← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

صلى الله عليه وسلم: " كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة ". وهذا يدل على حسن خلق النبي ﷺ ، وتعظيمه لبيت الله الحرام، ونسبته التعظيم لله بقوله: " هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة " (١) وهذا يؤكد أدبه ﷺ مع ربه . سابعا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن المشركين من أصناف المدعوين؛ ولهذا غزاهم النبي يوم الفتح، بعد أن قاتلهم في بدر وأحد، وغزوة الأحزاب، ومعلوم أنه ﷺ قد بلَّغهم قبل هذه المعارك والغزوات ما يجب عليهم من إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، ولكنهم أبوا واستكبروا وعتو عتوا كبيرا، فكان آخر الطب الكي (٢). ثامنا: من موضوعات الدعوة: تعظيم الكعبة وبيت الله الحرام: ظهر في هذا الحديث أهمية إبلاغ الناس بعظم بيت الله العتيق؛ لأن الله عظمه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «هذا يوم يعظم الله الكعبة، وتكسى فيه الكعبة»؛ ولعظم حرمة الكعبة قال الله : ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] (٣) وقال : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] (٤). ومن تعظيم الله الكعبة أن طهرها من أوثان الجاهلية، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ : «دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] (٥) ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]» (٦).

стр. 597

ومن تعظيم النبي ﷺ لبيت الله الحرام أنه دخله من أعلاه؛ لأنه يأتي من قبل وجه الكعبة، أما ما جاء في هذا الحديث: أن النبي ﷺ " أمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كَدَاءٍ، ودخل النبي ﷺ من كدى " فقال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذا: " وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة الآتية أن خالدا دخل من أسفل مكة، والنبي ﷺ من أعلاها " (١) وقد جاءت الأحاديث الكثيرة تبين أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح من أعلاها، فعن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ دخل يوم الفتح من كداء التي بأعلى مكة» (٢). ومن حرمة مكة ما قاله ﷺ يوم الفتح، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا، فإن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه (٣) ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها (٤) "، وقال العباس إلا الإِذخر (٥) فإنه لقينهم (٦) وبيوتهم، فقال: " إلا الإِذخر» (٧). فينبغي العناية بحرمة مكة وتعظيمها، وتنبيه الناس إلى ذلك وحثهم عليه.

стр. 598

١٢٢ - باب قوْل النّبيِّ ﷺ : «نصرت بِالرّعبِ مَسيرة شهْر» وقَولِهِ : ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١] (١). قَالَه جَابِر عَنِ النَّبِي ﷺ . [حديث بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب] ١٠٦ - [٢٩٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيى بْن بكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيث، عَنْ عقَيْلٍ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَة (٢) ﵁ أَنَّ رَسولَ اللهِ قَالَ: «بعِثْت بِجَوَامِعِ الكَلِم، وَنصِرْت بِالرعْبِ. فبينا أَنَا نَائم أوتيت مَفَاتِيحَ خزَائِنِ الأَرْضِ فَوضِعتْ فِي يَدي». قَالَ أَبو هرَيرَةَ: وَقد ذَهَبَ رَسول اللهِ ﷺ وأنتمْ تنتثلونها (٣). وفي رواية: «أعْطِيت مَفَاتِيحَ الْكَلمِ، وَنصرت بِالرعْبِ، وَبينا أَنَا نَائِم البارِحَةَ إِذْ أتِيت بِمَفاتيحَ خَزَائِنِ الأرْضِ حتَّى وضِعَتْ فِي يَدِي»، قَالَ أَبو هرَيْرَةَ: فذَهَبَ رَسول اللهِ ﷺ ، وأَنتمْ تَنْتَقِلونَهَا (٤). وفي رواية: " وأَنتمْ تَلْغَثونَهَا، أَوْ تَرْغَثونَهَا، أوْ كَلِمة تشْبِههَا " (٥). وفي رواية: " قَالَ أَبو عبد الله: وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوامِعَ الْكَلِم أَنَّ اللهَ يَجْمَع الأمورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تكْتَب فِي الْكتبِ قَبْلَه فِي الأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالأَمْرَيْنِ، أو نَحْوَ ذَلِكَ ". (٦). * شرح غريب الحديث: * " تنتثلونها " أي تستخرجون وتأخذون الأموال وما فتح عليكم من زهرة الدنيا (٧).

стр. 599

* " تلغثونها " أي تأكلونها من اللغيث: وهو طعام يغلث بالشعير: أي يخلط بالشعير (١). * " ترغثونها " يعني الدنيا: ترضعونها، من رغث الجدي أمَه: إذا رَضَعَها (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: بيان خصائص النبي ﷺ . ٢ - من صفات الداعية: الإِيجاز في اللفظ واتساع المعاني. ٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على حسن التفهم لمعاني جوامع الكلم. ٤ - من معجزات النبي ﷺ : الإِخبار بالمغيبات. ٥ - من صفات الداعية: التحدث بنعم الله وتعديدها. ٦ - أهمية إلقاء العلم قبل السؤال. ٧ - من أساليب الدعوة: التشبيه. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: بيان خصائص النبي ﷺ : إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن يبينها الدعاة للناس خصائص النبي محمد ﷺ ؛ لأن هذه الخصائص تدل على يسْرِ دين الإِسلام وسماحته وتفضيله على سائر الأديان السابقة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: " بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي " وهذا يؤكد ما أعطاه الله من الخصائص العظيمة؛ فإن القرآن الكريم جمع الله في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة، وكلامه ﷺ كان بجوامع الكلم: قليل اللفظ كثير المعاني والأحكام والفوائد النافعة (٣) ونصر الله محمدا ﷺ بالرعب، فجعل في قلوب أعدائه الفزع والخوف والهيبة

стр. 600

على بعد مسيرة شهر بينه وبينهم (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وظهر لي أن الحكمة في الاقتصار على الشهر أنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار التي حوله أكثر من ذلك: الشام والعراق، واليمن، ومصر، ليس بين المدينة النبوية للواحدة منها إلا شهر فما دونه " (٢) وهذا تحقق له ﷺ ، وأعطي ﷺ مفاتيح خزائن الأرض، التي هي مفاتيح لأمته من بعده من الفتوح العظيمة، فغنموا أموال أعدائهم، وأخذوا خزائن ملوكهم المدخرة: كخزائن كسرى وقيصر، وغيرهما من الملوك، ويحتمل أن يكون المراد به معادن الأرض: من الذهب والفضة (٣) وقد يدخل في هذا ما وجد من خزائن النفط في باطن الأرض والله أعلم. وخصائص النبي ﷺ كثيرة منها ما جاء في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان الرجل يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (٤). وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة». . . " (٥) وذكر خصلة الأرض، وخصلة مبهمة بينها ابن خزيمة في صحيحه، وهي: «وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة، من بيت كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي». . . " (٦) وفي رواية لأبي هريرة عند مسلم: «فضلت على الأنبياء بست» ذكر منها: ". . . «وختِمَ بي النبيّون» (٧) وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ خصائص النبي ﷺ فيما اطلع عليه

стр. 601

من الروايات ثم قال: " فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع " (١). قال ابن حجر ﵀ في الجمع بين هذه الخصائص: " وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإِشكال من أصله " (٢). قال الإِمام القرطبي ﵀: " لا يظنّ القاصد أن هذا تعارض، وإنما يظن هذا من توهم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر، وأنها لها دليل خطاب، وكل ذلك باطل؛ فإن القائل عندي خمسة دنانير- مثلا- لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارة أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين، وعشرة، فلا تناقض ولا تعارض. ويجوز أن يكون النبيّ ﷺ أعلم في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالست، والله أعلم " (٣). فينبغي للداعية أن يعلم خصائص النبي ﷺ وهذه الأمة، ثم ينشرها بين الناس. ثانيا: من صفات الداعية: الإيجاز في اللفظ واتساع المعاني: إن من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها الإِيجاز في الألفاظ والاتساع في المعاني؛ لأن من درب عقله ولسانه على اختيار الألفاظ المشتملة على المعاني الكثيرة تعوَّد على ذلك ونفع الناس؛ ولهذا أعطي النبي ﷺ جوامع الكلم؛ وقد جمع كثير من علماء الإِسلام بعض الأحاديث قليلة الألفاظ كثيرة المعاني والأحكام والفوائد (٤).

стр. 602

فينبغي للداعية أن يحفظ هذه الأحاديث، أو ما تيسر منها، ويعتني بشروحها مع العناية التامة بكتاب الله ؛ لأنه في الحقيقة قليل الألفاظ كثير المعاني والفوائد والأحكام؛ قال الحافظ ابن رجب ﵀: " فجوامع الكلم التي خص بها النبي ﷺ نوعان: أحدهما: ما هو في القرآن، كقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] (١). الثاني: ما هو في كلامه ﷺ ، وهو منشور موجود في السنن المأثورة عنه ﷺ " (٢). ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على حسن التفهم لمعاني جوامع الكلم: إن من أهم الموضوعات في الدعوة إلى الله أن يحث الداعية المدعوين على الفهم الدقيق لمعاني جوامع الكلم " لأن النبي ﷺ قال: «بعثت بجوامع الكلم» وهذا يؤكد أهمية العناية التامة بفهم كتاب الله وأحاديث الرسول ﷺ ؛ قال الإِمام الخطابي عند ذكره لبعض فوائد هذا الحديث: " وفيه الحض على حسن التفهم، والحث على الاستنباط لاستخراج تلك المعاني، ونبش تلك الدفائن المودعة فيها " (٣) والله لم ينزل القرآن الكريم إلا للتدبر والتفهم والعمل؛ قال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] (٤). رابعا: من معجزات النبي ﷺ : الإِخبار بالمغيبات: لا ريب أن من المعجزات الباهرة ما أعلم الله به نبينا محمد بن عبد الله ﷺ من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ومن هذه الأمور قوله

стр. 603

صلى الله عليه وسلم: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» قال الإِمام النووي ﵀: " هذا من أعلام نبوته؛ فإنه إخبار بفتح هذه البلاد لأمته، ووقع كما أخبر ﷺ ، ولله الحمد والمنة " (١). وهذا من دلائل صدق نبوته ﷺ ، وأنه عبد الله ورسوله (٢). خامسا: من صفات الداعية: التحدث بنعم الله وتعديدها: ظهر في هذا الحديث أن التحدث بنعم الله من أجمل الصفات، التي ينبغي للداعية أن يأخذ منها بأوفر الحظ والنصيب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «بعثت بجوامع الكلم». . . " وذكر ﷺ كثيرا من خصائصه؛ لبيان فضل الله عليه وإحسانه؛ ولبيان ما أمره الله بتبليغه من خصائصه، والتحدث بنعم الله ، وقد قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] (٣). فينبغي للداعية أن يشكر الله على نعمه، وأن يتحدث بها، وينسبها إلى الله، ولا شك أنه لن يستطيع حصرها كما قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] (٤) ولكن ينبغي التسديد والمقاربة، قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم: مشروعية تعديد نعم الله " (٥) والله المستعان (٦). سادسا: أهمية إلقاء العلم قبل السؤال: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية ومعلم الناس الخير أن يبدأهم بالتعليم والتوجيه، ولا ينتظر حتى يسأَل؛ فإن كثيرا من الناس لا يهتمون بالسؤال عن

стр. 604

العلم؛ ولهذا كان النبي ﷺ يبدأ كثيرا بإلقاء العلم على الناس ونشره بينهم، ولو لم يسألوا؛ وقد بدأهم بقوله ﷺ في هذا الحديث: " أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب. . . " (١). سابعا: من أساليب الدعوة: التشبيه: إن التشبيه من أساليب الدعوة التي ينبغي استخدامها عند الحاجة في تعليم الناس الخير، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث قال ﷺ ؛ «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» وقال في رواية الحديث الأخرى: «أعطيت مفاتيح الكلم». قال الإِمام الكرماني ﵀: " أي لفظ قليل يفيد معاني كثيرة، وهذا غاية البلاغة، وشبه ذلك القليل بمفاتيح الخزائن التي هي آلة للوصول إلى مخزونات متكاثرة ". (٢). فينبغي العناية بهذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٣).

стр. 605

١٢٣ - باب حمل الزّاد في الغزْو وقولِ الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (١). [حديث أسماء صنعت سفرة رسول الله في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر] ١٠٧ - [٢٩٧٩] حَدَّثَنَا عبَيْد بْن إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو أسَامَةَ، عَنْ هشام قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي: - وَحَدَّثَتْنِي أَيْضا فَاطِمَة - عَنْ أَسْمَاءَ (٢) ﵂ قَالَتْ: " صَنَعْت سفْرةَ رَسولِ اللهِ ﷺ في بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَة. قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسفْرَتِهِ وَلاَ لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطهمَا بِهِ، فَقلْت لأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ مَا أجِد شَيْئا أَرْبِط بِهِ إِلاَّ نِطَاقِي. قَالَ: فَشقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وبِالَآخَرِ السّفْرَةَ، فَفَعَلَتْ، فلذَلِكَ سمِّيت ذاتَ النِّطاقَين " (٣). وفي رواية: " عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: " كَانَ أَهْل الشَّامِ يعَيِّرونَ ابْنَ الزّبَيْرِ يَقولونَ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ فَقَالَتْ لَه أَسْمَاء:

стр. 606

يَا بنَيَّ إِنَّهم يعَيِّرونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، وَهَلْ تَدْري مَا كَانَ النِّطَاقَانِ؟ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْته نِصْفيْنِ، فَأَوْكَيْت قِرْبةَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، بِأَحَدِهِمَا، وَجَعَلْت فِي سفْرَتِهِ آخَرَ. قَالَ: فَكَانَ أَهْل الشَّام إِذَا عَيّروه بِالنِّطَاقَيْنِ يَقول: إِيها وَالإِلَه " تِلْكَ شَكَاة ظَاهِر عَنْكَ عَارهَا " (١). * شرح غريب الحديث: * " السفرة " طعام يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمّي به (٢). * " نطاقي " نطاق: جمعه مناطق. وهو أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشدّ وسَطَها بشيء: بحبل أو نحوه، وترفع وسط ثوبها، وتنزله على الأسفل عند معاناة الأشغال؛ لئلا تعثر في ذيلها، وبه سميت أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين (٣). * " فأوكيت " الوِكاء: الخيط الذي تشدّ به الصرة، والكيس، وفم القربة، ونحو ذلك (٤). * " إيها والإِله ": " إيهِ " هذه كلمة يراد بها الاستزادة وهي مبنية على الكسر فإذا وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فقلت: " إيهٍ حدثنا " وإذا قلت: إيها بالنصب فإنما تأمره بالسكوت. ومنه حديث ابن الزبير: " إيها والإِله " أي صدقتَ ورضيت بذلك، وَيرْوى " إيهِ " بالكسر: أي زدني من هذه المنقبة (٥). * " شكاة " تلك شكاة ظاهر عنك عارها: الشكاة الذم والعيب، وهي في غير هذا المرض (٦).

стр. 607

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على إعانة العلماء والدعاة والشد من أزرهم. ٢ - من صفات الداعية: النشاط: ٣ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. ٤ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والأذى. ٥ - من صفات الداعية: الاعتزاز بطاعة الله . ٦ - أهمية أدب المدعو مع الدعاة والعلماء. ٧ - جهود نساء الصحابة ﵅ في الجهاد والدعوة. ٨ - من تاريخ الدعوة: ذكر الهجرة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على إعانة العلماء والدعاة والشد من أزرهم: ظهر في هذا الحديث أن الحث على إعانة العلماء والدعاة من أهم موضوعات الدعوة التي ينبغي للدعاة حث الناس عليها؛ لأن العالم أو الداعية إذا لم يجد التعاون من قبل المدعوين لا يستطيع في الغالب أن يؤدي دعوته على الوجه الأكمل؛ ولهذا أعانت أسماء ﵂ النبي ﷺ ورفيقه، بالقيام بتجهيز أهبة السفر من الطعام والقربة وشدت السفرة بنصف نطاقها، وأوكت القربة بالنصف الآخر، ﵂. وهذا العمل فيه حث على إعانة العلماء والدعاة، والله المستعان (١). ثانيا: من صفات الداعية: النشاط: ظهر في هذا الحديث أن النشاط مهم في حياة الداعية إلى الله ؛ ولهذا اتخذت أسماء ﵂ نطاقا تشد به وسطها أثناء العمل، لئلا تعثر في ذيل ثوبها أثناء أعمالها الشاقة (٢).

стр. 608

فينبغي للداعية أن يكون نشيطا كيسا. (١). ثالثا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل هذا الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن التوكل يقوم على اعتماد القلب على الله مع العمل بالأسباب؛ ولهذا أمر أبو بكر ﵁ أسماء أن تشق نطاقها نصفين، وتشد به السفرة، والقربة، وهذا من العمل بالأسباب وأخذ أهبة السفر: من الزاد والمتاع (٢). وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " السفر بدون زاد يسبب الهلكة، فيجب الاستعداد للسفر " (٣) وهذا يؤكد الأخذ بالأسباب مع اعتماد القلب على الله (٤). رابعا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والأذى: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية أن يصبر على الابتلاء والأذى، وذلك من وجهين: ١ - صبر الصحابة ﵃ على قلة ما في اليد من المال؛ ولشدة ذلك لم تجد أسماء ما تربط به سفرة النبي ﷺ وسقاءه عندما أراد الهجرة هو وأبو بكر ﵁ قالت ﵂: " والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقي " فقال أبو بكر ﵁: " فشقيه باثنين فاربطيه: بواحد السقاء، وبالآخر السفرة " ففعلت ﵂. ٢ - صبر عبد الله بن الزبير ﵁ على ما ناله من الأذى من أهل الشام بقولهم له؛ " يا ابن ذات النطاقين " يعيرونه بذلك فصبر على أذاهم (٥).

стр. 609

فينبغي للداعية أن يصبر على الابتلاء والأذى، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (١). خامسا: من صفات الداعية: الاعتزاز بطاعة الله : دل فعل عبد الله بن الزبير وقوله ﵁ على اعتزازه وسروره بطاعة الله ، وذلك أن أهل الشام كانوا يعيِّرونه بقولهم: " يا ابن ذات النطاقين " فقالت له أسماء: " يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين. وهل تدري ما كان النطاقان؟ إنما كان نطاقي شققته نصفين فأوكيت قربة رسول الله ﷺ بأحدهما، وجعلت في سفرته آخر " فكان أهل الشام إذا عيروه بالنطاقين يقول: " إيها والإِله تلك شكاة ظاهر عنك عارها ". وهذا يبين اعتزازه ﵁ بذلك؛ لأن خدمة رسول الله ﷺ وتجهيزه في سفره من أعظم الطاعات، وأعلى القربات؛ ولهذا استزادهم من قولهم كما قال ذلك الحافظ ابن حجر (٢) ﵀ فإن كلمة " إيهِ " يراد بها الاستزادة، وأما كلمة: " إيها " فهي أمر بالسكوت وقطع الكلام. وذكر ابن حجر ﵀ أن بعض علماء اللغة حَرَّروا، أن كلمة " إيها " بالتنوين للاستزادة، وبغير التنوين " إيها " لقطع الكلام، فصار معنى " إيها " مثل " إيهِ " للاستزادة (٣) وهذا مقصود عبد الله بن الزبير؛ لأنه رغب في الاستزادة؛ لشرف خدمة النبي ﷺ ؛ وقد مدح الله المعتزين بدينهم الإِسلام فقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (٤) فقوله: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] فيه اعتزاز وفخر بالإِسلام. سادسا: أهمية أدب المدعو مع الدعاة والعلماء: ظهر في هذا الحديث أن أهل الشام أساءوا الأدب مع عبد الله بن الزبير ﵁ وعيَّروه بعمل أمه المبارك في خدمة رسول الله ذ وتجهيزه للهجرة؛ ولهذا قال عبد الله بن الزبير ﵄: " تلك شكاة ظاهر عنك عارها " والشكاة: " رفع

стр. 610

الصوت بالقول القبيح " (١) فينبغي للمدعو أن يلتزم الأدب مع الدعاة والعلماء، حتى يحصل على الثواب من الله ، ويستفيد من علمهم، والله المستعان (٢). سابعا: جهود نساء الصحابة ﵅ في الجهاد والدعوة: إن الناظر والمتأمل في حياة الصحابيات ﵅ يجد أنهن يبذلن الجهود العظيمة في الجهاد والدعوة، وخدمة المجاهدين، ومن ذلك ما فعلته أسماء بنت أبي بكر ﵂ من تجهيز رسول الله ﷺ ، وإعداد ما يحتاجه في سفره، وفي هجرته إلى المدينة، وهكذا الصحابيات غيرها اللواتي شاركن في الجهاد بخدمة المجاهدين، وعلاج المرضى والجرحى مع التزامهن بأمور الشرع وآدابه. ﵅. (٣). ثامنا: من تاريخ الدعوة: ذكر الهجرة: ظهر في هذا الحديث أن من تاريخ الدعوة ذكر الهجرة؛ لقول أسماء ﵂ في هذا الحديث: " صنعت سفرة رسول الله ﷺ في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة "، وقد كانت تلك الهجرة بعد البعثة بثلاث عشرة سنة أمضاها النبي ﷺ في الدعوة إلى كلمة الإِخلاص، والترغيب والترهيب، ثم هاجر إلى المدينة ﷺ (٤).

стр. 611

١٢٧ - باب الرّدف على الحمَارِ [حديث ركب النبي على حمار على إكاف عليه قطيفة وأردف أسامة وراءه] ١٠٨ - [٢٩٨٧] حَدَّثَنَا قتَيْبَة: حَدَّثَنَا أَبو صفْوانَ، عَنْ يونسَ بْنِ يَزيدَ، عنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عرْوَةَ عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (١) ﵄: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ركِبَ علَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَة، وأَرْدَفَ أسَامَةَ وَرَاءَه» (٢). وفي رواية: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَة فَدَكِيَّة، وأسَامَة ورَاءَه يَعود سَعْدَ بْنَ عبَادَةَ فِي بَنِي حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَة بَدْرٍ، فَسَارَا حَتَّى مرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْد اللهِ بْن أبَيٍّ ابْن سَلولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يسْلِمَ عَبْد الله بْن أبَيٍّ فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلاَط مِنَ الْمسْلِمِينَ، وَالْمشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيهودِ، وَفِي المسلمينَ عَبْد الله بْن رَوَاحَة (٣) فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَة الدَّابَّة،

стр. 612

خَمَّرَ ابْن أبَي أَنفَه بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لَا تغَبِّروا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسول اللهِ ﷺ عَلَيْهِم ثمَّ وَقَفَ، فنَزَلَ فَدَعَاهمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهم الْقرْآنَ فَقَالَ لَه عَبْد اللهِ بْن أبَي ابْن سَلولَ (١) أَيّهَا الْمَرْء لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقول إِنْ كَانَ حَقّا فَلاَ تؤذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصصْ عَلَيهِ، قَالَ عَبْد الله بْن رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسولَ الله فاغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا، فَإنَا نحِبّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمسْلِمونَ وَالْمشْرِكونَ وَالْيَهود، حَتَّى كَادوا يَتَثاوَرونَ، فَلَمْ يَزَلْ رَسول اللهِ ﷺ يخَفِّضهمْ حَتَّى سَكَتوا، ثمَّ رَكِبَ رَسول الله ﷺ دابَّتَه فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عبَادَةَ (٢) فَقَال رَسول الله ﷺ : " أَيْ سَعْد أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبو حبَابٍ "؟ يريد عَبْدَ اللهِ بْنَ أبَيٍّ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ سَعْد

стр. 613

ابْن عبَادَةَ: أَيْ رَسولَ الله بِأَبِي أنتَ اعْف عَنْه وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ الله بِالْحَقِّ الَّذِي أنزِلَ عَلَيكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْل هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يتَوِّجوه وَيعصبوه بِالْعِصَابَة، فَلَمَّا رَدَّ الله ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شرِق بذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْه رَسول الله ﷺ ، وَكَانَ رَسول الله ﷺ وَأصْحَابه يَعْفونَ عَنِ الْمشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا أَمَرَهم الله وَيَصْبِرونَ علَى الأذى قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] (١) الآية، وَقَالَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (٢) فَكَانَ رَسول اللهِ ﷺ يَتَأَوَّل فِي الْعَفْوِ عَنْهمْ مَا أَمَرَه الله بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَه فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسول اللهِ ﷺ بَدْرا فَقَتَلَ الله بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكفَّارِ وَسَادَةِ قرَيْشٍ، فَقَفَلَ رَسول الله ﷺ وَأَصْحَابه مَنْصورِينَ غَانِمينَ مَعَهمْ أسَارى مِنْ صَنَادِيدِ الْكفَّارِ وَسَادَةِ قرَيْشٍ قَالَ ابْن أبَيٍّ ابْن سَلولَ وَمَنْ مَعَه مِنَ الْمشْرِكِينَ عَبَدَة الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْر قَدْ تَوَجَّه، فَبَايَعوا رَسولَ اللهِ ﷺ عَلَى الإِسْلاَمِ فَأَسْلَموا» (٣). وفي رواية: «فَقَالَ لَه عَبْد اللهِ بْن أبَيٍّ: يَا أَيّهَا الْمَرء إِنَّه لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقول إن كَانَ حَقا فَلاَ تؤذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا وارْجِعْ إلَى رَحْلِكَ. .». (٤). * شرح غريب الحديث: * " إكاف " الإكاف للحمار كالقتب للجمل، والرحل للناقة، والسرج للفرس، وجمع الإِكاف: أكف، وأكفت الحمار: أي وضعت عليه إكافه (٥). * " قطيفة " القطيفة: كساء له خمل (٦).

стр. 614

* " عجاجة الدابة " العجاج: الغبار (١). * " خَمَّر أنفه بردائه " أي غطَّى، والتخمير التغطية (٢). * " فاغشنا في مجالسنا " يقال: غشيه يغشاه غِشيانا: إذا جاءه (٣). * " يتثاورون " يثور بعضهم على بعضٍ بقتال أو مشاجرة، ويقال: ثار يثور ثورا: أي قام بسرعة وانزعاج. (٤). * " يخفِّضهم " يسَكِّنهمْ (٥). * " البحرة " البلدة، وتصغيرها بحيرة، ويقال: هذه بحيرتنا: أي بلدتنا (٦). * " يعصبوه بالعصابة " العصابة ما يعصب بها الرأس: أي يشد بها لرئاسة أو مرض (٧). * " شرِق بذلك " يقال: شَرق بالماء يشرق، شَرَقا: إذا غص به، شبه ما أصابه من فوات الرِّيَاسة بالغصص (٨). * " صناديد قريش " الصناديد الأشراف وأكابر الناس (٩). * " قفل " رجع والقفول: الرجوع من السفر (١٠). * " هذا أمر قد توجه " أي قد استمر فلا طمع في إزالته وتغييره (١١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها. ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على مكارم الأخلاق.

стр. 615

٢ - من صفات الداعية: التواضع. ٣ - من وسائل الدعوة: الزيارة والعيادة. ٤ - من آداب الداعية: إفشاء السلام. ٥ - من صفات الداعية: الحلم. ٦ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة. ٧ - من أعظم أساليب الدعوة: التذكير بالقرآن والسنة في المجامع المشتركة وغيرها. ٨ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والأذى. ٩ - من وظائف الداعية: إطفاء نار الفتن. ١٠ - من أصناف المدعوين: المشركون. ١١ - من أصناف المدعوين: اليهود. ١٢ - من أصناف المدعوين: المسلمون. ١٣ - من صفات الداعية: العناية الدائمة بالدعوة إلى الله . ١٤ - أهمية استشارة الداعية لأصحابه. ١٥ - من وظائف المدعو: الدفاع عن العلماء والدعاة المخلصين. ١٦ - من صفات الداعية: العفو والصفح. ١٧ - من أساليب الدعوة: التأليف بالنداء بالكنى. ١٨ - من أسباب إعراض المدعوين: الحسد وحب الرياسة والجاه. ١٩ - من وسائل الدعوة: استخدام القوة عند الحاجة. ٢٠ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٢١ - إخفاء المنافقين نفاقهم دليل على قوة المسلمين. ٢٢ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ٢٣ - من ميادين الدعوة المجالس العامة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على مكارم الأخلاق: دل هذا الحديث على أن مكارم الأخلاق من موضوعات الدعوة؛ لأن

стр. 616

النبي ﷺ دعا الناس بفعله في هذا الحديث إلى التواضع، والحلم، والصبر، وتحمل الأذى، وإفشاء السلام، وإطفاء الفتن، والعفو والصفح، والحرص على الدعوة إلى الله (١) وهذا يؤكد على الدعاة إلى الله ﵀ العناية بتعليم الناس وحضهم على مكارم الأخلاق؛ قال النبي ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٢) وقد دعا الناس إلى هذه المكارم بقوله وفعله ﷺ (٣). ثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على صفة التواضع من عدة وجوه: ركوب النبي ﷺ الحمار، وركوبه على قطيفة، وإردافه الغلام، وزيارته ﷺ لسعد بن عبادة؛ فإن زيارة الكبير للصغير من التواضع (٤). فينبغي للداعية أن يكون متواضعا اقتداء بالرسول ﷺ (٥). ثالثا: من وسائل الدعوة: الزيارة والعيادة: إن من وسائل الدعوة المؤثرة في حياة المدعو: الزيارة وعيادة المرضى، وقد دلَّ فعل النبي ﷺ بزيارته لسعد بن عبادة في هذا الحديث على ذلك؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " فيه عيادة الكبير بعض أتباعه في داره " (٦). فينبغي للداعية أن يعتني بهذه الوسيلة عناية خاصة؛ ولهذا بين النبي ﷺ فضل الزيارة في الله وعيادة المرضى، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «جاء أبو موسى الأشعري ﵁: يعود الحسن بن علي ﵄، فقال له عليّ ﵁: أجئت عائدا أم شامتا؟ فقال: بل جئت عائدا، فقال علي: إن جئت عائدا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أتى أخاه المسلم عائدا مشى في خرافة

стр. 617

الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح» (١) وعن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : «من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع» «وفي رواية؛ قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: جناها» (٢). والزيارة في الله ولو لم يكن المسلم مريضا- من وسائل الدعوة ومن أعظم القربات، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله. (٣) له على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال؛ هل لك عليه من نِعْمَة تَربهّا (٤)؟ قال: لا غير أني أحببته في الله ، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبَّك كما أحببته فيه» (٥) وعنه ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي (٦) اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٧). فينبغي للداعية أن يعتني بزيارة المدعوين وخاصة الأحبة في الله ، ويعتني بزيارة المرضى؛ فإن لذلك الأثر العظيم في نفوسهم، والثواب الجزيل عند الله ؛ ولهذا وجبت محبة الله للمتحابين فيه، والمتزاورين فيه، والمتباذلين فيه، فعن معاذ بن جبل ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في،

стр. 618

والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ» (١) وعن معاذ ﵁ أيضا، قال؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ؛ المتحابّون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» (٢). رابعا: من آداب الداعية: إفشاء السلام: إن من الآداب الإِسلامية إفشاء السلام على كل مسلم، ولو كان معه غيره؛ ولهذا سلم النبي ﷺ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين، واليهود كما في حديث أسامة هذا؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفار، وينوي حينئذٍ بالسلام المسلمين " (٣) وقال الإِمام النووي ﵀: " وفيه جواز الابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار وهذا مجمع عليه " (٤). فينبغي للداعية أن يعتني بإفشاء السلام، ولهذا أجاب ﷺ رجلا سأله: «أي الإِسلام خير؟ قال؛ " تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٥) وقال ﷺ : «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم» (٦) وقال عمار بن ياسر ﵁: " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإِيمان: الإِنصاف من نفسك، وبذل السلام لِلْعَالَم، والإِنفاق من الإِقتار " (٧) وهذا كله يبين أهمية السلام

стр. 619

وأنه من أعظم الآداب التي ينبغي للداعية أن يتخلق بها (١). خامسا: من صفات الداعية؛ الحلم: ظهر في هذا الحديث حلم النبي ﷺ ؛ لأنه ضبط نفسه عن هيجان الغضب فلم يغضب عندما صدر الأذى من زعيم المنافقين بقوله لرسول الله ﷺ : " لا تغبروا علينا " وخمر أنفه بردائه، وأساء الأدب مع النبي ﷺ حيث قال: " أيها المرء لا أحسن مما تقول، إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا، فمن جاءك فاقصص عليه " وقابل النبي ﷺ هذا الكلام القبيح بالحلم فلم يغضب، فدل ذلك على الحلم العظيم والخلق الكريم. فينبغي لكل مسلم، وخاصة الداعية إلى الله، أن يقتدي بهذا النبي العظيم ﷺ (٢). سادسا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: لا ريب أن من أهم المهمات وأعظم القربات الخلق الحسن، والأدب الجميل وخاصة مع العلماء والدعاة، وقد ظهر في هذا الحديث سوء الأدب مع رسول الله ﷺ ؛ لأن المنافق عبد الله بن أبيّ قَلَّ حياؤه وساء أدبه فخمّر أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، وقال للنبي ﷺ عندما سمع قراءته للقرآن: " أيها المرء لا أحسن مما تقول، إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا فمن جاءك فاقصص عليه " وكان يجب عليه أن يستقبل رسول الله ﷺ ، ولا يؤذيه، ولا يرد دعوته، ولا يناديه بنداء الاستخفاف كقوله: " أيها المرء " بل كان يلزمه: أن يسلم، ويخلص، ويقول: يا رسول الله، رضينا بالله ربا وبالإِسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا. فينبغي لجميع المدعوين أن يلزموا الأدب مع العلماء والدعاة، ويقبلوا دعوتهم، والله المستعان. (٣).

стр. 620

سابعا: من أعظم أساليب الدعوة: التذكير بالقرآن والسنة في المجامع المشتركة وغيرها: دل هذا الحديث على أهمية أسلوب التذكير بالقرآن الكريم؛ ولهذا عندما جاء رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى مجلس فيه أخلاط من المشركين واليهود والمسلمين، سلم ثم وقف ونزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. وهذا يؤكد العناية بالقرآن الكريم، وتذكير الناس به وقراءته عليهم؛ لأنه أبلغ الكلام وأعظمه تأثيرا في القلوب؛ قال الله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] (١) وقال : ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] (٢) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] (٣) وقال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا - وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠] (٤). وقال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (٥) وقال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] (٦). وقال : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] (٧). ومما يدل على تأثير القرآن العظيم في القلوب ما قاله جبير بن مطعم ﵁: «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] (٨)

стр. 621

كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإِيمان في قلبي]» (١) وهذا يدل على تأثير القرآن الكريم في القلوب، وكذلك ينبغي للداعية أن يذَكِّر بأحاديث رسول الله ﷺ ، فإنها الوحي الثاني ولها تأثير في القلوب أيضا ومما يدل على تأثير كلام رسول الله ﷺ في القلوب قصة ضماد ﵁ عندما قدم مكة وكان يرقي من الجن فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يديَّ، فلقيه فقال: «يا محمد إني أرقي من هذه الريح (٢) وإن الله يشفي على يديَّ من شاء، فهل لك (٣)؟ فقال رسول الله ﷺ : " إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد " فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات. فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ ناعوس البحر (٤) فقال؛ هات يدك أبَايعْكَ على الإِسلام، فقال رسول الله ﷺ : " وعلى قومك؟ " قال: وعلى قومي» (٥). وهكذا ما جاء عن الطفيل بن عمرو ﵁ أنه كان شاعرا وسيدا في قومه فقدم مكة فحذرته قريش من مقابلة الرسول ﷺ ، وقالوا: إن كلامه كالسحر فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا؛ فإنه يفرق بين المرء وزوجه، وبين المرء وابنه، فما زالوا يحذرونه، حتى حلف أن لا يدخل المسجد إلا وقد سد أذنيه، فسد أذنيه بقطن، ثم دخل المسجد، فأعجبه فقال في نفسه: إني امرؤ ثبت ما تخفى عليَّ الأمور: حسنها

стр. 622

وقبحها، والله لأسمعن منه فإن كان أمره رشدا أخذته منه وإلا اجتنبته، فنزع القطن فلم يسمع كلاما أحسن من كلامه، فلحقه إلى بيته ودخل معه وأخبره الخبر، وقال: اعرض عليَّ دينك؛ فعرض عليه الإِسلام فأسلم (١). فينبغي للدعاة إلى الله أن يعتنوا بتذكير الناس بالقرآن الكريم، وبسنة محمد ﷺ . والله المستعان. ثامنا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى والابتلاء: دل هذا الحديث على أهمية الصبر على الأذى والابتلاء؛ لأن النبي ﷺ صبر الأذى والابتلاء كما في هذا الحديث حيث صدر الأذى من المنافق عبد الله بن أبيِّ بن سلول، بالتأفف وقوله: " لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به. . . " ومما يدل على ذلك ما جاء في هذا الحديث أيضا: " وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] (٢). وقال : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (٣). وهذا يبين للدعاة ما كان عليه النبي ﷺ من الصبر على الأذى والابتلاء (٤) فينبغي الاقتداء به ﷺ (٥). تاسعا: من وظائف الداعية: إطفاء نار الفتن: إن من الوظائف المهمة للداعية إطفاء نار الفتن وإخمادها، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن المسلمين استبوا والمشركين واليهود حينما قال عبد الله بن رواحة

стр. 623

رضي الله عنه: " بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك " وعبد الله بن أبيٍّ يقول: " إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا " فاستمر السباب حتى كاد بعضهم يثور على بعض بالقتال والمشاجرة. فلم يزل النبي ﷺ يسكنهم حتى سكتوا ثم ركب دابته بعد أن أطفأ الفتنة وسار، وهذا فيه حكمة أخرى، وهو أنه فارق ذلك المجلس؛ لئلا تعود المشاجرة والمسابة مرة أخرى. فينبغي للداعية أن يكون مفتاحا للخير والصلح والسلامة، والله الموفق. (١). عاشرا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين المشركون؛ لأن النبي ﷺ عم بالدعوة المشركين الذين في مجلس عبد الله بن أبيٍّ وقرأ على الجميع القرآن الكريم ودعاهم إلى الله . فينبغي للداعية أن يعتني بدعوة المشركين على حسب الطرق الحكيمة في دعوتهم إلى الله (٢). الحادي عشر: من أصناف المدعوين: اليهود: ظهر في هذا الحديث أن اليهود من أصناف المدعوين؛ ولهذا عم النبي ﷺ اليهود الذين في مجلس عبد الله بن أبي بدعوته وقرأ عليهم القرآن، وذكرهم. ولا شك أن اليهود قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد قسوة إلا من هدى الله منهم للإِسلام، ولكن ينبغي مع ذلك دعوتهم إلى الإِسلام وإقامة الحجة عليهم حسب الطرق الحكيمة في دعوتهم إلى الله (٣). الثاني عشر: من أصناف المدعوين: المسلمون: دل هذا الحديث على أن المسلمين من أصناف المدعوين؛ لأن النبي ﷺ شملهم بالدعوة والتذكير وقراءة القرآن في مجلس عبد الله بن أبيٍّ؛ ولكن

стр. 624

ينبغي للداعية أن يراعي أحوالهم والطرق الحكيمة في دعوة المسلمين؛ لأن المسلمين ينقسمون إلى قسمين: قسم ينقادون للحق ولا يعاندون فهؤلاء يكفي في دعوتهم أن يبين لهم الحق علما وعملا واعتقادا، وحينئذ ينقادون لذلك. وقسم من المسلمين عندهم: غفلة وشهوات، وأهواء، وهم عصاة المسلمين، فهؤلاء تكون دعوتهم عن طريق ثلاثة مسالك: ١ - الموعظة الحسنة: وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والقول الحق الذي يلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيمانا وهداية (١) قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] (٢). والوعظ في الحقيقة ينبغي أن يكون على نوعين: (أ) وعظ التعليم: ويكون ببيان عقائد التوحيد، وبيان الأحكام الشرعية الخمسة: من الواجب، والحرام، والمسنون، والمكروه، والمباح، مع مراعاة ما يناسب كل طبقة. وينبغي أن تساق هذه الأحكام مساق الوعظ، ولا تسرد سردا خاليا من وسائل وأساليب التأثير، وأسلوب القرآن على هذا، يبين الحكم مقرونا بالترغيب، أو الترهيب، أو الجمع بين الأمرين؛ ولهذا يأخذ بمجامع القلوب، وحينئذ تستقبل العقائد والأحكام برغبة واشتياق للعمل والتطبيق. (ب) وعظ التأديب: ويكون بتحديد الأخلاق الحسنة: كالحلم والأناة، والصبر والكرم، والوفاء، والأمانة. . . وبيان آثارها ومنا فعها في المجتمع، والحث على التخلق بها والتزامها، وتحديد وتعريف الأخلاق السيئة: كالغضب، والعجلة، والغدر، والجزع، والجبن، والبخل، والتحذير من الاتصاف بها من طريقي: الترغيب والترهيب. ويكون ذلك مقرونا بالأدلة من الكتاب والسنة (٣).

стр. 625

٢ - الترغيب والترهيب: ويكون بالترغيب في جنس الطاعات وأنواعها، والترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على جنس المعاصي والذنوب، وعلى أنواع الذنوب وآحادها (١). ٣ - استخدام الأساليب التصويرية التي تدخل على القلوب مباشرة وتشد أذهان المستمعين: كالقصص من القرآن الكريم والسنة النبوية، وضرب الأمثال، ولفت الأنظار إلى الأوصاف الحميدة المعنوية، وبيان آثارها العملية التي تحصل بسبب تطبيقها والعمل بها، ومن ذلك ذكر أوصاف المؤمنين، ومن الأساليب التصويرية: لفت الأنظار إلى الآثار المحسوسة، كلفت أنظار المدعوين إلى آثار الأمم الماضية، والأفراد والجماعات الظالمة، والقرى والأمصار المكذبة، وقد تكون الآثار في الأزمان القريبة أو الأماكن والأزمان المعاصرة؛ فإن في النظر فيما حل بهم من الهلاك والدمار والزلازل، والمحن، والأمراض أعظم العبر لمن اعتبر وتفكر، ونظر واتعظ، والنظر في مساكنهم وديارهم، وكيف أبادهم وأذلهم، وأهلكهم الملك الجبار، وجعل أخبارهم عبرة لأولي الأبصار (٢). ولا شك أن الله قد بين مراتب الدعوة وكانت بحسب مراتب البشر فقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣). قال الإِمام ابن القيم ﵀: " جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن، وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية " (٤).

стр. 626

فإن ظلم المعاند ولم يرجعِ إلى الحق انتقِل معه إلى مرتبة استخدامِ القوة (١) قال الله : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢). واستخدام القوة بالكلام والتأديب لمن له سلطة وقوة مشروعة، وبالجهاد في سبيل الله تحت لواء ولي أمر المسلمين بالشروط التي دل عليها الكتاب والسنة، وهذا ما يقتضيه مفهوم الحكمة الصحيح؛ لأنها وضع الشيء في موضعه بإحكام، وإتقان، وإصابة (٣). الثالث عشر: من صفات الداعية: العناية الدائمة بالدعوة إلى الله : إن من الصفات الحميدة والأعمال الجليلة: العناية الفائقة الدائمة بالدعوة إلى الله ؛ ولهذا كان أعظم الناس فيها حظا ونصيبا محمد بن عبد الله ﷺ ، وقد ظهر في هذا الحديث أنه ﷺ سار في طريقه إلى جموع مختلطة من المشركين عبدة الأوثان، واليهود، والمسلمين، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، ثم عمل عملا دعويا آخر وهو الإِصلاح بين هؤلاء حينما كادت الجموع أن يثور بعضها على بعض فسكنهم حتى أطفأ الفتنة ﷺ ، ثم قام وسار في عملٍ دعوي آخر وهو زيارته لسعد بن عبادة ﵁، وهذا يدل على أن عمله كله دائم في الدعوة والعبادة؛ قال ﷺ : «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل» (٤) قال النووي ﵀: " وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه ﷺ من: الحلم، والصفح، والصبر على الأذى في الله تعالى، ودوام الدعاء إلى الله تعالى، وتألف القلوب والله أعلم " (٥).

стр. 627

فينبغي للداعية أن تكون دعوته دائمة على حسب الأحوال، وحاجة الناس إلى الدعوة، ولكن ينبغي اختيار الأوقات والموضوعات المناسبة، لكل فئة. الرابع عشر: أهمية استشارة الداعية لأصحابه: دل هذا الحديث على أن الداعية ربما يستشير أصحابه وأتباعه وهذا من هدي النبي ﷺ ؛ ولهذا جاء رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة ﵁ فقال: «أي سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب»؟ " فأشار عليه ﵁ بقوله: " أي رسول الله بأبي أنت اعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت " فعفا عنه رسول الله ﷺ . وهذا يبين أهمية الشورى ومشاورة الداعية أصحابه، وما فيها من الفوائد (١). الخامس عشر: من وظائف المدعو: الدفاع عن العلماء والدعاة المخلصين: يظهر في هذا الحديث أن من وظائف المدعو المخلص الصالح الدفاع عن العلماء والدعاة المخلصين؛ ولهذا دافع عبد الله بن رواحة ﵁ في مجلس عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول فقال عندما حصل النقاش: " بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك " وهذا رد على قول عبد الله بن أبي حيث قال: " فلا تؤذنا في مجالسنا ". فينبغي الدفاع عن علماء الإِسلام بالحق في حياتهم وبعد مماتهم، والله المستعان (٢). السادس عشر: من صفات الداعية: العفو والصفح: ظهر عفو النبي الكريم ﷺ في هذا الحديث عن عبد الله بن أبي، حيث لما يعاقبه ﷺ ، ولم يقاتله، ولم يأمر أصحابه باغتياله؛ وإنما عفا عنه وصفح؛

стр. 628

قال الحافظ ابن حجر ﵀: " عفوه ﷺ عن كثير من المشركين واليهود، بالمنِّ والفداء، وصفحه عن المنافقين مشهور في الأحاديث والسير " (١). فينبغي للداعية أن يعفو ويصفح اقتداء بالنبي ﷺ . (٢). السابع عشر: من أساليب الدعوة: التأليف بالنداء بالكنى: إن التأليف بالنداء بالكنى من أساليب الدعوة النافعة؛ ولهذا والله أعلم، قال النبي ﷺ لسعد: «ألم تسمع ما قال أبو الحباب»؟ " يعني عبد الله بن أبيٍّ! قال الحافظ ابن حجر ﵀: " كناه النبي ﷺ في تلك الحالة؛ لكونه كان مشهورا بها أو لمصلحة التأليف " (٣) ونقل ﵀ عن ابن بطال أنه قال: " فيه جواز تكنية المشركين على وجه التأليف، إما رجاء إسلامهم، أو لتحصيل منفعة منهم " (٤) ثم رجح ابن حجر ﵀ جواز تكنية الكافر للتأليف أو خشية الفتنة (٥) والله المستعان (٦). الثامن عشر: من أسباب إعراض المدعوين: الحسد، وحب الرئاسة والجاه: لا شك أن من أسباب إعراض المدعوين عن قبول الدعوة والانقياد لدين الله : الحسد، والحقد، وحب الرئاسة والجاه، ولهذا قال سعد بن عبادة ﵁ للنبي في شأن عبد الله بن أبيٍّ: " ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوِّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شِرق بذلك، فلذلك فعل به ما رأيت " قال الحافظ ابن حجر ﵀ على قوله: " شرق بذلك " أي غصَّ به، وهو كناية عن الحسد، يقال: " غص بالطعام، وشَجيَ بالعظم، وشرق بالماء إذا اعترض شيء من ذلك في الحلق فمنعه الإساغةَ " (٧) وعلاج

стр. 629

هذا الإِعراض بالدعوة الصادقة، فإن لم تجْدِ فالجهاد في سبيل الله . التاسع عشر: من وسائل الدعوة: استخدام القوة عند الحاجة: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة النافعة استخدام القوة عند الحاجة إذا لم ينفع الرفق واللين؛ وقد جاء في هذا الحديث: «فكان رسول الله ﷺ يتأوَّل في العفوِ ما أمره الله به حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا فقتل الله بها من قتل من صناديد الكفار وسادة قريش قفل رسول الله ﷺ وأصحابه منصورين غانمين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش»، وهذا فيه دلالة على أن القوة عند الحاجة إليها من أعظم وسائل الدعوة إلى الله ، فإذا لم يؤثر الرفق واللين، والعفو والصفح، في أصناف المدعوين: من الملحدين، والمشركين، وأهل الكتاب، ولم يستفيدوا من الأدلة والبراهين العقلية والنقلية، والمعجزات الحسية، ولم ينقادوا للجدال بالتي هي أحسن، وأعرضوا وكذبوا، فحينئذٍ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة تحت لواءِ ولي أمر المسلمين؛ فإن لذلك الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع الباطل وأهله، ونصر الحق وأهله؛ قال الله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] (١) ولقد أحسن القائل: وما هوَ إلّا الوحْي أوحَدّ مرْهَفٍ (٢) ... تميل ظبَاه (٣) أخَدعَي كلِّ مائِلِ فَهَذا دَوَاء الدَّاءِ مِنْ كلِّ عَالمٍ ... وَهذا دَواء الدَّاءِ من كلِّ جاهل هَوَ الحَقّ إنْ تَسْتَيقظوا فيه تَغْنَموا ... وإِنْ تَغْفلوا فالسَّيف لَيْسَ بِغَافِلِ (٤)

стр. 630

وقال آخر: يعني رسول الله ﷺ : قَالوا غَزَوْتَ وَرسل اللهِ مَا بعثوا ... لِقتلِ نَفْسٍ ولا جاءوا لسَفْكِ دَم جَهْل وتَضليل أَحْلامٍ وسَفْسطةَ (١) ... فَتَحتَ بِالسَّيْفِ بعد الفتح بالقلمَ لمَا أتى لك عفوا كلّ ذي حَسَبِ ... تكفَّلَ السيف بِالجهالِ والَعَمَمِ (٢) وما أحكم ما قال الآخر: دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب فلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٣) فالعاقل ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبينة والبرهان، ويقبل الحق بدليله، أما الظالم المتبع لهواه فلا يرده إلا السيف، وأنواع القوة والسلاح (٤). العشرون: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة؛ لأن النبي ﷺ مع عظم مكانته عند الله لم يكن يرفع نفسه عن الإِرداف على الدابة؛ قال العلامة العيني ﵀: " وكان يردف لتتأسَّى به في ذلك أمته فلا يأنفوا مما لم يكن يأنف منه رسول الله ﷺ ، ولا يستنكف منه مما لم يستنكف " (٥). فينبغي الاقتداء به ﷺ (٦). الحادي والعشرون: إخفاء المنافقين نفاقهم دليل علي قوة المسلمين: دل هذا الحديث على أن المنافقين يختفون بشرهم عند ظهور قوة المسلمين،

стр. 631

ويظهرون نفاقهم وشرهم وأذاهم للإِسلام والمسلمين عند ضعف المسلمين؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: «فقفل رسول الله ﷺ وأصحابه منصورين غانمين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش قال ابن أبيِّ بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان " هذا أمر قد توجه، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإِسلام فأسلموا» وهذا؛ لخوفهم وجزعهم، وإلا فابن أبيٍّ لا زال على عداوته لرسول الله ﷺ ، حتى مات منافقا. أسأل الله العافية لي ولجميع المسلمين. الثاني والعشرون: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذا الحديث أسلوب التشبيه؛ لأن سعد بن عبادة ﵁ قال في شأن عبد الله بن أبيِّ ابن سلول " شرق بذلك " قال الحميدي ﵀: " شرق بذلك، يقال شرق بالماء يشرق شرقا، إذا غص، شبه ما أصابه من فوات الرئاسة بالغصص " (١) والله المستعان (٢). الثالث والعشرون: من ميادين الدعوة: المجالس العامة: لا شك أن من الميادين المهمة للدعوة إلى الله المجالس العامة التي يجتمع الناس فيها؛ ولهذا عندما مرَّ النبي ﷺ بمجلس عبد الله بن أبيِّ بن سلول ورأى فيه أخلاطا من المسلمين، والمشركين، واليهود، نزل ﷺ ووقف فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. وهذا يؤكد أهمية استخدام المجالس العامة ميدانا للدعوة إلى الله، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه، اقتداء بالنبي ﷺ .

стр. 632

١٢٩ - باب كراهية السفر بالمصحف إلى أرض العدو وَكَذَلِكَ يرْوَى عَنْ محَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ، عنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَتَابَعَه ابْن إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . «وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيّ ﷺ وأَصْحَابه فِي أَرْضِ العَدوِّ وَهمْ يَعْلَمونَ الْقرْآنَ». [حديث سافر النبي وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن] ١٠٩ - [٢٩٩٠] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن مَسْلَمةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عمَرَ (١) ﵄: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يسَافَرَ بالْقرآنِ إِلَى أَرْضِ العَدوِّ» (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على تعظيم القرآن الكريم. ٢ - من صفات الداعية: الحرص على إكرام وتعظيم القرآن الكريم. ٣ - شدة عداوة أعداء الدين وخطرهم على الإِسلام وأهله. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على تعظيم القرآن الكريم: إن هذا الحديث يدل على أن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله الحض على العناية بالقرآن الكريم وتعظيمه؛ ولهذا " نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ "؛ قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: " أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر المأمون الكبير. . " (٣) وفي رواية

стр. 633

لمسلم: أن رسول الله ﷺ : «كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافة أن يناله العدوّ» (١) وفي رواية: «لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدوّ» (٢) قال الإمام النووي ﵀: " فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث، وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا منع منه حينئذ هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون " (٣). وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول في النهي عن السفر بالقرآن إلى بلاد العدوّ: " وهذا إذا كان يخشى عليه أن يمتهنوه، أما إذا لم يخشَ عليه فلا حرج، والخطر على ما في المصاحف أما ما في الصدور فيحمل ويدعى به، وحمل المصحف إلى بلاد الكفار منهي عنه: سواء كانوا حربيين أو غير ذلك إذا خشي عليه " (٤). فينبغي للدعاة إلى الله أن يحضوا الناس على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه، وعدم السفر به إلى بلاد الكفار إذا خشي عليه الإِهانة والامتهان. ثانيا: من صفات الداعية: الحرص على إكرام وتعظيم القرآن الحكيم: ظهر في هذا الحديث حرص النبي ﷺ على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه؛ ولهذا نهى عن السفر به إلى بلاد العدوِّ؛ لئلا يهان؛ لأن المشركين واليهود والنصارى أعداء الإِسلام وخاصة إذا كانوا حربيين؛ قال الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] (٥) والقرآن الكريم لا يمسه إلا طاهر، وهؤلاء خبثاء نَجَس، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] (٦)

стр. 634

وفي الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (١) وهذا يؤكد حرص النبي ﷺ على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه. فينبغي للداعية أن يكون حريصا على تعظيم القرآن العزيز وإكرامه، اقتداء برسول الله ﷺ . ثالثا: شدة عداوة أعداء الدين وخطرهم على الإسلام وأهله: إن أعداء الإِسلام: من الملحدين، والمشركين وأهل الكتاب لهم غدرات، وعداوة شديدة للإِسلام وأهله؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن السفر بالقرآن إلى أرضهم، خشية أن يمتهنوا هذا القرآن العظيم. فينبغي للمسلمين أخذ الحذر؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٢) وقال : ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٣).

стр. 635

١٣١ - باب مَا يكره مِنْ رفع الصوت في التكبير [حديث أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا] ١١٠ - [٢٩٩٢] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن يوسفَ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عثْمَانَ، عَنْ أَبِي موسَى الأشعري (١) ﵁، قَالَ: «كنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَكنَا إِذَا أشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرنَا، ارْتَفَعَتْ أصوَاتنَا. فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : يَا أيهَا النَّاس، ارْبَعوا عَلَى أَنْفسِكمْ، فَإِنَكمْ لَا تَدْعونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبا، إِنَّه مَعَكمْ، إِنَّه سَمِيع قَرِيب، تَبَارَكَ اسْمه، وَتَعَالَى جَدّه» (٢). وفي رواية: «لَمَّا غَزَا رَسول اللهِ ﷺ خَيْبَرَ- أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجهَ رَسول اللهِ ﷺ أَشْرَفَ النَّاس عَلَى وَادٍ فَرَفَعوا أَصْوَاتَهمْ بالتَّكْبيرِ: الله أَكْبَر، الله أَكْبَر، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله. فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ : " ارْبَعوا علَى أنفسِكم، إِنَكم لَا تدْعونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا، إِنَكم تَدْعون: سَمِيعا، قَرِيبا، وَهوَ مَعَكمْ " وَأنا خَلْفَ دَابَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فَسَمِعَنِي وَأنا أَقول: لاَ حَوْلَ وَلاَ قوةَ إِلاَّ بِاللهِ. فَقَالَ لِي: " يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ " قلْت لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ. قَالَ: " أَلَا أَدلكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كنوزِ الْجَنَّةِ؟ " قلْت: بَلَى يَا رَسولَ اللهِ فِدَاكَ أَبِي وأمِّي. قَالَ: " لَا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إِلّا باللهِ» (٣). وفِي رواية: «أَخَذَ النَّبِي ﷺ فِي عَقَبَةٍ - أَوْ قَالَ في ثَنِيةٍ - قَالَ: فَلَمَّا عَلاَ عَلَيْهَا رَجل نَادَى فرَفعَ صَوْتَه: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهِ، وَالله أَكْبَر، قَالَ: وَرَسول الله ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ.» (٤). وفي رواية: «كنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَد شَرَفا، وَلاَ نَعْلو شَرَفا، وَلاَ نَهْبِط فِي وَادٍ إِلاَّ رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنّا رَسول اللهِ
следующие страницы →