← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المزني ﵁: أن النبي ﷺ قال: «السمت الحسن (١). والتؤدة، والاقتصاد (٢). جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة» (٣). ومعلوم أن الأناة محبوبة عند الله ، ولهذا قال ﷺ للأشج: «فإن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة» (٤). ثالثا: من صفات الداعية: رحمة المدعو والشفقة عليه: دل هذا الحديث على رحمة النبي ﷺ وشفقته على المدعوين؛ ولهذا لم يدع على قبيلة دوس عندما طلب منه الدعاء عليهم، ولكن دعا لهم فقال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم»؛ قال الكرماني ﵀: " فإن قلت هم طلبوا الدعاء عليهم ورسول الله ﷺ دعا لهم، قلت: هذا من كمال خلقه العظيم ورحمته بالعالمين " (٥). وقد قال الله في حقه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٦). وهذا من كمال رحمته، ورأفته بأمته ﷺ (٧). رابعا: من صفات الداعية: الحرص على هداية الناس: ظهر في هذا الحديث حرص النبي ﷺ على هداية الناس، ولهذا دعا لدوس ولم يدع عليهم حينما طلب منه ذلك؛ لحرصه على هدايتهم ودخولهم في الإسلام؛ قال العلامة العيني ﵀: " وفيه حرص النبي ﷺ على من يسلم على يديه " (٨).

стр. 527

فينبغي للداعية أن يحرص على هداية المدعوين إلى دين الله (١). خامسا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: إن مراعاة أحوال المدعوين من صفات الداعية المسلم؛ لأن النبي ﷺ لم يدع على دوس؛ لرغبته في دخولهم الإسلام، ودعا على بعض المشركين من غيرهم فدل ذلك على مراعاته ﷺ لأحوال المدعوين، ولهذا ترجم البخاري ﵀ بتراجم تدل على مراعاة أحوال المدعوين فقال: " باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة " (٢). وقال في موضع آخر: " باب الدعاء على المشركين " (٣). وقال في موضع ثالث: " باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم " (٤). قال ابن حجر ﵀: " كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم " (٥). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " الدعاء على الكفار على حسب الأحوال، فكل مقام له مقال، فيراعى ما هو الأنسب: تارة يدعى عليهم بالهلاك والدمار، وتارة يدعى لهم بالهداية، وتارة يعلمون " (٦). فينبغي للداعية أن يراعي أحوال المدعوين على ما يكون فيه الصلاح (٧). سادسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: من أساليب الدعوة إلى الله التأليف بالدعاء الطيب الذي يجذب قلوب المدعوين، ومن أعظم ذلك الدعاء بالهداية، ولهذا استنبط

стр. 528

الإمام البخاري ﵀ من هذا الحديث أن الدعاء من أنواع التأليف، فقال: " باب الدعاء للمشركين بالهدى؛ ليتألفهم " (١) قال ابن حجر ﵀: " وقوله ليتألفهم من تفقه المصنف ﵀ إشارة إلى التفريق بين المقامين " (٢). أي الدعاء لهم والدعاء عليهم. ولا شك أن الدعاء للمدعو مما يشرح صدره، ويجذب قلبه للدين الإسلامي. فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب (٣). سابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل الحديث بمفهومه على أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة؛ لأن النبي ﷺ حينما طلب منه الدعاء على دوس بالهلاك دعا لهم بالهداية؛ لأنه ﷺ قدوة الدعاة إلى الله ، فهو قد تأنى، وصبر، وحلم، وعفا، ودعا بالهداية للمدعوين. فينبغي للداعية أن يقتدي به ﷺ (٤). ثامنا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ لأن قبيلة دوس من المشركين، وقد دعاهم الطفيل إلى الله ودعا لهم رسول الله ﷺ . فينبغي للداعية إلى الله أن يعتني بدعوة المشركين إلى الله ويسلك معهم في دعوتهم إلى الله تسعة مسالك: ١ - إثبات ألوهية الله تعالى بالأدلة العقلية والنقلية، وأنه المستحق للعبادة وحده. ٢ - ضعف جميع ما عبد من دون الله من جميع الوجوه. ٣ - ضرب الأمثال التي تثبت العبادة لله وحده وتقرر التوحيد. ٤ - الكمال المطلق من جميع الوجوه لله .

стр. 529

٥ - التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام. ٦ - الغلو في الصالحين سبب كفر بني آدم. ٧ - بيان الشفاعة المثبتة والمنفية. ٨ - الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده، فهو المستحق للعبادة وحده. ٩ - الأدلة العقلية والنقلية على إثبات البعث والنشور. فإذا سلك الداعية إلى الله هذه المسالك مع هؤلاء تفصيلا وتوضيحا وإبلاغا برفق، ولين، وحلم، وحكمة نجح بإذن الله (١). تاسعا: من معجزات النبي ﷺ : إجابة دعواته: دل هذا الحديث على أن من المعجزات ودلائل نبوة محمد ﷺ إجابة دعواته، ومن ذلك دعوته لدوس حينما قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم» فهدى الله هذه القبيلة وجاء الطفيل منهم في غزوة خيبر بتسعين أو ثمانين أسرة كلهم قد دخل الإسلام (٢). وقد دعا ﷺ أدعية كثيرة استجاب الله له فيها، وكانت من الدلائل القاطعة على أنه رسول الله ﷺ حقا، وأن الله أرسله ﷺ (٣).

стр. 530

١٠٢ - باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام، والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (١). [حديث لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يدي] ٩٢ - [٢٩٤٢] حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد (٢). ﵁: «سمع النبي ﷺ يقول يوم خيبر: " لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه "، فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجو أن يعطى، فقال: " أين علي؟ " فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعي له، فبصق في عينيه، فبرأ حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: " على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم» (٣). وفي رواية: «أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: " أين علي بن أبي طالب؟ "، فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: " فأرسلوا إليه " فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؛ فقال ﷺ : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن

стр. 531

يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (١). * شرح غريب الحديث: * " الراية " الراية هاهنا: العلم. يقال: ريَّيْت الراية: أي ركزتها (٢). * " على رسلك " تأن ولا تعجل. (٣). * " حمر النعم " النعم: الإبل، والحمر منها أنفسها عند أهلها (٤). * " انفذ " امض (٥). * " يدوكون " أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه، يقال: وقع الناس في دوْكَة ودوكة: أي في خوض واختلاط (٦). * " ساحتهم ": أي ناحيتهم، ويقال: ساحة الدار: الموضع المتسع أمامها، والجمع ساحات (٧). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من معجزات النبي ﷺ : شفاء المرضى والإخبار بالغيوب. ٢ - من صفات الصحابة ﵃: الرغبة فيما عند الله . ٣ - من صفات الداعية: محبة الله ورسوله ﷺ .

стр. 532

٤ - أهمية سؤال الداعية عما يشكل عليه. ٥ - من صفات الداعية: التثبت والأناة. ٦ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء. ٧ - من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد. ٨ - من موضوعات الدعوة: الحث على نشر العلم وتعليم الناس الخير. ٩ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ١٠ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ١١ - من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة. ١٢ - من صفات الداعية: الشجاعة. ١٣ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم. ١٤ - من أصناف المدعوين: اليهود. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من معجزات النبي ﷺ : شفاء المرضى والإخبار بالغيوب: دل هذا الحديث على أن من معجزات النبي ﷺ : شفاء المرضى والإخبار بالغيوب: أما معجزة شفاء المرضى فمنها ما فعل رسول الله ﷺ مع علي بن أبي طالب ﵁ في هذا الحديث حيث بصق في عينيه، فشفاه الله عاجلا على الفور، وهذا يدل على أن الله أرسل محمدا ﷺ بالحق، وقد وقع على يديه من شفاء المرضى الوقائع الكثيرة، ذكر هنها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ خمس وقائع شفي المرضى فيها على الفور (١). أما إخباره بالغيوب فكثير لا يعد ولا يحصى، ومن ذلك ما أخبر به ﷺ في هذا الحديث بقوله: «لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه»، ووقع الفتح على نحو ما أخبر به ﷺ (٢).

стр. 533

فينبغي للداعية أن يبين للناس عند الحاجة أنواع هذه الدلائل التي تدل على صدق النبي ﷺ (١). ثانيا: من صفات الصحابة ﵃: الرغبة فيما عند الله : ظهر في هذا الحديث رغبة الصحابة ﵃ فيما عند الله ، ولهذا عندما سمعوا قول النبي ﷺ : «لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» باتوا ليلتهم يخوضون فيمن يدفعها إليه رسول الله ﷺ ؛ وما ذلك إلا لرغبتهم فيما عند الله ؛ ولهذا قال عمر ﵁ عندما سمع هذا الخبر العظيم، ومحبة هذا الرجل لله ورسوله، ومحبة الله ورسوله له: " ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها " (٢). قال النووي ﵀: " إنما كانت محبته لها؛ لما دلت عليه الإمارة من محبته لله ورسوله ﷺ ، ومحبتهما له، والفتح على يديه " (٣). فينبغي للداعية إلى الله أن يرغب فيما عند الله (٤). ثالثا: من صفات الداعية: محبة الله ورسوله ﷺ : دل هذا الحديث على أن محبة الله ورسوله من أعظم صفات الداعية الصادق مع الله ؛ ولهذا الفضل العظيم مدح النبي ﷺ علي بن أبي طالب؛ لاتصافه بمحبة الله ورسوله ﷺ . ولا شك أن محبة الله ورسوله من أعظم الواجبات على كل مسلم، وخاصة الداعية إلى الله ، ولا يكمل الإيمان إلا بالمحبة الكاملة؛ ولهذا «قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : " لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي

стр. 534

من نفسي، فقال ﷺ : " الآن يا عمر» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: " أي الآن عرفت فنطقت بما يجب " (٢). فينبغي للداعية أن يحب الله ورسوله أكثر من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين (٣). رابعا: أهمية سؤال الداعية عما يشكل عليه: دل هذا الحديث على أهمية السؤال عما يشكل على الإنسان المسلم وخاصة الداعية إلى الله ؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁ في هذا الحديث: " يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ " فبين له ﷺ وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام أولا ويخبرهم بما يجب عليهم. فينبغي لكل مسلم أن يسأل عن كل ما أشكل عليه، حتى يكون على بصيرة (٤). خامسا: من صفات الداعية: التثبت والأناة: إن الأناة في الأمور والتثبت فيها من أعظم الصفات الحميدة، وقد دل هذا الحديث على الأمر بالتثبت وعدم العجلة فقال ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «انفذ على رسلك» وهذا فيه أمر بالأناة وعدم العجلة. فينبغي للداعية أن يكون متأنيا متثبتا في أموره كلها (٥). سادسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: ظهر في هذا الحديث أن من أساليب الدعوة التأليف بالدعاء للمدعو؛ ليدخل الداعية السرور عليه، وقد دعا النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب عندما بصق في عينيه، فبرئ من الرمد بإذن الله .

стр. 535

فينبغي للداعية أن يتألف المدعوين بالدعاء لهم (١). سابعا: من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد: إن من الموضوعات المهمة الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث لعلي بن أبي طالب ﵁: «انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه» والروايات يفسر بعضها بعضا؛ فإن هذه الدعوة تكون قبل القتال إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. فهذا هو حق الله المذكور في هذا الحديث (٢). فينبغي أن يعتني الدعاة إلى الله بالدعوة إلى كلمة التوحيد (٣). ثامنا: من موضوعات الدعوة: الحث على نشر العلم وتعليم الناس الخير: إن الحث على نشر العلم وتعليم الناس الخير من أهم موضوعات الدعوة إلى الله ؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم». وهذا يبين أهمية تعليم الناس الخير، ونشر العلم بينهم؛ قال الإمام الخطابي ﵀ في معنى الحديث: " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك أجرا وثوابا من أن يكون لك حمر النعم، فتتصدق بها " (٤). وقد ذكر القرطبي والأبي والسنوسي ﵏ " أن في هذا الحديث الشريف: حضا عظيما على تعلم العلم وبثه في الناس وعلى الوعظ والتذكير، ويعني أن ثواب تعليم رجل واحد وإرشاده أفضل من ثواب الصدقة بهذه الإبل النفيسة؛ لأن ثواب

стр. 536

الصدقة بها ينقطع بموتها، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة " (١). لقوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٢). وقال ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٣). وقال ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء» (٤). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (٥). وعن أبي أمامة ﵁ يرفعه: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير» (٦). فينبغي للداعية أن يجد ويجتهد في تعليم الناس الخير وحضهم عليه. تاسعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر أسلوب التشبيه في هذا الحديث؛ قال الإمام الكرماني ﵀: " الإبل الحمر، هي أحسن أموال العرب، فيضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وليس عندهم شيء أعظم منه، وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب

стр. 537

إلى الفهم، وإلا فذرة من الآخرة خير من الدنيا وما فيها بأسرها وأمثالها معها " (١). والله المستعان (٢). عاشرا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن هذا الحديث ظهر فيه أسلوب الترغيب في قوله ﷺ : " فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم "، والترغيب في الحقيقة له تأثير عجيب في نفوس المدعوين. فينبغي للداعية أن يعتني به كثيرا (٣). الحادي عشر: من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة إلى الله بعث المجاهدين والدعاة، وإرسالهم إلى أقطار الأرض للدعوة إلى الله ، وقد ظهر في هذا الحديث من بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى يهود خيبر؛ لدعوتهم إلى الله ، وقتالهم إن رفضوا الدعوة، وبعث ﷺ كثيرا من السرايا، والبعوث والدعاة، لنشر الإسلام وتبليغه للناس (٤). الثاني عشر: من صفات الداعية: الشجاعة: إن في هذا الحديث الدلالة على أهمية اتصاف الداعية بالشجاعة؛ لأن علي بن أبي طالب ﵁ اتصف بها في هذا الحديث؛ قال الإمام النووي ﵀: " فيه فضائل ظاهرة لعلي، وبيان شجاعته، وحسن مراعاته لأمر رسول الله ﷺ ، وحبه لله ورسوله ﷺ " (٥). وهذه الشجاعة مما نال بها محبة الله له ورسوله ﷺ . فينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الحميدة (٦).

стр. 538

الثالث عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل هذا الحديث على أن التأكيد بالقسم من أساليب الدعوة إلى الله ؛ «لقوله ﷺ لعلي بن أبي طالب: " فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» وهذا أسلوب تأكيد (١). فينبغي للداعية أن يعتني بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٢). الرابع عشر: من أصناف المدعوين: اليهود: إن اليهود من أصناف المدعوين مع خبثهم وشرهم، وقد دعاهم رسول الله ﷺ كثيرا وقاتلهم؛ ليسلموا، ومن ذلك ما فعله في هذا الحديث من أمره لعلي بن أبي طالب ﵁ بدعوتهم وقتالهم إن أبوا. فينبغي العناية بدعوتهم وإقامة الحجة عليهم، والله المستعان (٣).

стр. 539

[حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله] ٩٣ - [٢٩٤٦] حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري: حدثني سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله». رواه عمر وابن عمر عن النبي ﷺ (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد. ٢ - من صفات الداعية: العمل بالظاهر والله يتولى السرائر. ٣ - النطق بالشهادتين والعمل بهما: أمان للمدعو المخلص ظاهرا وباطنا. ٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٥ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٦ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله . والحديث عن هذه الفوائد والدروس الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى كلمة التوحيد: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الدعوة إلى الشهادتين " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ "، وهذا الحديث لم يذكر فيه إلا قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» ولم يذكر: «وأن محمدا رسول الله»، وقد أجاب العلامة الإمام القرطبي على ذلك فقال ﵀: " ظاهره أن من نطق بكلمة التوحيد فقد حكم له بحكم الإسلام، وهذا ظاهر متروك قطعا، إذ لا بد مع ذلك من النطق بالشهادة بالرسالة، أو بما يدل عليها، لكنه سكت عن كلمة الرسالة؛ لدلالة كلمة التوحيد عليها؛ لأنهما متلازمتان،

стр. 540

فهي مرادة قطعا، ثم النطق بالشهادتين يدل على الدخول في الدين والتصديق بكل ما تضمنه، وعلى هذا فالنطق بالكلمة الأولى يفيد إرادة الثانية ". (١). ومع ما قال القرطبي ﵀، فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضا، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (٢). فهذا الحديث قد بين ما أجمل في حديث أبي هريرة ﵁، فاتضح أن كلمة لا إله إلا الله عند إطلاقها تتضمن وتستلزم الشهادة للنبي ﷺ بالرسالة. ولا شك أن هذه الشهادة لا تنفع قائلها إلا بشروط بينها أهل العلم: وهي: العلم المنافي للجهل، واليقين المنافي للشك، والقبول المنافي للرد، والانقياد المنافي للترك، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، والمحبة المنافية للبغض (٣). وأضيف إلى ذلك: الكفر بما يعبد من دون الله ؛ لقوله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فقد حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» (٤). فينبغي أن يبين الداعية للناس هذه الشهادة، ومعناها وشروطها، ومقتضاها، ونواقضها؛ لأنها لا تنفع قائلها إلا بالعمل بالشروط، والابتعاد عن النواقض (٥). ثانيا: من صفات الداعية: العمل بالظاهر والله يتولى السرائر: إن من نطق بالشهادتين، وعمل بما دلتا عليه ظاهرا، فإن ذلك يمنع ماله

стр. 541

ويحفظه له، ويمنع نفسه، فيكون معصوم الدم والمال، ولهذا قال ﷺ : «فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، وليس للمسلمين إلا الظاهر؛ قال الإمام القرطبي ﵀: " وحسابهم على الله. أي حساب سرائرهم على الله؛ لأنه تعالى هو المطلع عليها، فمن أخلص في إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن لم يخلص في ذلك كان من المنافقين يحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين وهو عند الله من أسوأ الكافرين " (١). فينبغي أن يعامل من أظهر العمل بالشهادتين بالظاهر والله يتولى السرائر (٢). ثالثا: النطق بالشهادتين والعمل بهما: أمان للمدعو المخلص ظاهرا وباطنا: دل الحديث على أن من نطق بالشهادتين، وعمل بهما وبما دلتا عليه؛ فإنهما أمان له ظاهرا؛ لأنه معصوم الدم والمال، وباطنا؛ لأنه أخلص لله رب العالمين وصدق فيما قال، فحصل له اليقين في الدنيا والثواب العاجل والآجل على إخلاصه وصدقه مع ربه الكريم (٣). رابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل الحديث على أسلوب الترغيب؛ لأن النبي ﷺ بين أن من نطق بالشهادتين فقد عصم ماله ودمه، وحسابه على ربه ، ولا شك أن من قالها صدقا من قلبه فقد حصل على الثواب العظيم في الآخرة، مع ما يحصل له في الدنيا من عصمة المال والدم. فينبغي أن يستخدم أسلوب الترغيب في الدعوة إلى الله (٤).

стр. 542

خامسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: ظهر أسلوب الترهيب في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ بين بمفهوم حديثه أن من لم ينطق بالشهادتين ويعمل بمقتضاهما ظاهرا وباطنا؛ فإنه لا يكون معصوم الدم والمال، بل يكون دمه مهدورا وماله غير معصوم، وكذلك لو نطق بهما وعمل بهما ولكن لم يقم بحقهما، فهو معرض لإقامة الحد عليه إن وقع فيما يوجب الحد؛ لأن من قالها فقد دخل في الإسلام ولزمه حقه، وحق ما في الأبدان من حدود، وما في الأموال من حقوق (١). ولهذا - والله أعلم - قال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٢). فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٣). سادسا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله : إن الحث على الجهاد في سبيل الله ، والاستمرار فيه من أهم الموضوعات التي ينبغي العناية بها؛ لقوله ﷺ في هذا الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، وهذا يؤكد أهمية الحث على الجهاد حتى يدخل الناس في الإسلام ويستقيموا على ذلك (٤).

стр. 543

١٠٧ - باب التوديع [حديث إن النار لا يعذب بها إلا الله] ٩٤ - [٢٩٥٤] وقال ابن وهب أخبرني عمرو، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة (١) ﵁ أنه قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في بعث وقال لنا: " إن لقيتم فلانا وفلانا- لرجلين من قريش سماهما- فحرقوهما بالنار ". قال: ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج فقال: " إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما» (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة. ٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله . ٣ - من صفات الداعية: الرجوع عن الحكم والفتوى إذا ظهر الدليل. ٤ - من وظائف الإمام المسلم: قتل كل من آذى رسول الله ﷺ بدون استتابة. ٥ - من أدب المدعو: توديع العلماء والدعاة إذا أراد سفرا. ٦ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٧ - أهمية استنابة الإمام أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة. ٨ - أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة: ظهر في هذا الحديث أن من وسائل الدعوة: بعث المجاهدين والدعاة للدعوة إلى الله ؛ لقول أبي هريرة ﵁ في هذا الحديث: «بعثنا رسول الله ﷺ في بعث. .». فينبغي العناية بإرسال الدعاة إلى الله لتبليغ الدعوة

стр. 544

الإسلامية ونشر العلم بين الناس (١). ثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله : دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة التحذير من التعذيب بعذاب الله لقوله ﷺ : «إن النار لا يعذب بها إلا الله»، «وقد ثبت أن علي بن أبي طالب ﵁ حرق قوما فبلغ ابن عباس ﵄ فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي ﷺ قال: " لا تعذبوا بعذاب الله "، ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه» (٢) وعلي ﵁ فعل ما فعل غضبا لله ؛ لأن هؤلاء الذين أحرقهم بالنار جعلوه إلها من دون الله، فغضب لله وحرقهم؛ ولأنه ﵁ لم يبلغه النهي عن التعذيب بالنار، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " فعل علي ﵁؛ لأنه لم يبلغه الحديث، وفعل ذلك لأنهم فعلوا أمرا شنيعا حيث ألّهوه من دون الله، فغضب لله، وفعل ما فعل ﵁، وهذه قاعدة: أن العالم إذا خالف السنة حمل على أنه لم يبلغه الحديث " (٣). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من التعذيب بالنار؛ لأنه لا يعذب بها إلا الله. قال الإمام ابن العربي ﵀: " والنار لا يعذب بها إلا الله سبحانه، إلا أن يحرق رجل رجلا بالنار فيحرق بها قصاصا " (٤). وقد ثبت أن النبي ﷺ عذب العرنيين الذين قتلوا راعي الإبل بشيء من النار، ففي حديث أنس ﵁: «. . فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا» (٥). وفي رواية لمسلم: «إنما سمل النبي ﷺ أعين هؤلاء؛ لأنهم سملوا أعين

стр. 545

الرعاء» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: " إنما كان ذلك على سبيل القصاص " (٢). وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله يقول: " والأقرب والله أعلم أنه يجوز تعذيب من قتل بالنار أن يقتل بالنار؛ لأنه من باب المقاصة، كما لو عذبه بقطع لسانه، أو قطع رجله، أو أنفه جاز أن يقتص منه بقطع ما قطع، فكذلك التحريق بالنار من باب المقاصة " (٣). ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] (٤) ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] (٥) فاتضح من ذلك أنه لا يعذب بالنار في كل حيوان حتى النملة والبعوضة، إلا أن يكون قصاصا (٦). ثالثا: من صفات الداعية: الرجوع عن الحكم والفتوى إذا ظهر الدليل: إن من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يتصف بها كل مسلم وخاصة الدعاة إلى الله : الأخذ بالدليل من الكتاب والسنة، والرجوع إلى ذلك؛ لأن النبي ﷺ في هذا الحديث قال: «إن لقيتم فلانا وفلانا- لرجلين من قريش سماهما- فحرقوهما بالنار»، ثم رجع عن ذلك تعظيما لله ؛ لئلا يعذب بعذابه فقال ﷺ : «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما»، فدل ذلك على أن العالم أو الداعية إذا صدر منه فتوى ثم رأى أن الأفضل أو الأولى أو الواجب خلافها رجع عن قوله وأفتى بما يوافق الدليل، قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث جواز الحكم بالشيء اجتهادا ثم الرجوع عنه " (٧).

стр. 546

رابعا: من وظائف الإمام المسلم: قتل كل من آذى الله ورسوله بدون استتابة: دل هذا الحديث على أن من صدر منه أذى لله أو لرسوله ﷺ ، فإن إمام المسلمين يأمر بقتله نصرة لله ورسوله ﷺ ولهذا أمر النبي ﷺ بقتل هذين الرجلين بدون استتابة؛ لما صدر منهما من الأذى لرسول الله ﷺ ؛ قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: " إن من سب الله ورسوله ﷺ قتل ولم يستتب؛ لأن فلانا وفلانا المذكورين في الحديث قد سميا في حديث غير هذا، وقيل: سبب ذلك أنهما كانا يؤذيان الله ورسوله " (١). ولا شك أنه يفرق بين الكافر الأصلي والمسلم المرتد بذلك، وقد سبق التفصيل (٢). خامسا: من أدب المدعو: توديع العلماء والدعاة إذا أراد سفرا: ظهر في هذا الحديث أن من الأدب توديع العلماء والدعاة قبل السفر؛ ولهذا قال أبو هريرة ﵁ في هذا الحديث في شأن النبي ﷺ : «ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج». فينبغي أن يعتني المدعو وكذلك الداعية بتوديع العلماء في بلده؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده، وتوديع أصحابه له أيضا " (٣). سادسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لأنه ﷺ أمر بقتل من آذى الله ورسوله، بقوله: " فاقتلوهما "؛ قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة ﵀: " إن إطالة الزمان لا تمنع رفع العقاب؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما، وقيل ذلك حين كانت الأذية منهما صادرة ولو لم ترج القدرة للمسلمين عليهما لم يأمر فيهما بشيء " (٤).

стр. 547

فينبغي للداعية أن يبين للناس أن من وقع في شيء يوجب العقاب ثم ستر الله عليه وأسبغ عليه نعمه وأمهله، فلا يغتر بذلك بل عليه أن يبادر بالتوبة قبل مفاجأة المنايا أو النقم؛ لأن الله يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ - ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ - مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧] (١) وقال : ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] (٢) وهو الشيطان (٣). ولا شك أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته (٤). والله المستعان. سابعا: أهمية استنابة الإمام أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة: دل هذا الحديث على أهمية استنابة الإمام أو العالم أو الداعية من يقوم مقامه في الأمور المهمة؛ ولهذا استناب النبي ﷺ على قتل هذين الرجلين؛ قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀ في فوائد هذا الحديث: " جواز النيابة في الأحكام؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى إليه بهما " (٥). ثامنا: أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس: دل هذا الحديث على أهمية ذكر الدليل عند الفتوى أو الحكم؛ لرفع الإلباس؛ قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما»، فقد استدل سيد الخلق ﵊ بكون النار لا يعذب بها إلا الله؛ قال ابن حجر ﵀ إن من فوائد هذا الحديث: " استحباب ذكر الدليل عند الحكم؛ لرفع الإلباس " (٦). فينبغي للداعية العناية بذكر الأدلة من الكتاب والسنة أو من أحدهما على ما يقول ويفتي به؛ ليكون لذلك الأثر في نفوس المدعوين، والله الموفق (٧).

стр. 548

١٠٨ - باب السمع والطاعة للإمام [حديث السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة] ٩٥ - [٢٩٥٥] حدثنا مسدد: حدثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع، عن ابن عمر (١) ﵄ عن النبي ﷺ وحدثنا محمد بن الصباح، عن إسماعيل بن زكريا، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «السمع والطاعة حق، ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٢). وفي رواية: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: حض الناس على طاعة ولاة الأمر بالمعروف. ٢ - من صفات الداعية: الصبر على جور الولاة والأمراء. والحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: حض الناس على طاعة ولاة الأمر بالمعروف: دل هذا الحديث على أن السمع لولاة الأمر بإجابة أقوالهم، والطاعة لأوامرهم حق واجب ما لم يأمروا بمعصية؛ فإن فعلوا ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، وقد أمر الله بطاعة ولاة

стр. 549

الأمر فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١) وولاة الأمر هم: العلماء، والولاة، والأمراء (٢). فينبغي للداعية أن يحض الناس على طاعتهم في غير معصية الله ؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فطاعة الله ورسوله واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم فما له في الآخرة من خلاق " (٣) وذكر الإمام الطيبي ﵀: ". . أن سماع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه، أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية، فإن أمره بها فلا تجوز طاعته، ولكن لا يجوز له محاربة الإمام " (٤). ثانيا: من صفات الداعية: الصبر على جور الولاة والأمراء: دل هذا الحديث على أن من صفات المسلم، وخاصة الداعية إلى الله أن يصبر على جور الولاة والأمراء؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بطاعة ولاة الأمر وإن جاروا ماداموا لم يكفروا، فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله» (٥) وقال:

стр. 550

«إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» (١) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» (٢) وعن حذيفة ﵁ يرفعه: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس "، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: " تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع» (٣) وهذا كله يؤكد وجوب طاعة الإمام أو الأمير في غير معصية الله ما لم يخرج عن الإسلام بكفر بواح عند المسلم من الله فيه برهان؛ قال الإمام النووي ﵀: " وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث على معنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة على أنه لا ينعزل السلطان بالفسق. . . قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ". (٤). * * * *

стр. 551

١٠٩ - باب يقاتل من وراء الإمام، ويتقى به حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب: حدثنا أبو الزناد: أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة (١) ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:. . الحديث. [حديث من أطاعني فقد أطاع الله] ٩٦ - [٢٩٥٧] وبهذا الإسناد: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني. وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به. فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإن عليه منه» (٢). وفي رواية: «ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري ففد عصاني» (٣). * شرح غريب الحديث: * " جنة " الجنة: الوقاية، ويقال: الإمام جنة؛ لأنه يقي المأموم الزلل والسهو (٤) والمعنى هنا: الإمام كالترس يقاتل من ورائه: أي يقاتل معه الكفار والبغاة، وينصر عليهم ويتقى به شر العدو (٥). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على طاعة الله ورسوله ﷺ . ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على طاعة ولاة أمر المسلمين. ٣ - أهمية القتال مع إمام المسلمين وحمايته من الأعداء.

стр. 552

٤ - من صفات الإمام والداعية: العدل. ٥ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٧ - من أساليب الدعوة: الترهيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على طاعة الله ورسوله ﷺ : دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحض على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله»، قال الإمام القرطبي ﵀: " هذا منتزع من قوله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (١) وذلك أنه ﷺ لما كان مبلغا أمر الله وحكمه، وأمر الله بطاعته، فمن أطاعه فقد أطاع أمر الله ونفذ حكمه " (٢) فينبغي للداعية أن يحث الناس ويرغبهم في طاعة الله ورسوله ﷺ ، قال الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا - ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠] (٣) وقال بعد أن ذكر أحكام الفرائض والمواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] (٤). وينبغي للداعية أن يحذر الناس من معصية الله ورسوله؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «ومن عصاني فقد عصى الله»، وهذا مقتبس من القرآن الكريم، قال الله : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٥).

стр. 553

وقال : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (١) وقال : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (٢) والآية الجامعة لطاعة الرسول ﷺ والنهي عن معصيته في كل شيء، هي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] (٣). ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على طاعة ولاة أمر المسلمين: دل هذا الحديث على أن الحث على طاعة ولاة أمر المسلمين من موضوعات الدعوة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ". . «ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» قال القرطبي ﵀: " ووجهه: أن أمير رسول الله ﷺ إنما هو منفذ أمره، ولا يتصرف إلا بأمره، فمن أطاعه فقد أطاع أمر رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فكل من أطاع أمير رسول الله ﷺ فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فينتج أن من أطاع أمير رسول الله ﷺ فقد أطاع الله، وهو حق صحيح، وليس هذا الأمر خاصا بمن باشره رسول الله ﷺ بتوليه الإمارة، بل هو عالم في كل أمير للمسلمين عدل، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية " (٤). فينبغي للداعية أن يحث الناس على طاعة ولاة أمر المسلمين في غير معصية، طاعة لله ورسوله ﷺ (٥). ثالثا: أهمية القتال مع إمام المسلمين وحمايته من الأعداء: ظهر في هذا الحديث أهمية القتال مع إمام المسلمين وحمايته من كيد أعداء الدين؛ ولهذا قال ﷺ : «إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به» وهذا

стр. 554

واضح في الأمر بمساعدته والشد من أزره طاعة لرسول الله ﷺ . قال الإمام النووي ﵀: " الإمام جنة: أي كالستر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته، ومعنى: " يقاتل من ورائه " أي يقاتل معه الكفار، والبغاة، والخوارج، وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا " (١). فينبغي للداعية أن يحث الناس على أهمية هذا الأمر، والله المستعان. رابعا: من صفات الإمام والداعية: العدل: دل الحديث على أن العدل من صفات الإمام والداعية؛ لقوله ﷺ : «فإن أمر بتقوى الله وعدل؛ فإن له بذلك أجرا». قال الإمام الأبي ﵀: " العدل أخص أوصاف الإمام " (٢). فينبغي الحكم بالعدل، وينبغي للداعية أن يلتزم صفة العدل في كل أموره (٣). خامسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذا الحديث أسلوب التشبيه في قوله ﷺ : «الإمام جنة» قال الإمام الكرماني ﵀: " أي كالترس يقاتل من ورائه: أي يقاتل معه الكفار والبغاة " (٤). وقال الملا علي القاري ﵀: " فهو تشبيه بليغ " (٥). فينبغي أن يعتني الداعية عند الحاجة بأسلوب التشبيه في دعوته إلى الله (٦).

стр. 555

سادسا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لقوله ﷺ : «فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا»، وهذا يدل على أن الإمام أو الداعية إذا أمر بالتقوى؛ وقضى بحكم الله فإن له أجرا عظيما (١). وهذا فيه ترغيب في العدل في القضاء والحكم والفتوى وغير ذلك (٢). سابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لقوله ﷺ : «وإن قال بغيره فإن عليه منه» أي إن أمر وقال بغير التقوى والعدل في الحكم والقضاء بين الناس؛ «فإن عليه منه» أي وزرا ثقيلا (٣) وقد حذر النبي ﷺ عن الظلم والجور، فقال ﷺ : «القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار: فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» (٤). وهذا فيه تخويف من الوقوع في الظلم والجور، والحكم بغير العدل، والله المستعان. [باب البيعة في الحرب أن لا يفروا]

стр. 556

١١٠ - باب البيعة في الحرب أن لا يفروا وقال بعضهم: على الموت لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] (١). [حديث سألنا نافعا على أي شيء بايعهم على الموت قال لا بل بايعهم على الصبر] ٩٧ - [٢٩٥٨] حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا جويرية، عن نافع قال: قال ابن عمر (٢). ﵄: «رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله. فسألنا نافعا: على أي شيء بايعهم، على الموت؛ قال: لا، بل بايعهم على الصبر». * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: إزالة الأماكن التي يفتن بها الناس. ٢ - من صفات الداعية: الثبات والصبر. ٣ - محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ . ٤ - من وسائل الدعوة؛ مبايعة إمام المسلمين. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: إزالة الأماكن التي يفتن بها الناس: ظهر في هذا الحديث أن إزالة أو إخفاء الأماكن التي يفتتن بها الناس من وسائل الدعوة إلى الله ؛ ولهذا قال ابن عمر ﵄: «رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها كانت رحمة من الله» قال الإمام النووي ﵀: " قال العلماء: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس

стр. 557

بها؛ لما جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان، والسكينة، وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرة معلومة لخيف تعظيم الأعراب إياها وعبادتهم لها، فكان خفاؤها رحمة من الله تعالى " (١) وقال ابن حجر ﵀: " كانت رحمة من الله: أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى، ويحتمل أن يكون معنى قوله " رحمة من الله " أي كانت الشجرة، موضع رحمة الله ومحل رضوانه؛ لنزول الرضا عن المؤمنين عندها " (٢) وحديث ابن عمر ﵄ هذا يدل على أن الصحابة ﵃ قد أنسوا مكان الشجرة، وقد وافق ابن عمر ﵄ على أن الشجرة خفي عليهم مكانها من العام الذي بعد صلح الحديبية، المسيب والد سعيد، قال سعيد ﵀: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها " (٣) وقال ابن حجر ﵀: " لكن إنكار سعيد بن المسيب على من زعم أنه عرفها معتمدا على قول أبيه أنهم لم يعرفوها في العام المقبل لا يدل على رفع معرفتها أصلا " (٤) وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي قطعها، فعن نافع قال: " بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت " (٥). وسمعت سماحة العلامة ابن باز حفظه الله يقول: " أنسيها المسيب ﵀ ولكن عمر ﵁ علمها وقطعها " (٦). وهذا يبين أهمية إزالة المواضع التي يخشى على الناس من الافتتان بها، وأن ذلك من وسائل الدعوة إلى الله .

стр. 558

ثانيا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: ظهر في هذا الحديث أن الصبر والثبات صفة حميدة من صفات الدعاة إلى الله ، ولهذا جاء في هذا الحديث: «فسألنا نافعا على أي شيء بايعهم، على الموت؟ قال: لا، بايعهم على الصبر»، وقد ثبت في غير هذا الحديث أن الصحابة بايعوا رسول الله ﷺ يوم الحديبية على الموت، فعن مولى سلمة بن الأكوع قال: «سألت سلمة على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت» (١) قال ابن حجر ﵀ على حديث سلمة هذا: " فدل ذلك على أنه لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولابد، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله: " بل بايعهم على الصبر " أي على الثبات وعدم الفرار، سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا، والله أعلم " (٢). فينبغي للداعية أن يتحلى بالصبر والثبات في جميع المواطن (٣). ثالثا: محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ : دل هذا الحديث على محبة صحابة رسول الله ﷺ له، محبة عظيمة فاقت محبة النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين؛ ولهذا بايعوه ﷺ يوم الحديبية على الثبات وعدم الفرار، ولو وصل بهم هذا الثبات إلى الموت ﵃، ولهذا فازوا برضوان الله. قال الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] (٤). وهذا كله يدل على المحبة العظيمة لله ولرسوله ﷺ ، ورضي عنهم وأرضاهم وحشرنا جميعا في زمرتهم (٥).

стр. 559

رابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: مبايعة إمام المسلمين من أهم وسائل الدعوة إلى الله ؛ ولهذا ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ بايع الصحابة يوم الحديبية على الصبر، ولا شك أن المبايعة معاقدة ومعاهدة على القيام والالتزام بما حصلت البيعة عليه؛ لأن البيعة عبارة عن المعاقدة والمعاهدة: كأن كل واحد من المبايعين باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودخيلة أمره (١) ولا ريب أن التعاهد والتعاضد يعطي بإذن الله العزيمة القوية على الثبات في الدعوة إلى الله ، وفي الجهاد، وفي كل أمور الإسلام؛ ليكون ذلك وسيلة إلى الجهاد والدعوة ومن ذلك: البيعة على السمع والطاعة، وعلى أن لا ينازع الأمر أهله، وعلى القول بالحق، وبالعدل، وعلى النصح لكل مسلم، والثبات في القتال، والبيعة على الجهاد، وعلى الهجرة، وأعظم ذلك البيعة على الإيمان والإسلام، والنصرة وغير ذلك (٢). ولهذا قال ﷺ : «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (٣). وهذا يبين أهمية مبايعة إمام المسلمين، وخطر الخروج عليه، وأن المبايعة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله .

стр. 560

[حديث عبد الله بن زيد لا أبايع أحدا على الموت بعد رسول الله] ٩٨ - [٢٩٥٩] حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا وهيب: حدثنا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد (١) ﵄ قال: «لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له: إن ابن حنظلة (٢). يبايع الناس على الموت. فقال: لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله ﷺ » (٣). وفي رواية: «لما كان يوم الحرة، والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة فقال ابن زيد: على ما يبايع ابن حنظلة؟ قيل له: على الموت، قال لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ ». وكان شهد معه الحديبية " (٤). * شرح غريب الحديث: * " زمن الحرة " الحرة: أرض ذات حجارة سود كثيرة، وهي بظاهر المدينة،

стр. 561

ويوم الحرة يوم مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية، لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة: من الصحابة والتابعين، وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وعقيبها هلك يزيد (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الثبات والصبر. ٢ - محبة الصحابة للنبي ﷺ . ٣ - من صفات الداعية: الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم. ٤ - من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: دل هذا الحديث على أهمية الصبر والثبات؛ ولهذا قال عبد الله بن زيد ﵄ حينما بايع الناس عبد الله بن حنظلة على الموت: «لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ »، وكان شهد معه الحديبية، فدل ثبات الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ومبايعته على الثبات - حتى ولو ماتوا على ذلك- على صبرهم وثباتهم وقوة إيمانهم ﵃. (٢). ثانيا: محبة الصحابة للنبي ﷺ : ظهر في هذا الحديث محبة الصحابة لرسول الله ﷺ ولهذا قال عبد الله بن زيد ﵄ حينما أخبر أن الناس يبايعون عبد الله بن حنظلة على الموت: «لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ ».

стр. 562

فدل ذلك على محبة الصحابة لرسول الله ﷺ حتى عاهدوه على أن لا يفروا ولو وصل بهم الثبات إلى الموت، ﵃ (١). ثالثا: من صفات الداعية: الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم، ولو كان فاسقا؛ لأن عبد الله بن زيد رأى عدم المبايعة على الموت في يوم الحرة، وقد امتنع من حضور فتنة الحرة عبد الله بن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة ﵃، وحصل شر عظيم وفتنة باهرة أسأل الله العافية في الدنيا والآخرة لي ولجميع المسلمين، وقتل في يوم الحرة ألف وسبعمائة من وجوه الناس، ومن أخلاط الناس عشرة آلاف، وذكر عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: " قتل يوم الحرة من حملة القرآن سبعمائة "، وهذا مما يؤكد على الناس عدم الخروج على الإمام المسلم، ولو كان فاسقا ظالما؛ لأن الخروج يحصل به شرور كثيرة: من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وقتل النساء والصبيان، وتدمير الأموال، وإثارة الفتن المتلاطمة (٢) والله المستعان (٣). رابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: دل هذا الحديث على أن البيعة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ؛ لأن المبايع إذا بايع ولي الأمر على أمر من أمور الدعوة والجهاد ثبت على عهده، ولم ينقض ما أبرم من العهد والميثاق؛ ولهذا بايع النبي ﷺ الصحابة يوم الحديبية على الموت: أي على أن لا يفروا ولو أدى الثبات إلى الموت، وهذا ما دل عليه قول عبد الله بن زيد ﵄ في هذا الحديث (٤).

стр. 563

[حديث يا ابن الأكوع ألا تبايع] ٩٩ - [٢٩٦٠] حدثنا المكي بن إبراهيم: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة (١). ﵁ قال: «بايعت النبي ﷺ ثم عدلت إلى ظل الشجرة، فلما خف الناس قال: " يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ " قال: قلت قد بايعت يا رسول الله، قال: " وأيضا ". فبايعته الثانية. فقلت له: يا أبا مسلم، على أي شيء، كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت» (٢). وفي رواية: «على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت» (٣). وفي رواية: «بايعنا النبي ﷺ تحت الشجرة فقال لي: " يا سلمة ألا تبايع؟ " قلت يا رسول الله: قد بايعت في الأول، قال: " وفي الثاني» (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الثبات والصبر. ٢ - عظم محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ . ٣ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار. ٤ - من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 564

أولا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: دل هذا الحديث على أن الصبر والثبات من الصفات الحميدة؛ ولهذا بين سلمة بن الأكوع أنهم بايعوا رسول الله ﷺ يوم الحديبية على الموت، والمقصود بالمبايعة على الموت: أي المبايعة على الصبر والثبات وعدم الفرار وإن أدى ذلك إلى الموت، فيكون مؤدى البيعة على الموت، والبيعة على عدم الفرار واحد (١). وهذا يؤكد صبر الصحابة ﵃ وشجاعتهم التي لا نظير لها عند غيرهم (٢). ثانيا: عظم محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ : بين هذا الحديث عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ ؛ ولهذا عاهدوه وبايعوه على أن يثبتوا ولا يفروا، ويصبروا ولا يجزعوا، ولو آل ذلك إلى الموت، وهذه المبايعة الصادقة على الموت تدل على المحبة الصادقة لله ولرسوله ﷺ ، والرغبة العظيمة في الذود والدفاع عن رسول الله ﷺ ودعوته (٣). ثالثا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار؛ ولهذا «قال ﷺ لسلمة بن الأكوع: " يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ " قال: قد بايعت يا رسول الله، قال: " وأيضا» قال: فبايعته الثانية. قال ابن حجر ﵀: " بايع النبي ﷺ لسلمة مكررا. قيل: لأنه كان مقداما في الحرب، فأكد عليه احتياطا، أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعدد الصفة " (٤). وقال العيني ﵀: " إنما قال ذلك مع أنه بايع مع الناس؛ لأنه أراد تأكيد بيعته؛ لشجاعته وشهرته بالثبات؛ فلذلك أمره بتكرير المبايعة " (٥).

стр. 565

وهذا يبين أهمية أسلوب التكرار في الدعوة إلى الله عند الحاجة لذلك (١). رابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: ظهر في هذا الحديث أن المبايعة من وسائل الدعوة إلى الله ؛ لأن سلمة بن الأكوع قيل له: «يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ - أي يوم صلح الحديبية - فقال: على الموت. » وهذا يؤكد أهمية المعاهدة والمعاقدة على الثبات؛ ولهذا كانت المبايعة من أهم وسائل الدعوة (٢). * * * *
следующие страницы →