← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الله الأمة بسببهم، ويرزقهم من أجلهم. ٢ - جعل الله أرزاق هؤلاء الضعفاء على أيدي القادرين والأغنياء، فإذا أعطوهم حقهم وأنفقوا عليهم رغبة فيما عند الله؛ فإن الله يفتح لهم من أسباب النصر والرزق ما لم يكن لهم ببال ولا دار لهم في خيال، فكم من إنسانٍ كان رزقه قليلا فكثرت عائلته والمتعلقون به فقام بالواجب وأنفق عليهم، ونصره الله على أعدائه، وأمد الله وَوَسَّعَ في رزقه (١)؛ قال الله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] (٢) وقال النبي ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أَحدهما: اللهم أعطِ منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكا تلفا» (٣) وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: " قال الله تعالى: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» (٤) وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «انفحي، أو انضحي (٥) أو أنفقي، ولا تحصى فيحصي الله عليك (٦) ولا توعي فيوعي (٧) الله عليك» (٨) وفي صحيح البخاري (٩) «لا توكي فيوكي الله عليك» (١٠).

стр. 422

وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان أخوان على عهد النبي ﷺ فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ والآخر يحترف فشكى المحترف أَخَاه إلى النبي ﷺ فقال: " لعلك ترزق بِه» (١). ٣ - دعاء المستضعفين المنفق عليهم؛ فإنهم يدعون الله في كل أحوالهم لمن قام بمساعدتهم وأعانهم على فقرهم وضعفهم. فينبغي أن يعلم الدعاة أن إعانة الضعفاء والعطف عليهم، والإِحسان إليهم، بالقول والفعل من أسباب النصر والرزق والتوفيق. ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على التواضع؛ لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ ظن أن له فضلا على من دونه من أصحاب النبي ﷺ ، بسبب شجاعته، ونحو ذلك من جهة الغنى وكثرة المال، فقال ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» وهذا فيه حث على التواضع ونفي الكبر والفخر، وترك احتقار المسلم في كل حالة (٢). فينبغي للمسلم التواضع وعدم الترفع على إخوانه المسلمين (٣). رابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: ظهر أسلوب الترغيب في هذا الحديث؛ من قول النبي ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» وهذا فيه ترغيب في الإِحسان إلى هؤلاء وعدم احتقارهم، وهذا ليس فيه ما يعارض الأحاديث الأخرى التي مدح فيها الأقوياء، وأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وإنما المراد أن ذلك من أعظم أسباب الرزق والنصر، وقد يكون لذلك أسباب أخرى؛ فإن الكفار والفجار قد يرزقون وينصرون استدراجا، وقد يخذل المؤمنون؛ ليتوبوا

стр. 423

ويخلصوا، ولكن العاقبة الحميدة لهم، فيجمع لهم بين مغفرة الذنب وتفريج الكرب، وليس كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة (١). فينبغي استخدام الترغيب في الدعوة إلى الله (٢). خامسا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: الاستفهام الإِنكاري من أساليب الدعوة إلى الله وقد ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» فقد أنكر ﷺ على سعدٍ ﵁ ما ظنه وبيَّن فضل الضعفاء على الأمة، وأبرز ذلك في صورة الاستفهام؛ ليدل على مزيد التعزير والتوبيخ (٣). وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب. (٤). سادسا: من أساليب الدعوة: الحكمة: دل هذا الحديث على حكمة النبي ﷺ في تغيير المنكر وتأليف القلوب، وتوجيهها إلى ما يحبه الله ويرضاه؛ فإنه أنكر على سعدٍ ﵁ ببيان فضل الضعفاء وأن وجودهم بين المسلمين من أسباب النصر والرزق، وقد استخدم ﷺ الاستفهام الإِنكاري. وهذا يبين للدعاة إلى الله أهمية أسلوب الحكمة؛ قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٥) وحقيقة الحكمة: وضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان، والإِصابة في الأقوال والأفعال (٦).

стр. 424

سابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة؛ لأن المسلم قد يخطئ ويحتاج إلى التنبيه والتوجيه؛ ولأن العصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولمن عصمه الله من عباده المخلصين؛ ولهذا لما رأى سعد ﵁ أن له فضلا على من دونه، وجهه النبي ﷺ وأرشده بقوله: «هل تنصرون وترزقون لا بضعفائكم؟». فينبغي للداعية أن يقبل النصيحة ممن وجهها إليه من العلماء والدعاة، أو حتى ممن هو دونه، وينبغي له أن لا يستحي من توجيه إخوانه الدعاة إلى الخير إذا رأى ما يوجب ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوَّابون» (١) وهذا يؤكد أن كل مسلم يحتاج إلى توجيه ونصيحة مهما ارتفعت منزلته (٢).

стр. 425

[حديث يأتي زمان يغزو فئام من الناس فيقال فيكم من صحب النبي] ٧٢ - [٢٨٩٧] حَدَّثَنَا عبد الله بْن محَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَمْرو: سَمِعَ جَابِرا (١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ (٢) ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَأْتِي زَمَان يَغْزو فِئام مِنَ النَّاسِ، فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فيقَال: نَعَمْ، فيفتح عَلَيْهِ. ثمَّ يأتي زَمَان فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيقَال: نَعَمْ، فَيفْتَح. ثمَّ يأتِي زَمَان فَيقَال: فِيكمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ ؛ فَيقَال: نَعَمْ، فَيفْتَح» (٣). وفي رواية: «يأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان فَيغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فيَقولونَ: فِيكمْ مَنْ صاحَبَ رَسولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقولونَ لَهمْ: نَعَمْ، فَيفتح لَهمْ، ثمَّ يأتِي عَلَى النَّاسِ زمَان فَيَغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فَيقَال: هَلْ فِيكمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسولِ اللهِ ﷺ ؛ فَيَقولونَ: نَعَمْ، فَيفْتَح لَهمْ. ثمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان فَيَغْزو فِئَام مِنَ النَّاسِ فَيقَال: هَلْ فِيكمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فَيفتح لَهمْ» (٤). * شرح غريب الحديث: * " فئام من الناس " الفئام: الجماعة الكثيرة (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من معجزات النبي ﷺ : الإِخبار بالغيوب.

стр. 426

٢ - من أسباب النصر: استقامة المجاهدين والدعاة على دين الله . ٣ - من موضوعات الدعوة: بيان فضل السلف الصالح للتأسي بهم. أولا: من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالغيوب: دل هذا الحديث على صدق النبي ﷺ ؛ لأنه أخبر بأمور غيبية لا يعلمها إلا الله، فوقعت كما أخبر ﷺ ، فنصر الله أصحاب نبيه ﷺ ، وأتباعهم، وتابعيهم، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ ، فدل ذلك على أن الله أرسله وأنه رسول الله حقّا وصدقا (١). فينبغي للداعية أن يبين للناس علامات النبوة؛ لما لها من الأثر في النفوس وحملها على تصديق رسالة النبي محمد ﷺ (٢). ثانيا: من أسباب النصر: استقامة المجاهدين والدعاة على دين الله : لا شك أن استقامة المجاهدين والدعاة على دين الله من أعظم أسباب النصر والتمكين؛ وقد أخبر ﷺ في هذا الحديث بنصر الجيش الذي يغزو معه بعض الصحابة والتابعين، وأتباعهم؛ وذكر ابن حجر ﵀ عن ابن بطال ﵀ أنه " يفتح للصحابة لفضلهم، ثم للتابعين لفضلهم، ثم لتابعيهم لفضلهم. . . ولذلك كان الصلاح والفضل والنصر للطبقة الرابعة أقل، فكيف بمن بعدهم والله المستعان " (٣) وقد وعد الله من استقام من عباده على طاعته بالنصر والتمكين فقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] (٤) وقوله سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] أي ينصر دينه ونبيه (٥).

стр. 427

وقال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] (١). وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨] (٢). وهذه الآيات الكريمات تبين أن المجاهدين والدعاة وغيرهم إذا أطاعوا الله ورسوله نصرهم الله وأمدهم بعونه وتوفيقه. ثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان فضل السلف الصالح؛ للتأسي بهم: إن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله : بيان فضل السلف الصالح؛ للتأسي بهم والسير على هديهم؛ ولهذا بين النبي ﷺ في هذا الحديث: فضل الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، وأن الله ينصرهم على عدوِّهم. قال العلامة العيني ﵀: " الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين حصلت بهم النصرة؛ لكونهم ضعفاء فيما يتعلق بأمر الدنيا، أقوياء فيما يتعلق بأمر الآخرة " (٣). فينبغي للداعية أن يبين للناس فضل الصحابة وأتباعهم من أهل العلم والإِيمان؛ ليقتدي بهم الناس ويستفيدوا من فضائلهم؛ ولهذا بين النبي ﷺ بعض الفضائل لهؤلاء السلف فقال: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (٤).

стр. 428

وقال ﷺ : «خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم, ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» (١). وهذا يبين فضائل الصحابة وأنه ينبغي التأسي بهم في الاستقامة على دين الله . وسمعت العلامة سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز حفظه الله يقول: " بعد هذه القرون تتغير الأحوال، ويضعف الإِيمان حتى إنهم يظهر فيهم، السمن؛ لميلهم إلى الشهوات " وقال عن الفائدة من إيراد هذه الأحاديث في فضائل الصحابة: " والمقصود التأسي بأصحاب النبي ﷺ " (٢). وفضائل أصحاب النبي ﷺ لا تحصر في هذه الأسطر، ولكن أشملها قوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٣). وهذا يبيّن للدعاة إلى الله أهمية تذكير الناس بفضائل الصحابة ﵃ وبقية القرون الثلاثة المفضلة؛ قال الإِمام القرطبي ﵀: " هذه القرون الثلاثة: أفضل مما بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة، فأفضلها: الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده. . " (٤). وقد بين الحافظ ابن حجر آخر القرون الثلاثة فقال: " واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا " (٥).

стр. 429

٧٧ - باب لا يقول: فلان شهِيد وَقَالَ أَبو هرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ : «الله أَعْلَم بِمَنْ يجَاهِد فِي سَبِيلِهِ، الله أَعْلَم بِمَنْ يكْلَم فِي سَبِيلِهِ». [حديث إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار] ٧٣ - [٢٨٩٨] حَدَّثَنَا قتَيْبَة: حَدَّثَنَا يَعْقوب بْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الساعِدِيِّ (١) ﵁: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هوَ والْمشْرِكونَ فَاقْتَتَلوا، فَلَمَّا مَالَ رَسول اللهِ ﷺ إلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الآخَرونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ رَجل لَا يَدَع لَهمْ شَّاذَّة وَلَا فَاذَّة إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضرِبها بِسَيْفِهِ، فَقَالوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَومَ أَحَد كَمَا أَجْزَأَ فلان، فَقَال رِسول اللهِ ﷺ : " أَمَا إِنَّه مِنْ أَهْلِ النَّارِ "، فَقَالَ رَجل مِنَ الْقَوْمِ: أنا صَاحِبه، قَالَ فخَرَجَ مَعَه كلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَه، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَه، قالَ: فَجرِحَ الرَّجل جرْحا شَدِيدا، فَاسْتَعْجَلَ الْموتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ، وَذبَابَه بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفهِ فَقَتَلَ نَفْسَه، فخَرَجَ الرَّجل إِلَى رَسولِ الله ﷺ فقَالَ: أَشْهد أنكَ رَسول اللهِ، قَالَ: " وَمَا ذَاك؟ " قَال: الرَّجل الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفا أنه مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فأَعْظَمَ النَّاس ذَلِكَ، فَقلْت: أَنا لَكمْ بِهِ، فَخَرَجْت فِي طَلَبِهِ، ثمَّ جرِح جرْحا شَدِيدا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذبَابَه بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَه. فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: " إِنَّ الرَّجلَ لَيَعْمَل عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدو للنَّاسِ وَهو مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجلَ ليَعْمَل عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدو لِلنَّاسِ وَهوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (٢). وفي رواية: ". . «أَيّنَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّة إِذَا كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَقَالَ رَجل

стр. 430

مِنَ الْقَوْمِ لأَتَّبعَنَّه». . " (١). وفي رواية. «نَظَرَ النَّبِيّ ﷺ إِلَى رَجل يقَاتِل الْمشْرِكِينَ- وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ المسْلِمينَ غَنَاء عَنْهمْ- فَقَالَ: " مَنْ أَحَبَّ أنْ يَنْظرَ إِلَى رَجل مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظر إِلَى هَذَا "، فَتَبِعَه رَجل فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَقَالَ بِذبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَه بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْن كتِفَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَل- فِيمَا يَرَى النَّاس- عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّه لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَل- فِيمَا يَرَى النَّاس- عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعمَال بِخَوَاتِيمِهَا» (٢). وفي رواية: «وَإِنَّمَا الأَعْمَال بِالْخَوَاتِيم» (٣). * شرح غريب الحديث: * " شاذة ولا فاذة " هما بمعنى واحد، والشذوذ: الانفراد: أي لا يسلم منه أحد إلا قتله، وهي كلمة تقال للشجاع: لا يدع شاذة ولا فاذة (٤). * " ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان " أي ما ناب أحد منابه، ولا قام أحد مقامه، ولا قضى ما قضاه (٥). * " نصل سيفه " نصل السيف: حديده، والنصل: حديدة السهم والسيف (٦). * " ذبابه بين ثدييه " ذباب السيف: طرفه الذي يضرب به وهو الحدّ (٧). * " تحامل على سيفه " مال عليه واتَّكأَ، والتحامل: تكلف الشيء على مشقة (٨).

стр. 431

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الإِيمان بالقدر والعمل بأسباب النجاة. ٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الاغترار بالأعمال. ٣ - من صفات الداعية: الجمع بين الخوف والرجاء. ٤ - من معجزات الرسول ﷺ : الإِخبار بالمغيبات. ٥ - من صفات الداعية: الأخذ بالظاهر والله يتولَّى السرائر. ٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب. ٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على النية الصالحة. ٨ - من موضوعات الدعوة: حث الناس على طلب حسن الخاتمة بالقول والعمل. ٩ - عظم يقين الصحابة ﵃ بما يخبر به رسول الله ﷺ . ١٠ - قد يؤيد الله الإِسلام بالمدعو الفاجر. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الإيمان بالقدر والعمل بأسباب النجاة: ظهر في هذا الحديث أهمية الإِيمان بالقدر؛ (١)؛ لأن النبي ﷺ قال لرجل ظاهره الصلاح والشجاعة في الجهاد: " إنه من أهل النار " وقال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» وهذا يدل على أن الله قد قدر المقادير، فعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتِبَ مَكَانهَا من الجنة والنار، وإلا قد كتِبَتْ شقية أو سعيدة " فقال رجل؛ يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منَّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة, وأما من كان مِنَّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: " أمَّا أهل السعادة فييَسَّرون

стр. 432

لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل الشقاوة. ثم قرأ» ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١) قال ابن رجب ﵀: " ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلّا ميسر لما خلِقَ له من الأعمال التي هي سبب السعادة أو الشقاوة " (٢). ولا شك أن الله إنما يهدي من كان أهلا للهداية، ويضل من كان أهلا للضلالة، قال : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] (٣) وقال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] (٤). فبين سبحانه أن أسباب الضلالة لمن ضل إنما هي بسَبَبٍ من العبد نفسه، والله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٥) وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] (٦) ويجمع الإِيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب إذا آمن بها العبد فقد استكمل الإيمان بهذا الأصل العظيم: المرتبة الأولى: العلم، فيؤمن العبد إيمانا جازما أن الله علم بما الخلق عاملون، بعلمه الأزلي، وعلم جميع أحوالهم وأعمالهم: من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال. قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] (٧)

стр. 433

وقال : ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (١) فبنى تقديره لمقادير الخلائق على هذا العلم السابق الأزلي، وقدر مقادير الخلائق: من السعادة والشقاوة وغير ذلك بحسب الأعمال التي سبق علمه بها من خير وشر (٢). المرتبة الثانية: كتابة الله لجميع الأشياء والمقادير في اللوح المحفوظ: الدقيقة والجليلة، ما كان وما سيكون، قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (٣) وقد جمعت هذه الآية بين المرتبتين السابقتين. وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] (٤) وقال : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] (٥)؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» قال: «وكان عرشه على الماء» (٦). وقال عبادة بن الصامت ﵁ لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإِيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ربِّ وماذا أكتب؛ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» (٧) وفي لفظ للإِمام أحمد: «إن أول ما خلق الله ﵎ القلم، ثم قال اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٨).

стр. 434

المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة التي لا يعجزها شيء فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ، قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] (١). المرتبة الرابعة: الخلق، فالله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق له ، لا إله غيره ولا رب سواه. قال : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] (٢) ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المحسنين، والمتقين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، وهو الحكيم العليم (٣) وعلى العبد أن يبذل الأسباب، ويسأل الله التوفيق والهداية، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يظلم مثقال ذرة، قال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] (٤). فينبغي للداعية أن يبيِّن للناس هذا الأصل معتمدا على الأدلة من الكتاب والسنة، ولا يخوض فيما لا علم له به، ويحث الناس على النشاط والقوة، والاستعانة بالله وتفويض المقادير إلى الله ، وأن يتركوا العجز والكسل؛ (٥) قال النبي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء

стр. 435

فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتِح عمل الشيطان» (١) ولهذه العقيدة السليمة قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] (٢). ثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الاغترار بالأعمال: إن من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها ويوجه الناس إلى الحذر منها: الاغترار بالأعمال؛ ولهذا عندما قتل الرجل نفسه أعظم الصحابة ﵃ ذلك؛ لأنهم نظروا إلى شجاعته، وقتاله العظيم، ولم يعرفوا الباطن، ولا المآل فأعلم الله الخبير العليم النبيَّ ﷺ بعاقبة هذا الرجل؛ لسوء مقصده وخبث نيته (٣) قال الإِمام القرطبي ﵀ في فوائد هذا الحديث: ". . فيه التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزة والجلال " (٤) وقال الإِمام النووي ﵀: " فيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها، مخافة انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله " (٥)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «سددوا وقاربوا، وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته. واعلموا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ» (٦). وقد مدح الله الخائفين على أعمالهم الصالحة يخشون أن لا تقبل منهم، فقال : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] (٧) قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ : «أهو الذي يزني ويسرق

стр. 436

ويشرب الخمر؛ قال: " لا يا بنت أبي بكر [أو يا بنت الصديق] ولكنه الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، ويخاف أن لا يتقبل منه» (١). فينبغي للداعية أن يبيِّن للناس أن الاعتماد على الله في كل شيء، والطمع في رحمته مع إحسان العمل وإخلاصه لله ، وعدم الغرور والإِعجاب بالأعمال. والله المستعان. ثالثا: من صفات الداعية: الجمع بين الخوف والرجاء: يظهر من هذا الحديث أنه ينبغي للمسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يجمع بين الخوف والرجاء؛ لأن الإِنسان لا يدري هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، وقد ذكر ابن حجر ﵀ عن ابن بطال ﵀ أنه قال: " في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيا أعجِب وكسِل، وإن كان هالكا ازداد عتوّا، فحجب عنه ذلك؛ ليكون بين الخوف والرجاء " (٢) فالأمن من مكر الله ينافي كمال التوحيد؛ ولهذا قال الله : ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (٣). وعن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ : «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج " (٤) ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (٥)» والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله ينافي كمال التوحيد أيضا؛ ولهذا قال الله : ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] (٦)

стр. 437

وقال : ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (١) والقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله وكلاهما ذنب عظيم (٢) وعن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؛ فقال: " الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» (٣). وقال ابن مسعود ﵁: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح اللَّه» (٤). ومعنى الأمن من مكر الله: أي أمن الاستدراج بما أنعم الله به على عباده من صحة الأبدان، ورخاء العيش، وهم على معاصيهم (٥). واليأس من روح الله: أي قطع الرجاء من رحمة الله ومن تفريجه للكربات (٦). والقنوط من رحمة الله: هو أشدّ اليأس (٧). وهذا فيه التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله (٨). وعن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: " كيف تجدك؟ " قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ : " لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف» (٩).

стр. 438

فينبغي للداعية أن يكون بين الرجاء والخوف، وقد ذكر بعض علماء نجد أنه يغلِّب في الصحة جانب الخوف؛ لأنه إذا غَلَّب الرجاء على الخوف فسد القلب، أما في حالة المرض فيغلِّب الرجاء، لكن مع الجمع بين الرجاء والخوف في جميع الأحوال (١). ولا بد أن يكون الرجاء والخوف مع المحبة الكاملة؛ قال الحافظ ابن رجب ﵀: " وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موَحِّد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإِيمان " (٢). وكلام بعض الحكماء يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء (٣). وأسأل الله أن يرزقني وجميع المسلمين خشيته في السر والعلانية. رابعا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالمغيبات: إن من أعلام النبوة التي دلت على صدق النبي ﷺ : إخباره بالمغيبات، وقد ظهرت هذه المعجزة في هذا الحديث؛ حيث أخبر النبي ﷺ عن الرجل الشجاع أنه من أهل النار، فتحقق ما قاله فقتل الرجل نفسه، قال ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفي الحديث إخباره ﷺ بالمغيبات، وذلك من معجزاته الظاهرة " (٤) وقال القرطبي ﵀: " وكان ذلك من أدلة صدق الرسول ﷺ ، وصحة رسالته " (٥).

стр. 439

فينبغي للداعية أن يبين للمدعوين أعلام النبوة عند الحاجة لتثبيت المدعوين أو زيادة إيمانهم؛ ولإِظهار صدق رسالة النبي ﷺ لأصحاب الريب والشك أو التكذيب (١). خامسا: من صفات الداعية؛ الأخذ بالظاهر والله يتولَّى السرائر: دل الحديث على أن النبي ﷺ يأخذ بظواهر الناس ويكل سرائرهم إلى الله ، ففي هذا الحديث لم يعاقب النبي ﷺ هذا الرجل على ما ظهر له من عدم صدقه وإخلاصه بإخبار الله له عن طريق الوحي. وهكذا ينبغي للداعية إلى الله أن يأخذ بالظاهر ويكل سرائر الناس إلى خالقهم العالم بما في نفوسهم (٢). سادسا: من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لأن فيه الترغيب في طلب حسن الخاتمة بالأعمال الصالحة؛ لقوله ﷺ : «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة»، أما الترهيب؛ فلقوله ﷺ : «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» ولا شك أن ذلك أوجد الخوف في قلوب الصحابة حتى قال بعضهم: «وأيّنا من أهل الجنة إذا كان هذا من أهل النار» وهذا الترهيب يثمر محاسبة العبد نفسه، والنظر والتأمل في صدقه مع الله وحسن نيته أو خبثها، ثم يلتزم بما يحبه الله ويرضاه، ويسأله سبحانه العفو والعافية في الدنيا والآخرة. أسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة: لي ولأهل بيتي ومشايخي وجميع المسلمين (٣). سابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على النية الصالحة: ظهر في هذا الحديث أن الرجل الذي قتل نفسه لم تكن نيته صالحة، فهو

стр. 440

كان يقاتل إما انتصارا لقومه، أو رياء وسمعة؛ قال الإمام القرطبي ﵀ في هذا الحديث: " دليل على أن ذلك الرجل لم يكن مخَلصا في جهاده، وقد صرح الرجل بذلك فيما يروى عنه أنه قال: إنما قاتلت عن أحساب قومي، فيتناول هذا الخبر أهل الرياء " (١). فيتأكد على الداعية؛ أن يخلص نيته وأن يصلح قصده، وينبغي له أن يحث الناس على إصلاح النية وإخلاصها لله الواحد القهار؛ لأن الاعتبار بالنيات (٢). ثامنا: من موضوعات الدعوة: حث الناس على طلب حسن الخاتمة بالقول والعمل: لا شك أن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله حض المدعوين على طلب حسن الخاتمة بالدعاء، وبعمل جميع الأسباب المؤدية إلى حسن الختام؛ لأن من رغب في شيء وحرص عليه جد في طلبه بالدعاء والضراعة إلى الله ، واجتهد في بذل الأسباب؛ قال الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (٣) وقد ظهر في هذا الحديث: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله ﷺ : «وإنما الأعمال بخواتيمها». ومما يعين المسلم على طلب حسن الخاتمة معرفته بعض ما يثبت عن النبي ﷺ في حسن الخاتمة وسوئها ومن ذلك: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق

стр. 441

عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار» (١). وقد يعمل الرجل الزمن الطويل بالطاعات ويبتعد عن المعاصي والسيئات ثم قبل موته يرتكب الجرائم والموبقات ويترك الواجبات، فيهجم عليه الموت فجأة فيختم له بخاتمة السوء، وبالعكس؛ ولهذا قال ﷺ : «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة» (٢). قال الحافظ ابن رجب ﵀ على حديث الباب: " وقوله: " فيما يبدو للناس " إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس. . . من جهة عمل سيءٍ ونحو ذلك فتلك الخصلة الخفية توجب سوءَ الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة " (٣). وينبغي للمسلم أن يعمل بالأسباب التي توصل إلى حسن الخاتمة ويبتعد عن جميع الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة، ومن ذلك ما يأتي: ١ - خوف الله ، والخشية من سوء الخاتمة، فقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة، فيحسنون العمل؛ لأن الخوف مع الرجاء يبعث على إحسان العمل؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (٤)؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف يخافون على أنفسهم النفاق،

стр. 442

ويشتد قلقهم منه؛ لأن المؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر؛ لأن دسائس السوء من أسباب سوء الخاتمة (١). وقد ذكِرَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لحذيفة ﵁: " نشدتك بالله هل سمّاني لك رسول الله ﷺ منهم؟ " - يعني من المنافقين- قال: لا، ولا أبرئ بعدك أحدا، يعني لا يكون مفشيا سرَّ رسول الله ﷺ (٢). وقال عبد الله بن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم من أحد يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل " (٣). وقال إبراهيم التيمي ﵀: " ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا " (٤). ويذكر عن الحسن: " ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق " (٥). ويذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: " لأن أستيقن أن الله تقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٦). ٢ - التوبة من جميع الذنوب والمعاصي وإتباعها بالأعمال الصالحة؛ لأن التسويف في التوبة من أسباب سوء الخاتمة؛ ولهذا قال الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (٧). وقال : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] (٨). ولا شك أن: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٩).

стр. 443

ولا بد مع التوبة من الأعمال الصالحة؛ لقوله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] (١) وقال بعد أن ذكر عقاب المشرك، وقاتل النفس بغير حق، والزاني: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (٢). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله " فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال؛ " يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (٣) وعن عمرو بن الحَمقِ ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بعبدٍ خيرا عَسَلَه " قالوا: وكيف يعسله؛ قال: " يفتح الله له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه، أو من حوله» (٤). ٣ - الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله ؛ ولهذا كان النبي ﷺ يكثر الدعاء بالثبات على دين الله ، فعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ : كان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " قالت: قلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: " يا أم سلمة إنه ليس آدميّ إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ» فتلا معاذ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] (٥).

стр. 444

وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فقلت: يا رسول الله، آمنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: " نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء» ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» (٢). وكان ﷺ يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ من: " جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» (٤). فينبغي للمسلم أن يكثر من هذه الأدعية التي هي من أسباب حسن الخاتمة، وعليه أن يكثر من " لا حول ولا قوة إلا بالله " فعن عبد الله بن قيس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، قال: " قل لا حول ولا قوة إلا بالله» (٥). ٤ - قصر الأمل من أسباب حسن الخاتمة، وطول الأمل ضد ذلك؛ لأن قصر الأمل يحث صاحبه على اغتنام الأوقات والأعمال الصالحة؛ ولهذا

стр. 445

أخذ النبي ﷺ بمنكبي عبد الله بن عمر ﵄ وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «خط النبي ﷺ خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: " هذا الإِنسان، وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين: في حب الدنيا وطول العمر» (٣). وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «يهرم ابن آدم وتشبّ منه اثنتان؛ الحرص على المال، والحرص على العمر» (٤). ٠ - فينبغي للمسلم أن لا يركن إلى الدنيا؛ فإنها متاع زائل، والله المستعان. ٥ - بغض المعاصي والابتعاد عنها من أسباب حسن الخاتمة، وضد ذلك حبها وإلفها. فينبغي للمسلم أن يبغض كل ما حرمه الله ورسوله ﷺ ؛ لأن الإِنسان إذا أصرَّ على المعاصي ومات على ذلك كان ذلك من أسباب سوء الخاتمة، وبعِثَ على ما مات عليه؛ ولهذا قال ﷺ : «من مات على شيء بعثه الله عليه» (٥). ٦ - الصبر عند المصائب من أسباب حسن الخاتمة، وضد ذلك الجزع أو الانتحار من أسباب سوء الخاتمة أسأل الله العفو والعافية لي ولأهل بيتي وجميع المسلمين، فينبغي للمسلم الصبر ابتغاء وجه الله ، فعن صهيب

стр. 446

رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (١) ولا شك أن المصائب تكفر الخطايا والسيئات. فينبغي للعبد الصبر والثبات واحتساب الأجر والثواب على الله ، فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقَهَا» (٢) وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: «ما يصيب المؤمن من وصب (٣) ولا نصب (٤) ولا سقم، ولا حَزَنٍ، حتى الهمّ يهَمّه إلا كفِّر به من سيئاته» (٥). ٧ - حسن الظن بالله من أسباب حسن الخاتمة، وسوء الظن بالله من أسباب سوء الخاتمة، فينبغي للعبد أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم الناس شيئا، وهو عند ظن عبده به؛ قال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني». . " (٦). وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» (٧). ٨ - معرفة ما أعده الله من النعيم المقيم للمؤمنين، من أسباب حسن

стр. 447

الخاتمة؛ لأن هذا العلم يحث على العمل، والاستقامة على طاعة الله ، رغبة فيما عنده من الثواب؛ قال الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (١). فينبغي للمسلم أن يعلم أن مستقر أرواح المؤمنين في الحياة البرزخية في الجنة، فعن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب أن رسول الله ﷺ قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (٢) أما أرواح الشهداء فهي أعظم من ذلك، فقد ثبت في الصحيح أن: «أرواحهم في جوف طير خضرٍ، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل». . " (٣). فينبغي للداعية أن يبين للناس هذه الأمور حتى يحذِّرهم ويرغِّبهم، ويدلّهم على طرق حسن الخاتمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن لنا جميعا الخاتمة وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه. تاسعا: عِظَم يقين الصحابة ﵃ بما يخبر به رسول الله ﷺ : دل حديث سهل بن سعد ﵁ على عظم يقين الصحابة ﵃ بصدق رسول الله ﷺ فيما يخبر به؛ ولهذا عندما سمع الصحابة ﵃ قول النبي ﷺ للرجل: «إنه من أهل النار " قال رجل منهم أنا صاحبه، فخرج معه كلما وقف وقف معه؛ لعلمه أن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقّا وصدقا؛ وقد جاء في الرواية الأخرى أن هذا الصحابي ﵁ عندما رأى أن الرجل قتل نفسه جاء

стр. 448

إلى النبي ﷺ مسرعا فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: " وما ذاك؟ " قال: قلت لفلان: " من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه " وكان أعظمنا غناء عن المسلمين " فعرفت أنه لا يموت على ذلك» (١) فقول الصحابي ﵁ " فعرفت أنه لا يموت على ذلك " يدل دلالة واضحة على يقينه بما قال النبي ﷺ وأن هذا الرجل لا يموت على الإِخلاص لله . فينبغي للداعية إلى الله- وكل مسلم- أن يتصف باليقين الكامل في كل ما صح عن رسول الله ﷺ . عاشرا: قد يؤيد الله الإسلام بالمدعو الفاجر: إن الله قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وقد جاء ذلك صريحا من قول النبي ﷺ من رواية أبي هريرة ﵁ لهذا الحديث وفيها: ". . . «فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبيّ ﷺ بذلك فقال: " الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله " ثم أمر بلالا فنادى في الناس " إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " الله قد يؤيد دينه بالفاجر وفجوره على نفسه " (٣).

стр. 449

٧٨ - باب التَّحرِيض على الرمي ، وقَوْلِ الله تعالى ﴿وَأَعِدّوا لَهمْ مَا اسْتَطَعْتمْ مِنْ قوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ترْهِبونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدوَّكمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (١). [حديث ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا] ٧٤ - [٢٨٩٩] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنٍ أَبِي عبَيدٍ قَالَ: سَمِعْت سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ (٢) ﵁ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيّ ﷺ علَى نَفرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنتَضِلونَ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " ارْموا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكمْ كَانَ رَامِيا، ارْموا وَأَنَا مَعَ بَنِي فلَانٍ ". قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَد الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ : " مَا لَكمْ لَا تَرْمون؟ " قَالوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهمْ؛ قَالَ النَّبِيّ ﷺ : " ارْموا فأنا مَعَكمْ كلِّكمْ» (٣). وفي رواية: «خَرَجَ رَسول الله ﷺ علَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَنَاضلونَ بالسّوقِ. .» (٤). * شرح غريب الحديث: * " ينتضلون " أي يرتمون بالسهام، يقال: انتضل القوم، وتناضلوا: أي رموا للسبق، وناضله إذا رماه، وفلان يناضل عن فلان؛ إذا رمى عنه،

стр. 450

وحاجج، وتكلَّم بعذره، ودفع عنه (١). * " فأمسك أحد الفريقين بأيديهم " أي تركوا الرمي وامتنعوا عنه (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الإِعداد للجهاد والحض عليه. ٢ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٣ - من صفات الداعية: حسن الخلق. ٤ - حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ . ٥ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. أولا: من موضوعات الدعوة: الإعداد للجهاد والحض عليه: إن من الموضوعات المهمة: الإِعداد للجهاد في سبيل الله والحض عليه، وتدريب المجاهدين على الأعمال القتالية في وقت السلم: كالتدريب على الرمي، وغيره من الوسائل الحديثة: كالدبابات، والمدرعات، والطائرات، والسفن الحربية، وغير ذلك من أنواع القوة، التي أمر الله بها؛ ولهذا أمر ﷺ أصحابه في هذا الحديث تدريبا لهم وتعليما فقال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا». وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» (٣) والقوة كل ما يحتاج إليه المجاهدون في إهلاك عدوهم، إلا أنه لما كان الرمي أنكاها على العدو وأنفعها، فسرها ﷺ

стр. 451

وخصصها بالذكر، وأكدها ثلاثا؛ لأن النكاية بالسهام تبلغ العدو من الشجاع وغيره، بخلاف السيف والرمح؛ فإن النكاية لا تحصل بهما إلا من الشجعان الممارسين، وليس كل أحد كذلك، والرمي قد يحصل به إصابة رئيس الكتيبة فينهزم أصحابه، إلى غير ذلك مما يحصل في الرمي من الفوائد (١). فينبغي أن يعتني المسلمون بالإِعداد للجهاد في سبيل الله (٢). ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: دل هذا الحديث على أن الشجاعة صفة حميدة ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ؛ ولهذا، ذكر النبي ﷺ أن إسماعيل ﷺ كان راميا، وهذا يدل على شجاعته، ومعرفته بأمور الحرب (٣) عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم (٤). ثالثا: من صفات الداعية: حسن الخلق: ظهر في هذا الحديث حسن خلق النبي ﷺ ، وتواضعه مع أصحابه، ومشاركته معهم في الرمي، وتشجيعهم على ذلك؛ ولهذا قال ﷺ : «ارموا وأنا مع آل فلان» فلما رأى أن الفريق الثاني تأثروا رغبة منهم في اشتراك النبي ﷺ معهم في الرمي قال ﷺ : «ارموا وأنا معكم كلكم» والمعنى: معية القصد إلى الخير وإصلاح النية (٥). قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: " وفيه حسن خلق النبي ﷺ ومعرفته بأمور الحرب " (٦). فيحسن لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله الاتصاف بالخلق الحسن والله المستعان (٧).

стр. 452

رابعا: حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ : في هذا الحديث الدلالة الواضحة على أدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ؛ ولهذا أمسكوا عن الرمي؛ لكون الرسول ﷺ مع الفريق الآخر، خشية أن يغلبوهم، فيكون النبي ﷺ مع من وقعت عليه الغلبة، فأمسكوا عن ذلك تأدبا معه ﷺ ، وقد يكون إمساكهم؛ لعلمهم أن من كان معه الرسول ﷺ ، فإن قلبه يقوى فينتصر؛ لأن ذلك من أعظم الوجوه المشعرة بالنصر (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ " (٢). خامسا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: إن القدوة الحسنة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ؛ لأن النبي ﷺ مدح إسماعيل ﷺ ؛ لكونه راميا، وهذا فيه إشارة إلى الاقتداء به في المحافظة على الرمي، والاقتداء بالآباء في الخصال المحمودة والعمل بمثلها (٣)؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه أن الجد الأعلى يسمى أبا، وفيه التنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله، وتطييب قلوب من هم دونه " (٤). فينبغي للداعية أن يكون قدوة صالحة للمدعوين، ويرشد إلى أعمال الأنبياء والصالحين؛ ليقتدى بهم (٥).

стр. 453

[حديث إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل] ٧٥ - [٢٩٠٠] حَدَّثَنَا أَبو نعْيم: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الغَسِيلِ (١) عَنْ حمْزَةَ بْنِ أَبِي أسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ (٢) قَالَ: «قَالَ النَّبِيّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لقرَيْشٍ وَصَفّوا لَنَا: " إِذا أَكْثَبوكم فَعَلَيْكمْ بِالنَّبْلِ» (٣). وفي رواية: «إِذَا أَكْثَبوكمْ فَارْموهمْ وَاسْتَبْقوا نَبْلَكمْ» (٤). وفي رواية: «إِذَا أَكْثَبوكمْ: يَعْنِي: أكثَروكمْ. .» (٥). * شرح غريب الحديث: * " أكثبوكم " أي إذا قربوا منكم، والكثب القرب (٦) أما رواية يعني «أكثروكم» فقال الحافظ ابن حجر ﵀: " هو تفسير لا يعرفه أهل اللغة وكأنه من بعض رواته " أي الحديث. (٧). * " النبل " السهام العربية لا واحد لها من لفظها، فلا يقال: نبلة، وإنما يقال: سهم ونشَّابة (٨).

стр. 454

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِعداد للجهاد في سبيل الله . ٢ - من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه. والحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد في سبيل الله : ظهر في هذا الحديث التحريض على الرمي والإِعداد للجهاد بأي وسيلة من وسائله، سواء كان ذلك بالسهام كما في العصور السابقة العظيمة، أو بالرصاص والقذائف النارية، والقنابل اليدوية كما في هذا العصر؛ لأن الرمي أحد عناصر القوة التي أمرنا الله بإعدادها، ويفسر في كل عصر بحسبه، وما وجد فيه من عناصر القوة بقدر الاستطاعة؛ ولهذا ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: " باب التحريض على الرمي " (١). فينبغي الإِعداد للجهاد وحث المسلمين عليه (٢). ثانيا: من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه: دل قوله ﷺ في هذا الحديث: «إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم» على أنه ينبغي للمجاهد والداعية أن يضع كل شيء في موضعه المناسب؛ لأن معنى الحديث: الأمر بترك الرمي حتى يقرب العدو؛ لأنهم إذا رموا على بعد قد لا تصل إليهم السهام ولا تصيبهم، فتضيع دون فائدة، وإلى هذا أشار بقوله ﷺ : «واستبقوا نبلكم» والمراد بالقرب المطلوب في الرمي: قرب نسبي بحيث تصل إليهم السهام وتصيبهم، وليس المراد بالقرب التلاحم الذي لا ينفع فيه

стр. 455

إلا السيوف. وهذا كله يدل على استعمال السلاح المناسب في الوقت المناسب؛ من أجل المحافظة على القوة وعدم تضييعها في غير منفعة (١). فينبغي للداعية إلى الله أن يضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان (٢).

стр. 456

٧٩ - باب اللَّهوِ بالحِرَابِ وَنَحوِهَا [حديث بينا الحبشة يلعبون عند النبي] ٧٦ - [٢٩٠١] حَدَّثَنَا إِبْراهِيم بْن موسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَام، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المسيِّبِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (١) ﵁، قَالَ: «بَيْنَا الحَبَشَة يَلْعَبونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، دَخَلَ عمَر فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاء فَحَصَبَهمْ بِهَا، فَقَالَ: " دَعْهمْ يَا عمَر». وَزَادَ عَليّ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ: أَخبرنا معْمر «في المسجدِ» (٢). * شرح غريب الحديث: * " الحصباء ": الحصى الصغار (٣). * " فحصبهم ": رماهم بالحصباء (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: تدريب المجاهدين والإِعداد للجهاد في سبيل الله . ٢ - من ميادين الدعوة: المسجد. ٣ - من صفات الداعية: الرفق. ٤ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: تدريب المجاهدين والإعداد للجهاد في سبيل الله : دل هذا الحديث على أن الإِعداد للجهاد والتحريض عليه من الأمور المهمة؛ ولهذا لم ينكر ﷺ على الحبشة حينما لعبوا في المسجد بالحراب؛ لأن ذلك من باب التدريب على الجهاد، والإِعداد له؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " واللعب

стр. 457

بالحراب ليس لعبا مجردا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدوِّ " (١) وقال ﵀: " واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه، واستنبط منه جواز المثاقفة؛ (٢) لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب " (٣). فينبغي إعداد العدَد، والعدد، والتدريب على أمور الجهاد، وأخذ الأهبة والحذر، والله الموفق (٤). ثانيا: من ميادين الدعوة: المسجد: دل هذا الحديث على أن المسجد ميدان من ميادين الدعوة إلى الله ، ولهذا أقر النبي ﷺ الحبشة على التدرب على الجهاد في سبيل الله ، وأنكر ﷺ على عمر ﵁ حصبهم بالحصباء؛ لأن اللعب بالحراب من أجل الجهاد عبادة لله ؛ وقد ذكر الإِمام السيوطي ﵀: " أن لعب الحبشة كان بالسلاح واللعب بالسلاح مندوب إليه للقوة على الجهاد، فصار ذلك من القرب، كإقراء علم، وتسبيح، وغير ذلك " (٥) وهذا ظاهر واضح؛ لأن كل فعل مباح قصِدَ به وجه الله والدار الآخرة يكون طاعة لله ، (٦) ورجَّح الإِمام عبد الله بن أبي جمرة أن لعب الحبشة في المسجد كان " للضرورة لضيق المدينة وضيق البيوت، ولعب الثقاف لا بد منه في وقتهم ذلك؛ لضرورة التدريب للقتال، فإذا كانت ضرورة مثل هذه جاز وإلا فلا " (٧) وهذا هو الأولى، أن يكون التدريب على السلاح والرمي والكر والفر في ميادين خاصة، تعدَّ لتدريب المجاهدين إلا إذا اضطر الناس إلى تدريب المجاهدين في المسجد. والله الموفق للصواب.

стр. 458

ولا شك أن المسجد ميدان عظيم من ميادين الدعوة إلى الله ، فينبغي للدعاة إلى الله أن يجعلوه ميدانا: للمحاضرات العلمية، والندوات، والخطب، والكلمات الوعظية، وإقامة الدروس، وتعليم الناس أمور دينهم، كما كان رسول الله ﷺ يفعل وصحابته من بعده، ومن سار على نهجهم واقتدى بهديهم (١). ثالثا: من صفات الداعية: الرفق: دل هذا الحديث على صفة الرفق؛ لأن النبي ﷺ رفق في نهيه لعمر ﵁ حينما حصب الحبشة بالحصباء، فقال ﷺ له: «دعهم يا عمر» وهذا يدل على رفق النبي ﷺ ولينه الحكيم؛ قال الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢) فظهر من هذه الآية أن حقيقة الرفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر، وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإِسراع بالغضب والعنف (٣) وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (٤). وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (٥) وعنها ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير» (٦) وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: «إنه من أعطي

стр. 459

حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار: يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١). فينبغي للداعية إلى الله أن يكون رفيقا في دعوته وفي جميع أموره. رابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة: دل الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة والتقوى؛ لأن المعصوم من عصمه الله ؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ على عمر بن الخطاب ﵁ فعله مع الحبشة في المسجد فقال له: " دعهم يا عمر " ويحتمل أن عمر ﵁ لم ير رسول الله ﷺ ولم يعلم أنه رآهم، أو ظن أنه رآهم واستحيا أن يمنعهم (٢) وهذا أولى؛ لقوله في الحديث " وهم يلعبون عند رسول الله ﷺ " قال ابن حجر ﵀: " وهذا لا يمنع الاحتمال المذكور أولا، ويحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدته في الدين ينكر خلاف الأولى والجد في الجملة أولى من اللعب المباح " (٣). ولا شك ولا ريب أن الداعية العظيم - غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - قد يحتاج إلى التوجيه ممن هو فوقه من الدعاة والعلماء، وقد ينكِر عليه أيضا من هو دونه في العلم فلا حرج في ذلك وينبغي للدعاة أن ينصح بعضهم بعضا، ويقبلوا النصيحة والتوجيه والحق ممن جاء به؛ قال النبي ﷺ : «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته (٤) ويحوطه من ورائه» (٥) والله المستعان (٦).

стр. 460

٨٠ - باب المِجَنِّ ومَن يتَتَرَّس بترس صاحبه [حديث كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله] ٧٧ - [٢٩٠٤] حَدَّثَنَا عَليّ بْن عبد الله: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَمرو، عَن الزهري، عَنْ مَالِكِ بْن أَوسِ بْنِ الحَدثَانِ (١) عَنْ عمَر (٢) ﵁ قَالَ: «كَانَتْ أَمْوال بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَى رَسولِهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يوجِفِ المسْلِمونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَاب، فَكَانَتْ لِرَسولِ اللهِ ﷺ خَاصَّة، وَكَانَ ينْفِق عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثمَّ يَجْعَل ما بقِيَ فِي السِّلاحِ وَالْكرَاعِ عدَّة فِي سَبِيلِ اللهِ» (٣). وفي رواية: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن محَمّدٍ الفَرَوِيّ: حَدَّثَنَا مَالِك بْن أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِك بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثانِ - وَكَانَ محَمَّد بْن جبَيْرٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ، فَانْطَلَقْت حَتَّى أَدْخلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلته عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ- فَقَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا جَالِس فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهار، إِذَا رَسول عمَرَ بْنِ الخَطَّاب يَأْتِينِي فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ، فَانْطَلَقْت مَعَه حَتَّى أَدخلَ عَلَى عمَرَ، فَإِذَا هوَ جَالِس عَلَى رمَالِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَه وَبَيْنَه فِراش، متكئ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ. فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ثمَّ جَلَسْت، فَقَالَ: يَا مَالِك، إِنَّه قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْل أَبْيَاتٍ، وَقَدْ أَمَرْت فِيهِمْ بِرَضْخٍ، فَاقْبِضه، فَاقْسِمْه بَيْنَهمْ، فَقلْت:
следующие страницы →