الفتنة والإعجاب، والله المستعان.
سابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل مفهوم الحديث على أن القدوة الحسنة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ، فاتخاذه ﷺ حارسا يحرسه يدل على أن من فعل ذلك عند الحاجة اقتداء به ﷺ فقد عمل أمرا مشروعا؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وإنما عانى النبي ﷺ ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتدَّ البأس كان أمام الكل، وأيضا فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب؛ لأن التوكل عمل القلب، وهي عمل البدن " (١).
فينبغي الاقتداء به ﷺ ، وأن يكون الداعية أيضا قدوة لغيره من الناس (٢).
إلا أن تكون سوداء معلَّمة، وكانت من لباس الناس قديما، وجمعها الخمائص (١).
* " انتكس " أي انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة؛ لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر (٢).
* " وإذا شيك فلا انتقش " أي إذا دخلت فيه الشوكة لا أخرجها من موضعها وبه سمّي المنقاش الذي ينقش به (٣).
* " طوبى " طوبى اسم الجنة، وقيل: شجرة فيها (٤).
* " بعنان فرسه " العنان: سير اللجام الذي تمسك به الدابة (٥).
* " الساقة " جمع سائق وهم الذين يسوقون بجيش الغزاة ويكونون من ورائه يحفظونه (٦).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من إرادة الدنيا دون الآخرة.
٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب.
٣ - من صفات الداعية: القناعة.
٤ - من صفات الداعية: الإِخلاص.
٥ - من أساليب الدعوة: الترغيب.
٦ - من صفات الداعية: الزهد.
٧ - من صفات الداعية: إتقان العمل.
стр. 407
٨ - من صفات الداعية: التواضع.
٩ - من أساليب الدعوة: التشبيه.
١٠ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.
١١ - من أساليب الدعوة: تعظيم الأمر.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من إرادة الدنيا دون الآخرة: إن من موضوعات الدعوة تحذير الناس من إرادة الدنيا وإيثارها على الآخرة؛ ولهذا قال ﷺ : «تعس عبد الدينار». . "، وقد حذر الله من ذلك فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] (١).
فينبغي للداعية أن يبين للناس خطر إرادة الدنيا ويحذرهم من ذلك؛ لأن إرادة الدنيا والعمل لأجلها شرك ينافي كمال التوحيد الواجب ويحبط العمل، وإرادة الدنيا أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرا من هذا وهذا (٢).
فمن كانت الدنيا هَمّه وطلبه، ولها يعمل، ولها يسعى، وإياها يبتغي، ولا يرجو ثوابا من ربه، ولا يخاف عقابا على عمله، عجَّل له فيها ما يشاء وما له في الآخرة من نصيب (٣)؛ قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] (٤).
وهذه حال من عبد المال، وقدَّمَ الاهتمام به على أمور الآخرة، ورضي من
стр. 408
أجْلِهِ وسخط من أَجْلِهِ؛ قال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] (١).
فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بغير ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ لأن الرق والعبودية في الحقيقة رق القلب وعبوديته، فما استرقَّ القلب واستعبده فهو عبده؛ لأن العبد حرّ ما قَنِعَ، والحر عبد ما طَمِعَ، وطالب المال الذي لا يريد إلا المال يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها ما يحتاجه العبد: من طعامه، وشرابه، ومسكنه، ومنكحه، ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه مع بذل الأسباب، ويكون المال عنده يستعمله في حاجاته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده، ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذه ينبغي أن لا يعلق قلبه بها (٢).
ثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: لا شك أن أسلوب الترهيب من أساليب الدعوة، ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة» فدعا عليه ﷺ بأن يسقط وينكب على وجهه، وكرر ذلك بقوله: «تعس وانتكس» وهذا دعاء عليه بأن ينقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة والخسارة، ثم قال: «وإذا شيك فلا انتقش» وفي الدعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده؛ لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحركة والسعي في تحصيل الدنيا (٣) قال ابن حجر ﵀: " وسوغ الدعاء عليه لكونه قصر عمله على جمع الدنيا، واشتغل بها عما أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات " (٤).
стр. 409
فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الترهيب في دعوته إلى الله (١).
ثالثا: من صفات الداعية: القناعة: دل الحديث على أن من صفات الداعية القناعة؛ لقوله ﷺ : «إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض»، وهذا يؤذِن في شدة حرصِ طالب الدنيا عليهما وجمعه لأموالها، وطمعه فيما في أيدي الناس (٢) أما العبد الصادق مع الله فهو يعلم أن الدنيا متاع زائل؛ لقوله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (٣)؛ وقول النبي ﷺ : «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحب أن له واديا آخر، ولن يملأ فاه إلا التراب والله يتوب على من تاب» (٤) وقال ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» (٥) وقال ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» (٦).
فينبغي للداعية إلى الله أن يقنع بما أعطاه الله ويذكر دائما قوله ﷺ : «قد أفلح من أسلم، ورزِق كفافا وقنعه الله بما آتاه» (٧).
رابعا: من صفات الداعية: الإخلاص: ظهر في مفهوم هذا الحديث أن من صفات المسلم الصادق مع الله الإِخلاص؛ لأن قوله ﷺ : «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة،
стр. 410
إن أعطي رضي وإن لم يعطَ لم يرضَ» يدل على أن المتحتم على العبد أن يجعل نيته ومقصده لله وحده لا شريك له؛ ولهذا قال ﷺ : «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإِيمان» (١).
فينبغي للعبد المسلم أن يجعل همه طاعة الله ورسوله، يبتغي ثواب الله، ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه (٢).
خامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب، وذلك في قوله ﷺ : «طوبى لعبد اخذ بعنان فرسه في سبيل الله» وهذا فيه ترغيب وحث على العمل بما ينفع المسلم ويعود عليه بالخير، قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي قوله ﷺ : " طوبى " " إشارة إلى الحض على العمل بما يحصل به خير الدنيا والآخرة " (٣) فقد دعا ﷺ بالجنة لمن عمل هذه الأعمال.
فينبغي للداعية أن يرغب المدعوين في كل ما يعود عليهم بالنفع في الدارين (٤).
سادسا: من صفات الداعية: الزهد: إن المسلم الصادق هو الزاهد في الدنيا الذي لا يرغب في رئاستها، ولا حب الشهرة والظهور بدون عمل؛ ولهذا قال ﷺ : «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه» فقد انصرف عن حظوظ وخواص نفسه إلى الجهاد وما يقتضيه، حتى إن شعره لم يدهن، وعلى قدميه الغبار (٥).
стр. 411
فينبغي أن يكون الداعية زاهدا في الدنيا راغبا فيما عند الله (١).
سابعا: من صفات الداعية: إتقان العمل: إن من الصفات الحميدة: إتقان العمل كما يحبه الله ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة» أي يكون كاملا في تلك الحالة، فلا يخاف الانقطاع، ولا يهتم بالسبق بل يلازم عمله، وما هو لأجله (٢) وهذا يدل على عنايته بما أمر به، وملازمته لعمله وإتقانه له، فإن كان في الحراسة في مقدمة الجيش أتقنها لئلا يهجم عليهم العدو، وإن كان في الساقة في مؤخرة الجيش أقام حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال (٣).
فينبغي للداعية إذا عمل عملا أن يتقنه؛ لأن الله يحب ذلك.
ثامنا: من صفات الداعية: التواضع: ظهر في الحديث أن من الصفات الجميلة التواضع؛ ولهذا قال ﷺ : «إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفّع» قال الحافظ ابن حجر ﵀: " فيه ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول والتواضع " (٤) فهو إن استأذن لم يؤذن له؛ لعدم ماله وجاهه، وإن شفع في ما يحبه الله ورسوله لم تقبل شفاعته (٥). قال الطيبي ﵀: «إن استأذن لم يؤذن له»، " إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأنهَا بهَا بحيث يعتني بكليته في نفسه: لا يبتغي مالا ولا جاها عند الناس، بل يكَون عند الله وجيها، ولم يقبل الناس شفاعته، وعند الله يكون شفيعا مشفعا " (٦).
وهذا يبين فضل التواضع لله (٧).
стр. 412
تاسعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر التشبيه في هذا الحديث؛ لقوله ﷺ : «تعس عبد الدينار»؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " أي طالبه الحريص على جمعه، القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده " (١) وقال الطيبي ﵀: " خص العبد بالذكر؛ ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا، وشهواتها، كالأسير الذي لا خلاص له عن أسره. ولم يقل: مالك الدنيا أو جامع الدنيا؛ لأن المذموم من الدنيا الزيادة على قدر الحاجة، لا قدر الحاجة " (٢). فقد ظهر في كلامه ﵀ بيان أسلوب التشبيه (٣).
عاشرا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ : " تعس " ثم في وسط الحديث كرر فقال: " تعس وانتكس " قال العلامة الملا علي القاري ﵀: " كرر للتأكيد؛ وليعطف عليه للتشديد " (٤).
وأسلوب التأكيد يوضح المعاني ويحمل القلوب على الفهم والتصديق. فينبغي العناية به في الدعوة إلى الله (٥).
الحادي عشر: من أساليب الدعوة: تعظيم الأمر: من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله : تعظيم الأمور في نفس المدعو، التي يدعى إليها، أو ينهى عنها، فقوله ﷺ : «إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة» قال الحافظ ابن حجر ﵀: " هذا من المواضع التي اتحد فيها الشرط والجزاء لفظا؛ لكن المعنى مختلف، والتقدير: إن كان المهم في الحراسة كان فيها، وقيل: معنى " فهو
стр. 413
في الحراسة " أي فهو في ثوب الحراسة، وقيل هو للتعظيم: والمراد منه لازمه: أي فعليه أن يأتي بلوازمه، ويكون مستقلا بخويصة عمله " (١) وقال الطيبي ﵀: " تقرر في علم المعاني أن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على فخامة الجزاء وكماله، والشريطتان مؤكدتان للمعنى السابق؛ فإن قوله ﷺ : «آخذ بعنان فرسه» يدل على اهتمامه بشأن ما هو فيه من المجاهدة في سبيل الله، وليس له هم سواه، لا الدراهم ولا الدنانير، بله (٢) نفسه، فتراه أشعث رأسه مغبرة قدماه. فإن كان في الحراسة يبذل جهده فيها لا يفتر عنها بالنوم والغفلة ونحوهما؛ لأنه ترك نصيبه من الراحة والدعة، وإن كان في ساقة الجيش لا يخاف الانقطاع، ولا يهتم إلى السبق، بل يلازم ما هو لأجله، فعلى هذه القرينة إلى آخرها جاءت مقابلة للقرينة الأولى، فدلت الأولى على اهتمام صاحبها بعيش العاجلة، والثانية على اهتمام صاحبها بعيش الآجلة " (٣).
стр. 414
٧١ - باب فضل الخدمة في الغزو
[حديث جرير رأيت الأنصار يصنعون شيئا لا أجد أحدا منهم إلا أكرمته]
٦٩ - [٢٨٨٨] حَدَّثَنِي محَمَّد بْن عَرْعَرةَ: حَدَّثَنِي شعْبَة، عَنْ يونسَ بْن عبَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ البنانيِّ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ (١) ﵁ قَالَ: " صَحِبْت جَرِيرَ (٢) ابْنَ عبد الله فَكَانَ يَخْدمنِي وَهوَ أَكبَر مِنْ أنسٍ. قَالَ جَرِير: إِنِّي رَأَيْت الأنصَارَ يَصْنَعونَ شيئا لاَ أَجِد أَحَدا مِنْهمْ إِلاَّ أَكْرَمْته " (٣).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: حسن الصحبة.
٢ - من صفات الداعية: التواضع.
٣ - محبة الصحابة للنبي ﷺ .
٤ - من أساليب الدعوة: ذكر الصفات الحسنة للمدعوين.
٥ - من صفات الداعية: مكافأة المحسن على إحسانه.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: حسن الصحبة: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة: حسن الصحبة؛ ولهذا خدم جرير بن عبد الله أنس بن مالك في السفر، وبوَّب بعض شرَّاح صحيح
стр. 415
مسلم لهذا الحديث بباب قال فيه: " باب في حسن صحبة الأنصار " (١) وقد حث النبي ﷺ على حسن الصحبة فقال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» (٢).
فينبغي للداعية أن يحسن الصحبة لمن صحبه أو كان بجواره في سفر أو حضر؛ لأن خير الناس أنفعهم للناس (٣).
ثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على صفة التواضع؛ لما فعله جرير بن عبد الله ﵁؛ فإنه كان يخدم أنس بن مالك في السفر وأنس أصغر منه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " في هذا الحديث فضل الأنصار، وفضل جرير، وتواضعه، ومحبته للنبي ﷺ " (٤). فينبغي للداعية أن يكون متواضعا لله (٥).
ثالثا: محبة الصحابة للنبي ﷺ : ظهر في هذا الحديث محبة جرير بن عبد الله للنبي ﷺ ، وقد بلغ هذا الحب إلى أنه أقسم على نفسه أن يخدم الأنصار إذا صحبهم؛ لأنهم خدموا النبي ﷺ (٦).
فينبغي للداعية أن يقتدي بصحابة رسول الله ﷺ ، فيحب النبي ﷺ أكثر من حب الأهل، والمال، والناس أجمعين (٧).
رابعا: من أساليب الدعوة: ذكر الصفات الحسنة للمدعوين: إن من الأساليب التي يستفيد منها الداعية في دعوته للناس، ذكر الأخلاق
стр. 416
الجميلة لبعض السلف الصالح، وما كانوا عليه من التقوى والتواضع، والخشية لله ، ومن هذا الأسلوب ما قاله أنس ﵁: " صحبت جرير بن عبد الله فكان يخدمني وهو أكبر من أنس "؛ لأن في ذكر هذه الأخلاق ما يفتح قلوب السامعين، ويرغبهم وينشطهم على العمل.
خامسا: من صفات الداعية: مكافأة المحسن على إحسانه: إن من الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله : مكافأة المحسن على إحسانه: بالثناء الحسن، والدعاء الخالص، وبغير ذلك على حسب الحاجة وأحوال الناس، ومن هذا ما فعله أنس ﵁ حيث أثنى على جرير بن عبد الله فقال: " صحبت جرير بن عبد الله فكان يخدمني " ولا شك أن من لم يشكر الناس لا يشكر الله (١).
стр. 417
[حديث ذهب المفطرون اليوم بالأجر]
٧٠ - [٢٨٩٠] حَدَّثَنَا سلَيْمَان بْن دَاودَ أَبو الرَّبيعِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ زَكَرِيَّا: حدَّثَنَا عَاصِم، فَيْ موَرِّقٍ الْعِجْليِّ، عَنْ أَنَسٍ (١) ﵁ قَالَ: «كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أكثَرنَا ظِلّا الَّذِي مَنْ يَسْتَظِلّ بِكِسَائهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَاموا فَلَمْ يَعْمَلوا شيئا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَروا فَبَعَثوا الرِّكَابَ. وامْتَهَنوا وَعَالَجوا، فَقَال النَّبِيّ ﷺ : " ذَهَبَ الْمفْطِرونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ» (٢).
* شرح غريب الحديث: * " فبعثوا الركاب " أثاروا الإبل؛ لخدمتها، وسقيها، وعلفها (٣).
* " وامتهنوا وعالجوا " أي خدموا وزاولوا الخدمة (٤).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: حسن الصحبة وخدمة الرفيق في السفر.
٢ - من صفات الداعية: التعاون على البر والتقوى.
٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: حسن الصحبة وخدمة الرفيق في السفر: دل هذا الحديث على أن من الصفات الجميلة حسن الصحبة وخدمة الرفيق في السفر، ولهذا خدم المفطرون الصائمين في هذا الحديث، وأثنى
стр. 418
عليهم رسول الله ﷺ .
فينبغي للداعية أن يحسن صحبة من رافقه بأدب وحسن خلق (١).
ثانيا: من صفات الداعية: التعاون على البر والتقوى: ظهر في هذا الحديث التعاون في الجهاد على طاعة الله بخدمة المجاهدين، والذي دل عليه مفهوم الحديث أن جميع المفطرين تعاونوا على خدمة المجاهدين الصائمين، فأثاروا الإِبل، وقاموا بسقيها، وعقلها، وعلفها، وزاولوا خدمة إخوانهم.
فينبغي للدعاة التعاون على كل ما فيه مصلحة الدعوة وأصحاب الدعوة (٢) قال ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه الحض على المعاونة في الجهاد، وأن الفطر في السفر أولى من الصيام " (٣).
ثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لقوله ﷺ للمجاهدين: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» قال ابن حجر ﵀: " أي بالأجر الوافر، وليس المراد نقص أجر الصوّام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام؛ لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام " (٤).
فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب في دعوته؛ لما له من الأهمية والتأثير في نفوس المدعوين (٥).
стр. 419
٧٦ - باب من اسْتعان بالضعَفاء والصالحِينَ في الحربِ
وَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ: أَخْبَرنيِ أَبو سفْيانَ قَالَ: " قَالَ لِي قَيْصَر: سَأَلْتكَ أَشْرَاف النَّاسِ اتبعوه أَمْ ضعَفَاؤهمْ؟ فزَعَمْتَ ضعَفَاؤهمْ، وَهمْ أَتْباع الرّسلِ ".
[حديث هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم]
٧١ - [٢٨٩٦] حَدَّثَنَا سلَيْمان بْن حَرْبٍ: حَدَّثَنَا محَمَد بْن طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مصعَب بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَأى سَعْد (١) ﵁ أَنَّ لَه فَضْلا عَلَى مَنْ دونَه، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «هَلْ تنْصَرونَ وَترْزقونَ إِلَّا بضعَفَائِكم»؟ ".
* شرح غريب الحديث: * " رَأَى سعد " أي ظن (٢) وقد جاء هذا المعنى صريحا في رواية النسائي: «ظنَّ أن له فضلا على من دونه» (٣).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من موضوعات الدعوة: الحث على العناية بالفقراء والضعفاء.
٢ - من أسباب النصر والرزق: الإِحسان إلى الضعفاء.
٣ - من صفات الداعية: التواضع.
٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب.
٥ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.
٦ - من أساليب الدعوة: الحكمة.
٧ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
стр. 420
أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على العناية بالفقراء والضعفاء: ظهر في هذا الحديث أن من موضوعات الدعوة: الحث على العناية بالضعفاء والمساكين؛ ولهذا حث النبي ﷺ على هذا بقوله: «هل تنصرون وترزقون إلا ضعفائكم» والله قد جعل الإِحسان إلى الفقراء والمساكين من صفات المتقين فقال : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (١) وقال : ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨] (٢) ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] (٣).
فينبغي الحث على الإِحسان إلى الفقراء والضعفاء، والله يحب المحسنين.
ثانيا: من أسباب النصر والرزق: الإحسان إلى الضعفاء: دل هذا الحديث على أنه لا ينبغي للأقوياء القادرين أن يستهينوا بالضعفاء العاجزين: لا في أمور الجهاد والنصرة، ولا في أمور الرزق وعجزهم عن الكسب؛ لأن النصر على الأعداء وبسط الرزق قد يكون بسبب الضعفاء؛ ولهذا قال ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»؟ " وهم يكونون من أسباب النصر والرزق من عدة وجوهٍ، منها:
١ - قد يكون النصر على الأعداء، وبسط الرزق بأسباب توجه الضعفاء إلى الله وطلبهم النصر والرزق؛ لأنهم أشدّ إخلاصا في الدعاء، وأكثر خشوعا في العبادة، وأقوى توكلا وثقة بالله ؛ لسلامة قلوبهم وعدم تعلقها بزخارف الدنيا، فإذا دعوا الله على هذه الحال استجاب لهم، فينصر
стр. 421
الله الأمة بسببهم، ويرزقهم من أجلهم.
٢ - جعل الله أرزاق هؤلاء الضعفاء على أيدي القادرين والأغنياء، فإذا أعطوهم حقهم وأنفقوا عليهم رغبة فيما عند الله؛ فإن الله يفتح لهم من أسباب النصر والرزق ما لم يكن لهم ببال ولا دار لهم في خيال، فكم من إنسانٍ كان رزقه قليلا فكثرت عائلته والمتعلقون به فقام بالواجب وأنفق عليهم، ونصره الله على أعدائه، وأمد الله وَوَسَّعَ في رزقه (١)؛ قال الله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] (٢) وقال النبي ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أَحدهما: اللهم أعطِ منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكا تلفا» (٣) وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: " قال الله تعالى: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» (٤) وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «انفحي، أو انضحي (٥) أو أنفقي، ولا تحصى فيحصي الله عليك (٦) ولا توعي فيوعي (٧) الله عليك» (٨) وفي صحيح البخاري (٩) «لا توكي فيوكي الله عليك» (١٠).
стр. 422
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان أخوان على عهد النبي ﷺ فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ والآخر يحترف فشكى المحترف أَخَاه إلى النبي ﷺ فقال: " لعلك ترزق بِه» (١).
٣ - دعاء المستضعفين المنفق عليهم؛ فإنهم يدعون الله في كل أحوالهم لمن قام بمساعدتهم وأعانهم على فقرهم وضعفهم.
فينبغي أن يعلم الدعاة أن إعانة الضعفاء والعطف عليهم، والإِحسان إليهم، بالقول والفعل من أسباب النصر والرزق والتوفيق.
ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على التواضع؛ لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ ظن أن له فضلا على من دونه من أصحاب النبي ﷺ ، بسبب شجاعته، ونحو ذلك من جهة الغنى وكثرة المال، فقال ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» وهذا فيه حث على التواضع ونفي الكبر والفخر، وترك احتقار المسلم في كل حالة (٢).
فينبغي للمسلم التواضع وعدم الترفع على إخوانه المسلمين (٣).
رابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: ظهر أسلوب الترغيب في هذا الحديث؛ من قول النبي ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» وهذا فيه ترغيب في الإِحسان إلى هؤلاء وعدم احتقارهم، وهذا ليس فيه ما يعارض الأحاديث الأخرى التي مدح فيها الأقوياء، وأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وإنما المراد أن ذلك من أعظم أسباب الرزق والنصر، وقد يكون لذلك أسباب أخرى؛ فإن الكفار والفجار قد يرزقون وينصرون استدراجا، وقد يخذل المؤمنون؛ ليتوبوا
стр. 423
ويخلصوا، ولكن العاقبة الحميدة لهم، فيجمع لهم بين مغفرة الذنب وتفريج الكرب، وليس كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة (١).
فينبغي استخدام الترغيب في الدعوة إلى الله (٢).
خامسا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: الاستفهام الإِنكاري من أساليب الدعوة إلى الله وقد ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» فقد أنكر ﷺ على سعدٍ ﵁ ما ظنه وبيَّن فضل الضعفاء على الأمة، وأبرز ذلك في صورة الاستفهام؛ ليدل على مزيد التعزير والتوبيخ (٣). وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب. (٤).
سادسا: من أساليب الدعوة: الحكمة: دل هذا الحديث على حكمة النبي ﷺ في تغيير المنكر وتأليف القلوب، وتوجيهها إلى ما يحبه الله ويرضاه؛ فإنه أنكر على سعدٍ ﵁ ببيان فضل الضعفاء وأن وجودهم بين المسلمين من أسباب النصر والرزق، وقد استخدم ﷺ الاستفهام الإِنكاري. وهذا يبين للدعاة إلى الله أهمية أسلوب الحكمة؛ قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٥) وحقيقة الحكمة: وضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان، والإِصابة في الأقوال والأفعال (٦).
стр. 424
سابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة؛ لأن المسلم قد يخطئ ويحتاج إلى التنبيه والتوجيه؛ ولأن العصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولمن عصمه الله من عباده المخلصين؛ ولهذا لما رأى سعد ﵁ أن له فضلا على من دونه، وجهه النبي ﷺ وأرشده بقوله: «هل تنصرون وترزقون لا بضعفائكم؟».
فينبغي للداعية أن يقبل النصيحة ممن وجهها إليه من العلماء والدعاة، أو حتى ممن هو دونه، وينبغي له أن لا يستحي من توجيه إخوانه الدعاة إلى الخير إذا رأى ما يوجب ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوَّابون» (١) وهذا يؤكد أن كل مسلم يحتاج إلى توجيه ونصيحة مهما ارتفعت منزلته (٢).
стр. 425
[حديث يأتي زمان يغزو فئام من الناس فيقال فيكم من صحب النبي]
٧٢ - [٢٨٩٧] حَدَّثَنَا عبد الله بْن محَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَمْرو: سَمِعَ جَابِرا (١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ (٢) ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَأْتِي زَمَان يَغْزو فِئام مِنَ النَّاسِ، فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فيقَال: نَعَمْ، فيفتح عَلَيْهِ. ثمَّ يأتي زَمَان فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيقَال: نَعَمْ، فَيفْتَح. ثمَّ يأتِي زَمَان فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ ؛ فَيقَال: نَعَمْ، فَيفْتَح» (٣).
وفي رواية: «يأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان فَيغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فيَقولونَ: فِيكمْ مَنْ صاحَبَ رَسولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقولونَ لَهمْ: نَعَمْ، فَيفتح لَهمْ، ثمَّ يأتِي عَلَى النَّاسِ زمَان فَيَغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فَيقَال: هَلْ فِيكمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسولِ اللهِ ﷺ ؛ فَيَقولونَ: نَعَمْ، فَيفْتَح لَهمْ. ثمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان فَيَغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فَيقَال: هَلْ فِيكمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فَيفتح لَهمْ» (٤).
* شرح غريب الحديث: * " فئام من الناس " الفئام: الجماعة الكثيرة (٥).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من معجزات النبي ﷺ : الإِخبار بالغيوب.