ويوم الحرة يوم مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية، لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة: من الصحابة والتابعين، وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وعقيبها هلك يزيد (١).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: الثبات والصبر.
٢ - محبة الصحابة للنبي ﷺ .
٣ - من صفات الداعية: الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم.
٤ - من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: دل هذا الحديث على أهمية الصبر والثبات؛ ولهذا قال عبد الله بن زيد ﵄ حينما بايع الناس عبد الله بن حنظلة على الموت: «لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ »، وكان شهد معه الحديبية، فدل ثبات الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ومبايعته على الثبات - حتى ولو ماتوا على ذلك- على صبرهم وثباتهم وقوة إيمانهم ﵃. (٢).
ثانيا: محبة الصحابة للنبي ﷺ : ظهر في هذا الحديث محبة الصحابة لرسول الله ﷺ ولهذا قال عبد الله بن زيد ﵄ حينما أخبر أن الناس يبايعون عبد الله بن حنظلة على الموت: «لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ ».
стр. 562
فدل ذلك على محبة الصحابة لرسول الله ﷺ حتى عاهدوه على أن لا يفروا ولو وصل بهم الثبات إلى الموت، ﵃ (١).
ثالثا: من صفات الداعية: الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة الابتعاد عن الفتن وعدم الخروج على الإمام المسلم، ولو كان فاسقا؛ لأن عبد الله بن زيد رأى عدم المبايعة على الموت في يوم الحرة، وقد امتنع من حضور فتنة الحرة عبد الله بن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة ﵃، وحصل شر عظيم وفتنة باهرة أسأل الله العافية في الدنيا والآخرة لي ولجميع المسلمين، وقتل في يوم الحرة ألف وسبعمائة من وجوه الناس، ومن أخلاط الناس عشرة آلاف، وذكر عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: " قتل يوم الحرة من حملة القرآن سبعمائة "، وهذا مما يؤكد على الناس عدم الخروج على الإمام المسلم، ولو كان فاسقا ظالما؛ لأن الخروج يحصل به شرور كثيرة: من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وقتل النساء والصبيان، وتدمير الأموال، وإثارة الفتن المتلاطمة (٢) والله المستعان (٣).
رابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: دل هذا الحديث على أن البيعة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ؛ لأن المبايع إذا بايع ولي الأمر على أمر من أمور الدعوة والجهاد ثبت على عهده، ولم ينقض ما أبرم من العهد والميثاق؛ ولهذا بايع النبي ﷺ الصحابة يوم الحديبية على الموت: أي على أن لا يفروا ولو أدى الثبات إلى الموت، وهذا ما دل عليه قول عبد الله بن زيد ﵄ في هذا الحديث (٤).
стр. 563
[حديث يا ابن الأكوع ألا تبايع]
٩٩ - [٢٩٦٠] حدثنا المكي بن إبراهيم: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة (١). ﵁ قال: «بايعت النبي ﷺ ثم عدلت إلى ظل الشجرة، فلما خف الناس قال: " يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ " قال: قلت قد بايعت يا رسول الله، قال: " وأيضا ". فبايعته الثانية. فقلت له: يا أبا مسلم، على أي شيء، كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت» (٢).
وفي رواية: «على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت» (٣).
وفي رواية: «بايعنا النبي ﷺ تحت الشجرة فقال لي: " يا سلمة ألا تبايع؟ " قلت يا رسول الله: قد بايعت في الأول، قال: " وفي الثاني» (٤).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: الثبات والصبر.
٢ - عظم محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ .
٣ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.
٤ - من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
стр. 564
أولا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: دل هذا الحديث على أن الصبر والثبات من الصفات الحميدة؛ ولهذا بين سلمة بن الأكوع أنهم بايعوا رسول الله ﷺ يوم الحديبية على الموت، والمقصود بالمبايعة على الموت: أي المبايعة على الصبر والثبات وعدم الفرار وإن أدى ذلك إلى الموت، فيكون مؤدى البيعة على الموت، والبيعة على عدم الفرار واحد (١). وهذا يؤكد صبر الصحابة ﵃ وشجاعتهم التي لا نظير لها عند غيرهم (٢).
ثانيا: عظم محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ : بين هذا الحديث عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ ؛ ولهذا عاهدوه وبايعوه على أن يثبتوا ولا يفروا، ويصبروا ولا يجزعوا، ولو آل ذلك إلى الموت، وهذه المبايعة الصادقة على الموت تدل على المحبة الصادقة لله ولرسوله ﷺ ، والرغبة العظيمة في الذود والدفاع عن رسول الله ﷺ ودعوته (٣).
ثالثا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار؛ ولهذا «قال ﷺ لسلمة بن الأكوع: " يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ " قال: قد بايعت يا رسول الله، قال: " وأيضا» قال: فبايعته الثانية.
قال ابن حجر ﵀: " بايع النبي ﷺ لسلمة مكررا. قيل: لأنه كان مقداما في الحرب، فأكد عليه احتياطا، أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعدد الصفة " (٤). وقال العيني ﵀: " إنما قال ذلك مع أنه بايع مع الناس؛ لأنه أراد تأكيد بيعته؛ لشجاعته وشهرته بالثبات؛ فلذلك أمره بتكرير المبايعة " (٥).
стр. 565
وهذا يبين أهمية أسلوب التكرار في الدعوة إلى الله عند الحاجة لذلك (١).
رابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: ظهر في هذا الحديث أن المبايعة من وسائل الدعوة إلى الله ؛ لأن سلمة بن الأكوع قيل له: «يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ - أي يوم صلح الحديبية - فقال: على الموت.
» وهذا يؤكد أهمية المعاهدة والمعاقدة على الثبات؛ ولهذا كانت المبايعة من أهم وسائل الدعوة (٢).
* * * *
стр. 566
[حديث مضت الهجرة لأهلها]
١٠٠ - ، ١٠١ - [٢٩٦٢, ٢٩٦٣] حدثنا إسحاق بن إبراهيم: سمع محمد بن فضيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن مجاشع (١) ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ أنا وأخي، فقلت: بايعنا على الهجرة، فقال: " مضت الهجرة لأهلها ". فقلت: علام تبايعنا؟ قال: " على الإسلام والجهاد» (٢).
وفي رواية: " جاء مجاشع بأخيه مجالد بن مسعود (٣). إلى النبي ﷺ فقال: هذا مجالد يبايعك على الهجرة فقال: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإسلام» (٤).
وفي رواية: «أتيت النبي ﷺ بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة. قال: " ذهب أهل الهجرة بما فيها " فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: " أبايعه على الإسلام، والإيمان، والجهاد» فلقيت معبدا (٥).
стр. 567
بعد- وكان أكبرهما- فسألته فقال: صدق مجاشع (١).
وفي رواية: عن أبي عثمان النهدي عن مجاشع بن مسعود: «انطلقت بأبي معبد إلى النبي ﷺ : ليبايعه على الهجرة قال: " مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد» فلقيت أبا معبد فسألته؟ فقال: صدق مجاشع (٢).
* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية السؤال في تحصيل العلم.
٢ - من موضوعات الدعوة: الحض على أصول الإسلام.
٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على أصول الإيمان.
٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد.
٥ - من صفات الداعية: الحرص على هداية الأقربين.
٦ - من معجزات النبي ﷺ : الإخبار ببقاء مكة دار إسلام.
٧ - من موضوعات الدعوة: البيان ببقاء الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام.
٨ - من صفات الداعية: الحرص على التثبت في طلب الحديث.
٩ - من صفات الداعية: الصدق.
١٠ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية السؤال في تحصيل العلم: ظهر في هذين الحديثين أهمية السؤال في تحصيل العلم، لأن مجاشع بن
стр. 568
مسعود ﵁ «سأل النبي عن الهجرة لأخيه مجالد، فقال ﷺ : " مضت الهجرة لأهلها " فقال مجاشع: على أي شيء تبايعه فقال ﷺ : " أبايعه على الإسلام، والإيمان، والجهاد».
وهذا يدل على أهمية السؤال في تحصيل العلم النافع، وما يترتب عليه من الفوائد والعلم بأمور الإسلام (١).
ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحض على أصول الإسلام: دل هذان الحديثان على أن الحث على أصول الإسلام من موضوعات الدعوة؛ ولهذا قال ﷺ : " أبايعه على الإسلام. . . " والمقصود ملازمة الإسلام بأركانه الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا؛ ولهذا «عندما سأل جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الإسلام فقال ﷺ : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (٢).
فينبغي للداعية أن يحض الناس على هذه الأصول التي بني عليها الإسلام (٣).
ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على أصول الإيمان: إن أصول الإيمان أعظم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يبينها للناس، ويوضحها توضيحا مفصلا؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمجاشع في هذا الحديث عند المبايعة لأخيه مجالد: " أبايعه على الإسلام والإيمان. . . " والمقصود بالمبايعة على الإيمان هنا: ملازمة أصول الإيمان الستة كما فسرته النصوص الأخرى؛ ولهذا «عندما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإيمان أجابه بقوله ﷺ : " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٤).
стр. 569
وهذا يؤكد على الداعية إلى الله أن يعتني بإبلاغ الناس هذه الأصول على وجه التفصيل والإيضاح (١).
رابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله : إن الجهاد في سبيل الله من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعتني بها أهل العلم والدعوة إلى الله ؛ لما في ذلك من إظهار شعائر الإسلام، وقمع الكفر، وأهل البغي والفساد؛ ولهذا بايع النبي ﷺ في هذا الحديث مجالد بن مسعود ﵁ على الجهاد، فقال ﷺ لأخيه مجاشع: «أبايعه على: الإسلام، والإيمان، والجهاد».
فينبغي العناية بالحث على الجهاد؛ لأنه ذروة سنام الإسلام كما «قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: " ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ " قال معاذ ﵁: قلت: بلى يا رسول الله، قال: " رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». . . " (٢). والجهاد يكون باليد، واللسان، والمال؛ قال النبي ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (٣). فينبغي العناية الفائقة بالحث على الجهاد في سبيل الله (٤).
خامسا: من صفات الداعية: الحرص على هداية الأقربين: لا شك أن الحرص على هداية الأقربين وحب الخير لهم من الأمور المهمة التي ينبغي العناية بها؛ ولهذا اعتنى مجاشع بن مسعود ﵁ بأخيه مجالد، وجاء به إلى النبي ﷺ ؛ ليبايعه على الهجرة، فبايعه ﷺ على: الإسلام، والإيمان، والجهاد، والداعية الصادق يكون حريصا على هداية الناس
стр. 570
جميعا، ولكنه يعتني عناية خاصة بأقربائه؛ لأن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة (١).
سادسا: من معجزات النبي ﷺ : الإخبار ببقاء مكة دار إسلام: دل الحديثان على معجزة ظاهرة للنبي ﷺ تدل على صدق نبوته ورسالته، وهي أن مكة تبقى دار إسلام إلى آخر الدنيا؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإِسلام». قال الإِمام النووي ﵀: " وهذا يتضمن معجزة لرسول الله ﷺ بأنها تبقى دار إسلام لا يتصور منها الهجرة ". (٢).
سابعا: من موضوعات الدعوة: البيان ببقاء الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإِسلام: الناظر في قوله ﷺ في حديث مجاشع بن مسعود ﵁: «لا هجرة بعد فتح مكة ولكن أبايعه على الإِسلام» يتصور بأن الهجرة قد انقطعت إلى يوم القيامة، ولكن أحاديث رسول الله ﷺ يفسر بعضها بعضا؛ قال الإِمام النووي ﵀: " قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإِسلام باقية إلى يوم القيامة، وتأوَّلوا هذا الحديث تأويلين:
أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة؛ لأنها أصبحت دار إسلام فلا تتصور منها الهجرة.
والثاني: وهو الأصح: أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة؛ لأن الإِسلام قويَ وعز بعد فتح مكة عزا ظاهرا بخلاف ما قبله (٣).
وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: " المقصود لا هجرة من مكة إلى غيرها؛ لأنها أصبحت دار إسلام فلا حاجة إلى الهجرة
стр. 571
منها، وأما الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإِسلام بنية الفرار بدينه فهي باقية إلى يوم القيامة " (١) وقد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ التي تفسر حديث مجاشع وغيره، فعن عبد الله بن واقد السعدي ﵁ قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ في وفدٍ كلنا يطلب حاجته، وكنت آخرهم دخولا على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني تركت من خلفي، وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت، قال: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفَّار» (٢) وعن جرير بن عبد الله ﵁ في مبايعته للنبي ﷺ أنه قال له: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (٣) وعن جرير ﵁ أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين " قالوا: يا رسول الله، لِمَ؟ قال: " لا تَراءَى نَارَاهمَا» (٤) وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (٥).
وهذه الأحاديث تبين أن الهجرة باقية إلى يوم القيامة من بلد المشركين إلى بلد المسلمين، وقد فَصَّل في ذلك أهل العلم، قال ابن حجر ﵀: " لا تجب الهجرة من بلد فتحه المسلمون أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة: الأول قادر على الهجرة لا يمكنه إظهار دينه، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة. الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير
стр. 572
المسلمين بها ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز يعذر: من أسرٍ، أو مرضٍ أو غيره، فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر " (١).
وقد قال القرطبي ﵀: " ولا يختلف في أنه لا يحلّ لمسلم المقام في بلاد الكفار، مع التمكّن من الخروج منها؛ لجريان أحكام الكفار عليه؛ ولخوف الفتنة على نفسه، وهذا حكم ثابت، مؤبَّد إلى يوم القيامة. وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفار لتجارة أو غيرها، مما لا يكون ضروريا في الدين: كالرسل، وكافتكاك المسلم، وقد أبطل مالك ﵀ شهادة من دخل بلاد الهند (٢) للتجارة " (٣).
فإذا علم المسلم شأن الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام، فهل يهاجر المسلم من بلاد المسلمين التي تقام فيها المعاصي ولا يستطيع تغييرها؟ قال الإِمام ابن العربي ﵀: " فأما الهجرة من بلد الكفر فهي فريضة إلى يوم القيامة، وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل بظلم أو فتنة. . . فإن قيل: فإن لم يوجد بلد إلا كذلك؛ قلنا: يختار المرء أقلها إثما، مثل أن يكون بلد فيه كفر فبلد فيه جور خير منه، أو بلد فيه عدل وحرام، فبلد فيه جور وحلال خير منه للمقام. . . " (٤) ولهذا قال النبي ﷺ : «يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» (٥) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: " والهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام باقية إلى قيام الساعة وكذلك الهجرة من بلاد المعاصي إلى بلاد الطاعات، إذا كانت أحسن من بلده، فله الهجرة، إلا إذا كان بقاؤه في بلاد المعاصي فيه خير: كالدعوة إلى الله،
стр. 573
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". (١).
فينبغي للداعية أن يبين للناس ذلك بيانا واضحا، ويحثهم على هجر المعاصي والسيئات أيضا؛ لأن هجر المعاصي من أكمل الهجرة إلى الله ، وخاصة في هذه الأزمان التي قد كثرت فيها الذنوب والموبقات؛ ولهذا قال ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٢) وقد أخبر النبي ﷺ عن أكمل الناس في الهجرة، والجهاد، والإِيمان والإِسلام فقال ﷺ في حجة الوداع: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» (٣).
ثامنا: من صفات الداعية: الحرص على التثبت في طلب الحديث: دل هذان الحديثان على حرص السلف الصالح على التثبت في نقل حديث رسول الله ﷺ ولهذا روى أبو عثمان النهدي هذا الحديث عن مجاشع بن مسعود عن النبي ﷺ ، ثم لقي أبو عثمان النهدي أبا معبد أخا مجاشع فسأله عن هذا الحديث؛ لأنه حضر مع أخيه عند النبي ﷺ . فقال أبو معبد: " صدق مجاشع " وهذا من حرص أبي عثمان على التأكد والتثبت وزيادة اليقين؛ فينبغي للداعية أن يتثبت في نقل الأحاديث عن رسول الله ﷺ (٤).
تاسعا: من صفات الداعية: الصدق: إن الصدق في القول والفعل، والنية من صفات الداعية المخلص؛ ولهذا
стр. 574
صَدَقَ مجَاشِع بن مسعود ﵁ حينما حدث أبا عثمان النهدي أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، فلم يبايعه ﷺ على ذلك وقال: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإِسلام» فأراد أبو عثمان التثبت عن صدق مجاشع فسأل أخاه عن حقيقة القصة فقال: صدق مجاشع.
وهذا يعطي الداعية قوة العزيمة في الرغبة في الصدق؛ لأن المخلصين من المدعوين يتثبتون فيما يسمعون منه، فليكن على حذر، طاعة لله ، حتى يكون ثقة عند المدعوين وينفع الله بعلمه. والله أعلم (١).
عاشرا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح: ظهر ذكر غزوة الفتح في هذين الحديثين؛ لقول مجاشع ﵁: " أتيت النبي ﷺ بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي تبايعه على الهجرة. . . " وهذا يؤكد أهمية ذكر تاريخ الدعوة، والله أعلم (٢).
стр. 575
١١١ - باب عزمِ الإمام على الناسِ فِيمَا يطِيقون
[حديث عبد الله بن مسثعود لم يكن النبي يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله]
١٠٢ - [٢٩٦٤] حَدَّثَنَا عثْمَان بْن أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِير، عَنْ مَنْصورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْد اللهِ (١) ﵁: " لَقَدْ أتانِي اليَوْمَ رَجل فَسَألنِي عَنْ أَمرٍ مَا دَرَيْت مَا أَردّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجلا مؤدِيا نَشِيطا يَخْرج مَعَ أمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي، فيَعْزِم عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لاَ نحْصِيها؟ فَقلْت لَه: وَاللهِ مَا أدْرِي مَا أقول لَكَ: إِلاَّ أنا كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَسَى أَنْ لاَ يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلاَّ مَرَّة حَتَّى نَفْعَلَه، وإِنَّ أَحَدَكمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقى اللهَ. وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيء سَأَلَ رِجلا فَشَفَاه مِنْه، وَأوْشَكَ أَنْ لاَ تَجِدوه. وَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هوَ، مَا أَذْكر مَا غبَرَ مِنَ الدّنْيَا إِلاَّ كَالثَّغبِ شرِبَ صَفْوه، وَتقِيَ كَدَره ".
стр. 576
* شرح غريب الحديث: * " مؤْدِيا " أي تام السلاح كامل أداة الحرب. (١).
* " فشفاه " الشفاء هنا شفاء القلب والنفس بالسؤال والحصول على الجواب الصحيح الذي يزيل مرض الشك والتردد (٢).
* " ما غَبَرَ من الدنيا " يصلح لما مضى ولما بقي (٣).
* " كالثغب " الثَّغْب: الموضع المطمئن في أعلى الجبل يستنقع فيه ماء المطر، وقيل: هو غدير في غِلَظٍ من الأرض، أو على صخرة ويكون قليلا. (٤).
* " لا نحصيها " أي: لا نطيقها، من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تطيقوا قيام الليل (٥).
* " صفوه " يقال: صفا، يصفو صفوا وصفاء: خلص من الكدر (٦).
* " كدره " يقال: كَدِرَ الماء، نقيض صفا فهو كَدِر (٧).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية إخبار الداعية أصحابه بما ينفعهم.
٢ - الأخذ بالأسباب: لا ينافي التوكل.
٣ - من صفات الداعية: النشاط.
стр. 577
٤ - من صفات الداعية: الحرص على الدعوة والجهاد.
٥ - من صفات الداعية: التيسير على المدعوين.
٦ - من صفات الداعية: الورع والتوقف في الفتوى عند الإِشكال.
٧ - من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم.
٨ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
٩ - أهمية: طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف.
١٠ - من صفات الداعية: التقوى.
١١ - من صفات الداعية: اليقين.
١٢ - أهمية السؤال في تحصيل العلم.
١٣ - من أساليب الدعوة: التشبيه.
١٤ - من صفات الداعية؛ الزهد.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية إخبار الداعية أصحابه بما ينفعهم: دل هذا الحديث على أهمية إخبار الداعية أصحابه وأتباعه بما ينفعهم؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁ لأتباعه وأصحابه: " لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمر ما دريت ما أرد عليه. . . " ثم أخبرهم بما قال الرجل وبما أفتاه، وأرشده إلى حسن الاقتداء بأصحاب النبي ﷺ .
فينبغي للداعية أن يخبر أصحابه وأتباعه بالفوائد التي سئل عنها، ولم يسمعوها على حسب الحاجة والفائدة المرجوة، حتى تعم الفوائد وينتشر العلم (١).
ثانيا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: إن الأخذ بالأسباب من التوكل ولا ينافيه؛ ولهذا جاء إلى ابن مسعود ﵁ هذا الرجل وقال: " أرأيت مؤديا " أي كامل أداة الحرب، فقد أخذ بالأسباب
стр. 578
الظاهرة؛ لعلمه بأنها من التوكل، ولم ينكر عليه عبد الله بن مسعود ﵁ ما صنع (١).
ثالثا: من صفات الداعية: النشاط: لا شك أن النشاط يبعث على الهمم العالية؛ ولهذا جاء هذا الرجل إلى ابن مسعود - وهو نشيط- متأهبا لما يوجِّهه عبد الله ﵁ إليه، وقال: " أرأيت رجلا مؤديا نشيطا " فذكر صفة النشاط لهذا الرجل الخارج في سبيل الله ، وهذا يؤكد على أهمية النشاط وعدم الكسل والخمول، والله المستعان (٢).
رابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدعوة والجهاد: ظهر في هذا الحديث أهمية الحرص على الدعوة والجهاد في سبيل الله ولهذا الحرص جاء هذا الرجل يسأل بقوله: " أرأيت رجلا مؤديا نشيطا يخرج مع أمرائنا في المغازي " وهذا يدل على نشاط هذا الخارج واستعداده، وحرصه على الجهاد والدعوة إلى الله .
فينبغي للداعية أن يكون حريصا على دعوة الناس إلى الخير (٣).
خامسا: من صفات الداعية: التيسير على المدعوين: دل هذا الحديث على أنه ينبغي لكل من تولىَّ أمرا من أمور المسلمين أن لا يشق عليهم، ولا يشدد عليهم، ولا يأمرهم بما لا يطيقون؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: " فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها "، والمعنى أن الأمير يشدد علينا في أشياء لا نطيقها؛ قال الإِمام ابن هبيرة ﵀: " يستحب لأمراء الجيش أن لا يكثروا العزمات على المجاهدين، فيعرضوهم لبعض المخالفة، بل ليخففوا عنهم ما استطاعوا، وليشاوروهم في الأمور، ويعرِّفوهم مطالع الأحوال التي عليها تبنى وجوه التدبير للحرب " (٤).
стр. 579
فينبغي للداعية أن لا يشدد ولا يشق على الناس؛ ولهذا قال النبي ﷺ محذرا عن التشديد على أمته: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (١) وكان رسول الله ﷺ إذا بعث من أصحابه في بعض أموره قال: «بشروا ولا تنفروا، ويسرِّوا ولا تعسرِّوا» (٢).
سادسا: من صفات الداعية: الورع والتوقف في الفتوى عند الإشكال: ظهر في هذا الحديث أن من الصفات الحميدة: الورع؛ ولهذا توقف عبد الله ابن مسعود ﵁ في الإِفتاء عندما أشكل عليه الأمر؛ قال الإِمام ابن هبيرة ﵀: " في هذا الحديث ورع ابن مسعود وترفعه عندما لم يعلم " (٣) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " ويستفاد منه التوقف في الإِفتاء فيما أشكل من الأمر، كما لو أن بعض الأجناد استفتى أن السلطان عينه في أمر مخوف بمجرد التشهِّي وكلفه من ذلك ما لا يطيق فإن أجابه بوجوب طاعة الإِمام أشكل الأمر لما وقع من الفساد، وإن أجابه بجواز الامتناع أشكل الأمر؛ لما قد يفضي به ذلك إلى الفتنة، فالصواب التوقف عن الجواب في مثل ذلك وأمثاله، والله الهادي إلى الصواب " (٤) والله المستعان والموفق (٥).
سابعا: من أساليب الدعوة: التوكيد بالقسم: إن أسلوب التأكيد بالقسم له تأثير بليغ في الدعوة إلى الله ولهذا استخدمه عبد الله بن مسعود ﵁ في هذا الأثر فقال للسائل: " والله ما أدري ما أقول لك. . . " وقال في آخر الحديث: " والذي لا إله غيره ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب. . " والقسم يستخدم عند الحاجة إليه في الدعوة إلى الله
стр. 580
عز وجل؛ لجذب قلوب المدعوين إلى التصديق واليقين (١).
ثامنا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: إن القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة إلى الله ولهذا قال ابن مسعود ﵁ للسائل الذي سأله عن تشديد الأمراء عليه: «والله ما أدري ما أقول لك إلا أنا كنَّا مع النبي ﷺ فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله» وفي هذا إشارة إلى السائل للاقتداء بالصحابة في حسن الطاعة، وفيه إشارة إلى الأمراء للاقتداء بالنبي ﷺ وعدم مشقته على أصحابه، وإنما كان سمحا سهلا، رفيقا، رحيما (٢).
تاسعا: أهمية طاعة ولاة أمر المسلمين بالمعروف: ظهر في كلام ابن مسعود ﵁ الإِيحاء بطاعة ولي الأمر؛ ولهذا قال العلامة القسطلاني ﵀: " الظاهر أن ابن مسعود بعد أن توقف أفتاه بوجوب الطاعة بشرط أن يكون المأمور به موافقا للتقوى كما علِمَ ذلك من قوله: «إنا كنا مع النبي ﷺ فعسى أن لا يعزم علينا في الأمر إلا مرة» إذ لولا صحة الاستثناء لما أوجبه الرسول ﷺ «حتى نفعله» غاية لقوله: «لا يعزم» أو للعزم الذي يتعلق به المستثنى وهو مرة " (٣) وقد استنبط طاعة الأمراء في المعروف من كلام ابن مسعود ﵁ الإِمام ابن هبيرة فقال ﵀: " ويستحب. . للمجاهدين مع الأمراء إذا عزموا عليهم عزمة أن يقابلوها بالإِمساك، ولا يحوجوهم إلى تكدير (٤) الأمر بها، ويكون الأمراء، والمأمورون في هذا يعاملون الله بذلك " (٥).
وهذا الحديث يدل على طاعة الإمام ومن يستعمله (٦).
стр. 581
عاشرا: من صفات الداعية: التقوى: دل كلام عبد الله بن مسعود ﵁ على أن التقوى من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يلتزمها كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله ؛ ولهذا قال ﵁: " وإن أحدكم لا يزال بخير ما اتقى الله " وقد أمر الله بالتقوى في آيات كثيرة في كتابه العظيم؛ ومنها قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) قال عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر (٢).
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣) وقال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] (٤) وقد أوصى النبي ﷺ الدعاة إلى الله بالتقوى فقال لمعاذ بن جبل ﵁: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (٥) وحقيقة التقوى كما قال طلق بن حبيب ﵀: " التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله " (٦) وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه: من غضبه، وسخطه، وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه، والتقوى الكاملة: فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات،
стр. 582
وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات (١).
فينبغي للداعية أن يكون من أعظم الناس تقوى لله ، لأنه أسوة لغيره من الناس، والله المستعان.
الحادي عشر: من صفات الداعية: اليقين: من المعلوم يقينا أن من الصفات العظيمة اليقين المنافي للشك وهذا لا يحصل إلا بالعلم النافع؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: " وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه ". قال الإِمام ابن هبيرة ﵀: " وفيه. . . . أن الإنسان إذا شك في شيء لم ينفذ فيه حكما على شك بل يسأل عنه، ويبحث، ويستضيء بنور العلم من أهله إن وجد، وإلا عمل فيه على أصول الشرع وقاس واجتهد " (٢).
وقال ابن حجر ﵀: " من تقوى الله أن لا يقدم المرء على ما يشك فيه حتى يسأل من عنده علم فيدله على ما فيه شفاؤه، وقوله: " شك في نفسه شيء " من المقلوب. إذا التقدير: وإذا شك نفسه في شيء، أو ضمن شك معنى: لصق، والمراد بالشيء ما يتردد في جوازه وعدمه " (٣).
فينبغي للداعية أن يتصف باليقين (٤).
الثاني عشر: أهمية السؤال في تحصيل العلم: ظهر في هذا الحديث أهمية السؤال في تحصيل العلم؛ لقول ابن مسعود ﵁: " وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه، وأوشك أن لا تجدوه " وهذا فيه تأكيد على أهمية هذا الأسلوب؛ لأنه يشفي القلوب والنفوس؛ لأن السائل إذا سأل أهل العلم أجابوه، وأزالوا عنه مرض التردد؛ لأنه يحصل على
стр. 583
الإِجابة بالحق، فيضمحل الشك والتردد، ويثبت اليقين (١) والله المستعان. (٢).
الثالث عشر: من أساليب الدعوة: التشبيه: لا شك أن هذا الحديث دل على أسلوب التشبيه في قول ابن مسعود ﵁: " والذي لا إله إلا هو ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب شرِبَ صفوه وبقي كدره " ومال ابن حجر إلى أن قول: " ما غبر " أي مضى من الدنيا؛ لأن ابن مسعود ﵁ قال: " ما أذكر ما غبر " وهو من الأضداد يطلق على ما مضى وعلى ما بقي وهو هنا محتمل للأمرين (٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " فشبه ما مضى من الدنيا بما شرب من صفوه، وما بقي منها بما تأخر من كدره " (٤) وقال العلامة العيني ﵀ على الاحتمال الثاني: " شبَّهَ بقاء الدنيا ببقاء غدير ذهب صفوه وبقي كدره " (٥) والله المستعان. (٦).
الرابع عشر: من صفات الداعية: الزهد: ظهر في قول ابن مسعود ﵁: أن ما مضى من الدنيا ما هو إلا كماء قليل في نقرة في صخرة، وقد ذهب صفو هذا الماء القليل وبقي كدره، وعلى الاحتمال الثاني: شبه ما بقي من الدنيا ببقاء غدير ذهب صفوه وبقي كدره، وهذا يدل على أنه ينبغي للداعية الزهد فيها والإِكثار من الطاعات؛ ولهذا قال الإِمام ابن هبيرة ﵀: " قوله: " ما غبر من الدنيا " أي ما فَنِيَ، والثغب: هو الماء المستنقع في الموضع المطمئن، وإذا كان عبد الله يقول هذا في زمانه فكيف في زماننا؛ إلا أنه لابد من المقاربة والتسديد، والاستعانة بالله على عبادته " (٧)
стр. 584
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وإذا كان هذا في زمان ابن مسعود وقد مات قبل مقتل عثمان، ووجود تلك الفتن العظيمة فماذا يكون اعتقاده فيما جاء بعد ذلك وهلم جرّا؟ " (١).
فينبغي للداعية أن يزهد في الدنيا، ولا يتخذها وطنا؛ لأنها هينة عند الله وقد «دخل النبي ﷺ السوق يوما فمر بجدي صغير الأذنين ميت فأخذه بأذنه ثم قال للصحابة ﵃: " أيكم يحب أن هذا له بدرهَم؟ " قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: " أتحبونه لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك (٢) فكيف وهو ميت؛ فقال: " فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (٣) والله المستعان (٤).
стр. 585
١٢١ - باب ما قِيل في لِوَاءِ النبي ﷺ
[حديث قيس بن سعد صاحب لواء رسول الله أراد الحج فرجل]
١٠٣ - [٢٩٧٤] حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَيْث قَالَ: أَخْبَرني عقَيْل، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَني ثَعْلَبَة بْن أَبِي مَالِكٍ القرَظِيّ: " أَنَّ قَيْسَ بْنِ سَعْدٍ الأنصَارِيَّ (١) ﵁ وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ أَرَادَ الحَجَّ فرَجَّلَ ".
* شرح غريب الحديث: * " لواء رسول الله ﷺ " اللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، واللواء أو الراية: ثوب يجعل في طرف الرمح، ويخلى كهيئته تصفقه الرياح (٢).
* " فرجل " الترجل والترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه وتحسينه (٣).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية اللواء والراية للمجاهدين في سبيل الله .
стр. 586
٢ - من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط.
٣ - من صفات الداعية: النظافة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية اللواء والراية للمجاهدين في سبيل الله : إن اللواء والراية من الأمور المهمة في الجهاد في سبيل الله ؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعتني بذلك؛ وقد جاء في هذا الحديث أن قيس بن سعد الأنصاري ﵁ " كان صاحب لواء رسول الله ﷺ ". قال الحافظ ابن حجر ﵀ في هذا اللواء: " أي الذي يختص بالخزرج من الأنصار، وكان النبي ﷺ في مغازيه يدفع إلى رأس كل قبيلة لواء يقاتلون تحته " (١).
وهذا يدل على أهمية اللواء؛ لأن المجاهدين يعرفون قائدهم بهذا اللواء، وينضمون إليه، والله أعلم.
ثانيا: من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة إظهار القوة والنشاط؛ وقد كان النبي ﷺ يستخدم اللواء والراية في الحرب، وهذا فيه إظهار للقوة والتعاون بين المجاهدين؛ لأن القائد يعرف بحمل اللواء أو الراية فينضم إليه أصحابه، ويدخل الرعب في قلوب الأعداء بإذن الله (٢).
وقد قيل بأن اللواء هو الراية فهما مترادفان، وقيل: اللواء أبيض، وربما جعل فيها الأسود، والراية بيضاء، وربما كانت صفراء (٣).
قال القسطلاني ﵀: " والذي صرح به غير واحد من أهل اللغة ترادفهما،
стр. 587
فلعل التفرقة بينهما عرفية، وقد كانت الراية يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه، وأما العلم فعلامة لمحل الأمير تدور معه حيث دار " (١).
ثالثا: من صفات الداعية: النظافة: ظهر في هذا الحديث أن النظافة من صفات الداعية؛ ولهذا عندما أراد الحج قيس بن سعد رَجَّل رأسه ﵁؛ من أجل النظافة والاستعداد للإِحرام؛ قال الإِمام ابن الأثير ﵀: " الترجل والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه " (٢).
فينبغي أن يكون الداعية نظيفا منظما لأموره.
стр. 588
[حديث ليأخذن غدا رجل يحبه الله ورسوله]
١٠٤ - [٢٩٧٥] حَدَّثَنَا قتَيْبَة: حَدَّثَنَا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوع (١) ﵁ قَالَ: «كَانَ عَليّ (٢) ﵁ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَد، فَقَالَ: آَنا أَتَخَلَّف عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ؛ فَخَرَجَ عَلِي فَلَحِقَ بالنَبِي ﷺ . فَلَما كَانَ مَسَاء اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا فِي صَبَاحِهَا، فَقَالَ رسول الله ﷺ : " لَأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ- أَوْ قَالَ: لَيأخذَنَّ- غَدا رَجل يحِبّه الله وَرَسوله، أَوْ قَالَ: يحِبّ اللهَ وَرَسولَه، يَفتح الله عَلَيْهِ ". فَإِذَا نَحْن بعَلِيٍّ وَمَا نَرْجوه. فَقَالوا: هَذَا عَلِيّ، فَأَعْطَاه رَسول اللهِ ﷺ فَفَتَحَ الله عَلَيْهِ». (٣).
* شرح غريب الحديث: * " الراية " الراية هنا: العلم، يقال: ريَّيْت الراية: أي ركزتها (٤).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.
٢ - من صفات الداعية: الصبر على البلاء.
٣ - من أساليب الدعوة: الثناء على الداعية المخلص ليتأسَّى به.
٤ - من صفات الداعية: محبة الله ورسوله ﷺ .
٥ - أهمية الراية في الجهاد في سبيل الله .
٦ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.
٧ - من معجزات النبي ﷺ : الإِخبار بالمغيبات.
٨ - من صفات الداعية: الشجاعة (٥).
الْيَوْم يَوْم الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تسْتَحَلّ الْكَعْبَة، فَقَالَ أَبو سفْيَانَ: يَا عَبَّاس حَبَّذا يوْم الذِّمَارِ، ثم جَاءَتْ كَتِيبَة وَهْيَ أَقَلّ الْكَتَائِبِ فِيْهِمْ رَسول الله ﷺ وَأَصحابه ورَايَة النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامٍ، فَلمَّا مَرَّ رَسول الله ﷺ بِأَبِي سفْيَانَ قال: ألَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْد بْن عبَادَةَ؟ قَال: " مَا قَالَ؟ " قَالَ؛ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: " كَذَبَ سَعْد، وَلَكِنْ هَذَا يَوْم يعَظِّم الله فِيهِ الْكَعْبةَ وَيَوْم تكسَى فِيهِ الْكَعبة " قَالَ: وأَمَرَ رَسول الله ﷺ أنْ ترْكَزَ رَايَته بِالْحَجونِ. قَالَ عرْوَة: وأَخْبَرني نَافِع بْن جبَيْرِ بْنِ مطْعِمٍ، قَالَ: سَمِعْت الْعَبَّاسَ يَقول لِلزّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عبد الله هاهنَا أَمَرَكَ رَسول الله ﷺ أنْ تَرْكز الرَّايَةَ، قَالَ: وَأَمر رَسول الله ﷺ يَوْمَئِذٍ خالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أنْ يَدْخلَ مِنْ أعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيّ ﷺ مِنْ كدى فَقتِل مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجلاَنِ: حبَيْش بْن الأَشْعَرِ وَكرْز بْن جَابِرٍ الفِهْرِيّ» (١).
* شرح غريب الحديث: * " مَرَّ الظهران " ويقال: " مر ظهران " أيضا: بقعة وموضع يبعد عن مكة بريدا، وقيل: أحدا وعشرين ميلا، وقيل ستة عشر ميلا (٢).
* " عند حطم الخيل " الموضع المتضايق الذي تتحطَّم فيه الخيل: أي يدوس بعضها بعضا، ويزحم بعضها بعضا، فيراها جميعها وتكثر في عينه بمرورها في ذلك الموضع الضيق. وفي رواية: " خطم الجبل " وهو أنفه البارز عند مضيق الجبل، حين يحطم بعضها بعضا، ليرى جميعها (٣).
* " يوم الملحمة " الملحمة: الحرب والقتال الذي لا مخلص منه، والجمع الملاحم، مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل: هو من اللّحم؛ لكثرة لحوم القتلى فيها، ويقال: ألحم
стр. 592
الرجل في الحرب واستلحم: إذا تشبث فيها، فلم يجد مخلصا (١) * " يوم الذمار " الذمار: ما لزمك حفظه مما وراءك وتعلق بك، وقول أبي سفيان: " حبذا يوم الذمار " يريد الحرب؛ لأن الإِنسان يقاتل على ما يلزمه حفظه (٢).
* " الكتائب " العساكر المرتبة؛ واحدها كتيبة، وهي القطعة العظيمة من الجيش (٣).
* " كَدَاء " بفتح الكاف والمد: من أعلى مكة التي من سلكها دخل من باب بني شيبة.
* " كدى " بضم الكاف والقصر من أسفل مكة (٤).
* " الحجون " الجبل المشرف حذاء مسجد العقبة عند المحصب، عند مقبرة أهل مكة (٥).
* " الراية " اللواء، وقيل: العلم (٦).
* " كذب سعد " أي: أخطأ (٧).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من وسائل الدعوة: رفع اللواء والراية في الجهاد في سبيل الله .
٢ - من وسائل الدعوة: الخروج للجهاد في سبيل الله .
٣ - أهمية الحراسة في الأمور المهمة.
٤ - من صفات الداعية: العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة.
стр. 593
٥ - من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط أمام الأعداء.
٦ - من صفات الداعية: حسن الخلق.
٧ - من أصناف المدعوين: المشركون.
٨ - من موضوعات الدعوة: تعظيم الكعبة وبيت الله الحرام.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من وسائل الدعوة: رفع اللواء والراية في الجهاد في سبيل الله : ظهر في هذا الحديث أن الراية من وسائل الدعوة إلى الله ؛ ولهذا كان النبي ﷺ يعطيها أمير الجيش في القتال؛ ليرفعها فيعرف بها وينضم إليه أصحابه، وفي ذلك إظهار القوة أمام الأعداء؛ ولهذا كانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، وأمر النبي ﷺ أن تركز رايته بالحجون، وهذا يؤكد أهمية الراية واللواء في الجهاد (١).
ثانيا: من وسائل الدعوة: الخروج للجهاد في سبيل الله : إن الخروج للجهاد في سبيل الله لإِعلاء كلمة الله من أهم وسائل الدعوة؛ ولهذا خرج رسول الله ﷺ عام الفتح إلى مكة؛ ليفتحها ويطهِّرها من آثار الشرك؛ ولإِعلاء كلمة الله أمر سبحانه بالنفير فقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] (٢).
وفي هذا دلالة على عظم هذه الوسيلة ومكانتها في الإِسلام.
ثالثا: أهمية الحراسة في الأمور المهمة: إن الحراسة في الأمور المهمة من أعظم المهمات وآكد الوظائف التي ينبغي أن يعتني بها المجاهدون في سبيل الله ؛ وقد كان النبي ﷺ يعتني بذلك
стр. 594
في حراسة الجيش والمجاهدين أثناء النوم أو الراحة، والصلاة؛ ولهذا شرعت صلاة الخوف، ومن أنواعها أن طائفة تصلي مع الإِمام والطائفة الأخرى وجاه العدو. وفي هذا الحديث أن حرس رسول الله ﷺ في غزوة الفتح رأوا أبا سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء " فأدركوهم فأخذوه فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان "، وهذا يدل على أهمية الحراسة وقد أمر الله بأخذ الحذر فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] (١).
ولأهمية الحراسة فقد رغب النبي ﷺ فيها وجعل ثواب من بات يحرس في سبيل الله الجنة والنجاة من النار، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (٢).
رابعا: من صفات الداعية: العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة: ظهر في هذا الحديث أهمية العفو والصفح، وتأثيره في نفوس المدعوين؛ ولهذا عفا ﷺ عن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء فلم يقتلهم، وقد حصل من أبي سفيان ﵁ ما لا يخفى في المعارك الكبرى: بدر، وأحد، وغزوة الأحزاب، ومع ذلك قابله النبي ﷺ بالعفو والصفح، وعفا أيضا عن جميع أهل مكة يوم الفتح إلا مجموعة أهدر دمهم لمعاداتهم العظيمة للنبي ﷺ ودعوته ومع ذلك فقد نجا بعضهم وأنقذه الله بالإِسلام فعفا عنهم ﷺ بعد أن أهدر دماءهم؛ لإِسلامهم، كعكرمة بن أبي جهل، وهبار بن الأسود، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وعبد الله بن أبي السرح، وكعب بن زهير، ووحشي بن حرب، وأما غيرهم ممن أهدر دمه ولم يسلم، فقد قتل من عثِر عليه منهم (٣).
стр. 595
وهذا يدل على عفوه ﷺ العظيم وصفحه؛ فإن بعض هؤلاء قد أوقع بالمسلمين الوقائع ومَثَّلَ بهم في المعارك، فأدركه الله برحمته ومنَّ عليه بالإِسلام، ثم عفا عنه رسول الله ﷺ (١).
خامسا: من وسائل الدعوة وأسباب النصر: إظهار القوة والنشاط أمام الأعداء: إن من وسائل الدعوة وأسباب النصر إظهار القوة والنشاط أمام أعداء الإِسلام؛ ولهذا أمر النبي ﷺ العباس فقال: «احبس أبا سفيان عند حطم الخيل حتى ينظر إلى المسلمين» فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ على أبي سفيان كتيبة كتيبة، حتى استعظم ذلك أبو سفيان ورأى كثرتهم العظيمة، ومن حكمة النبي ﷺ أن أمر بحبسه عند المكان المتضايق الذي تتحطم فيه الخيل ويدوس بعضها بعضا، ويزحم بعضها بعضا، فيراها أبو سفيان جميعا؛ لتكثر في عينه بمرورها في ذلك الموضع الضيق (٢).
وهذا العمل المبارك من أعظم وسائل الدعوة، ومن أسباب النصر؛ لما يحدث في قلوب الأعداء من الخوف والجزع؛ ولهذا قال الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٣).
سادسا: من صفات الداعية: حسن الخلق: لا ريب أن حسن الخلق من الصفات العظيمة التي ينبغي لأهل العلم والإِيمان الاتصاف بها؛ ولهذا كان قدوة الدعاة محمد بن عبد الله ﷺ أحسن الناس خلقا. وفي هذا الحديث ما يؤكد ذلك، وذلك أن سعد بن عبادة ﵁ عندما مر بأبي سفيان قال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فأفزع ذلك أبا سفيان فانتظر، وعندما مر النبي ﷺ وكتيبته قال أبو سفيان: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: " ما قال؟ " قال: قال: كذا وكذا فقال رسول الله
стр. 596
صلى الله عليه وسلم: " كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة ".
وهذا يدل على حسن خلق النبي ﷺ ، وتعظيمه لبيت الله الحرام، ونسبته التعظيم لله بقوله: " هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة " (١) وهذا يؤكد أدبه ﷺ مع ربه .
سابعا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ ولهذا غزاهم النبي يوم الفتح، بعد أن قاتلهم في بدر وأحد، وغزوة الأحزاب، ومعلوم أنه ﷺ قد بلَّغهم قبل هذه المعارك والغزوات ما يجب عليهم من إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، ولكنهم أبوا واستكبروا وعتو عتوا كبيرا، فكان آخر الطب الكي (٢).
ثامنا: من موضوعات الدعوة: تعظيم الكعبة وبيت الله الحرام: ظهر في هذا الحديث أهمية إبلاغ الناس بعظم بيت الله العتيق؛ لأن الله عظمه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «هذا يوم يعظم الله الكعبة، وتكسى فيه الكعبة»؛ ولعظم حرمة الكعبة قال الله : ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] (٣) وقال : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] (٤).
ومن تعظيم الله الكعبة أن طهرها من أوثان الجاهلية، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ : «دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] (٥) ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]» (٦).
стр. 597
ومن تعظيم النبي ﷺ لبيت الله الحرام أنه دخله من أعلاه؛ لأنه يأتي من قبل وجه الكعبة، أما ما جاء في هذا الحديث: أن النبي ﷺ " أمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كَدَاءٍ، ودخل النبي ﷺ من كدى " فقال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذا: " وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة الآتية أن خالدا دخل من أسفل مكة، والنبي ﷺ من أعلاها " (١) وقد جاءت الأحاديث الكثيرة تبين أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح من أعلاها، فعن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ دخل يوم الفتح من كداء التي بأعلى مكة» (٢).
ومن حرمة مكة ما قاله ﷺ يوم الفتح، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا، فإن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه (٣) ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها (٤) "، وقال العباس إلا الإِذخر (٥) فإنه لقينهم (٦) وبيوتهم، فقال: " إلا الإِذخر» (٧).
فينبغي العناية بحرمة مكة وتعظيمها، وتنبيه الناس إلى ذلك وحثهم عليه.
* " تلغثونها " أي تأكلونها من اللغيث: وهو طعام يغلث بالشعير: أي يخلط بالشعير (١).
* " ترغثونها " يعني الدنيا: ترضعونها، من رغث الجدي أمَه: إذا رَضَعَها (٢).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من موضوعات الدعوة: بيان خصائص النبي ﷺ .
٢ - من صفات الداعية: الإِيجاز في اللفظ واتساع المعاني.
٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على حسن التفهم لمعاني جوامع الكلم.
٤ - من معجزات النبي ﷺ : الإِخبار بالمغيبات.
٥ - من صفات الداعية: التحدث بنعم الله وتعديدها.
٦ - أهمية إلقاء العلم قبل السؤال.
٧ - من أساليب الدعوة: التشبيه.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: بيان خصائص النبي ﷺ : إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن يبينها الدعاة للناس خصائص النبي محمد ﷺ ؛ لأن هذه الخصائص تدل على يسْرِ دين الإِسلام وسماحته وتفضيله على سائر الأديان السابقة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: " بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي " وهذا يؤكد ما أعطاه الله من الخصائص العظيمة؛ فإن القرآن الكريم جمع الله في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة، وكلامه ﷺ كان بجوامع الكلم: قليل اللفظ كثير المعاني والأحكام والفوائد النافعة (٣) ونصر الله محمدا ﷺ بالرعب، فجعل في قلوب أعدائه الفزع والخوف والهيبة
стр. 600
على بعد مسيرة شهر بينه وبينهم (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وظهر لي أن الحكمة في الاقتصار على الشهر أنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار التي حوله أكثر من ذلك: الشام والعراق، واليمن، ومصر، ليس بين المدينة النبوية للواحدة منها إلا شهر فما دونه " (٢) وهذا تحقق له ﷺ ، وأعطي ﷺ مفاتيح خزائن الأرض، التي هي مفاتيح لأمته من بعده من الفتوح العظيمة، فغنموا أموال أعدائهم، وأخذوا خزائن ملوكهم المدخرة: كخزائن كسرى وقيصر، وغيرهما من الملوك، ويحتمل أن يكون المراد به معادن الأرض: من الذهب والفضة (٣) وقد يدخل في هذا ما وجد من خزائن النفط في باطن الأرض والله أعلم.
وخصائص النبي ﷺ كثيرة منها ما جاء في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان الرجل يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (٤).
وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة». . . " (٥) وذكر خصلة الأرض، وخصلة مبهمة بينها ابن خزيمة في صحيحه، وهي: «وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة، من بيت كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي». . . " (٦) وفي رواية لأبي هريرة عند مسلم: «فضلت على الأنبياء بست» ذكر منها: ". . . «وختِمَ بي النبيّون» (٧) وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ خصائص النبي ﷺ فيما اطلع عليه