← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ويظهرون نفاقهم وشرهم وأذاهم للإِسلام والمسلمين عند ضعف المسلمين؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: «فقفل رسول الله ﷺ وأصحابه منصورين غانمين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش قال ابن أبيِّ بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان " هذا أمر قد توجه، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإِسلام فأسلموا» وهذا؛ لخوفهم وجزعهم، وإلا فابن أبيٍّ لا زال على عداوته لرسول الله ﷺ ، حتى مات منافقا. أسأل الله العافية لي ولجميع المسلمين. الثاني والعشرون: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذا الحديث أسلوب التشبيه؛ لأن سعد بن عبادة ﵁ قال في شأن عبد الله بن أبيِّ ابن سلول " شرق بذلك " قال الحميدي ﵀: " شرق بذلك، يقال شرق بالماء يشرق شرقا، إذا غص، شبه ما أصابه من فوات الرئاسة بالغصص " (١) والله المستعان (٢). الثالث والعشرون: من ميادين الدعوة: المجالس العامة: لا شك أن من الميادين المهمة للدعوة إلى الله المجالس العامة التي يجتمع الناس فيها؛ ولهذا عندما مرَّ النبي ﷺ بمجلس عبد الله بن أبيِّ بن سلول ورأى فيه أخلاطا من المسلمين، والمشركين، واليهود، نزل ﷺ ووقف فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. وهذا يؤكد أهمية استخدام المجالس العامة ميدانا للدعوة إلى الله، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه، اقتداء بالنبي ﷺ .

стр. 632

١٢٩ - باب كراهية السفر بالمصحف إلى أرض العدو وَكَذَلِكَ يرْوَى عَنْ محَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ، عنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَتَابَعَه ابْن إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . «وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيّ ﷺ وأَصْحَابه فِي أَرْضِ العَدوِّ وَهمْ يَعْلَمونَ الْقرْآنَ». [حديث سافر النبي وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن] ١٠٩ - [٢٩٩٠] حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن مَسْلَمةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عمَرَ (١) ﵄: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يسَافَرَ بالْقرآنِ إِلَى أَرْضِ العَدوِّ» (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على تعظيم القرآن الكريم. ٢ - من صفات الداعية: الحرص على إكرام وتعظيم القرآن الكريم. ٣ - شدة عداوة أعداء الدين وخطرهم على الإِسلام وأهله. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على تعظيم القرآن الكريم: إن هذا الحديث يدل على أن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله الحض على العناية بالقرآن الكريم وتعظيمه؛ ولهذا " نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ "؛ قال الإِمام ابن عبد البر ﵀: " أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر المأمون الكبير. . " (٣) وفي رواية

стр. 633

لمسلم: أن رسول الله ﷺ : «كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافة أن يناله العدوّ» (١) وفي رواية: «لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدوّ» (٢) قال الإمام النووي ﵀: " فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث، وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا منع منه حينئذ هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون " (٣). وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول في النهي عن السفر بالقرآن إلى بلاد العدوّ: " وهذا إذا كان يخشى عليه أن يمتهنوه، أما إذا لم يخشَ عليه فلا حرج، والخطر على ما في المصاحف أما ما في الصدور فيحمل ويدعى به، وحمل المصحف إلى بلاد الكفار منهي عنه: سواء كانوا حربيين أو غير ذلك إذا خشي عليه " (٤). فينبغي للدعاة إلى الله أن يحضوا الناس على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه، وعدم السفر به إلى بلاد الكفار إذا خشي عليه الإِهانة والامتهان. ثانيا: من صفات الداعية: الحرص على إكرام وتعظيم القرآن الحكيم: ظهر في هذا الحديث حرص النبي ﷺ على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه؛ ولهذا نهى عن السفر به إلى بلاد العدوِّ؛ لئلا يهان؛ لأن المشركين واليهود والنصارى أعداء الإِسلام وخاصة إذا كانوا حربيين؛ قال الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] (٥) والقرآن الكريم لا يمسه إلا طاهر، وهؤلاء خبثاء نَجَس، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] (٦)

стр. 634

وفي الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (١) وهذا يؤكد حرص النبي ﷺ على تعظيم القرآن الكريم وإكرامه. فينبغي للداعية أن يكون حريصا على تعظيم القرآن العزيز وإكرامه، اقتداء برسول الله ﷺ . ثالثا: شدة عداوة أعداء الدين وخطرهم على الإسلام وأهله: إن أعداء الإِسلام: من الملحدين، والمشركين وأهل الكتاب لهم غدرات، وعداوة شديدة للإِسلام وأهله؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن السفر بالقرآن إلى أرضهم، خشية أن يمتهنوا هذا القرآن العظيم. فينبغي للمسلمين أخذ الحذر؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٢) وقال : ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٣).

стр. 635

١٣١ - باب مَا يكره مِنْ رفع الصوت في التكبير [حديث أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا] ١١٠ - [٢٩٩٢] حَدَّثَنَا محَمَّد بْن يوسفَ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عثْمَانَ، عَنْ أَبِي موسَى الأشعري (١) ﵁، قَالَ: «كنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَكنَا إِذَا أشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرنَا، ارْتَفَعَتْ أصوَاتنَا. فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : يَا أيهَا النَّاس، ارْبَعوا عَلَى أَنْفسِكمْ، فَإِنَكمْ لَا تَدْعونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبا، إِنَّه مَعَكمْ، إِنَّه سَمِيع قَرِيب، تَبَارَكَ اسْمه، وَتَعَالَى جَدّه» (٢). وفي رواية: «لَمَّا غَزَا رَسول اللهِ ﷺ خَيْبَرَ- أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجهَ رَسول اللهِ ﷺ أَشْرَفَ النَّاس عَلَى وَادٍ فَرَفَعوا أَصْوَاتَهمْ بالتَّكْبيرِ: الله أَكْبَر، الله أَكْبَر، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله. فَقَالَ رَسول اللهِ ﷺ : " ارْبَعوا علَى أنفسِكم، إِنَكم لَا تدْعونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا، إِنَكم تَدْعون: سَمِيعا، قَرِيبا، وَهوَ مَعَكمْ " وَأنا خَلْفَ دَابَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فَسَمِعَنِي وَأنا أَقول: لاَ حَوْلَ وَلاَ قوةَ إِلاَّ بِاللهِ. فَقَالَ لِي: " يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ " قلْت لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ. قَالَ: " أَلَا أَدلكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كنوزِ الْجَنَّةِ؟ " قلْت: بَلَى يَا رَسولَ اللهِ فِدَاكَ أَبِي وأمِّي. قَالَ: " لَا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إِلّا باللهِ» (٣). وفِي رواية: «أَخَذَ النَّبِي ﷺ فِي عَقَبَةٍ - أَوْ قَالَ في ثَنِيةٍ - قَالَ: فَلَمَّا عَلاَ عَلَيْهَا رَجل نَادَى فرَفعَ صَوْتَه: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهِ، وَالله أَكْبَر، قَالَ: وَرَسول الله ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ.» (٤). وفي رواية: «كنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَد شَرَفا، وَلاَ نَعْلو شَرَفا، وَلاَ نَهْبِط فِي وَادٍ إِلاَّ رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنّا رَسول اللهِ

стр. 636

صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " يَا أَيّهَا النَّاس ارْبَعوا عَلَى أَنْفسِكمْ فَإِنَّكمْ لَا تَدْعونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا، إِنَّمَا تَدْعونَ سَمِيعا بَصِيرا.» (١). وفي رواية: «سَمِيعا بَصِيرا، قَريبا " ثمَّ أَتَى علَيَّ وأَنا أَقول فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلَّا باللهِ، فَقَالَ: " يَا عَبْدَ اللهِ بنَ قَيْسٍ، قلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؛ فإِنَّهَا كَنْز مِنْ كنوزِ الْجَنَّةِ " أَوْ قَالَ: " أَلَا أَدلكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْز مِنْ كنوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (٢). * شرح غريب الحديث: * " اربعوا على أنفسكم " أي ارفقوا بها واخفضوا أصواتكم. (٣). * " عقبة " والعقبة المرقى الصعب في الجبال (٤). * " أو ثنية " الثنية في الأرض: طريق بين جبلين، وقيل: الثنية في الجبل: كالعقبة فيه، وقيل: هو الطريق العالي فيه، وقيل أعلى السيل في رأسه (٥). * " لا نصعد شرفا " الشرف من الأرض العالي، ومشارف الأرض أعاليها، وشَرَف كلّ شيءٍ أعلاه (٦). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله . ٢ - من موضوعات الدعوة: بيان صفات الله .

стр. 637

٣ - محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ . ٤ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب. ٥ - من معجزات الرسول ﷺ : إخباره بالأمور الغيبية. ٦ - من صفات الداعية: الحرص على زيادة الخير للمدعو. ٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على ذكر الله . ٨ - من موضوعات الدعوة: الحض على خفض الصوت بالذكر إلا ما شرع الجهر به. ٩ - من صفات الداعية: الاستسلام لله وتفويض الأمور إليه . ١٠ - من صفات الداعية: التواضع. ١١ - من أساليب الدعوة: التشبيه. ١٢ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ١٣ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله : دل هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله ولهذا قال أبو موسى ﵁: " كنا مع رسول الله ﷺ ، فكنا إذا أشرفنا على وادٍ هللنا وكبَّرنا ارتفعت أصواتنا " ومما يدل على حرصهم ﵃ أيضا، ما كان يقوله أبو موسى الأشعري ﵁ عن نفسه، وأن رسول الله ﷺ أتى عليه وهو يقول في نفسه: " لا حول ولا قوة إلا بالله. . . ". فينبغي للمسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يكون حريصا على ذكر الله في كل أحواله؛ في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وفي السفر والحضر، حتى يحصل على الثواب العظيم، ويكون قدوة لغيره؛ وقد مدح الله أصحاب العقول السليمة وبين أن من صفاتهمِ ذكر الله في كل أحوالهم، قال الله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] (١).

стр. 638

وهذا يؤكد حرصهم على ذكر الله في كل أحوالهم (١). ثانيا: من موضوعات الدعوة: بيان صفات الله : دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة، بيان صفات الرب من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده» وفي الرواية الأخرى: «وهو معكم» وفي الرواية الثالثة: «سميعا بصيرا» وهذا يؤكد على أن النبي ﷺ دعا إلى إثبات صفات الكمال لله ، ولا ريب أنه ينبغي للداعية أن يبين للمدعوين صفات الكمال، فيحث المدعوين على أن يثبتوا ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، وينفوا ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، ومن صفات الكمال التي وردت في هذا الحديث: السمع، والبصر، والمعية، والقرب، وقد أثبت الله ذلك لنفسه فقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢). فله سمع وبصر يليق بجلاله، لا كسمع خلقه ولا بصرهم بل أحاط سمعه بجميع المسموعات وبصره بجميع المخلوقات؛ فهو يسمع ويبصر كل شيء وإن خفي ظاهرا وباطنا (٣) وقوله ﷺ : «وهو معكم» المعية المعيتان: معية عامة لجميع المخلوقات، وهذه المعية من صفات الله الذاتية التي لا تنفك عن الله ، ومقتضى هذه المعية العلم والإحاطة والاطلاع لقول الله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] (٤).

стр. 639

ومعية خاصة لأهل الإِيمان والتقوى، ومقتضاها: الحفظ، والعناية، والنصرة، والتوفيق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] (١) وقوله ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (٢) والمعية الخاصة من الصفات الفعلية (٣) وقوله ﷺ : «إنه سميع قريب» قال الله : ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] (٤). فمن أسماء الله " القريب "، ومن صفاته القرب، وقربه نوعان: قرب عام، وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء، وهو أقرب للإِنسان من حبل الوريد، وهو بمعنى المعية العامة. وقرب خاص بالداعين، والعابدين، والمحبين، وهو قرب يقتضي المحبة والنصرة، والتأييد في الحركات والسكنات، والإِجابة للداعين، والقبول والإِثابة للعابدين (٥) قال الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٦). وإذا فهم القرب بهذا المعنى في العموم والخصوص لم يكن هناك تعارض أصلا بينه وبين ما هو معلوم من وجوده تعالى فوق عرشه، فسبحان من هو عليّ في دنوّه قريب في علوِّه (٧). فينبغي للداعية أن يوضح هذه العقيدة للمدعوين والله ولي التوفيق (٨). ثالثا: محبة الصحابة لرسول الله ﷺ : إن الصحابة ﵃ يحبون رسول الله ﷺ أكثر من أنفسهم، وأولادهم،

стр. 640

ووالديهم، والناس أجمعين؛ ولهذا قال عبد الله بن قيس للنبي ﷺ عندما ناداه: " لبيك رسول الله " وقال للنبي ﷺ : ". . . يا رسول الله فداك أبي وأمي ". فينبغي الاقتداء بالصحابة ﵃ في حب رسول الله ﷺ . (١). رابعا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: لا ريب أن السؤال والجواب من أساليب الدعوة إلى الله ؛ وقد سأل النبي ﷺ عبد الله بن قيس في هذا الحديث ثم أجابه، فقال: «يا عبد الله بن قيس» فقال عبد الله ﵁: لبيك رسولَ الله. فقال النبي ﷺ : «ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة»؟ " فقال عبد الله ﵁: بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي. فقال ﷺ : «لا حول ولا قوة إلا بالله» وهذا يدل على أهمية سؤال الداعية للمدعو؛ ليشد انتباهه ويلقي سمعه، ثم يجيبه على السؤال. فينبغي العناية بالسؤال والجواب عند الحاجة إليه (٢). خامسا: من معجزات الرسول ﷺ إخباره بالأمور الغيبية: ظهر في هذا الحديث أن عبد الله بن قيس ﵁ بين أن النبي ﷺ أتى عليه وهو يقول في نفسه: " لا حول ولا قوة إلا بالله " فقال: «يا عبد الله بن قيس: " قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة» وظاهره يدل على أن النبي ﷺ أطلعه الله على ما أخفاه عبد الله من الذكر وكشفه له فأخبره ﷺ بفضل هذا الذكر (٣) والله أعلم (٤). سادسا: من صفات الداعية: الحرص على زيادة الخير للمدعو: إن من صفات الداعية الحرص على زيادة الخير للمدعو؛ ولهذا عندما سمع النبي ﷺ أصحابه يرفعون أصواتهم بالتكبير، زادهم ﷺ علما وخيرا، وهو إخبارهم بأن الله يسمع ذكرهم، وهو معهم وقريب منهم، وهذا يفيد الداعي

стр. 641

والذاكر استحضار عظمة الله ومراقبته، فيحصل بذلك الإِخلاص والخشوع (١) وزادهم ﷺ ذكرا آخر هو كنز من كنوز الجنة: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ ولهذا نقل ابن حجر ﵀ عن ابن بطال ﵀ أنه قال: " كان ﵇ معلما لأمته، فلا يراهم على حالة من الخير إلا أحب لهم الزيادة، فأحب للذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإِخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبري من الحول والقوة، فيجمعوا بين التوحيد والإِيمان بالقدر " (٢). سابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على ذكر الله : دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث على ذكر الله ، وتعليم الناس الأذكار النافعة، والدعوات الجامعة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث لعبد الله بن قيس ﵁ «ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله» وقد أمر الله بذكره فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا - وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] (٣) وقال : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] (٤). فينبغي للداعية أن يحض الناس على ذكر الله ، ويرغبهم في ذلك؛ ليحصلوا على الثواب العظيم والأجر الجزيل. ثامنا: من موضوعات الدعوة: الحض على خفض الصوت بالذكر إلا ما شرع الجهر به: ظهر في هذا الحديث أن الحض على خفض الصوت بالذكر من موضوعات الدعوة إلى الله ، قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا إنه معكم، إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جدّه» وهذا فيه حث على خفض الصوت بالذكر؛ لأن الله سميع قريب مجيب لا تخفى عليه خافية؛ وقد جاء في رواية لمسلم لحديث

стр. 642

الباب: «والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم» (١). وقد أمر الله بإخفاء الصوت بالدعاء فقال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (٢) فينبغي للداعية أن يحث الناس على خفض الصوت بالذكر إلا ما ورد الشرع برفعه والجهر به: كالتلبية في إحرام الحج والعمرة؛ والذكر أدبار الصلوات، فعن ابن عباس ﵄ قال: «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير» وفي لفظ: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته» (٣) وكذلك ما ورد من الجهر بالذكر في التلبية وغيرها مما شرع الرفع به (٤) قال النووي ﵀ في فوائد حديث عبد الله بن قيس ﵁: ". . . . فيه الندب إلى خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع الحاجة إلى رفعه؛ فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه، فإن دعت الحاجة إلى الرفع رفع كما جاءت به الأحاديث ". (٥). تاسعا: من صفات الداعية: الاستسلام لله وتفويض الأمور إليه: دل الحديث على أنه ينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يستسلم لله ويفوض أموره إليه ؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعبد الله بن قيس: «قل لا حول ولا قوة إلا بالله» قال الإِمام النووي ﵀: " الحول: الحركة والحيلة: أي لا حركة ولا استطاعة، ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل معناه: لا حول في رفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكِيَ هذا عن ابن مسعود ﵁، وكله

стр. 643

متقارب " (١) وقال الكرماني ﵀: " لا حول ولا قوة إلا بالله: كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، ومعناه؛ لا حيلة في رفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله ". (٢). فينبغي للعبد أن يتبرأ من كل حول ومن كل قوة، ومن أي استطاعة، إلا أن يكون المعين هو الله ، فهو صاحب الحول الكامل وصاحب الطول والقوة، ولا شك أن العبد له إرادة وقدرة وفعل، ولكن ذلك لا يخرج عن إرادة الله ومشيئته، فالله يطلب من عبده العمل الصالح، والعبد يريده ويعمله ويسأل الله الإِعانة عليه، ويتبرأ من حوله وقوته، ويسلم الأمور إلى الله لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطي، لا إله غيره ولا رب سواه، ولا حول ولا قوة إلا به (٣). عاشرا: من صفات الداعية: التواضع: لا شك أن هذا الحديث دل على صفة التواضع؛ لأن النبي ﷺ ركب على بغلة، وهو أفضل الخلق ومع ما أعطاه الله من الفضل والمكانة العالية لم يترفع عن ركوبها، وإلا فقد كان عنده من الخيل والإِبل ما يركب عليه، ولهذا قال عبد الله بن قيس ﵁: «نادى رجل فرفع صوته: لا إله إلا الله والله أكبر، قال ورسول الله ﷺ على بغلته. . .». فينبغي للداعية أن يكون متواضعا اقتداء برسول الله ﷺ (٤). الحادي عشر: من أساليب الدعوة: التشبيه: ظهر في هذا الحديث أسلوب التشبيه في قوله ﷺ : «قل لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة» وذكر الطيبي ﵀ أن المشبه الحوقلة " لا حول ولا قوة إلا بالله " والمشبه به الكنز، " فإنها كنز من كنوز الجنة " (٥) وقال الكرماني ﵀: " كنز: أي كالكنز في كونه أمرا نفيسا مدخرا مكنونا عن أعين الناس " (٦).

стр. 644

وهذا يدل على أهمية التشبيه، وأنه أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله يستخدم عند الحاجة إليه (١). الثاني عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لترغيب النبي ﷺ في الحوقلة وفضلها وأنها كنز من كنوز الجنة، قال ﷺ لعبد الله بن قيس: «قل لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة» قال النووي ﵀: " قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام، وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإِذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك شيئَاَ من الأمر، ومعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة، وهو ثواب نفيس، كما أن الكنز أنفس أموالكم " (٢). وهذا يؤكد أهمية الترغيب في الدعوة إلى الله (٣). الثالث عشر: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: دل هذا الحديث على أن الحرص على الدقة في نقل حديث رسول الله ﷺ من الصفات الجميلة والأعمال الجليلة؛ لأن الراوي قال: «أخذ النبي ﷺ في عقبة أو قال ثنية» قال الكرماني ﵀: " شك الراوي في اللفظ على مذهب من يحتاط ويريد نقل اللفظ بعينه " (٤) وثبت في هذا الحديث أيضا: «يا عبد الله بن قيس قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة "، أو قال: " ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله»، فقول الراوي: أو قال: يدل على حرصه عل الدقة في نقل الحديث. وهذا يؤكد على أهمية الاتصاف بالحرص على الدقة في نقل الحديث (٥).

стр. 645

١٣٢ - باب التسبِيح إذا هَبط وَاديا [حديث كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا] ١١١ - [٢٩٩٣] حَدّثنا محَمَّد بْن يوسفَ: حَدَثَنَا سفيَان، عَنْ حصَيْنِ بْنِ عَبْد الرَّحْمنِ، عَنْ سَالمِ بْنِ أِبي الجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (١) ﵄، قَالَ: «كنَا إِذَا صَعِدْنَا كَبرنَا، وَإذَا نَزَلنا سَبَّحْنَا» (٢). وفي رواية: «كنّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرنَا، وإِذَا تصوَّبْنَا سَبّحْنَا» (٣). * شرح غريب الحديث: * " تصوَّبنا " أي انخفضنا ونزلنا (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله . ٢ - من صفات الداعية: تعظيم الله . ٣ - من صفات الداعية: تنزيه الله . والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله : دل هذا الحديث على حرص الصحابة ﵃ على ذكر الله ؛ ولهذا كانوا ﵃ إذا صعدوا على عقبة أو جبل، أو مكان مرتفع قالوا: " الله أكبر " وفي حديث عبد الله بن قيس ﵁: «لا إله إلا الله والله أكبر» (٥) وإذا نزلوا واديا أو مكانا منخفضا قالوا: " سبحان الله " كما قال جابر ﵁: " كنَّا

стр. 646

إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا " (١). ثانيا: من صفات الداعية: تعظيم الله : لا ريب أن تعظيم الله من أهم الواجبات على كل مسلم ومسلمة وخاصة الدعاة إلى الله ؛ ولهذا كان أصحاب رسول الله ﷺ يعظمون الله ويكبرونه، وخاصة إذا كانوا على مكان مرتفع؛ لاستشعارهم عظمة الله ، وعلوَّه واستواءه على عرشه استواء يليق بجلاله، وكبريائه؛ ولأن الإِنسان إذا صعد على مكان مرتفع تقع عينه على عظيم خلق الله فيتذكر أن الله أكبر وأعظم من كل شيء؛ ولهذا قال جابر ﵁: " كنا إذا صعدنا كبرنا ". قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] (٢) وقال : ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣). فينبغي لكل مسلم تعظيم الله ، ومن المناسب إذا صعد على شيء كبر الله تعظيما لشأنه (٤). ثالثا: من صفات الداعية: تنزيه الله : إن تنزيه الله عما لا يليق به من النقائص والعيوب من أهم المهمات وأعظم القربات؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ يسبحون الله وينزهونه، وخاصة إذا هبطوا واديا أو نزلوا وانخفضوا إلى مكان منحدر؛ لاستشعارهم تنزيه الله عن الانخفاض، قال ابن حجر ﵀: " وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه، فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة " (٥).

стр. 647

وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " النزول فيه السفول فناسب التسبيح؛ لأن الله في العلوِّ، والصعود فيه ارتفاع فناسب التكبير؛ لأن الله فوق العرش " (١) ولا مانع مع ذلك أن يستشعر المسلم عفو الله وقدرته عليه في بطون الأودية وغيرها، فيسبح الله لتعظيمه وعلوِّه وتنزيهه عن النقائص؛ ولينجيه كما أنجى يونس من الظلمات وبطن الحوت (٢). قال الله : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] (٣). فينبغي للداعية أن يكون منزِّها لله مسبحا؛ فإن الله يسبحه كل شيء كما قال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] (٤) ولمكانة التنزيه لله جعل الله الثواب العظيم على ذلك، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (٥) وعن مصعب بن سعد، عن أبيه ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ " فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: " يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة» (٦) وهذا يؤكد على الداعية الصادق أن يعتني بالتسبيح؛ لعظمته ومكانته عند الله، ولثوابه الكبير.

стр. 648

١٣٥ - باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة [حديث إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا] ١١٢ - [٢٩٩٦]- حدثنا مطر بن الفضل: حدثنا يزيد بن هارون: حدثنا العوام: حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي قال: سمعت أبا بردة واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر فكان يزيد (١) يصوم في السفر، فقال له أبو بردة (٢) سمعت أبا موسى (٣) مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على النية الصالحة. ٢ - من صفات الداعية: النية الخالصة. ٣ - من صفات الداعية: الحرص على الخير. ٤ - من أساليب الدعوة: الترغيب. * والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من موضوعات الدعوة: الحض على النية الصالحة: إن الحث على النية الصالحة من أهم موضوعات الدعوة؛ لأن الأعمال

стр. 649

بالنيات؛ ولهذا حض النبي ﷺ أمته على إصلاح النية بقوله في هذا الحديث: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» * فينبغي للداعية أن يحث الناس على النية الصالحة؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله: "وفي هذا تنبيه على أنه ينبغي للعاقل ما دام في حال الصحة والفراغ أن يحرص على الأعمال الصالحة، حتى إذا عجز عنها لمرض أو شغل كتبت له كاملة" (١) وهذا يؤكد على الدعاة أن يحثوا الناس على الأعمال الصالحة حتى يغتنموها في حال الفراغ والصحة، وتكتب لهم عند العجز والمرض والهرم (٢). ثانيًا: من صفات الداعية: النية الخالصة: يظهر في هذا الحديث أنه ينبغي للمسلم، وخاصة الداعية إلى الله ، أن يتصف بالنية الصالحة؛ لأنها من أهم أعمال القلوب المخلصة؛ قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. * فينبغي للداعية أن يغتنم الفرص، والفراغ، والصحة، والشباب، والغنى قبل حصول ما يضاد هذه النعم؛ فإنه إذا اغتنمها كتب الله له أعماله عند مفارقة هذه النعم، قال النبي ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (٣) وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٤). وهذا يبين أهمية

стр. 650

اتصاف المسلم بحسن النية والعمل في حال الصحة والفراغ والإقامة (١). ثالثًا: من صفات الداعية: الحرص على الخير: ظهر في إسناد هذا الحديث حرص التابعي الجليل: يزيد بن أبي كبشة على الأعمال الصالحة في السفر رغبة وحرصًا على الثواب والخير؛ ولهذا كان يصوم في السفر، فبين له الصحابي الجليل أبو بردة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» * فينبغي للداعية أن يكون حريصًا على فعل الخير، ولكن عليه أن يراعي في ذلك هدي النبي ﷺ ، والله المستعان (٢). رابعًا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أن الترغيب من أساليب الدعوة إلى الله ؛ وقد رغب النبي ﷺ في الأعمال الصالحة والمداومة عليها في الصحة والإقامة؛ ليكتب للعبد ما كان يعمل إذا مرض أو سافر؛ ولهذا قال ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» * فينبغي للداعية أن يرغب الناس في الأعمال والمداومة عليها حتى يكتب لهم إذا سافروا أو مرضوا ما كانوا يعملون في صحتهم وإقامتهم (٣).

стр. 651

١٣٥ - باب السير وحده [حديث لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده] ١١٣ - [٢٩٩٨] حدثنا أبو الوليد: حدثنا عاصم بن محمد قال: حدثني أبي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : حدثنا أبو نعيم: حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر (١) عن النبي ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: بيان آداب السفر. ٢ - من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على مصلحة المدعو. ٣ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. ٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من موضوعات الدعوة: بيان آداب السفر: إن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله أن يبين الداعية للمدعوين آداب السفر، ويحثهم على الالتزام بها؛ لما فيها من المصالح والثواب باتباع السنة؛ قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» وهذا فيه إرشاد من النبي ﷺ لأمته، ولا شك أن التحذير من السفر منفردًا يشمل الماشي على الأقدام أيضًا؛ قال الكرماني ﵀: "وهذا من قبيل الغالب وإلا فالراجل أيضًا كذلك" (٢) والسفر منفردًا فيه مضار كثيرة: منها الضرر الديني؛ لأن المسافر وحده لا يجد

стр. 652

من يصلي معه جماعة، ودنيوي؛ لأنه لا يجد المعين في الطريق، وقيد النبي ﷺ السير بالليل: «ما سار راكب بليل وحده»؛ لأن احتمال الضرر في الليل أكبر، وإلا فالمشروع أن لا يسافر المسلم وحده بليل ولا نهار إلا لضرورة أو مصلحة لا تنتظم إلا بالانفراد، كإرسال الجاسوس، والطليعة (١). قال ابن حجر ﵀: "ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة" (٢) قال النبي ﷺ : «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» (٣). قال الإمام الخطابي ﵀؛ "معناه والله أعلم: أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، أو هو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه، فقيل على هذا: إن فاعله شيطان. ويقال: إن اسم الشيطان مشتق من الشطون: وهو البعد والنزوح، ويقال: بئر شطون: إذا كانت بعيدة المهوى، فيحتمل على هذا أن يكون المراد أن الممعن في الأرض وحده مضاهئًا للشيطان في فعله، وشبه اسمه، وكذلك الاثنان ليس معهما ثالث، فإذا صاروا ثلاثة فهم ركب: أي جماعة وصحب" (٤) ويوضح معنى الحديث ما رواه سعيد بن المسيب مرسلًا، عن النبي ﷺ : «الشيطان يهم بالواحد، والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم» (٥). قال الإمام ابن عبد البر: "كان مالكًا ﵀ يجعل الحديث الثاني في هذا

стр. 653

الباب مفسرًا للأول، والمعنى أن الجماعة - وأقلها ثلاثة - لا يهم بهم الشيطان، ويبعد عنهم، وإنما سمي الواحد شيطانًا؛ لأن الشيطان في أصل اللغة: هو البعيد من الخير، من قولهم: نوى شطون: أي بائنة بعيدة، فالمسافر وحده بعيد عن خير الرفيق وعونه، والأنس به، وتمريضه، ودفع وسوسة النفس بحديثه، ولا يؤمن على المسافر وحده أن يضطر إلى المشي بالليل فتتعرضه الشياطين المردة: هازلين، ومتلاعبين، ومفزعين" (١). وقال الخطابي ﵀: "المنفرد وحده في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه، ولا عنده من يوصي إليه في ماله، ولا يحمل تركته إلى أهله ويورد خبره عليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة، فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا، وتناوبوا المهنة والحراسة، وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ منها" (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: "أيها الناس إني قمت فيكم كما قام رسول الله ﵁ فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن» (٣). فينبغي للداعية أن يحض الناس على أن لا يسافر الإنسان وحده، بل ثلاثة فأكثر إلا لضرورة، ويحثهم على العمل بآداب السفر؛ ليقتدوا برسول الله ﷺ في ذلك (٤).

стр. 654

ثانيًا: من صفات الداعية: الرحمة والشفقة على مصلحة المدعو: إن الداعية الصادق مع الله يحب للناس ما يحبه لنفسه، فيرحمهم، ويعطف عليهم، ويشفق على مصالحهم فيعلمهم ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، ولهذه الرحمة قال ﷺ : «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» فكان ﷺ بالمؤمنين رحيما (١) فوجههم إلى ما يجلب لهم الخير ويدفع عنهم السوء والشر (٢). ثالثًا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: إن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ؛ لأن التوكل يقوم على أصلين: اعتماد القلب على الله ، والعمل بالأسباب التي يقتضيها التوكل على الله ، ففي قوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» دلالة على أهمية الرفيق في السفر، وقد بينت الأحاديث الأخرى أن أقل المسافرين ثلاثة؛ لما يحصل بينهم من التعاون في أمور الدين والدنيا، وهذا لا ينافي التوكل، بل هو من التوكل على الله (٣). رابعًا: من أساليب الدعوة: الترهيب: ظهر في هذا الحديث أسلوب الترهيب؛ في قوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» وهذا فيه تخويف من سفر المسلم منفردًا؛ لأن الرسول ﷺ يعلم أضرارًا لا يعلمها الناس، وقد بين ﷺ للناس ذلك، وهذا يؤكد على أهمية أسلوب الترهيب في الدعوة إلى الله (٤).

стр. 655

١٣٨ - باب الجهاد بإذن الأبوين [حديث جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك] ١١٤ - [٣٠٠٤] حدثنا آدم: حدثنا شعبة: حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال: "سمعت أبا العباس الشاعر - وكان لا يتهم في حديثه - قال: سمعت عبد الله بن عمرو (١) ﵁ يقول: «جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والداك؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد» (٢). وفي رواية: ". . «قال رجل للنبي ﷺ : أجاهد؛ قال: "ألك أبوان؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد» (٣). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة. ٢ - حرص الصحابة ﵃ على الجهاد في سبيل الله .

стр. 656

٣ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. ٤ - من أساليب الدعوة: السؤال والجواب. ٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على بر الوالدين. ٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: أهمية الشورى مع الإمام أو العلماء والدعاة: إن الشورى لها أهمية بالغة؛ لما لها من المنافع والفوائد الدينية والدنيوية، ومما يوضح أهمية ذلك ما فعله هذا الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، ويستشيره في ذلك، قال عبد الله بن عمرو ﵄: «جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والداك؟» وفي رواية: «قال رجل للنبي ﷺ : أجاهد؟ قال: "لك أبوان؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد» فدل ذلك على أهمية الشورى وعظم مكانتها، وأن المستشار مؤتمن، فيتأكد عليه أن يشير بالنصيحة الخالصة (١). فينبغي للداعية أن يعتني بالشورى عناية فائقة؛ لما فيها من جلب المنافع ودفع المضار وزيادة الأجر؛ ولهذا حصل لهذا السائل بالشورى أفضل من جهاد التطوع الذي جاء في طلبه (٢) وهذا يؤكد أهميتها (٣) وأن الإنسان العاقل لا يستبد برأي نفسه في الأمور المهمة حتى يستشير من هو أعرف منه بهذا الأمر (٤). ولا شك أن الداعية أو غيره ممن يستشار يتأكد عليه أن يتأنى ويتعرف على أحوال المستشير؛ ليقدم إليه الشورى السديدة؛ قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: "فيه دليل على أن المستشار يسأل عن أحوال المستشير حتى يعلمها وحينئذ يشير عليه بما هو الأصلح في حقه؛ لأن النبي ﷺ لما استشاره هذا الصحابي هل يخرج للجهاد أم لا؟ سأل عن حاله في قوله ﷺ : «أحي والداك؟» حتى علم

стр. 657

ما هو الأقرب في حقه بالنسبة إلى حاله، فأرشده إليه" (١). ثانيًا: حرص الصحابي ﵁ على الجهاد في سبيل الله : إن الصحابة ﵃ أفضل الناس وأحرص الخلق على الخير والرغبة فيما عند الله ؛ ولهذا جاء هذا الرجل يستأذن النبي ﷺ في الجهاد، فقال: «أجاهد؟» فسأله النبي ﷺ : «أحي والداك؟» قال: نعم، فدله النبي ﷺ على أفضل من جهاد التطوع فقال: «ففيهما فجاهد» أي خصصهما بجهاد النفس في رضاهما (٢). وهذا كله يدل على حرص هذا الصحابي ﵁ على الأفضل؛ وقد بين ابن حجر ﵀: أن هذا الرجل استفصل ". . . عن الأفضل في أعمال الطاعات ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه فدل على ما هو أفضل منه في حقه" (٣). فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يكون حريصا على فعل الطاعات دائما حتى يأتيه اليقين، والله المستعان وعليه التكلان. ثالثًا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: إن السؤال عما أشكل من أمور الدين أمر مهم؛ لأنه يفتح للإنسان باب العلم والمعرفة؛ وقد ظهر في هذا الحديث أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فسأله بقوله: "أجاهد؟ " ثم أرشده النبي ﷺ إلى الجهاد في بر والديه؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك " (٤). فينبغي للمسلم أن يسأل عما أشكل عليه حتى يحصل له العلم النافع، ويرتفع عنه الجهل (٥).

стр. 658

رابعًا: من أساليب الدعوة: السؤال والجواب: لا ريب أن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله أسلوب السؤال والجواب؛ وقد سأل النبي ﷺ هذا الرجل في هذا الحديث فقال: «أحي والداك»؟ " فلما أجابه الرجل بنعم قال له ﷺ : «ففيهما فجاهد». فينبغي للداعية أن يسأل بعض المدعوين ليختبر ما عندهم ثم يجيبهم بالجواب الصحيح كما كان النبي ﷺ يفعل مع بعض المدعوين (١). خامسًا: من موضوعات الدعوة: الحض على بر الوالدين: إن الحث على بر الوالدين من أهم المهمات، وأعظم القربات، ولهذه الأهمية العظيمة قال النبي ﷺ لمن استأذنه في الجهاد: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» قال ابن حجر ﵀: "أي إن كان لك أبوان فبالغ جهدك في برهما والإحسان إليهما؛ فإن ذلك يقوم مقام الجهاد" (٢)؛ لأن المراد بالجهاد في الوالدين: بذل الجهد والوسع والطاقة في برهما؛ ولأهمية ذلك بينً العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد إلا بإذن الأبوين بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإن تعين الجهاد وكان فرض عين فلا إذن؛ لأن الجهاد أصبح فرضا على الجميع: إما باستنفار الإمام، أو هجوم العدو على البلاد، أو حضور الصف (٣). وبر الوالدين ملزم به كل مسلم ومسلمة، وهو من أعظم الطاعات وأوجب الواجبات لعدة أدلة منها: ١ - قرن الله حق الوالدين والإحسان إليهما بعبادته كما قرن شكرهما بشكره؛ لأنه الخالق وحده، وقد جعل الوالدين السبب الظاهر

стр. 659

في وجود الولد، وهذا يدل على شدة تأكد حقهما والإحسان إليهما قولًا وفعلًا؛ لأن لهما من المحبة للولد والإحسان إليه في حال صغره وضعفه ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر.، وتحريم أدنى مراتب الأذى: وهو التضجر أو التأفف من خدمتهما، وزجرهما بالكلمة العالية، أو نفض اليد عليهما، وقد جاء حق الوالدين مقرونة بعبادة الله في آيات كثيرة (١) منها قوله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] (٢). وقال : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] (٣). وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] (٤) وقال : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] (٥). ٢ - بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام؛ لأن النبي ﷺ أخبر بذلك ورتبه بثم التي تعطي الترتيب والمهلة (٦) فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؛ قال: "الصلاة لوقتها" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله» (٧). ٣ - بر الوالدين يرضي الرب ، فعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد» (٨). ٤ - بر الوالدين يدخل الجنة، فعن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول

стр. 660

الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه» (١) وعن معاوية بن جاهمة ﵄ «أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال ﷺ : "هل لك من أم؟ " قال؛ نعم. قال: "فالزمها فإن الجنة تحت (٢) رجليها» (٣). ٥ - دعا رسول الله ﷺ على من لم يبر والديه عند الكبر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم أنفه (٤) ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر: أحدهما، أو كليهما ثم لم يدخل الجنة» (٥) قال الإمام القرطبي ﵀: "وهذا دعاء مؤكد على من قصر في بر أبويه، ويحتمل وجهين: أحدهما أن يكون معناه: صرعه الله لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما. وثانيهما أن يكون معناه: أذله الله؛ لأن من ألصق أنفه - الذي هو أشرف أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء - فقد انتهى من الذل إلى الغاية القصوى، وهذا يصلح أن يدعى به على من فرط في متأكدات المندوبات، ويصلح لمن فرط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذكر - وإن كان برهما واجبًا على كل حال - إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه؛ ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، فيبادر الولد اغتنام فرصة برهما؛ لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك" (٦).

стр. 661

وقد خص الله حالة الكبر للوالدين بمزيد من الأمر بالإحسان، والبر، والعطف، والشفقة والرحمة؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره؛ لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ ولهذا خص هذه الحالة بالذكر، وأيضًا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة، ويحصل الملل، ويكثر الضجر، فيظهر غضبه على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما لقلة دينه وضعف بصيرته، وأقل المكروه ما يظهر بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر الله أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب (١) فقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] (٢) وأمره الله أن يتواضع لهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة احتسابا للأجر لا للخوف منهما، وأمره أن يدعو لهما بالرحمة أحياءً وأمواتا، جزاءً على تربيتهم وإحسانهم، فقال : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] (٣) ٦ - بين رسول الله بما يجزي الولد والده، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» (٤). وعن أبي بردة أنه شهد: «ابن عمر ﵄، ورجل يماني يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول: إني لها بعيرها المذلل ... إن أذعرت ركابها لم أذعر ثم قال: يا ابن عمر، أتراني جزيتها؛ قال: "لا، ولا بزفرة واحدة» (٥).

стр. 662

٧ - من بر الوالدين والإحسان إليهما أن لا يتعرض لسبهما، ولا يعقهما ولا يكون سببا في شتمهما، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا يا رسول الله، هل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» (١) وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا (٢) ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير منار الأرض» (٣). ٨ - بر الوالدين وإن كان فرضًا فإنه يتفاوت في الأحقية، فالأم عانت صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية، فهذه ثلاث منازل تمتاز بها الأم (٤) «فعن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ (٥) قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك» (٦) وفي رواية لمسلم: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك» (٧). ٩ - من تمام البر صلة أهل ود الوالدين، فعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال عبد الله بن دينار: أصلحك الله إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أبر

стр. 663

البر صلة الولد أهل ود أبيه " (١) ومن الأعمال الطيبة المباركة التي يوصل بها الوالدان بعد موتهما: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما (٢). ١٠ - بر الوالدين لا يختص بأن يكونا مسلمين، بل حتى ولو كانا كافرين، يبرهما ويحسن إليهما قال الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] (٣). «وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: أتتني أمي راغبة (٤) في عهد النبي ﷺ ، فسألت النبي ﷺ : أأصلها؟ قال: "نعم» قال ابن عيينة فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] (٥). ومن أعظم البر دعوتهما إلى الله وتعليمهما ما ينفعهما؛ لأنهما أحق الناس بالتوجيه مع الرفق والرحمة. ١١ - من عظم حقهما قرن النبي ﷺ عقوقهما بالشرك بالله ، فعن أبي بكرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وجلس وكان متكئا فقال: "ألا وقول الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت» (٦) وعن أنس ﵁ قال: «سئل النبي ﷺ عن الكبائر قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور» (٧).

стр. 664

١٢ - دعوة الوالدين مستجابة؛ ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا عابدًا، وكان في صومعة له، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثاني كذلك فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثالث أتته، فقال: رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته، قالت: "اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات" فاستجاب الله دعاءها فبهتته بغي من بني إسرائيل حامل من الزنا، وقالت: هو الذي فعل بها، فعذب وهدمت صومعته، وأخيرًا أنجاه الله بعد العقوبة العاجلة (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم " (٢). ١٣ - ولعظم حقهما أكرم الله من برهما بإجابة دعواته، ومن ذلك حديث الثلاثة الذين انحدرت عليهم صخرة عظيمة فأغلقت عليهم باب الغار؛ فإن منهم رجلًا كان برًا بوالديه، فتوسل بذلك العمل الصالح فاستجاب الله دعاءه (٣) ومن ذلك إخبار النبي ﷺ عن أفضل التابعين وأنه لو أقسم على الله لأبره، والسبب أن له والدة هو بها بر (٤). فينبغي للداعية أن يحض الناس ويحثهم على بر الوالدين، ويحذرهم من العقوق والقطيعة؛ فإن تعليم الناس ما ينفعهم مما أوجب الله عليهم من أهم الواجبات والله المستعان.

стр. 665

سادسًا: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن الترغيب من الأساليب المهمة التي تجذب قلوب المدعوين؛ وقد ظهر هذا الأسلوب في قول النبي ﷺ «للرجل الذي يستأذن في الجهاد: " أحي والداك؟ " قال: نعم. قال: " ففيهما فجاهد» فدل ذلك على فضل بر الوالدين وأنه أفضل من جهاد التطوع في سبيل الله ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي هذا الحديث فضل بر الوالدين، وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب على برهما" (١) وهذا يوضح للداعية إلى الله أهمية الترغيب وأثره (٢).

стр. 666

٢٣٩ - باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل [حديث لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت] ١١٥ - [٣٠٠٥] حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم: أن أبا بشير الأنصاري (١) ﵁ أخبر أنه كان مع رسول الله ﵁ في بعض أسفاره، قال عبد الله: حسبت أنه قال: والناس في مبيتهم، فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: «لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» (٢). شرح غريب الحديث: " قلادة من وتر " قيل: أراد بالأوتار: جمع: وتر القوس، أي: لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق؛ لأن الخيل ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها. وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعوذة لها، فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضررا ولا تصرف حذرًا، ولا ترد من أمر الله شيئًا (٣). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من ميادين الدعوة: السفر وطرق السير.

стр. 667

٢ - من وسائل الدعوة: إرسال الرسل. ٣ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الشرك ووسائله. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من ميادين الدعوة: السفر وطرق السير: إن السفر وطرق السير من ميادين الدعوة التي استخدمها رسول الله ﷺ في دعوته؛ ولهذا جاء في هذا الحديث عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري ﵁ أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت» فظهر أن السفر من ميادين الدعوة إلى الله . فينبغي للداعية أن يعتني بالدعوة إلى الله في السفر كما يعتني بها في غيره (١). ثانيًا: من وسائل الدعوة: إرسال الرسل: لا شك أن إرسال الرسل والدعاة إلى الله من أهم وسائل الدعوة خارج البلاد أو في الأماكن البعيدة منها التي لا يصل إليها الدعاة في الغالب، أو في الجمع الكبير الذين لا يسمعون صوت الداعية؛ ولهذا أرسل رسول الله ﷺ رسولًا يبلغ الناس أن: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» وذكر الإمام ابن عبد البر ﵀: "أن الرسول الذي أرسله النبي ﷺ في هذا الحديث هو: زيد بن حارثة ﵁ (٢) وقد كان النبي ﷺ يرسل الرسل، ويبعث البعوث للدعوة إلى الله . فينبغي العناية بهذه الوسيلة؛ لأهميتها (٣). ثالثًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الشرك ووسائله: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمر بقطع القلائد من الأوتار وغيرها سدًا

стр. 668

لأبواب الشرك وقطعا لوسائله؛ ولهذا قال: «لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» قوله: "أو قلادة" قيل: للتنويع (١) وقيل: للشك (٢) ووقع في رواية أبي داود: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ولا قلادة إلا قطعت» (٣) فدل ذلك على أنه من عطف العام على الخاص (٤) وقد اختلف أهل العلم في المقصود بالأوتار: فقيل: إنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي؛ لئلا تصيبها العين، الواحد منه "وتر القوس" (٥) فأمروا بقطعها إعلاما بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا. وقيل: نهاهم عن ذلك لئلا تختنق الدابة بها عند الركض أو عند الرعي في الأشجار. وقيل: نهاهم عن ذلك، لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس» (٦)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ الآخر: «الجرس مزامير الشيطان» (٧) وقيل: إن الأوتار في هذا الحديث بمعنى طلب الدم والثأر، أي: لا تطلبوا بها ذحول الجاهلية (٨) وأنكر الإمام القرطبي وغيره هذا القول الرابع فقال: "يعني بالوتر: وتر القوس ولا معنى لقول من قال: إنه يعني بذلك: الوتر الذي هو الذحل: وهو طلب الثأر؛ لبعده لفظا ومعنى" (٩) قلت: والصواب ما قاله الإمام مالك ﵀ أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي؛ لئلا تصيبها العين، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "والصواب أن ذلك النهي في باب الاعتقاد، وخشية العين،

стр. 669

أو المرض، أو الجن، أو غير ذلك من اعتقادات الجاهلية والقلادة من الأوتار: كالتمائم، سواء كانت على الإبل أو الخيل، أما للزينة فلا بأس بها" (١). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من الشرك ووسائله؛ قال الله : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] (٢). وقال : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (٣). وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «من تعلق شيئًا وكل إليه» (٤) وعن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة (٥) فلا ودع الله له» (٦) وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» (٧). فينبغي للداعية أن يبين للناس أن تعليق القلائد من الوتر وغيرها من الخيوط والتمائم من وسائل الشرك؛ لأن بعض الناس يظنون أن تعليق ذلك من أسباب السلامة، ولا بد للعبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور: ١ - لا يجعل من الأسباب سببا إلا ما ثبت أنه من الأسباب المشروعة. ٢ - لا يعتمد على الأسباب بل يعتمد على مسببها ومقدرها مع قيام العبد بالمشروع منها وحرصه على النافع منها.

стр. 670

٣ - يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره ولا خروج لها عنه، والله يتصرف فيها كيف يشاء إن شاء أبقى سببيتها جارية على مقتضى حكمته؛ ليقوم بها العباد ويعرفوا بذلك مقتضى حكمته حيث ربط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها، وإن شاء غيرها كيف شاء، لئلا يعتمد عليها العباد؛ وليعلموا كمال قدرته. إذا علم ذلك فمن علق شيئًا أو لبس حلقة أو خيط أو نحو ذلك، قاصدًا بها رفع البلاء بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله فقد أشرك شركًا أكبر إذا اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة للبلاء. أما إذا اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببا، يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سببا شرعيًا سببا وهذا كذب على الشرع والقدر: فأما الكذب على الشرع؛ فلأن الشرع نهى عن ذلك أشد النهي وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة، وأما القدر؛ فلأن هذا ليس من الأسباب المعهودة ولا غير المعهودة التي يحصل بها المقصود ولا من الأدوية المباحة النافعة، وهو من جملة وسائل الشرك؛ لأن قلبه لا بد أن يتعلق بها، وذلك نوع شرك ووسيلة إليه (١) وهذا كله يؤكد تعليم الناس التوحيد وتحذيرهم من الشرك ووسائله.
следующие страницы →