← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

* شرح غريب الحديث: حكة الحكة: الجرب. وقيل داء يكون بالجسد يحدث تحت الجلد. (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من خصائص الإسلام: يسر الدين وسماحة الشريعة. ٢ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ٣ - العمل بالأسباب لا ينافي التوكل على الله . ٤ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من خصائص الإسلام: يسر الدين وسماحة الشريعة: دل هذا الحديث على يسر الإسلام، وسماحة الشريعة، ورفع الحرج عن الناس؛ ولهذا رخص رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام ﵄ في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما؛ لأن الحرير فيه برودة ولطافة للجسم (٢). فينبغي للداعية أن يبين للناس يسر الدين وسماحة الشريعة الإسلامية، على حسب الأحوال والحاجة والمصلحة الشرعية. (٣). ومما يدل على رفع الحرج أيضا: " أن النبي ﷺ رخص في مقدار أربع أصابع من الحرير، فإذا كان في الثوب خياطة بالحرير في مواضع متفرقة، أو في موضع واحد، ولم تزد على أربع أصابع فقد رفع الله الحرج، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع: إصبعين، أو ثلاث،

стр. 492

أو أربع» (١). ثانيا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ نظر إلى حال عبد الرحمن بن عوف والزبير ﵄ وحاجتهما إلى العلاج، فراعى أحوالهما وخصهما ومن كان مثل حالهما، فأجاز لهما لبس الحرير؛ للضرورة، وهذا يدل على معرفته ﷺ بطب الأبدان كما كان عارفا بطب الأديان؛ لأنه ﷺ لم يرخص لهذين الصحابيين إلا لمنفعة (٢). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول في ذكره لفوائد حديث الباب: " وهذا يدل على جواز لبس الحرير للعلاج، فالحرير محرم تحريما خاصا على الرجال، ويجوز لهم مقدار أربع أصابع فأقل، وهذا الحديث يدل على جوازه للعلاج للضرورة. أما المحرم تحريما عاما على الرجال والنساء، فلا يجوز العلاج به كالخمر " (٣). فينبغي للداعية أن يراعي أحوال المدعوين وييسر عليهم على ضوء ما أباح الله لهم عند الحاجة والضرورة (٤). ثالثا: العمل بالأسباب لا ينافي التوكل على الله : إن العمل بالأسباب من التوكل على الله ؛ لأن التوكل يقوم على ركنين: العمل بالأسباب، واعتماد القلب على الله ؛ ولهذا رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في العلاج بالحرير من الحكة،

стр. 493

وهذا يدل على أن العمل بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن سيد المتوكلين قد شرع الأخذ بالأسباب ﷺ . فينبغي للدعاة إلى الله العمل بالأسباب مع الاعتماد على الله (١). رابعا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: ظهر في هذا الحديث أن سؤال المدعو عما أشكل عليه من الأمور المهمة؛ ولهذا عندما أصابت الحكة عبد الرحمن بن عوف والزبير ﵄ شكوا إلى رسول الله ﷺ فأذن لهما بلبس الحرير من باب الضرورة والعلاج، وهذا يبيِّن أهمية السؤال عما أشكل ليجد المدعو الجواب والعلاج لما أصابه (٢). * * * *

стр. 494

٩٤ - باب قتال اليهود [حديث تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله] ٨٣ - [٢٩٢٥] حدثنا إسحاق بن محمد الفروي: حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر (١). ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله» (٢). وفي رواية: «تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله» (٣). [حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله] ٨٤ - [٢٩٢٦] حدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة عن أبي هريرة (٤). ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله». * شرح غريب الحديثين: فتسلطون عليهم: تمكنون منهم، يقال: تسلط: تمكن وتحكم (٥). * الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: البشارة (٦).

стр. 495

٢ - من خصائص الإسلام: البقاء إلى قيام الساعة. ٣ - من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالأمور الغيبية. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من أساليب الدعوة: البشارة: إن البشارة بالخير من أساليب الدعوة التي تجذب قلوب المدعوين، وقد ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ : «تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول: يا عبد الله، [وفي الرواية الأخرى: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله»، وهذا فيه بشارة من النبي ﷺ لأمته أن الله سوف ينصرهم على اليهود، ويسلطهم عليهم، فيتمكنون من قتلهم وإبادتهم، وأن الساعة لا تقوم حتى يكون ذلك القتال والنصر على أعداء الله (١). فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب البشارة بالخير للمدعوين (٢). ثانيا: من خصائص الإسلام: البقاء إلى قيام الساعة: دل هذا الحديث على أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة؛ لأن هؤلاء اليهود هم أتباع الدجال؛ قال النبي ﷺ : «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا. .» (٣). وهؤلاء يتبعون الدجال آخر الزمان، وينزل عيسى ﷺ ويقتل الدجال، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شجر ولا حجر يتوارى به يهودي - إلا الغرقد؛ فإنه من شجرهم- إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله (٤). وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ حدد بقاء الإسلام بعد قتل عيسى ابن

стр. 496

مريم ﷺ للدجال فقال ﷺ : «ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته. .» ثم يبين ﷺ : أن بعد ذلك يبقى شرار الخلق فعليهم تقوم الساعة (١). وهذا كله يبين أن الإسلام يبقى إلى قبيل قيام الساعة، والحمد لله رب العالمين (٢). ثالثا: من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالأمور الغيبية: دل هذا الحديث على أن محمدا ﷺ رسول الله حقا؛ لأنه أخبر بأمور غيبية كثيرة وقعت كما أخبر، وأمور غيبية أخرى لم تقع وستقع لا محالة كما أخبر ﷺ ، ومنها قتل اليهود، وتطهير الأرض منهم، وتخليص المسلمين من شرهم؛ قال العلامة العيني ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه معجزة للنبي ﷺ ، حيث أخبر بما سيقع عند نزول عيسى ﵇: من تكلم الجماد والإخبار والأمر بقتل اليهود، وإظهاره إياهم في مواضع اختفائهم " (٣). وسيقع ذلك كما أخبر ﷺ (٤). * * * *

стр. 497

٩٥ - باب قتال الترك [حديث إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال الشعر] ٨٥ - [٢٩٢٧] حدثنا أبو النعمان: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا عمرو بن تغلب (١). قال: قال النبي ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة» (٢). [حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك] ٨٦ - [٢٩٢٨] حدثنا سعيد بن محمد: حدثنا يعقوب: حدثنا أبي، عن صالح، عن الأعرج قال: قال أبو هريرة (٣). ﵁ قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة. ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر» (٤). وفي رواية: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا: خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر» (٥).

стр. 498

وفي رواية: " صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن، سمعته يقول - وقال هكذا بيده-: «بين يدي الساعة تقاتلون قوما نعالهم الشعر، وهو هذا البارز» وقال سفيان مرة: «وهم أهل البارز» (١). * شرح غريب الحديثين: * " أشراط الساعة " الأشراط: العلامات، واحدها: شرط، وبه سميت شرط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها (٢). * " المجان المطرقة " جمع مجن، والمجن: الترس، والمطرقة: التي ألبست بالعقب شيئا فوق شيء، ويقال: طارق النعل: إذا صيرها طاقا فوق طاق، وركب بعضها فوق بعض (٣). * " ذلف الأنوف " الذلف: قصر الأنف وانبطاحه، وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته (٤). * " فطس الأنوف " والفطس: انخفاض قصبة الأنف وانفراشها، وقيل: انفراش الأنف، وطمأنينة وسطه (٥). * " أهل البارز " قيل: المراد الأكراد الذين سكنوا في البارز: أي الصحراء، ويحتمل أن يراد به الجبل؛ لأنه بارز عن وجه الأرض، وقيل: هم: الديالمة (٦).

стр. 499

* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالمغيبات. ٢ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٣ - أهمية قصر الأمل في الدنيا والمسارعة إلى ما ينجي من الفتن. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالمغيبات: دل هذان الحديثان على صدق النبي ﷺ ؛ لأنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك»، وقوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر»، وقد وقع ذلك كما أخبر ﷺ ؛ قال العلامة العيني ﵀: " وهذا الخبر من جملة معجزاته ﷺ عن أمر سيكون، وقد وقع بعض ما أخبر به ﷺ سنة سبع عشرة وستمائة، وقد خرج جيش عظيم من الترك، فقتلوا أهل ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان، ولم ينج منهم إلا من اختفى في المغارات والكهوف. . . " (١). ويبين الإمام القرطبي ﵀ أن قتال الترك قد امتد إلى زمنه فقال: " وهذا الخبر قد وقع على نحو ما أخبر ﷺ ، فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سلطان خوارزم ﵀ وكان الله قد نصره عليهم، ثم رجعت لهم الكرة فغلبوا على عراق العجم وغيره، وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم، فنسأل الله تعالى أن يهلكهم ويبدد جمعهم. . . " (٢). وهذا يبين صدق النبي ﷺ وأن وقوع ذلك من معجزاته الباهرة (٣).

стр. 500

ثانيا: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذين الحديثين أسلوب التشبيه؛ لقوله ﷺ : «كأن وجوههم المجان المطرقة»؛ قال الطيبي ﵀: " شبه وجوههم بالترس؛ لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة؛ لغلظها وكثرة لحمها " (١). وهذا يبين للدعاة إلى الله أهمية استخدام أسلوب التشبيه عند الحاجة إليه، والله المستعان (٢). ثالثا: أهمية قصر الأمل في الدنيا والمسارعة إلى ما ينجي من الفتن: دل هذان الحديثان على أن خروج هؤلاء القوم- الذين يلبسون نعال الشعر، وعراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة- علامة على اقتراب الساعة ويوم القيامة، فينبغي لكل مسلم أن يقصر أمله في الدنيا، فلا تكون أكبر همه؛ فإن من مات قامت قيامته وساعته، كما ينبغي المبادرة إلى عمل جميع الأسباب التي تنجي من الفتن، والمسارعة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات؛ لأن الفتن المضلة لا تقع إلا لضعف في الإيمان أو قلة في كماله (٣). قال الله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] (٤) وقال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] (٥).

стр. 501

٩٨ - باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة [حديث ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى حين غابت الشمس] ٨٧ - [٢٩٣١] حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا عيسى: حدثنا هشام، عن محمد، عن عبيدة، عن علي (١) ﵁ قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ : «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، شغلونا عن صلاة الوسطى حين غابت الشمس» (٢). وفي رواية: «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (٣). وفي رواية: «حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله قبورهم وبيوتهم - أو أجوافهم- نارا» شك يحيى (٤). وفي رواية: «. . وهي صلاة العصر» (٥). * شرح غريب الحديث: * " حبسونا ": منعونا (٦). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 502

١ - من موضوعات الدعوة: الحث على أداء الصلاة في وقتها. ٢ - حرص النبي ﷺ على أداء الصلاة في وقتها. ٣ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث. ٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٥ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الأحزاب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على أداء الصلاة في وقتها: دل هذا الحديث على أهمية حث المصلين على المحافظة على الصلاة في وقتها؛ ولهذا دعا النبي ﷺ على المشركين؛ لكونهم السبب في إشغال النبي ﷺ وأصحابه حتى فاتتهم صلاة العصر؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى». قال الله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: " الصلاة في وقتها " قال: ثم أي؟ قال: " بر الوالدين " قال: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله» (٢). فينبغي للدعاة أن يحضوا الناس على المبادرة إلى الصلاة في وقتها؛ لقوله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] (٣). ثانيا: حرص النبي ﷺ على أداء الصلاة في وقتها: ظهر في هذا الحديث حرص النبي ﷺ على المحافظة على الصلاة وأدائها في أول وقتها؛ ولهذا غضب على المشركين غضبا شديدا عندما شغلوه عن

стр. 503

صلاة العصر، فدعا عليهم وقال: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» وثبت عن جابر بن عبد الله ﵄: أن «عمر بن الخطاب ﵁ جعل يوم الخندق يسب الكفار، وقال يا رسول الله، ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس، فقال رسول الله ﷺ : " فوالله إن صليتها " (١). فنزلنا إلى بطحان (٢). فتوضأ رسول الله ﷺ ، وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» (٣). فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يحرص على أداء الصلاة في وقتها. ثالثا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: ظهر في هذا الحديث حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث عن رسول الله ﷺ ، قال: يحيى بن سعيد القطان في قوله ﷺ : «ملأ الله قبورهم وبيوتهم- أو أجوافهم نارا-» فشك ﵀ هل قال بيوتهم أو قال أجوافهم، وهذا يدل على تحريه للصدق والدقة (٤). فينبغي للداعية أن يحرص على الدقة في نقل الحديث (٥). رابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل مفهوم هذا الحديث على الترهيب عن تأخير الصلاة عن وقتها؛ لأن النبي ﷺ دعا على من كان سببا في تأخيرها فقال: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس» قال الطيبي ﵀ على قوله: " بيوتهم وقبورهم " " خصهما بالذكر؛ لأن أحدهما مسكن الأحياء،

стр. 504

والآخر مضجع الأموات: أي جعل الله النار ملازمة لهم، بحيث لا تنفك عنهم لا في حياتهم ولا في مماتهم " (١). فدعا عليهم بعذاب الدارين من خراب بيوتهم في الدنيا بنهب أموالهم، وسبي ذراريهم، وهدم دورهم، ومن عقابهم في الآخرة باشتعال قبورهم نارا (٢). وهذا الدعاء على من كان سببا في تأخير صلاة العصر حتى خرج وقتها، فكيف بعقاب من أخرها متعمدا مستهينا بها حتى يخرج وقتها؟ قال ﷺ : «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر (٣). أهله وماله» (٤). وهذا الوعيد لمن فاتته صلاة العصر، أما من تركها متعمدا فقال في حقه ﷺ : «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» (٥). فينبغي للداعية أن يخوف الناس من تأخير الصلاة عن وقتها ومن تركها (٦). خامسا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الأحزاب: إن من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الأحزاب؛ لأهمية ذلك، قال علي بن أبي طالب ﵁: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ : «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن صلاة الوسطى»، وهذا يبين للداعية أهمية ذكر الحوادث التي تجذب قلوب المدعوين، ولا شك أن غزوة الأحزاب كانت في السنة الخامسة من الهجرة (٧).

стр. 505

[حديث اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم] ٨٨ - [٢٩٣٣] حدثنا أحمد بن محمد: أخبرنا عبد الله: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى (١) ﵄ يقول: دعا رسول الله ﷺ يوم الأحزاب على المشركين فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» (٢). وفي رواية: عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، وكان كاتبا له قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى ﵄ فقرأته: «إن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها انتظر حتى مالت الشمس». (٣). وفي رواية: ثم قام في الناس فقال: «أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، ثم قال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم». (٤). * شرح غريب الحديث: * " الجنة تحت ظلال السيوف " هو كناية عن الدنو من القتال في الجهاد، حتى يعلوه السيف ويصير ظله عليه، والظل: الفيء الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس (٥).

стр. 506

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أسباب نصر الداعية: الدعاء. ٢ - من وسائل الدعوة إلى الله: الكتابة. ٣ - من وسائل الدعوة: مراعاة أوقات نشاط المدعو. ٤ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٥ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد. ٦ - من موضوعات الدعوة: الحث على الدعاء. ٧ - من صفات الداعية: الصبر. ٨ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٩ - من وسائل الدعوة: اغتنام التذكير عند الحوادث الملمة. ١٠ - من وسائل الدعوة: الخطابة. ١١ - من موضوعات الدعوة: الحث على سلوك الأدب. ١٢ - من صفات الداعية: التواضع (١).

стр. 507

[حديث إن الله يحب الرفق في الأمر كله] ٨٩ - [٢٩٣٥] حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا حماد، عن أيوب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة (١) ﵂: «أن اليهود دخلوا على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، فلعنتهم. فقال: " مالك؟ " قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: " فلم تسمعي ما قلت؟ وعليكم» (٢). وفي رواية: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة ﵂ ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة. قالت: فقال رسول الله ﷺ : " مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله " فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : " قد قلت: وعليكم» (٣). وفي رواية: «أن يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: " مهلا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش " قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: " أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في» (٤). وفي رواية: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» (٥). * شرح غريب الحديث: * " السام ": الموت وهو الذي كانت اليهود تقصده في سلامهم. أما السأم

стр. 508

فمعناه أنكم تسأمون دينكم. (١). * " الفحش ": المقصود بالفحش في هذا الحديث: التعدي في القول والجواب. وقد يكون الفحش بمعنى: الزيادة والكثرة، كما يقال في دم البراغيث: إن لم يكن فاحشا فلا بأس: أي إن لم يكن كثيرا. و " الفاحش " ذو الفحش في كلامه وفي فعاله. و " المتفحش " الذي يتكلف ذلك ويتعمده (٢). و " الفحش والفاحشة والفواحش ": " كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة: من الأقوال والأفعال " (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على لين الجانب بالقول والفعل. ٢ - من صفات الداعية: الرفق. ٣ - من آداب الداعية: إفشاء السلام ورده على المسلمين، ورده عل أهل الكتاب، بقوله: (وعليكم). ٤ - من أساليب الدعوة: البشارة. ٥ - من صفات الداعية: الحلم. ٦ - من صفات الداعية: التغافل عن سفه المبطلين إذا أمنت المفسدة. ٧ - أهمية تدريب الداعية نفسه ولسانه على الأدب. ٨ - من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام. ٩ - من أصناف المدعوين: أهل الإيمان الكامل. ١٠ - من أصناف المدعوين: اليهود مع خبثهم وسوء أدبهم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 509

أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على لين الجانب بالقول والفعل: ظهر في هذا الحديث الحض والحث على لين الجانب مع المدعوين بالقول والفعل؛ ولهذا عندما قال اليهود للنبي ﷺ : السام عليك لم يعاقبهم، ولم يزد على قوله ﷺ : " وعليكم " بل أنكر على عائشة ﵂ قولها: «عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم " فقال ﷺ : " مهلا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش». فينبغي للداعية أن يحض المدعوين على لين الجانب واللطف؛ قال الله لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (١) وقال لمحمد ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢). ثانيا: من صفات الداعية " الرفق: إن الرفق من الصفات المهمة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية؛ ولهذا رفق النبي ﷺ باليهود في هذا الحديث، ولم يقابل قولهم القبيح ومقصدهم الفاسد بالعنف ولا بالفحش، وإنما رفق بهم ورد عليهم ما قالوا من حيث لا يشعرون بحكمة ولطف فقال: " وعليكم ". فينبغي للداعية أن يكون رفيقا، لينا سهلا؛ لأن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (٣). ثالثا: من آداب الداعية: إفشاء السلام ورده علي المسلمين، ورده علي أهل الكتاب بقوله: " وعليكم ": إن إفشاء السلام ورده على كل مسلم من الآداب العظيمة، أما أهل الكتاب فلا يبْدَؤون بالسلام؛ لقوله ﷺ : «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (٤). ولكن إذا سلم أهل الكتاب فيرد عليهم

стр. 510

السلام بالصيغة التي رد بها عليهم رسول الله ﷺ في حديث عائشة ﵂ وهي قوله: " وعليكم " أو " عليكم " وقد رجح النووي ﵀ أن إثبات الواو وحذفها جائزان، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا فيكون في معناه وجهان: أحدهما: أنه على ظاهره، فقالوا: عليكم الموت، فقال: " وعليكم " أيضا أي نحن وأنتم فيه سواء، وكلنا نموت. والوجه الثاني: أن الواو هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك، وتقديره: " وعليكم " ما تستحقونه من الذم، وأما من حذف الواو فتقديره: بل عليكم السام، وإثبات الواو أجود كما في أكثر الروايات (١). وقد أمر ﷺ بهذه الصيغة فقال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (٢). فثبت ذلك من قوله ﷺ وفعله. فينبغي للمسلم أن يسلم على كل جمع فيهم مسلمون وكفار، أو مسلم وكافر، ويقصد بالسلام ورده المسلمين أو المسلم (٣). أما السلام على المسلمين ورده على من سلم منهم، فهذا فيه أحاديث عظيمة تبين أهميته وآدابه، وتأكده، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «حق المسلم على المسلم ست " قيل: وما هن يا رسول الله، قال: " إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٤). ومن آداب السلام ما ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد،

стр. 511

والقليل على الكثير» (١). وعنه ﵁ أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير» (٢). وللسلام آداب كثيرة جميلة، وفضائل عظيمة لا يتسع المقام لذكرها في هذا الموضع. فينبغي للداعية أن يعتني بها ويراجعها (٣). رابعا: من أساليب الدعوة: البشارة: ظهر هذا الأسلوب في قوله ﷺ في هذا الحديث: «أو لم تسمعي ما قلت؟ يستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في» وثبت عنه ﷺ أنه قال: «وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا» (٤). وهذه بشارة من رسول الله ﷺ لعائشة ولجميع المسلمين أن الدعاء بالحق على الظالم يستجاب، ولا يستجاب دعاء الظالم على المظلوم؛ لأنه دعاء بالباطل والظلم؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ويستفاد منه أن الداعي إذا كان ظالما على من دعا عليه لا يستجاب دعاؤه " (٥). خامسا: من صفات الداعية: الحلم: إن الحلم من الصفات الكريمة الجميلة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ؛ ولهذا لم يغضب رسول الله ﷺ عندما قال اليهود: " السام عليك " وإنما ضبط نفسه، وأعرض عنهم، ورد عليهم ما يناسبهم " وعليكم " وقد أمره الله بالإعراض عن الجاهلين فقال : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٦)

стр. 512

فينبغي للداعية أن يضبط نفسه عند هيجان الغضب، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة وصبر عظيم؛ لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة (١). سادسا: من صفات الداعية: التغافل عن سفه المبطلين إذا أمنت المفسدة: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة أن يتغافل الداعية عن سفه المبطلين والمعارضين لدعوته، وإذا سمع كلاما قبيحا وفحشا من القول فكأنه لم يسمعه إعراضا عن الجاهلين؛ ولهذا أعرض ﷺ عن اليهود عندما قالوا " السام عليك " ولم يزد على قوله ﷺ : " وعليكم "؛ قال النووي ﵀: " وفي هذا الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين إذا لم تترتب عليه مفسدة " (٢). فالكيس العاقل هو الفطن المتغافل عن الزلات، وسقطات اللسان إذا لم يترتب على ذلك مفاسد، والله المستعان (٣). وقد مدح الله المؤمنين الذين يدرؤون بالحسنة السيئة فقال : ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٤ - ٥٥] (٤). وقال في صفات عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٥). سابعا: أهمية تدريب الداعية نفسه ولسانه على الأدب: دل هذا الحديث على أهمية تدريب الداعية نفسه ولسانه على الآداب الحميدة، والألفاظ الكريمة؛ ولهذا قال ﷺ لعائشة ﵂: «عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش» فقد حذر ﷺ عن التعدي في القول والجواب؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " والذي يظهر أن النبي ﷺ أراد أن لا يتعود لسانها بالفحش، أو أنكر عليها الإفراط في السب " (٦).

стр. 513

فينبغي للداعية أن يضبط نفسه ولسانه عن كل ما لا يحسن ولا يجمل والله المستعان. ثامنا: من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام: التأليف بالعفو مكان الانتقام من وسائل الدعوة إلى الله ، وقد ظهر ذلك في عفو النبي ﷺ عن اليهود الذين قالوا: " السام عليك " ومع ذلك عفا عنهم ﷺ استئلافا، وإلا فالصواب أن من سب النبي ﷺ من الكفار ينتقض عهده، فيهدر دمه ويقتل إلا أن يسلم، فإن أسلم فالحمد لله؛ الإسلام يهدم ما كان قبله. أما من سب النبي ﷺ من المسلمين فإنه يقتل، والصواب أنه لا يستتاب، بل يقتله ولي أمر المسلمين؛ لأن شره عظيم وخطير- ولا شك أن من تاب تاب الله عليه- فإن كان صادقا في توبته قبلت عند الله ، ولكن لا يكون معصوم الدم في الدنيا، بل يقتل، والله المستعان وعليه التكلان (١). والنبي ﷺ لم يقتل اليهود الذين قالوا: " السام عليك " استئلافا لهم وترغيبا لهم في الإسلام، والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " والذي يظهر أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف، أو لكونهم لم يعلنوا به، أو لهما جميعا وهو أولى والله أعلم " (٢). وهذا يبين حرص النبي ﷺ على إيصال الإسلام لكافة الناس، ولهذا أراد أن يتألفهم، مع فطنته ورده عليهم قولهم من حيث لا يشعرون (٣). فينبغي للداعي أن يتألف بالعفو مكان الانتقام اقتداء بالنبي ﷺ (٤). تاسعا: من أصناف المدعوين: أهل الإيمان الكامل: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الإيمان الكامل؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ على عائشة ﵂ ونصحها بالرفق واللطف عندما شددت بالقول القوي على اليهود ولعنتهم فقال ﷺ : «مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله».

стр. 514

فينبغي للداعية أن يعلم أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة، وقد يكون هو منهم في بعض الأحيان (١). عاشرا: من أصناف المدعوين: اليهود مع خبثهم وسوء أدبهم: دل استئلاف النبي ﷺ لليهود في هذا الحديث على أنهم من أصناف المدعوين؛ ولهذا لم يعاقبهم على قولهم القبيح: " السام عليك " رغبة منه ﷺ في إسلامهم كما بين ذلك ابن حجر ﵀. (٢). واليهود لهم أعمال خبيثة قبيحة، منها قولهم: " السام عليك "؛ فإنهم قد أوهموا أنهم يقولون: " السلام عليك " ولكنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وقصدوا الموت قبحهم الله، ومن خبثهم قولهم: " راعنا " وقد ذكر كثير من أهل العلم أنها كلمة تقولها اليهود على وجه الاستهزاء والمسبة. (٣). قال الله : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] (٤)؛ ولهذا نهى الله المؤمنين أن يخاطبوا رسول الله ﷺ بهذه الكلمة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (٥). ولا شك أن اليهود قلوبهم قاسية ويحرفون الكلم عن مواضعه، ولكن لإقامة الحجة عليهم ينبغي للداعية أن يسلك معهم في دعوتهم إلى الله -خمسة مسالك: ١ - يبين لهم بالأدلة العقلية والنقلية أن الإسلام قد نسخ جميع الشرائع السابقة.

стр. 515

٢ - يذكر لهم الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة. ٣ - إثبات اعترافات المنصفين من علماء اليهود. ٤ - الأدلة على إثبات رسالة عيسى ﷺ . ٥ - الأدلة العقلية والنقلية والحسية على إثبات رسالة محمد ﷺ (١).

стр. 516

٩٩ - باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب ؟ [حديث كتاب النبي إلى قيصر فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين] ٩٠ - [٢٩٣٦] حدثنا إسحاق: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن عباس (١). ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر وقال: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» (٢). وفي رواية: " أن رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي (٣) وأمره رسول الله ﷺ أن يدفعه إلى عظيم بصرى؛ ليدفعه إلى قيصر وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال حين قرأه: التمسوا لي هاهنا أحدا من قومه، لأسألهم عن رسول الله ﷺ " (٤). * شرح غريب الحديث: * " قيصر " هو هرقل، ولقبه قيصر، وكل من ملك الروم يقال له قيصر (٥). * " توليت " أعرضت وامتنعت عن الدخول في الإسلام (٦).

стр. 517

* " عظيم بصرى " أي أمير بصرى (١). * " بصرى " هي مدينة حوران، ذات قلعة وأعمال، قريبة من طرف البرية التي بين الشام والحجاز. (٢). * " إيلياء " بيت المقدس، وقيل معناه: بيت الله، وحكي أنه يقال بالقصر أيضا " إيليى " ولغة ثالثة بحذف الياء الأولى " إلياء " وهو المسجد الأقصى أيضا (٣). * " أبلاه الله " أي: أنعم عليه (٤). * " الأريسيين " هم الأكّارون والزارعون، والفلاحون. الواحد: أريس وهي لغة شامية، وقيل: هم الخدم، وقيل غير ذلك. والمعنى أن على قيصر مثل إثم هؤلاء؛ لأنه صدهم عن الإسلام (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد. ٢ - من وسائل الدعوة: الكتب والرسائل وإرسال الرسل والدعاة. ٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٤ - من أصناف المدعوين: النصارى. ٥ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٦ - حرص النبي ﷺ على هداية جميع الناس إلى الإسلام. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 518

أولا: من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد، وهي " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ ؛ ولهذا كتب ﷺ إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام أي إلى الشهادتين كما ثبت فيما تضمنه كتاب رسول الله ﷺ ؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ففي الرواية الأخرى: أن قيصر " هرقل " دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل " قيصر " فقرأه، وفي رواية: " فقرئ " فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام (١). أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢) فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده» (٣). وهذا مضمون الكتاب قد اتضح فيه أن النبي ﷺ دعا هرقل وأتباعه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله. وهذا يبين للدعاة إلى الله أهمية العناية بالشهادتين، ودعوة الكفار إليهما قبل كل شيء، وبيان معناهما، ومقتضاهما، وشروطهما وأركانهما، ونواقضهما، وخاصة بعد دخول الكفار في الإسلام (٤). ثانيا: من وسائل الدعوة: الكتب والرسائل وإرسال الرسل والدعاة: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة كتابة الرسائل والكتب، وإرسالها

стр. 519

إلى المدعوين مع السفراء والرسل؛ ولهذا كتب رسول الله ﷺ إلى قيصر- كما في هذا الحديث- يدعوه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ . وقد كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك والجبابرة يدعوهم إلى الإسلام، فعن أنس بن مالك ﵁: " أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى (١). وإلى قيصر (٢). وإلى النجاشي (٣). وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ ". (٤). وأرسل ﷺ الرسل يحملون الرسائل والكتب إلى ملوك الأرض، وأرسل الدعاة إلى الله يبلغون الناس الإسلام، ويدعونهم قبل كل شيء إلى الشهادتين، ثم يدعونهم بالتدرج إلى شرائع الإسلام، ومن ذلك «أنه ﷺ بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وقال له: " إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله [وفي رواية: " فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ]، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (٥). وهذا يبين أهمية إرسال الكتب وبعث الرسل والدعاة لدعوة الناس إلى الإسلام، وتبليغهم كل ما أمر الله به عباده عن طريق التدرج (٦). ثالثا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل مفهوم هذا الحديث على أهمية القدوة الحسنة؛ لأن النبي ﷺ قال في كتابه

стр. 520

لهرقل: «فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين» وهذا فيه دلالة واضحة على أن الله لو شاء هداية قيصر لأسلم من معه جميعا: من الفلاحين والزارعين وغيرهم (١). وهذا يبين بمفهومه أهمية القدوة الحسنة وأثرها في نفوس المدعوين (٢). رابعا: من أصناف المدعوين: النصارى: ظهر في هذا الحديث أن من أصناف المدعوين النصارى؛ لأن النبي ﷺ كتب الرسائل والكتب إليهم، وأرسل الرسل والدعاة يدعونهم إلى الله ، كما في هذا الحديث في كتابه لقيصر مع دحية الكلبي ﵁. ولا شك أن دعوة النصارى إلى الله تحتاج إلى أساليب ووسائل متخصصة؛ لمراعاة أحوالهم ومعتقداتهم، فينبغي أن يسلك معهم الداعية إلى الله مسالك سبعة كالآتي: ١ - إبطال عقيدة التثليث بالأدلة العقلية والنقلية، وإثبات الوحدانية لله . ٢ - البراهين بالأدلة العقلية والنقلية على إثبات بشرية عيسى ﷺ وعبوديته لله . ٣ - الأدلة العقلية والنقلية على إبطال قضية الصلب والقتل لعيسى ﷺ . ٤ - البراهين بالأدلة العقلية والنقلية على أن الإسلام قد نسخ جميع الشرائع السابقة. ٥ - البراهين بالأدلة الحسية والنقلية على إثبات وقوع التحريف في الإنجيل. ٦ - إثبات اعترافات المنصفين من علماء النصارى. ٧ - البراهين الحسية والعقلية والنقلية على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها لكافة الناس. وإذا سلك الداعية إلى الله مع النصارى هذه المسالك وفق للحكمة في دعوة النصارى إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 521

خامسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: إن الترهيب أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله ؛ ولهذا قال ﷺ في كتابه إلى قيصر: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين». فبين له ﷺ أنه إذا امتنع من الدخول في الإسلام فإن عليه إثم أتباعه من الفلاحين وغيرهم (١). لأنه السبب في عدم دخولهم في دين الله (٢). سادسا: حرص النبي ﷺ على هداية جميع الناس إلى الإسلام: دل هذا الحديث على حرص محمد بن عبد الله ﷺ على هداية الناس جميعا إلى الإسلام، وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ ولهذا كتب لقيصر كما في هذا الحديث، وكتب إلى سائر ملوك الدنيا وجبابرتها، يدعوهم إلى كلمة التوحيد (٣). وقد مدحه الله وأثنى عليه، وأكرمه بقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٤). وهو شديد الحرص على المؤمنين أعظم من غيرهم قال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٥). فينبغي للداعية إلى الله أن يحرص على هداية الناس اقتداء بالنبي ﷺ .

стр. 522

١٠٠ - باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم [حديث اللهم اهد دوسا وائت بهم] ٩١ - [٢٩٣٧] حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب: أخبرنا أبو الزناد: أن عبد الرحمن قال: قال أبو هريرة (١). ﵁: قدم طفيل بن عمرو الدوسي (٢). وأصحابه على النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن دوسا عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس: قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» (٣). وفي رواية: " جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي ﷺ فقال: إن دوسا قد هلكت: عصت وأبت فادع الله عليهم " (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 523

١ - من صفات الداعية: الحلم. ٢ - من صفات الداعية: التأني والتثبت. ٣ - من صفات الداعية: رحمة المدعو والشفقة عليه. ٤ - من صفات الداعية: الحرص على هداية الناس. ٥ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ٦ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء. ٧ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٨ - من أصناف المدعوين: المشركون. ٩ - من معجزات النبي ﷺ : إجابة دعواته. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الحلم: ظهر في هذا الحديث حلم النبي ﷺ العظيم؛ لأن الطفيل ﵁ حينما قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليهم، فدعا لهم ﷺ بالهداية، وحلم عليهم فلم يغضب، فالطفيل ﵁ ومن معه يطلبون من النبي ﷺ الدعاء عليهم بالهلاك ورسول الله ﷺ يدعو لهم بالهداية، وهذا يدل على حلمه العظيم، قال الكرماني ﵀: " ودعا لهم رسول الله ﷺ بالهداية في مقابلة العصيان، والإتيان بهم في مقابلة الإباء " (١). فينبغي للداعية أن يتصف بالحلم ولا يغضب ولا يجزع إذا لم تقبل دعوته، والله المستعان (٢). ثانيا: من صفات الداعية: التأني والتثبت: دل هذا الحديث على تثبت النبي ﷺ وعدم عجلته؛ لأنه ﷺ عندما قال له

стр. 524

الطفيل ﵁: يا رسول الله، إن دوسا عصت وأبت فادع الله عليهم تأنى ﷺ فلم يعجل بالعقوبة بالدعاء، وإنما دعا لهم فقال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» قال العلامة العيني ﵀ " كان يحب دخول الناس في الإسلام، فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام " (١). وهذا يدل على كمال أناته وتثبته ﷺ . فينبغي للداعية أن يتصف بالتثبت والأناة؛ لأن الله أمر بالأناة والتثبت فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (٢). ولا شك أن الأناة: هي التبين والتثبت في الأمور، والتبصر والتأمل، ويقال: تبصر الشيء، وتأمل في رأيه: تبين ما يأتيه من خير أو شر (٣). فالأناة: التأني والتثبت وترك العجلة، حتى يستبين الصواب (٤). يقال: تثبت في الأمر والرأي واستثبت: تأنى فيه ولم يعجل، واستثبت في أمره، إذا شاور وفحص عنه (٥). والأناة في الحقيقة: التصرف الحكيم بين العجلة، والتباطؤ، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة؛ فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون في الأمور، ويدلان على أن صاحبهما لا يملك الإرادة القوية على دفع همته للقيام بالأعمال التي تحقق له ما يرجوه، أو ليس له همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات إيثارا للراحة، وكسلا عن القيام بالواجب. فينبغي للداعية أن يكون متثبتا متأنيا، ولا يكون عجولا ولا كسولا؛ فإن الأناة تعينه على وضع الأمور في مواضعها، بخلاف العجلة؛ فإنها تعرضه لكثير

стр. 525

من الأخطاء والإخفاق، والتعثر، والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وبخلاف التباطؤ والكسل، فهو أيضا يعرضه للتخلف والحرمان من تحقق النتائج التي يرجوها. ولا شك أنه ينبغي للداعية أن يكون متأنيا في جميع أموره، ولا يكون مستعجلا في جميع أموره، ولا يكون متباطئا كسولا، ولا يزال الرجل يجني من ثمرة العجلة الندامة (١). والعجلة لها أسباب ينبغي أن يجتنبها الداعية، من أعظمها الشيطان عدو الإنسان، فعن أنس ﵁ يرفعه: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» (٢). لأنه الحامل عليها بوسوسته، فيمنع من التثبت والنظر في سنن الله في الكون، ويمنع النظر في العواقب، فيقع المستعجل في المعاطب والفشل (٣). ولكن ينبغي أن يعلم الداعية أن العجلة المذمومة ما كان في غير طاعة الله مع عدم التثبت، أما المسارعة إلى الخير فهي محمودة، وقد قيل لبعض السلف: لا تعجل فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان ذلك كذلك لما قال موسى (٤) ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] (٥). فعلم بأنه يستثنى من العجلة ما لا شبهة في خيريته، بشرط مراعاة الضوابط والشروط التي أمر الله بها حتى تكون المسارعة مما يحبه الله ويرضاه؛ ولهذا مدح الله المسارعين في الخيرات فقال : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٦). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال الأعمش ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ : «التؤدة (٧). في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة» (٨). وعن عبد الله بن سرجس

стр. 526

المزني ﵁: أن النبي ﷺ قال: «السمت الحسن (١). والتؤدة، والاقتصاد (٢). جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة» (٣). ومعلوم أن الأناة محبوبة عند الله ، ولهذا قال ﷺ للأشج: «فإن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة» (٤). ثالثا: من صفات الداعية: رحمة المدعو والشفقة عليه: دل هذا الحديث على رحمة النبي ﷺ وشفقته على المدعوين؛ ولهذا لم يدع على قبيلة دوس عندما طلب منه الدعاء عليهم، ولكن دعا لهم فقال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم»؛ قال الكرماني ﵀: " فإن قلت هم طلبوا الدعاء عليهم ورسول الله ﷺ دعا لهم، قلت: هذا من كمال خلقه العظيم ورحمته بالعالمين " (٥). وقد قال الله في حقه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٦). وهذا من كمال رحمته، ورأفته بأمته ﷺ (٧). رابعا: من صفات الداعية: الحرص على هداية الناس: ظهر في هذا الحديث حرص النبي ﷺ على هداية الناس، ولهذا دعا لدوس ولم يدع عليهم حينما طلب منه ذلك؛ لحرصه على هدايتهم ودخولهم في الإسلام؛ قال العلامة العيني ﵀: " وفيه حرص النبي ﷺ على من يسلم على يديه " (٨).

стр. 527

فينبغي للداعية أن يحرص على هداية المدعوين إلى دين الله (١). خامسا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: إن مراعاة أحوال المدعوين من صفات الداعية المسلم؛ لأن النبي ﷺ لم يدع على دوس؛ لرغبته في دخولهم الإسلام، ودعا على بعض المشركين من غيرهم فدل ذلك على مراعاته ﷺ لأحوال المدعوين، ولهذا ترجم البخاري ﵀ بتراجم تدل على مراعاة أحوال المدعوين فقال: " باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة " (٢). وقال في موضع آخر: " باب الدعاء على المشركين " (٣). وقال في موضع ثالث: " باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم " (٤). قال ابن حجر ﵀: " كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم " (٥). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " الدعاء على الكفار على حسب الأحوال، فكل مقام له مقال، فيراعى ما هو الأنسب: تارة يدعى عليهم بالهلاك والدمار، وتارة يدعى لهم بالهداية، وتارة يعلمون " (٦). فينبغي للداعية أن يراعي أحوال المدعوين على ما يكون فيه الصلاح (٧). سادسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: من أساليب الدعوة إلى الله التأليف بالدعاء الطيب الذي يجذب قلوب المدعوين، ومن أعظم ذلك الدعاء بالهداية، ولهذا استنبط

стр. 528

الإمام البخاري ﵀ من هذا الحديث أن الدعاء من أنواع التأليف، فقال: " باب الدعاء للمشركين بالهدى؛ ليتألفهم " (١) قال ابن حجر ﵀: " وقوله ليتألفهم من تفقه المصنف ﵀ إشارة إلى التفريق بين المقامين " (٢). أي الدعاء لهم والدعاء عليهم. ولا شك أن الدعاء للمدعو مما يشرح صدره، ويجذب قلبه للدين الإسلامي. فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب (٣). سابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل الحديث بمفهومه على أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة؛ لأن النبي ﷺ حينما طلب منه الدعاء على دوس بالهلاك دعا لهم بالهداية؛ لأنه ﷺ قدوة الدعاة إلى الله ، فهو قد تأنى، وصبر، وحلم، وعفا، ودعا بالهداية للمدعوين. فينبغي للداعية أن يقتدي به ﷺ (٤). ثامنا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ لأن قبيلة دوس من المشركين، وقد دعاهم الطفيل إلى الله ودعا لهم رسول الله ﷺ . فينبغي للداعية إلى الله أن يعتني بدعوة المشركين إلى الله ويسلك معهم في دعوتهم إلى الله تسعة مسالك: ١ - إثبات ألوهية الله تعالى بالأدلة العقلية والنقلية، وأنه المستحق للعبادة وحده. ٢ - ضعف جميع ما عبد من دون الله من جميع الوجوه. ٣ - ضرب الأمثال التي تثبت العبادة لله وحده وتقرر التوحيد. ٤ - الكمال المطلق من جميع الوجوه لله .

стр. 529

٥ - التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام. ٦ - الغلو في الصالحين سبب كفر بني آدم. ٧ - بيان الشفاعة المثبتة والمنفية. ٨ - الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده، فهو المستحق للعبادة وحده. ٩ - الأدلة العقلية والنقلية على إثبات البعث والنشور. فإذا سلك الداعية إلى الله هذه المسالك مع هؤلاء تفصيلا وتوضيحا وإبلاغا برفق، ولين، وحلم، وحكمة نجح بإذن الله (١). تاسعا: من معجزات النبي ﷺ : إجابة دعواته: دل هذا الحديث على أن من المعجزات ودلائل نبوة محمد ﷺ إجابة دعواته، ومن ذلك دعوته لدوس حينما قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» فهدى الله هذه القبيلة وجاء الطفيل منهم في غزوة خيبر بتسعين أو ثمانين أسرة كلهم قد دخل الإسلام (٢). وقد دعا ﷺ أدعية كثيرة استجاب الله له فيها، وكانت من الدلائل القاطعة على أنه رسول الله ﷺ حقا، وأن الله أرسله ﷺ (٣).

стр. 530

١٠٢ - باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام، والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (١). [حديث لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يدي] ٩٢ - [٢٩٤٢] حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد (٢). ﵁: «سمع النبي ﷺ يقول يوم خيبر: " لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه "، فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجو أن يعطى، فقال: " أين علي؟ " فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعي له، فبصق في عينيه، فبرأ حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: " على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم» (٣). وفي رواية: «أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: " أين علي بن أبي طالب؟ "، فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: " فأرسلوا إليه " فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؛ فقال ﷺ : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن
следующие страницы →