← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٧٩ - باب اللَّهوِ بالحِرَابِ وَنَحوِهَا [حديث بينا الحبشة يلعبون عند النبي] ٧٦ - [٢٩٠١] حَدَّثَنَا إِبْراهِيم بْن موسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَام، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المسيِّبِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (١) ﵁، قَالَ: «بَيْنَا الحَبَشَة يَلْعَبونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، دَخَلَ عمَر فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاء فَحَصَبَهمْ بِهَا، فَقَالَ: " دَعْهمْ يَا عمَر». وَزَادَ عَليّ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ: أَخبرنا معْمر «في المسجدِ» (٢). * شرح غريب الحديث: * " الحصباء ": الحصى الصغار (٣). * " فحصبهم ": رماهم بالحصباء (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: تدريب المجاهدين والإِعداد للجهاد في سبيل الله . ٢ - من ميادين الدعوة: المسجد. ٣ - من صفات الداعية: الرفق. ٤ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: تدريب المجاهدين والإعداد للجهاد في سبيل الله : دل هذا الحديث على أن الإِعداد للجهاد والتحريض عليه من الأمور المهمة؛ ولهذا لم ينكر ﷺ على الحبشة حينما لعبوا في المسجد بالحراب؛ لأن ذلك من باب التدريب على الجهاد، والإِعداد له؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " واللعب

стр. 457

بالحراب ليس لعبا مجردا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدوِّ " (١) وقال ﵀: " واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه، واستنبط منه جواز المثاقفة؛ (٢) لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب " (٣). فينبغي إعداد العدَد، والعدد، والتدريب على أمور الجهاد، وأخذ الأهبة والحذر، والله الموفق (٤). ثانيا: من ميادين الدعوة: المسجد: دل هذا الحديث على أن المسجد ميدان من ميادين الدعوة إلى الله ، ولهذا أقر النبي ﷺ الحبشة على التدرب على الجهاد في سبيل الله ، وأنكر ﷺ على عمر ﵁ حصبهم بالحصباء؛ لأن اللعب بالحراب من أجل الجهاد عبادة لله ؛ وقد ذكر الإِمام السيوطي ﵀: " أن لعب الحبشة كان بالسلاح واللعب بالسلاح مندوب إليه للقوة على الجهاد، فصار ذلك من القرب، كإقراء علم، وتسبيح، وغير ذلك " (٥) وهذا ظاهر واضح؛ لأن كل فعل مباح قصِدَ به وجه الله والدار الآخرة يكون طاعة لله ، (٦) ورجَّح الإِمام عبد الله بن أبي جمرة أن لعب الحبشة في المسجد كان " للضرورة لضيق المدينة وضيق البيوت، ولعب الثقاف لا بد منه في وقتهم ذلك؛ لضرورة التدريب للقتال، فإذا كانت ضرورة مثل هذه جاز وإلا فلا " (٧) وهذا هو الأولى، أن يكون التدريب على السلاح والرمي والكر والفر في ميادين خاصة، تعدَّ لتدريب المجاهدين إلا إذا اضطر الناس إلى تدريب المجاهدين في المسجد. والله الموفق للصواب.

стр. 458

ولا شك أن المسجد ميدان عظيم من ميادين الدعوة إلى الله ، فينبغي للدعاة إلى الله أن يجعلوه ميدانا: للمحاضرات العلمية، والندوات، والخطب، والكلمات الوعظية، وإقامة الدروس، وتعليم الناس أمور دينهم، كما كان رسول الله ﷺ يفعل وصحابته من بعده، ومن سار على نهجهم واقتدى بهديهم (١). ثالثا: من صفات الداعية: الرفق: دل هذا الحديث على صفة الرفق؛ لأن النبي ﷺ رفق في نهيه لعمر ﵁ حينما حصب الحبشة بالحصباء، فقال ﷺ له: «دعهم يا عمر» وهذا يدل على رفق النبي ﷺ ولينه الحكيم؛ قال الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢) فظهر من هذه الآية أن حقيقة الرفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر، وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإِسراع بالغضب والعنف (٣) وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (٤). وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (٥) وعنها ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير» (٦) وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: «إنه من أعطي

стр. 459

حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار: يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١). فينبغي للداعية إلى الله أن يكون رفيقا في دعوته وفي جميع أموره. رابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة: دل الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة والتقوى؛ لأن المعصوم من عصمه الله ؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ على عمر بن الخطاب ﵁ فعله مع الحبشة في المسجد فقال له: " دعهم يا عمر " ويحتمل أن عمر ﵁ لم ير رسول الله ﷺ ولم يعلم أنه رآهم، أو ظن أنه رآهم واستحيا أن يمنعهم (٢) وهذا أولى؛ لقوله في الحديث " وهم يلعبون عند رسول الله ﷺ " قال ابن حجر ﵀: " وهذا لا يمنع الاحتمال المذكور أولا، ويحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدته في الدين ينكر خلاف الأولى والجد في الجملة أولى من اللعب المباح " (٣). ولا شك ولا ريب أن الداعية العظيم - غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - قد يحتاج إلى التوجيه ممن هو فوقه من الدعاة والعلماء، وقد ينكِر عليه أيضا من هو دونه في العلم فلا حرج في ذلك وينبغي للدعاة أن ينصح بعضهم بعضا، ويقبلوا النصيحة والتوجيه والحق ممن جاء به؛ قال النبي ﷺ : «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته (٤) ويحوطه من ورائه» (٥) والله المستعان (٦).

стр. 460

٨٠ - باب المِجَنِّ ومَن يتَتَرَّس بترس صاحبه [حديث كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله] ٧٧ - [٢٩٠٤] حَدَّثَنَا عَليّ بْن عبد الله: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَمرو، عَن الزهري، عَنْ مَالِكِ بْن أَوسِ بْنِ الحَدثَانِ (١) عَنْ عمَر (٢) ﵁ قَالَ: «كَانَتْ أَمْوال بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَى رَسولِهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يوجِفِ المسْلِمونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَاب، فَكَانَتْ لِرَسولِ اللهِ ﷺ خَاصَّة، وَكَانَ ينْفِق عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثمَّ يَجْعَل ما بقِيَ فِي السِّلاحِ وَالْكرَاعِ عدَّة فِي سَبِيلِ اللهِ» (٣). وفي رواية: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن محَمّدٍ الفَرَوِيّ: حَدَّثَنَا مَالِك بْن أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِك بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثانِ - وَكَانَ محَمَّد بْن جبَيْرٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ، فَانْطَلَقْت حَتَّى أَدْخلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فَسَأَلته عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ- فَقَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا جَالِس فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهار، إِذَا رَسول عمَرَ بْنِ الخَطَّاب يَأْتِينِي فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ، فَانْطَلَقْت مَعَه حَتَّى أَدخلَ عَلَى عمَرَ، فَإِذَا هوَ جَالِس عَلَى رمَالِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَه وَبَيْنَه فِراش، متكئ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ. فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ثمَّ جَلَسْت، فَقَالَ: يَا مَالِك، إِنَّه قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْل أَبْيَاتٍ، وَقَدْ أَمَرْت فِيهِمْ بِرَضْخٍ، فَاقْبِضه، فَاقْسِمْه بَيْنَهمْ، فَقلْت:

стр. 461

يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ لَه غَيْري؟ قَالَ: فَاقْبِضْه أَيّهَا المَرْء، فَبَيْنَمَا أنا جَالِس عِنْدَه أتاه حَاجِبه يَرْفَأ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عثْمَانَ وَعبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ والزّبَيْرِ، وَسْعدِ بْنِ أَبِي وقَاصٍ يَسْتأْذنونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهمْ، فَدَخَلوا، فَسَلَّموا وَجَلَسوا. ثمَّ جَلَسَ يَرْفأ يَسِيرا، ثمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَليٍّ (١) وعبَّاس (٢)؟ قَالَ: نَعم، فَأَذنَ لَهمَا، فَدَخَلا، فَسَلَّمَا فَجَلَسَا فَقَالَ عَباس: يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ، اقْضِ بَينِي وَبَيْن هَذَا - وَهمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسولِهِ ﷺ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ- فَقَالَ الرَّهْط - عثْمَان وَأَصْحَابه- يَا أَمِيرَ الْمؤمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهمَا وَأَرِحْ أَحَدَهمَا مِنَ الآخَرِ. فَقَال عمَر: تَيْدَكمْ؛ أنشدكمْ باللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقوم السَّمَاء وَالأَرْض، هَلْ تَعْلَمونَ أَن رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لَا نورَث، مَا تَرَكْنَا صَدَقة؟ " يريد رَسول اللهِ ﷺ نَفْسَه؛ قَالَ الرَّهْط: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عمَر عَلَى عَلِيٍّ وَعَبّاسٍ فَقَالَ: أَنشدكمَا اللهَ أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ؛ قَال عمَر: فَإِنِّي أحدِّثكمْ عَنْ هَذَا الأَمْر: إِنَّ اللهَ قَدْ خَصَّ رَسولَه ﷺ فِي هَذَا الْفَيءِ بشَيْءٍ لَمْ يعْطهِ أَحَدا غَيْرَه. ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَة لِرَسولِ اللهِ ﷺ ، والله مَا احْتازَهَا دونَكمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكمْ، قَدْ أَعْطَاكموه وَبَثَّهَا فِيكمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَال، فَكَانَ رَسول اللهِ ﷺ ينفِق عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثمَّ يَأْخذ مَا تقِيَ فَيَجْعَله مَجْعَلَ مَالِ اللهِ. فَعَمِلَ رَسول اللهِ ﷺ بِذَلِكَ حَيَاتَه. أَنشدكمْ بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمونَ ذَلِكَ؟ قَالوا: نَعَمْ. ثمَّ قَالَ لِعَليٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشدكمَا اللهَ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؛ قَالَ عمَر: ثمَّ تَوَفَّى الله نَبيَّه ﷺ فَقَالَ أَبو بَكْرٍ: أَنَا وَليّ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَقَبَضَهَا أَبو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسول اللهِ ﷺ ، والله يَعْلم إِنَّه فِيهَا لَصَادِق بَارّ رَاشد تَابع لِلْحَقِ. ثمَّ تَوَفَّى الله أَبَا بَكْرٍ، فَكنْت أنا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتهَا سَنَتَين مِن إِمَارَتي أَعْمَل فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسول اللهِ ﷺ وَمَا عَمِلَ فِيهَا أَبو بَكْرٍ،

стр. 462

وَالله يَعْلَم إِنِّي فِيهَا لَصَادِق بَارّ رَاشد تَابع لِلْحَقِ. ثم جِئْتمَانِي تكَلِّمَانِي، وَكَلِمَتكمَا وَاحِدَة وَأمركمَا وَاحِد، جِئْتَنِي يَا عَبَّاس تَسْألنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، وَجَاءَنِي هَذَا- يرِيد عَليّا - يرِيد نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا. فَقلْت لَكمَا: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لَا نورَث، مَا تَرَكْنَا صَدَقَة ". فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَه إِليْكمَا قلْت: إِنْ شِئتمَا دَفَعْتهَا إِليْكمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكمَا عَهْدَ اللهِ ومِيثَاقَه لتَعْمَلاَنِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسول اللهِ ﷺ وبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبو بَكْرٍ، وبِمَا عَمِلت فِيهَا منْذ وَليْتهَا. فَقلْتمَا: ادْفعهَا إِلَيْنَا، فَبِذَلِكَ دَفَعْتهَا إِلَيْكمَا. فَأَنشدكمْ بِاللهِ هَلْ دَفَعْتها إِلَيْهمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْط: نَعَمْ. ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبّاسٍ فَقَالَ: أَنشدكمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتها إِلَيْكمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلْتَمسَانِ مِنِّي قَضاء غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَوَاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقوم السَّمَاء وَالأَرْض، لَا أَقْضي فِيهَا قَضاء غَيْرَ ذَلِكَ؛ فإِنْ عَجَزْتمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فإِنِّي أَكْفِيكمَاهَا» (١). وفي رواية: «اتَّئِدوا أَنشدكمْ بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقوم السَّمَاء وَالأَرْض. .» (٢). وفي رواية: «أن النبي ﷺ كانَ يَبيع نَخْلَ بَنِي النَّضيرِ، ويَحْبس لأَهْلِهِ قوتَ سَنَتِهِمْ» (٣). * شرح غريب الحديث: * " أفاء الله على رسوله " الفيء: هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. وأصل الفيء: الرجوع من جهة إلى جهة، أو من مفارقة إلى موافقة (٤). * " يوجف " الإِيجاف سرعة السير، يقال: أوجف دابته يوجفها إيجافا،

стр. 463

إذا حثها، ويقال: أوجف في الشيء: اجتهد وأسرع (١). * " الكراع " اسم يجمع أنواع الخيل (٢). * " متع النهار " أي طال وامتدَّ وتعالى (٣). * " رمَالِ سرير " الرّمال: ما رمل: أي نسِجَ من حصير وغيره، يقال: رمل الحصير وأرمله فهو مرمول، ومرْمَل، كأنه أراد أنه لم يكن تحته فراش، ولا حائل دون الحصير (٤). * " من أدَم " جمع أَدِيم: وهو الجلد (٥). * " برضخ " الرضخ: العطية القليلة (٦). * " يرفأ " يقال: رفوت الرجل ورفأته: إذا سكنته، ويقال: يرفؤه: يسكنه ويلين له القول، ويترضاه (٧). * " تيدكم ": أي على رسلكم، وهو التّؤَدة، كأنه قال: الزمو تؤَدَتكم، وكذلك قوله: " اتئدوا " أمر بالتؤدة والتأني (٨). * " أنشدكم بالله " أي أسألكم بالله (٩).

стр. 464

* " ما احتازها دونكم " أي ما امتلكها ولا ضمها إلى نفسه (١). * " بثها فيكم " أي أشاعها ونشرها (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: إعداد العدد للجهاد في سبيل الله . ٢ - الادخار لا ينافي التوكل على الله . ٣ - من صفات الداعية: الزهد. ٤ - أهمية الحرص على طلب الحديث وتحصيله من مصادره الأصلية. ٥ - من وسائل الدعوة: أن يتولى أمر كل قبيلة كبيرهم الصالح. ٦ - أهمية الشفاعة الحسنة في الدعوة إلى الله . ٧ - من أساليب الدعوة: الحوار. ٨ - من أساليب الدعوة: استشهاد من حضر لتقوى الحجة. ٩ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة. ١٠ - من صفات الداعية: عدم الحرص على الإِمارة والعلوِّ في الأرض والجاه. ١١ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية. ١٢ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ١٣ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصاراَ للحق. ١٤ - لا ينكر أن يغيب عن العالم أو الداعية بعض العلم. ١٥ - أهمية العمل بمقتضى الدليل الشرعي. ١٦ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 465

أولا: من موضوعات الدعوة: إعداد العدد للجهاد في سبيل الله : دل هذا الحديث على أن الإِعداد للجهاد والحث عليه من موضوعات الدعوة إلى الله ؛ ولهذا كان النبي ينفق على أهله نفقة سنته مما أفاءَ الله عليه مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله (١). وهذا يبين للمسلمين اهتمام النبي ﷺ في إعداد العدَد والتأهب للجهاد في سبيل الله (٢). ثانيا: الادخار لا ينافي التوكل على الله : ظهر في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ «كان ينفق على أهله نفقة سنتهِ ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله» وفي الرواية الأخرى: «كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم» وهذا يدل على أن الادخار لا ينافي التوكل على الله ؛ لأن سيد المتوكلين ﷺ ادخر كما في هذا الحديث؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه جواز الادخار خلافا لقول من أنكره من متشدِّدي المتزهدين، وأن ذلك لا ينافي التوكل " (٣) ولا شك أن هذا من عمل الأسباب المشروعة التي لا تنافي التوكل (٤). ثالثا: من صفات الداعية: الزهد: ظهر في هذا الحديث زهد النبي ﷺ ؛ ولهذا كان ﷺ يجعل ما بقي بعد نفقة أهله سنتهِ، في السلاح والكراع عدة في سبيل الله ، وظهر في الحديث أيضا زهد عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين ﵁، فقد جاءه مالك بن أوس بن الحدثان وهو جالس على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش وهو متكئ على وسادة من جلد. وهذا يبين للدعاة إلى الله عظم زهد النبي ﷺ وأصحابه

стр. 466

رضي الله عنهم؛ لأنهم قد علموا أن الدنيا وما فيها متاع زائل؛ ولهذا قال سهل بن سعد: قال رسول الله ﷺ : «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (١). فينبغي للداعية أن يكون زاهدا في الدنيا كما زهد أهل العلم والإِيمان (٢)؛ لأن الزهد في الحقيقة ليس من شرطه خروج المال عن اليد؛ وإنما خروج المال عن القلب، وأن لا يتعلق به، وأن يصرف فيما يرضي الرب (٣). رابعا: أهمية الحرص على طلب الحديث وتحصيله من مصادره الأصلية: دل فعل ابن شهاب ﵀ في عدم اعتماده على ما ذكر له محمد بن جبير عن مالك بن أوس، بل ذهب بنفسه حتى أخذ الحديث من مصدره الأصلي، فسمعه من مالك بن أوس عن عمر؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي صنيع ابن شهاب ذلك أصل في طلب علوِّ الإِسناد؛ لأنه لم يقتنع بالحديث عنه، حتى دخل عليه؛ ليشافهه به، وفيه حرص ابن شهاب على طلب الحديث وتحصيله " (٤). فينبغي للداعية أن يحرص على أخذ العلم وخاصة علم الكتاب والسنة من المصادر الأصلية المعتمدة عند العلماء، حتى يكون علمه صحيحا موثقا. خامسا: من وسائل الدعوة: أن يتولى أمر كل قبيلة كبيرهم الصالح: ظهر في هذا الحديث أن من وسائل الدعوة إلى الله أنه ينبغي أن يولَّى أمر كل قبيلة سيدهم الصالح، وتفوض إليه مصالحهم؛ لأنه أعرف بهم، وأرفق بهم، وفي الغالب أنهم ينقادون له، ويقبلون دعوته، وتوجيهاته، ولهذا قال عمر ﵁ في هذا الحديث لمالك بن أوس: " يا مالك إنه قد قدم

стр. 467

علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ فاقبضه، فاقسمه بينهم "، قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي حديث عمر أنه يجب أن يتولى أمر كل قبيلة كبيرهم؛ لأنه أعرف باستحقاق كل رجل منهم " (١). فينبغي أن يولىّ على القبائل ساداتهم، الذين قد عرِفوا بالصلاح وسداد الرأي. سادسا: أهمية الشفاعة الحسنة في الدعوة إلى الله : دل هذا الحديث على أهمية الشفاعة الحسنة؛ لأن عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص ﵃ قالوا لعمر ﵁: " يا أمير المؤمنين اقضِ بينهما وأرح أحدهما من الآخر "، فقضى عمر ﵁ بين عباس وعلي ﵄ فحصل الصلح والخير، وهذا يبين أهمية الشفاعة الحسنة، وما يترتب عليها من المصالح (٢). فينبغي للداعية أن يشفع في كل ما فيه خير للإِسلام والمسلمين، حتى يحصل علي الثواب العظيم، قال الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] (٣). وقال ﷺ : «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (٤). سابعا: من أساليب الدعوة: الحوار: ظهر أسلوب الحوار في هذا الحديث؛ لأن عمر ﵁ استخدمه في الإِصلاح بين العباس وعلي ﵄، فأقبل على جميع الحاضرين، فسألهم بالله هل يعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة»؟ "، فقال الرهط: قد

стр. 468

قال ذلك. ثم أقبل عمر على عباس وعليّ فقال لهما مثل ما قال للرهط فقالا: قد قال ذلك. ثم لم يزل يحاورهما حتى أصلح الله بينهما. وهذا يدل على أهمية الحوار في الدعوة إلى الله (١). ثامنا: من أساليب الدعوة: استشهاد من حضر لتقوى الحجة: ظهر هذا الأسلوب في قول عمر بن الخطاب ﵁ لعثمان وأصحابه ﵃: «أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " لا نورث ما تركنا صدقة»؟ " فقالوا: قد قال ذلك. وكان العباس وعليّ يسمعان هذا الاستشهاد، ثم أقبل عمر ﵁ على الخصمين بعد أن أقام الحجة باستشهاد من حضر ". وهذا أسلوب نافع عند الحاجة إليه؛ قال الإِمام النووي ﵀: " وفيه استشهاد الإِمام على ما يقوله -بحضرة الخصمين- العدول؛ لتقوى حجته في إقامة الحق وقمع الخصم، والله أعلم " (٢). تاسعا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: دل هذا الحديث على أهمية الأدب مع العلماء والدعاة؛ ولهذا عندما دخل عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص ﵃ على أمير المؤمنين ﵁، سلموا وجلسوا، ولم يتكلَّموا؛ لأنهم رأوا أن أمير المؤمنين ﵁ غير مرتاح البال، وهذا من حسن الأدب مع العلماء والأئمة والدعاة؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ويؤخذ منه. . أن الأتباع إذا رأوا من الكبير انقباضا لم يفاتحوه حتى يفاتحهم بالكلام " (٣). وقال الوزير العالم ابن هبيرة ﵀: " وفيه. . ما يدل على أنه لما دخل عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد، فرأوا جِدَّ عمر لم يفاتحوه؛ وهكذا ينبغي لمن أراد أن يخاطب في أمر إذا رأى من مقدمات الحال ما يستدر به

стр. 469

على أن ليس لخطابه وجه، أن يمسك " (١). عاشرا: من صفات الداعية: عدم الحرص على الإمارة والعلوِّ في الأرض والجاه: لا شك أن في هذا الحديث الدلالة على أن من صفات الداعية المخلص: عدم حب العلوِّ في الأرض والجاه، وقد ظهر ذلك لمالك بن أوس عندما قال له عمر بن الخطاب ﵁: " يا مالك إنه قد قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ فاقبضه، فاقسمه بينهم، فقال مالك: يا أمير المؤمنين لو أمرت له غيري؛ فقال عمر ﵁: فاقبضه أيها المرء "، وهذا يدل على عدم رغبة مالك ﵁ في العلوِّ والجاه، ويدل أيضا على حكمته ولطف كلامه مع إمام المسلمين؛ ولهذا قال: " يا أمير المؤمنين لو أمرت له غيري؟ " قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه استعفاء المرء من الولاية، وسؤاله الإِمام ذلك بالرفق " (٢). فينبغي للداعية أن لا يرغب في الجاه ولا ينازع الأمر أهله، ولا يحب العلوَّ في الأرض؛ قال الله : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] (٣). وقد نهى النبي ﷺ عن طلب الإِمارة، فعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعِنْتَ عليها» (٤)؛ ولهذا قال ﷺ : «إنَّا والله لا نولِّي هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه» (٥) وعن أبي ذر ﵁ قال: «قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؛ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: " يا أبا ذر إنك ضعيف،

стр. 470

وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها» (١) ولكن لو صلحت النية وكان قصد الإِنسان نفع الإِسلام والمسلمين وعنده القدرة على ذلك، فلا حرج أن يقتدي بيوسف ﵊، قال الله : إخبارا عن سؤاله ذلك: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] (٢)؛ لأنه يريد الإِصلاح وهداية الناس وعنده القدرة على ذلك. الحادي عشر: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: دل الحديث على أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية على ما يقول الداعية؛ لما في ذلك من وقع في نفس المدعو؛ ولأنه أقرب لقبول ما يقول الداعية؛ ولهذا استدل عمر ﵁ على ما يقول بحديث وآية من كتاب الله ، فقال: «أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " لا نورث ما تركنا صدقة» ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] (٣) "، فبيَّن وجهة حكمه ﵁ ودليله من الكتاب والسنة (٤). الثاني عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: إن القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة؛ ولهذا أرشد عمر ﵁ العباس وعليّ بن أبي طالب ﵄ إلى الاقتداء بمن قبلهما، فذكر عمل النبي ﷺ في الفيء في حياته ثم قال: " أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ " ثم قال عمر ﵁: " ثم توفى الله نبيه ﷺ فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله، فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، والله يعلم إنه فيها لصادق، بارّ، راشد تابع للحق ". وهذا يدل على أهمية القدوة الحسنة في الدعوة إلى الله (٥).

стр. 471

الثالث عشر: من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق: ظهر من هذا الحديث أن ذكر الداعية بعض مناقبه، أو فضائله، أو ثنائه على عمله من أساليب الدعوة عند الحاجة لذلك وصلاح النية، إذا كان المدعو يستفيد من ذلك؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ للعباس وعلي بن أبي طالب: " ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا وليَّ أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم إني فيها لصادق بارّ، راشد، تابع للحق "؛ قال العلامة العيني ﵀: " وفيه أنه لا بأس أن يمدح الرجل نفسه ويطريها إذا قال الحق " (١). وهذا إذا كان في ذلك نفع للمدعو وإلا فيحذر الإِنسان من الإِعجاب بالنفس فإن ذلك من المهلكات، والله المستعان. الرابع عشر: لا ينكر أن يغيب عن العالم أو الداعية بعض العلم: لا شك أن علم البشر محدود، وقد فضل الله بعضهم على بعض، فقد يغيب عن بعض العلماء بعض المسائل ويعرفها الآخرون، ولهذا حصل ما حصل من بعض الصحابة ﵃ في ميراث رسول الله ﷺ ، ولكن أبا بكر وعمر وغيرهما كثير من الصحابة لم يغب عنهم ذلك وفقهوه حق الفقه والمعرفة؛ قال العلامة العيني ﵀: " وفيه أنه لا ينكر أن يخفى على الفقيه والعالم بعض الأمور مما علمه غيره " (٢). فينبغي للدعاة أن لا يتهموا أحدا من العلماء أو الدعاة إذا غابت عنهم بعض المسائل، وعليهم أن يسلكوا مسلك الصحابة ﵃. الخامس عشر: أهمية العمل بمقتضى الدليل الشرعي: دل عمل عمر بن الخطاب ﵁ على أنه إذا قام الدليل الشرعي لا يعدل إلى غيره بل يلزم العمل بمقتضاه؛ ولهذا قال عمر ﵁ في مسألة تركة النبي ﷺ :

стр. 472

" فتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك "، والمعنى غير قضاء النبي ﷺ وأبي بكر ﵁. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه أن الإِمام إذا قام عنده الدليل صار إليه وقضى بمقتضاه، ولم يحتج إلى أخذه من غيره " (١). السادس عشر: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: ظهر في هذا الحديث أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة على طاعة الله ؛ لأن العصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا حصل ما حصل بين علي والعباس ﵄ عن حسن قصد ورغبة في القيام بأداء الأمانة، فحاورهما عمر وأصلح الله به ما بينهما (٢) وهذا يدل على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة (٣).

стр. 473

[حديث ما رأيت النبي ﷺ يفدي رجلا بعد سعد] ٧٨ - [٢٩٠٥] حَدَّثَنَا مسَدَّد: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ سفيانَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْد بن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عبد الله بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَليٍّ. حَدَّثَنَا قَبِيصَة: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بْن شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْت عَلِيّا (١). ﵁ يَقول: «مَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يفَدِّي رَجلا بَعْدَ سَعْدٍ (٢) سَمِعْته يَقول: " ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأمِّي» (٣). وفي رواية: ". . «مَا سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ جمَعَ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ إلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمعْته يَقول يَوْمَ أحدٍ: " يَا سعد، ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأمِّي» (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 474

١ - من موضوعات الدعوة الحث على الرمي والترغيب فيه. ٢ - من أساليب الدعوة: الدعاء لمن فعل خيرا. ٣ - من صفات الداعية: الشجاعة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الرمي والترغيب فيه: دل هذا الحديث على الحث على الرمي؛ لأن النبي ﷺ أمر به سعد بن مالك فقال: «ارم فداك أبي وأمي»؛ قال الإمام النووي ﵀: ". . فيه فضيلة الرمي والحث عليه " (١). فينبغي العناية بالرمي وتعليمه للمجاهدين بالتدرب عليه استعدادا للجهاد في سبيل الله . (٢). ثانيا: من أساليب الدعوة: الدعاء لمن فعل خيرا: ظهر في هذا الحديث أن الدعاء لمن فعل خيرا- أو نفعا عاما أو خاصا- من أساليب الدعوة إلى الله ولهذا قال ﷺ لسعد: «ارم فداك أبي وأمي»، قال الإمام النووي ﵀: " وفيه فضيلة الرمي والحث عليه والدعاء لمن فعل خيرا " (٣). وقال الخطابي ﵀: " التفدية من النبي ﷺ دعاء، وأدعية النبي ﷺ خليق أن تكون مستجابة. . " (٤). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول عن هذا الدعاء: " فيه تشجيع للشجعان " (٥). أما قول علي بن أبي طالب ﵁: " ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك "، فهذا يحمل على نفي علم نفسه (٦). وإلا فقد ثبت عن

стр. 475

الزبير بن العوام ﵁ أنه قال: «جمع لي رسول الله ﷺ بين أبويه فقال: " فداك أبي وأمي» (١). قال النووي ﵀: " فيه جواز التفدية بالأبوين وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب ﵁ والحسن البصري ﵀، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقا؛ لأنه ليس فيه حقيقة فداء وإنما هو كلام وإلطاف وإعلام بمحبته له ومنزلته، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقا " (٢). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول في التفدية بالأبوين: " يجوز إذا كان الأبوان غير مسلمين، أما إذا كان الوالدان مسلمين فالتفدية بهما لغير النبي ﷺ تحتاج إلى نظر، والجمهور يرون أنه لا بأس به " (٣). ثالثا: من صفات الداعية: الشجاعة: دل مفهوم قوله ﷺ لسعد ﵁: «ارم فداك أبي وأمي»، على شجاعة سعد ﵁؛ لأنه دافع عن النبي ﷺ يوم أحد دفاعا عظيما، وحثه ﷺ على الاجتهاد في الرمي (٤). فينبغي أن يكون الداعية شجاعا: قلبيا وعقليا (٥).

стр. 476

٨٣ - باب حلية السيوف [حديث لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة] ٧٩ - [٢٩٠٩] حدثنا أحمد بن محمد: أخبرنا عبد الله: أخبرنا الأوزاعي قال: سمعت سليمان بن حبيب قال: سمعت أبا أمامة (١). يقول: " لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة، إنما كانت حليتهم العلابي والآنك والحديد ". * شرح غريب الحديث: * " العلابي " العصب، الواحد علباء، وكانت العرب تشد بالعلابي الرطبة أجفان سيوفها، فتجف عليها، وتشد بها الرماح إذا تصدعت فتيبس عليها وتقوى. والعلابي جمع علباء: وهو عصب في العنق يأخذ إلى الكاهل، وهما علباوان ويقال: علباآن، يمينا وشمالا، وما بينها منبت عرف الفرس (٢). * " الآنك " قيل: هو الرصاص الأبيض، وقيل: الأسود، وقيل هو الخالص منه (٣). وقال الحميدي ﵀: " الآنك أشد صلابة من الرصاص، وهو نوع منه، يزيد عليه بالصلابة وزيادة البياض، ويسمى في بعض البلاد: القصدير " (٤).

стр. 477

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: قوة الإيمان. ٢ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد بكل مباح يسبب إرهاب العدو. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: قوة الإيمان: دل هذا الحديث على قوة إيمان الصحابة ﵁ -م - ولهذا كانوا لا يعتنون بتجميل السيوف، وإنما كانوا يشدونها بالعصب؛ لعدم مبالاتهم بالعدو؛ ولثقتهم بالله وإيمانهم أن الله ينصر عباده المؤمنين، إذا اتقوا الله وأخذوا بالأسباب؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي هذا الحديث أن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الفضة والذهب أولى. وأجاب من أباحها بأن تحلية السيوف بالذهب والفضة إنما شرع لإرهاب العدو، وكان لأصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك غنية؛ لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم " (١). ﵁ -م وأرضاهم (٢). ثانيا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة؛ ولهذا أرشد أبو أمامة المجاهدين إلى الاقتداء بمن فتح الفتوح من أصحاب النبي ﷺ فقال: " لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة "، فأرشد ﵁ إلى الاقتداء بهم في قوله هذا (٣).

стр. 478

ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإعداد للجهاد بكل مباح يسبب إرهاب العدو: كان بعض السلف الصالح يحلون سيوفهم بالفضة وغيرها مما يسبب إرهاب العدو وإذلاله؛ ولهذا كان سبب ورود الحديث ما جاء عن سليمان بن حبيب قال: دخلنا على أبي أمامة فرأى في سيوفنا شيئا من حلية فضة، فغضب وقال: " لقد فتح الفتوح قوم ما كان حلية سيوفهم من الذهب ولا من الفضة، ولكن الآنك والحديد " (١). وذكر العلامة العيني ﵀: أن الحلية المباحة من الذهب والفضة في السيوف إنما كانت؛ ليرهب بها على العدو، فاستغنى الصحابة بشدتهم وقوتهم في إيمانهم في الإيقاع بهم والنكاية لهم. (٢). فينبغي إعداد العدد، والعدد، والحث على ذلك، واستخدام كل وسيلة مباحة ترهب أعداء الإسلام (٣).

стр. 479

٨٤ - باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة [حديث إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم] ٨٠ - [٢٩١٠] حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي وأبو سلمة بن عبد الرحمن: «أن جابر بن عبد الله (١) ﵄ أخبر أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله ﷺ تحت سمرة وعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: " إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله (ثلاثا) ". ولم يعاقبه، وجلس» (٢). وفي رواية: «كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ فجاء رجل من المشركين وسيف النبي معلق بالشجرة، فاخترطه فقال له: تخافني؟ فقال له: " لا ". قال: فمن يمنعك مني؟ قال: " الله " فتهدده أصحاب النبي ﷺ وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي ﷺ أربع وللقوم ركعتان»، وقال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: " اسم الرجل غورث بن الحارث. وقاتل فيها محارب خصفة " (٣). وفي رواية: «إن هذا اخترط سيفي فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فشام السيف، فها هو ذا جالس " ثم لم يعاقبه» (٤).

стр. 480

* شرح غريب الحديث: * " قفل " أي عاد من سفره، يقال قفل المسافر: إذا أخذ في الرجوع والانصراف (١). * " القائلة " نصف النهار. يقال: قال يقيل، وقائلة وقيلولة. فالقائلة الظهيرة، يقال: أتانا عند القائلة، وقد يكون بمعنى القيلولة: وهي النوم في الظهيرة. (٢). * " العضاه " شجر من شجر الشوك، كالطلح والعوسج، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عضة بالتاء (٣). * " سمرة " السمرة: نوع من شجر الطلح، والجمع: سمر بوزن رجل: وسمرات، وأسمر في جمع القلة (٤). * " اخترط " يقال: اخترط السيف: استخرجه من غمده (٥). * " صلتا " أي مسلولا من غمده ومهيئا للضرب به، يقال: أصلت السيف إذا جرده من غمده (٦). * " فشام السيف " أدخله في غمده، هذا معناه هنا في قصة الأعرابي مع النبي ﷺ . وهو من الأضداد: يقال: شامه يشيمه: إذا أغمده، ويقال: شامه: إذا سله أيضا (٧). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 481

١ - أهمية اجتماع المجاهدين والدعاة وعدم تفرقهم. ٢ - من صفات الداعية: قوة اليقين. ٣ - من صفات الداعية: العفو والصفح، ومقابلة السيئة بالحسنة. ٤ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٥ - من وظائف المدعو الصالح: حراسة الإمام المسلم والعالم العامل بعلمه. ٦ - أهمية تكرار لفظ الجلالة عند الاستغاثة والاستعانة. ٧ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري. ٨ - من معجزات النبي ﷺ : ثبات القلب وعدم الخوف والجزع. ٩ - من وسائل الدعوة: التطبيق العملي في التعليم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية اجتماع المجاهدين والدعاة وعدم تفرقهم: لا شك أن هذا الحديث يدل على جواز الانتشار للمجاهدين والدعاة أثناء النوم في السفر، ولكن الأحاديث يفسر بعضها بعضا؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن التفرق في السفر، فعن أبي ثعلبة الخشني قال: كان الناس إذا نزل رسول الله ﷺ منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ : «إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان»، فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمَّهم " (١). قال الإمام القرطبي ﵀ في فوائد حديث جابر وتفرق الصحابة ﵃ في الشجر: " وفيه جواز نوم المسافر إذا أمن على نفسه، وأما مع الخوف فالواجب التحرز والحذر " (٢). فينبغي للمجاهدين والدعاة إلى الله أن ينضم بعضهم إلى بعض أثناء النزول في السفر، ولا يضيق بعضهم على بعض بل الانضمام الذي يحصل به

стр. 482

التكاتف والتعاون بدون ضرر على أحد منهم (١). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله - يقول في فوائد حديث جابر ﵁: " الحديث يدل على جواز التفرق عند الحاجة، وهناك نصوص تدل على الحذر عند الحاجة " (٢). كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٣). ثانيا: من صفات الداعية: قوة اليقين: من المعلوم يقينا أن النبي ﷺ أعظم الخلق يقينا وثباتا، وتوكلا، ومراقبة لله باستحضار عظمته وقدرته، ونصرته لأوليائه؛ ولهذا لما قال له الأعرابي: من يمنعك مني؟ فقال: " الله "، وهذا يدل على يقينه الصادق وعلمه الكامل بالله . فينبغي لكل مسلم الاقتداء به ﷺ وخاصة الدعاة إلى الله (٤). ثالثا: من صفات الداعية: العفو والصفح، ومقابلة السيئة بالحسنة: دل هذا الحديث على أن العفو والصفح من أبرز الصفات الحميدة وأكثرها وأعظمها أثرا في نفس المدعو؛ ولهذا لم يعاقب النبي ﷺ الأعرابي: غورث بن الحارث على فعله القبيح، بل عفا عنه وصفح؛ لرغبته العظيمة في الاستئلاف؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " فمن عليه لشدة رغبة النبي ﷺ في استئلاف الكفار؛ ليدخلوا في الإسلام ولم يؤاخذه بما صنع بل عفا عنه " (٥). ولا شك أن هذا العفو قد أثر في حياة هذا الرجل، فقد قيل: إنه أسلم ورجع

стр. 483

إلى قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس، فاهتدى به خلق كثير (١). وهذا يؤكد أهمية العفو والصفح؛ قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٢) وقال : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] (٣). فينبغي للداعية أن يعفو ويصفح ويقابل السيئة بالحسنة، قال الله : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] (٤). وقال : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] (٥). رابعا: من صفات الداعية: الشجاعة: دل هذا الحديث على شجاعة النبي ﷺ وقوة قلبه، وثباته؛ ولهذا عندما سل الأعرابي السيف وقال: من يمنعك مني؛ لم يجزع ولم يسأله العفو؛ وإنما قال: " الله "، وهذا يوضح للدعاة، بل وللناس جميعا عظم شجاعته ﷺ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وكأن الأعرابي لمّا شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه، تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح وأمكن من نفسه " (٦). فينبغي لكل مسلم أن يقتدي به ﷺ في قوة قلبه، وشجاعته وفي كل أحواله التي لم تكن من خصائصه دون أمته. (٧). خامسا: من وظائف المدعو الصالح: حراسة الإمام المسلم والعالم العامل بعلمه: يظهر من مفهوم هذا الحديث أنه ينبغي للمدعو الصالح أن يحرس الإمام المسلم، والعالم العامل بعلمه الذي يعلم الناس الخير ويوجههم إلى مصالح دينهم ودنياهم؛ لما يحصل بذلك من المنافع، وحفظ أمن الناس؛ قال

стр. 484

العلامة العيني ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: " وفيه أن حراسة الإمام في القائلة وفي الليل من الواجب على الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ " (١). فينبغي للمدعو الصالح العناية بهذا الأمر (٢). سادسا: أهمية تكرار لفظ الجلالة عند الاستغاثة والاستعانة: دل هذا الحديث على أهمية تكرار الاستغاثة بالله وتكرار لفظ الجلالة " الله " عند الالتجاء إلى الله وقد قال الأعرابي للنبي ﷺ : من يمنعك مني؟ فقال ﷺ : " الله، الله، الله "، قال العلامة الملا علي القاري ﵀: " وفيه إيماء إلى أنه يستحب تثليث لفظ الجلالة، حالة الاستغاثة والاستعانة " (٣). فينبغي للداعية أن يكرر في الاستغاثة والاستعانة بالله " يا الله يا الله يا الله، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. سابعا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: دل هذا الحديث على أن أسلوب الاستفهام الإنكاري من أساليب الدعوة؛ ولهذا عندما أخذ النبي ﷺ السيف من الأرض- عند سقوطه من يد الأعرابي- قال لغورث هذا: " من يمنعك مني؟ " قال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذا الاستفهام: " استفهام إنكاري، أي لا يمنعك مني أحد " (٤). فينبغي العناية بهذا الأسلوب في الحال المناسبة لاستعماله (٥). ثامنا: من معجزات النبي ﷺ : ثبات القلب وعدم الخوف والجزع: دل هذا الحديث على أن النبي محمد بن عبد الله ﷺ عبد الله ورسوله، وأن الله نصره، وكفاه، وخذل أعداءه، وهذا من دلائل صدق نبوته؛ قال الإمام القرطبي ﵀ عند كلامه على قوله ﷺ للأعرابي: " الله " ثلاثا:

стр. 485

" وهذا من أعظم الخوارق للعادة؛ فإنه عدو متمكن، بيده سيف شاهر، وموت حاضر، ولا حال تغيرت، ولا روعة حصلت. هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدي به يكون من أوضح المعجزات " (١). فينبغي للداعية أن يوضح للناس ويبلغهم معجزات النبي ﷺ لما فيها من دلائل صدق نبوته ﷺ (٢). تاسعا: من وسائل الدعوة: التطبيق العملي في التعليم: إن من الوسائل المهمة في الدعوة إلى الله : التطبيق العملي في تعليم الناس دينهم؛ لأن مشاهدة المدعو للتطبيق العملي أنفع له من الكلام المجرد عن التطبيق؛ ولهذا علَّم النبي ﷺ أصحابه صلاة الخوف في هذا الحديث عن طريق التطبيق العملي، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان له ﷺ أربع، وللقوم ركعتان، وهذا نوع من أنواع صلاة الخوف التي علَّم فيها ﷺ أصحابه بالتطبيق العملي (٣). وهكذا كان ﷺ يعلم أصحابه كثيرا من العلم والأحكام عن طريق التطبيق العملي؛ قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤). وكان ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (٥). وهذا إرشاد منه ﷺ وأمر بالاستفادة من التطبيق العملي. فينبغي للداعية إلى الله أن يعلم المدعوين - وخاصة العامة- عن طريق التطبيق العملي: كالوضوء، والصلاة، والحج، وغير ذلك مما يحتاج إليه العامة عن طريق التعليم العملي.

стр. 486

٨٩ - باب ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب وقال النبي ﷺ : «أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله». [حديث اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم] ٨١ - [٢٩١٥] حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبد الوهاب: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس (١). ﵄ قال: قال النبي ﷺ وهو في قبة: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم ". فأخذ أبو بكر (٢). بيده فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك. وهو في الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ - بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦]» (٣). وقال وهيب: حدثنا خالد " يوم بدر " (٤). وفي رواية: قال النبي ﷺ يوم بدر: " اللهم. . . " الحديث (٥). * شرح غريب الحديث: * " قبة " القبة من الخيام بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب، والمقصود بالقبة هنا: العريش الذي كان فيه ﷺ يوم بدر (٦). * " أنشدك ": أسألك (٧). * " حسبك ": كافيك (٨).

стр. 487

* " ألححت ": يقال: ألح على الشيء: إذا لزمه وأصر عليه (١). * " الدرع ": الزردية، وهي قميص من حلقات من الحديد متشابكة، يلبس وقاية من السلاح (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الالتجاء إلى الله والإلحاح في الدعاء. ٢ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٣ - من صفات الداعية: قوة اليقين والثقة بالله تعالى. ٤ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث كل الالتجاء إلى الله والإلحاح في الدعاء: إن الالتجاء إلى الله والإلحاح في الدعاء من أهم الموضوعات التي ينبغي أن لا يغفلها الدعاة إلى الله ، وقد ظهر ذلك في قوله ﷺ : «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك». . ". فقد حرص النبي ﷺ على الدعاء والإلحاح فيه؛ حتى قال أبو بكر ﵁: " حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك ". وقد أمر الله بالدعاء ووعد بالإجابة فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ - وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦] (٣) وقال :

стр. 488

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (١). فينبغي للدعاة إلى الله أن يحثوا المدعوين على الدعاء والضراعة إلى الله في الرخاء والشدة؛ لأن ذلك من أسباب السعادة والتوفيق (٢). ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ خرج من قبة العريش إلى المعركة وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وهذا يدل على شجاعته وقوة قلبه؛ ولهذا اشترك في المعركة، وكان أقرب المقاتلين المجاهدين إلى العدو, وكان الشجاع من أصحاب النبي يتقي به أثناء القتال، كما قال على بن أبي طالب، والبراء ﵄ (٣). ثالثا: من صفات الداعية: قوة اليقين والثقة بالله تعالى: إن قوة اليقين والثقة بالله تعالى من أبرز الصفات التي يلزم الداعية إلى الله الاتصاف بها، وقد ظهرت هذه الصفة الحميدة في هذا الحديث في قوله ﷺ : «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك»، فإن الله قد أخبر أنه ينصر رسله والذين آمنوا فقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] (٤) وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ - يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] (٥) وقد وعد الله نبيه ﷺ بإحدى الطائفتين: إما عير قريش وما عليها من التجارة، وإما هزيمة قريش، فقال : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] (٦)

стр. 489

وقد حصل للنبي اليقين بذلك كله؛ ولهذا خرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ومما يدل على اليقين أيضا ما قاله أبو بكر لرسول الله ﷺ : " حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك "، ورسول الله ﷺ أعظم الناس يقينا وأقواهم ثقة بالله تعالى (١). ولا يشك في ذلك مسلم والحمد لله (٢). رابعا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل هذا الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن النبي ﷺ سيد المتوكلين، وقد أخذ بالأسباب: من دخوله في قبة العريش، ودعائه العظيم الذي هو من أعظم أسباب النصر، ولبسه للدرع، وقتاله مع المجاهدين، وغير ذلك. ولا شك أن التوكل يقوم على ركنين: اعتماد القلب على الله والأخذ بالأسباب المشروعة أو المباحة (٣).

стр. 490

٩١ - باب الحرير في الحرب [حديث رخص النبي لعبد الرحمن بن عوف في قميص من حرير] ٨٢ - [٢٩١٩] حدثنا أحمد بن المقدام: حدثنا خالد بن الحارث: حدثنا سعيد، عن قتادة: أن أنسا (١). حدثهم: «أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف (٢). والزبير (٣). في قميص من حرير من حكة كانت بهما» (٤). وفي رواية: «أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي ﷺ يعني القمل- فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة» (٥).

стр. 491

* شرح غريب الحديث: حكة الحكة: الجرب. وقيل داء يكون بالجسد يحدث تحت الجلد. (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من خصائص الإسلام: يسر الدين وسماحة الشريعة. ٢ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ٣ - العمل بالأسباب لا ينافي التوكل على الله . ٤ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من خصائص الإسلام: يسر الدين وسماحة الشريعة: دل هذا الحديث على يسر الإسلام، وسماحة الشريعة، ورفع الحرج عن الناس؛ ولهذا رخص رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام ﵄ في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما؛ لأن الحرير فيه برودة ولطافة للجسم (٢). فينبغي للداعية أن يبين للناس يسر الدين وسماحة الشريعة الإسلامية، على حسب الأحوال والحاجة والمصلحة الشرعية. (٣). ومما يدل على رفع الحرج أيضا: " أن النبي ﷺ رخص في مقدار أربع أصابع من الحرير، فإذا كان في الثوب خياطة بالحرير في مواضع متفرقة، أو في موضع واحد، ولم تزد على أربع أصابع فقد رفع الله الحرج، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع: إصبعين، أو ثلاث،

стр. 492

أو أربع» (١). ثانيا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ نظر إلى حال عبد الرحمن بن عوف والزبير ﵄ وحاجتهما إلى العلاج، فراعى أحوالهما وخصهما ومن كان مثل حالهما، فأجاز لهما لبس الحرير؛ للضرورة، وهذا يدل على معرفته ﷺ بطب الأبدان كما كان عارفا بطب الأديان؛ لأنه ﷺ لم يرخص لهذين الصحابيين إلا لمنفعة (٢). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول في ذكره لفوائد حديث الباب: " وهذا يدل على جواز لبس الحرير للعلاج، فالحرير محرم تحريما خاصا على الرجال، ويجوز لهم مقدار أربع أصابع فأقل، وهذا الحديث يدل على جوازه للعلاج للضرورة. أما المحرم تحريما عاما على الرجال والنساء، فلا يجوز العلاج به كالخمر " (٣). فينبغي للداعية أن يراعي أحوال المدعوين وييسر عليهم على ضوء ما أباح الله لهم عند الحاجة والضرورة (٤). ثالثا: العمل بالأسباب لا ينافي التوكل على الله : إن العمل بالأسباب من التوكل على الله ؛ لأن التوكل يقوم على ركنين: العمل بالأسباب، واعتماد القلب على الله ؛ ولهذا رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في العلاج بالحرير من الحكة،

стр. 493

وهذا يدل على أن العمل بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن سيد المتوكلين قد شرع الأخذ بالأسباب ﷺ . فينبغي للدعاة إلى الله العمل بالأسباب مع الاعتماد على الله (١). رابعا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: ظهر في هذا الحديث أن سؤال المدعو عما أشكل عليه من الأمور المهمة؛ ولهذا عندما أصابت الحكة عبد الرحمن بن عوف والزبير ﵄ شكوا إلى رسول الله ﷺ فأذن لهما بلبس الحرير من باب الضرورة والعلاج، وهذا يبيِّن أهمية السؤال عما أشكل ليجد المدعو الجواب والعلاج لما أصابه (٢). * * * *

стр. 494

٩٤ - باب قتال اليهود [حديث تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله] ٨٣ - [٢٩٢٥] حدثنا إسحاق بن محمد الفروي: حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر (١). ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله» (٢). وفي رواية: «تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله» (٣). [حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله] ٨٤ - [٢٩٢٦] حدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة عن أبي هريرة (٤). ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله». * شرح غريب الحديثين: فتسلطون عليهم: تمكنون منهم، يقال: تسلط: تمكن وتحكم (٥). * الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: البشارة (٦).

стр. 495

٢ - من خصائص الإسلام: البقاء إلى قيام الساعة. ٣ - من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالأمور الغيبية. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من أساليب الدعوة: البشارة: إن البشارة بالخير من أساليب الدعوة التي تجذب قلوب المدعوين، وقد ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ : «تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول: يا عبد الله، [وفي الرواية الأخرى: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله»، وهذا فيه بشارة من النبي ﷺ لأمته أن الله سوف ينصرهم على اليهود، ويسلطهم عليهم، فيتمكنون من قتلهم وإبادتهم، وأن الساعة لا تقوم حتى يكون ذلك القتال والنصر على أعداء الله (١). فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب البشارة بالخير للمدعوين (٢). ثانيا: من خصائص الإسلام: البقاء إلى قيام الساعة: دل هذا الحديث على أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة؛ لأن هؤلاء اليهود هم أتباع الدجال؛ قال النبي ﷺ : «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا. .» (٣). وهؤلاء يتبعون الدجال آخر الزمان، وينزل عيسى ﷺ ويقتل الدجال، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شجر ولا حجر يتوارى به يهودي - إلا الغرقد؛ فإنه من شجرهم- إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله (٤). وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ حدد بقاء الإسلام بعد قتل عيسى ابن
следующие страницы →