← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٢٣٩ - باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل [حديث لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت] ١١٥ - [٣٠٠٥] حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم: أن أبا بشير الأنصاري (١) ﵁ أخبر أنه كان مع رسول الله ﵁ في بعض أسفاره، قال عبد الله: حسبت أنه قال: والناس في مبيتهم، فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: «لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» (٢). شرح غريب الحديث: " قلادة من وتر " قيل: أراد بالأوتار: جمع: وتر القوس، أي: لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق؛ لأن الخيل ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها. وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعوذة لها، فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضررا ولا تصرف حذرًا، ولا ترد من أمر الله شيئًا (٣). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من ميادين الدعوة: السفر وطرق السير.

стр. 667

٢ - من وسائل الدعوة: إرسال الرسل. ٣ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الشرك ووسائله. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من ميادين الدعوة: السفر وطرق السير: إن السفر وطرق السير من ميادين الدعوة التي استخدمها رسول الله ﷺ في دعوته؛ ولهذا جاء في هذا الحديث عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري ﵁ أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت» فظهر أن السفر من ميادين الدعوة إلى الله . فينبغي للداعية أن يعتني بالدعوة إلى الله في السفر كما يعتني بها في غيره (١). ثانيًا: من وسائل الدعوة: إرسال الرسل: لا شك أن إرسال الرسل والدعاة إلى الله من أهم وسائل الدعوة خارج البلاد أو في الأماكن البعيدة منها التي لا يصل إليها الدعاة في الغالب، أو في الجمع الكبير الذين لا يسمعون صوت الداعية؛ ولهذا أرسل رسول الله ﷺ رسولًا يبلغ الناس أن: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» وذكر الإمام ابن عبد البر ﵀: "أن الرسول الذي أرسله النبي ﷺ في هذا الحديث هو: زيد بن حارثة ﵁ (٢) وقد كان النبي ﷺ يرسل الرسل، ويبعث البعوث للدعوة إلى الله . فينبغي العناية بهذه الوسيلة؛ لأهميتها (٣). ثالثًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الشرك ووسائله: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمر بقطع القلائد من الأوتار وغيرها سدًا

стр. 668

لأبواب الشرك وقطعا لوسائله؛ ولهذا قال: «لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» قوله: "أو قلادة" قيل: للتنويع (١) وقيل: للشك (٢) ووقع في رواية أبي داود: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ولا قلادة إلا قطعت» (٣) فدل ذلك على أنه من عطف العام على الخاص (٤) وقد اختلف أهل العلم في المقصود بالأوتار: فقيل: إنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي؛ لئلا تصيبها العين، الواحد منه "وتر القوس" (٥) فأمروا بقطعها إعلاما بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا. وقيل: نهاهم عن ذلك لئلا تختنق الدابة بها عند الركض أو عند الرعي في الأشجار. وقيل: نهاهم عن ذلك، لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس» (٦)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ الآخر: «الجرس مزامير الشيطان» (٧) وقيل: إن الأوتار في هذا الحديث بمعنى طلب الدم والثأر، أي: لا تطلبوا بها ذحول الجاهلية (٨) وأنكر الإمام القرطبي وغيره هذا القول الرابع فقال: "يعني بالوتر: وتر القوس ولا معنى لقول من قال: إنه يعني بذلك: الوتر الذي هو الذحل: وهو طلب الثأر؛ لبعده لفظا ومعنى" (٩) قلت: والصواب ما قاله الإمام مالك ﵀ أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي؛ لئلا تصيبها العين، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "والصواب أن ذلك النهي في باب الاعتقاد، وخشية العين،

стр. 669

أو المرض، أو الجن، أو غير ذلك من اعتقادات الجاهلية والقلادة من الأوتار: كالتمائم، سواء كانت على الإبل أو الخيل، أما للزينة فلا بأس بها" (١). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من الشرك ووسائله؛ قال الله : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] (٢). وقال : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (٣). وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «من تعلق شيئًا وكل إليه» (٤) وعن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة (٥) فلا ودع الله له» (٦) وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك» (٧). فينبغي للداعية أن يبين للناس أن تعليق القلائد من الوتر وغيرها من الخيوط والتمائم من وسائل الشرك؛ لأن بعض الناس يظنون أن تعليق ذلك من أسباب السلامة، ولا بد للعبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور: ١ - لا يجعل من الأسباب سببا إلا ما ثبت أنه من الأسباب المشروعة. ٢ - لا يعتمد على الأسباب بل يعتمد على مسببها ومقدرها مع قيام العبد بالمشروع منها وحرصه على النافع منها.

стр. 670

٣ - يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره ولا خروج لها عنه، والله يتصرف فيها كيف يشاء إن شاء أبقى سببيتها جارية على مقتضى حكمته؛ ليقوم بها العباد ويعرفوا بذلك مقتضى حكمته حيث ربط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها، وإن شاء غيرها كيف شاء، لئلا يعتمد عليها العباد؛ وليعلموا كمال قدرته. إذا علم ذلك فمن علق شيئًا أو لبس حلقة أو خيط أو نحو ذلك، قاصدًا بها رفع البلاء بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله فقد أشرك شركًا أكبر إذا اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة للبلاء. أما إذا اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببا، يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سببا شرعيًا سببا وهذا كذب على الشرع والقدر: فأما الكذب على الشرع؛ فلأن الشرع نهى عن ذلك أشد النهي وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة، وأما القدر؛ فلأن هذا ليس من الأسباب المعهودة ولا غير المعهودة التي يحصل بها المقصود ولا من الأدوية المباحة النافعة، وهو من جملة وسائل الشرك؛ لأن قلبه لا بد أن يتعلق بها، وذلك نوع شرك ووسيلة إليه (١) وهذا كله يؤكد تعليم الناس التوحيد وتحذيرهم من الشرك ووسائله.

стр. 671

١٤١ - بَابُ الجَاسُوسِ وقول الله : ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ﴾ [الممتحنة: ١] (١). التجسس: التبحث. [حديث انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها] ١١٦ - [٣٠٠٧] حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان: حدثنا عمرو بن دينار سمعت منه مرتين قال: أخبرني حسن بن محمد قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع قال: «سمعت عليا " (٢) ﵁ يقول: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير (٣) والمقداد (٤) وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينةً ومعها كتاب فخذوه منها". فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة (٥) إلى أناس من المشركين من أهل مكة

стр. 672

يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "يا حاطب ما هذا؟ " قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأً ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "لقد صدقكم". فقال عمر ﵁: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». قال سفيان: وأي إسناد هذا؟ (١). وفي رواية: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن فلان قال: تنازع أبو عبد الرحمن، وحبان بن عطية فقال أبو عبد الرحمن لحبان: لقد علمت الذي (٢) جرأ صاحبك على الدماء - يعني عليا - قال: ما هو لا أبا لك؟ قال شيء سمعته يقوله: قال: ما هو؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ والزبير وأبا مرثد (٣) وكلنا فارس قال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة

стр. 673

حاج (١) " قال أبو سلمة: هكذا قال أبو عوانة حاج "فإن فيها امرأةً معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فائتوني بها" فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول الله ﷺ تسير على بعير لها وكان كتب إلى أهل مكة بمسير رسول الله ﷺ إليهم فقلنا: أين الكتاب الذي معك؟ قالت: ما معي كتاب، فأنخنا بها بعيرها فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئًا فقال صاحبي (٢) ما نرى معها كتابا قال: فقلت: لقد علمنا ما كذب رسول الله ﷺ ، ثم حلف علي: والذي يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك، فأهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء، فأخرجت الصحيفة، فأتوا بها رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فأضرب عنقه، فقال رسول ﷺ : "يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ " قال: يا رسول الله ما لي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله، ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي ومالي، وليس من أصحابك أحد إلا له هنالك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله. قال: "صدق لا تقولوا له إلا خيرًا" قال: فعاد عمر فقال: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلأضرب عنقه، قال: "أوليس من أهل بدر؟ وما يدريك لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة" فاغرورقت عيناه فقال: الله ورسوله أعلم. قال أبو عبد الله: خاخ أصح، ولكن كذلك قال أبو عوانة: حاج وحاج تصحيف، وهو موضع وهشيم يقول: خاخ» (٣). وفي رواية: «ما حملك يا حاطب على ما صنعت؟ " قال: ما بي إلا أن أكون

стр. 674

مؤمنا بالله ورسوله، وما غيرت ولا بدلت». . . " (١). وفي رواية: ". . . «فأنزل الله السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]» (٢). وفي رواية: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأةً من المشركين معها كتاب من حاطب». . . " (٣). وفي رواية: «ما هذا يا حاطب؟ " قال: لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرأً من قريش». . . " (٤). شرح غريب الحديث: * " روضة خاخ " هي بخاءين معجمتين: موضع بين مكة والمدينة (٥). * " ظعينة " جمعها: ظعن، وأصل الظعينة؛ الراحلة التي يرحل ويظعن عليها، أي: يسار عليها، وقيل للمرأة ظعينة؛ لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن (٦). * " عقاصها " ضفائرها، وقيل: هو الخيط الذي تعقص به أطراف الذوائب ويقال: عقص الشعر: ضفره وفتله، وأصل العقص اللي والعقد (٧). * " حجزتها " أصل الحجزة موضع شد الإزار ومعقده في الوسط عند السرة، ثم قيل للإزار: حجزة للمجاورة (٨).

стр. 675

* " ملصقا في قريش " الملصق. هو الرجل المقيم في الحي وليس منهم بنسب (١). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: إرسال الرسل وبعث البعوث. ٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الخيانة لله ولرسوله ﷺ . ٣ - من صفات الداعية: المسارعة في الاستجابة لله ولرسوله ﷺ . ٤ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٥ - من صفات الداعية: الأناة والتثبت. ٦ - من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالأمور الغيبية. ٧ - أهمية هتك أستار الجواسيس والمفسدين. ٨ - أهمية الشورى مع الإمام والعالم والحاكم. ٩ - من صفات الداعية: اليقين بصدق الرسول ﷺ . ١٠ - من أساليب الدعوة: الشدة على بعض أهل المعاصي بالقول والفعل عند الحاجة تأديبًا. ١١ - أهمية صدق المدعو. ١٢ - أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم. ١٣ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ١٤ - من صفات الداعية: العفو والصفح. ١٥ - من موضوعات الدعوة: الولاء والبراء. ١٦ - من أساليب الدعوة: الحوار. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من وسائل الدعوة: إرسال الرسل وبعث البعوث. دل هذا الحديث على أهمية وسيلة إرسال الرسل، ولهذا بعث ﷺ علي بن

стр. 676

أبي طالب والزبير بن العوام، والمقداد، وفي رواية وأبا مرثد الغنوي ﵃ وقال لهم: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها» وهذا يؤكد أهمية إرسال الرسل وبعثهم لنصرة الإسلام والدعوة إليه (١). ثانيًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الخيانة لله ولرسوله ﷺ : ظهر في مفهوم هذا الحديث أن من موضوعات الدعوة تحذير الناس من الخيانة لله ورسوله ﷺ ؛ لأن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ أرسل كتابًا إلى قريش يخبرهم فيه بغزو رسول الله ﷺ ، وذكر ابن حجر ﵀ أن لفظ الكتاب: "أما بعد يا معشر قريش؛ فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، والسلام" (٢). وهذا فيه إفشاء سر رسول الله ﷺ ، وخيانته، وقد حذر الله من الخيانة لله ورسوله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨] (٣). فينبغي للداعية أن يحذر الناس من الخيانة عامة، وخاصة من خيانة الله ورسوله ﷺ . ثالثًا: من صفات الداعية: المسارعة في الاستجابة لله ولرسوله ﷺ : دل هذا الحديث على أن المسارعة في الاستجابة لله ورسوله من أهم المهمات، وأعظم القربات؛ ولهذا سارع هؤلاء الأربعة: علي، والزبير، والمقداد، وأبو مرثد ﵃، في الاستجابة لرسول الله ﷺ . قال علي ﵁: ". . . فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة. . . " وهذا فيه دلالة ظاهرة على استجابتهم لله ورسوله ﷺ والمسارعة في ذلك، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (٤).

стр. 677

فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يكون مسارعًا في الاستجابة لله ورسوله ﷺ (١). رابعًا: من صفات الداعية: الشجاعة: إن الشجاعة القلبية والعقلية من أهم الصفات التي يتأكد على الداعية أن يتصف بها؛ لأنها من أجمل وأكمل الصفات الحميدة، وقد ظهرت صفة الشجاعة في هذا الحديث في قول علي ﵁ للظعينة: "أخرجي الكتاب" فقالت: ما معي من كتاب. فقال: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها" وفي رواية: "فأهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجت الصحيفة. . . " وقد جمع العلماء ﵏ بين هذين اللفظين؛ قال الإمام الكرماني ﵀: "لعلها أخرجتها من حجزتها أولًا وأخفتها في الشعر ثم اضطرت إلى الإخراج منها أو بالعكس" (٢) وذكر الحافظ ابن حجر هذا الجمع ثم قال: "أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته حجزتها وهذا الاحتمال أرجح" (٣) وعلى كل حال فقد وفق الله عليًا وأصحابه ﵃ للشجاعة العقلية والحكمة فاستخرجوا الكتاب وجاءوا إلى رسول الله ﷺ (٤). خامسًا: من صفات الداعية: الأناة والتثبت: دل فعل النبي ﷺ وقوله مع حاطب ﵁ إلى أهمية التثبت وعدم العجلة؛ ولهذا لم يبادر إلى قتله، بل سأله عن مقصده وعمله فقال: «يا حاطب ما هذا؟ " قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأً ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها». . . " ثم ذكر عذره للنبي ﷺ فقبله ولم يعاقبه. فينبغي للداعية التثبت والتأني، والله المستعان (٥).

стр. 678

سادسًا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالأمور الغيبية: ظهر في هذا الحديث معجزة عظيمة تدل على صدق النبي ﷺ وأن الله أرسله؛ ولهذا قال العلامة العيني ﵀: "وفيه البيان عن بعض أعلام النبوة، وذلك إعلام الله تعالى نبيه بخبر المرأة، الحاملة كتاب حاطب إلى قريش ومكانها الذي هي به، وذلك كله بالوحي" (١) وهذا يؤكد على الدعاة أن يبينوا للناس أعلام نبوته ﷺ عند الحاجة لذل (٢). سابعًا: أهمية هتك أستار الجواسيس والمفسدين: إن الستر الذي رغب الشرع فيه هو الذي لا يترتب عليه مفسدة، ولا يفوت به مصلحة؛ ولهذا لم يستر على المرأة حاملة كتاب حاطب ولم يستر أيضًا على حاطب ﵁، بل وبخ وأدب بالكلام القوي؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «يا حاطب ما هذا؟» وفي رواية: «يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟» وقال علي ﵁ وأصحابه ﵃ للمرأة: "لتخرجن الكتاب أو لأجردنك"؛ قال الإمام النووي ﵀: "وفيه هتك أستار الجواسيس بقراءة كتبهم سواء كان رجلًا أو امرأة، وفيه هتك ستر المفسدة إذا كان فيه مصلحة، أو كان في الستر مفسدة، وإنما يندب الستر إذا لم يكن فيه مفسدة ولا يفوت به مصلحة، وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في الندب إلى الستر" (٣) وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "هذا الحديث عظيم وفيه مسألتان: ١ - جواز التجسس إذا كان فيه نفع للمسلمين، كما فعل علي والزبير والمقداد ﵃. ٢ - تحريم التجسس إذا كان فيه ضرر للمسلمين، أو لم يكن فيه مصلحة للمسلمين، والتجسس فيما يضر المسلمين يوجب القتل، لكن هذا الرجل له شبهة؛ ولهذا قبل النبي ﷺ عذره؛ لأمرين؛ كونه شبه عليه الأمر، [و] كونه

стр. 679

من أهل بدر، أما من فعل ذلك من المسلمين. . . فيقتل لأن هذا ردة" (١) "إلا في حق حاطب ﵁" (٢). ثامنًا: أهمية الشورى. مع الإمام، والعالم، والحاكم: ظهر في هذا الحديث أن الشورى من الأمور المهمة مع الإمام أو العالم أو الحاكم في الأمور العظيمة؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: «يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق» وفي رواية قال: «يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلأضرب عنقه» قال الإمام النووي ﵀: "وفيه إشارة جلساء الإمام والحاكم بما يرونه، كما أشار عمر بضرب عنق حاطب " (٣) وهذا يبين أهمية الشورى ومكانتها؛ لأن عمر لم يقدم على قتل حاطب بل استشار النبي ﷺ فمنعه من ذل (٤). تاسعًا: من صفات الداعية: اليقين بصدق الرسول ﷺ : إن من الصفات العظيمة للداعية أن يتيقن صدق النبي فيما صح عنه مما أخبر به ﷺ ؛ ولهذا اليقين قال علي ﵁ للمرأة حينما أنكرت أن يكون معها كتاب حاطب: «لقد علمنا ما كذب رسول الله ﷺ ثم حلف علي: والذي يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك فأهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجت الصحيفة» وهذا يدل على أهمية اليقين الصادق بصدق رسول الله ﷺ في كل ما صح عنه مما أخبر ب (٥). عاشرًا: من أساليب الدعوة: الشدة على بعض أهل المعاصي بالقول والفعل عند الحاجة: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة: الشدة على بعض المدعوين

стр. 680

العصاة بالقول، والفعل عند الحاجة إلى ذلك؛ ولهذا قال عمر ﵁ في شأن حاطب ﵁: «يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلأضرب عنقه» فأقره رسول الله ﷺ على توبيخه وتأديبه لحاطب بهذا القول القوي، ولم يوافقه على قتله؛ قال الإمام الْأُبِّيّ ﵀: "وفيه الشدة على أهل المعاصي بالقول والفعل، وبالسب تأديبا لهم" (١). الحادي عشر: أهمية صدق المدعو: إن الصدق يهدي إلى البر، ولا يأتي إلا بخير، فإذا صدق العبد دل ذلك على إيمانه ونجاه الله بالصدق، وقد دل هذا الحديث على أهمية صدق المدعو وأن نجاته بذلك؛ ولهذا أنجى الله حاطبًا؛ ولأنه من أهل بدر. قال ﷺ : «يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ " قل يا رسول الله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يدًا يدفع الله بها عن أهلي ومالي» وفي الرواية الأخرى: «وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام" فقال رسول الله ﷺ : "لقد صدقكم»؛ قال الإمام ابن هبيرة ﵀: "وفيه أن المؤمن إذا أخطأ واستبان له الخطأ أن لا يتبع خطأه بأن يجحده ويناكر عليه بل يعترف بذلك ولا يجمع بين معصيتين: في الخطأ، والجحد، كما أنه يتعين على كل مخطئ إذا تيقن خطأه في شيء أن يقلع عنه حالة تيقنه ذلك، فإن الله يغفر له خطأه إذا رجع إلى الصواب، إن شاء الله تعالى" (٢). فينبغي لكل مسلم أن يقول الحق ولو على نفسه إلا فيما شرع الله الستر فيه مع التوبة ورد المظالم لأهله (٣). الثاني عشر: أهمية قول الداعية لما لا يعلمه: الله أعلم: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية إذا لم يعلم شيئًا مما حصل النقاش أو الحوار فيه والأسئلة أن يقول: الله أعلم؛ ولهذا قال عمر ﵁ عندما عفا

стр. 681

رسول الله ﷺ عن حاطب ولم يوافقه على قتله: "الله ورسوله أعلم" وانتهى ﵁ عن المراجعة واغرورقت عيناه ﵁ (١). الثالث عشر: من أساليب الدعوة: الترغيب: إن في هذا الحديث الدلالة على أن من أساليب الدعوة الترغيب؛ ولذلك قال ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ في قصة حاطب ﵁: «إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وفي لفظ: "أوليس من أهل بدر؟ وما يدريك لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة" قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قال العلماء إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله ﷺ للوقوع" (٢) وقال ﵀: "واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها" (٣). وقال الإمام القرطبي ﵀: "إن الله تعالى أظهر صدق رسوله ﷺ للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك؛ فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين ومراعاة أحواله والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن توفوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية أو مخالفة لجأ إلى التوبة ولازمها حتى لقي الله تعالى عليها، يعلم ذلك قطعًا من أحوالهم من طالع سيرهم وأخبارهم" (٤). وهذا يبين أهمية ترغيب النبي ﷺ في كل خير وأنه واقع لا محال (٥). الرابع عشر: من صفات الداعية: العفو والصفح: لا ريب أن العفو والصفح من الأخلاق الكريمة التي ينبغي لكل مسلم أن يتخلق بها، ولكن لا بد أن يكون العفو في محله، ولا يحصل به مفسدة، ولا يفوت

стр. 682

به مصلحة أعظم؛ ولهذا عفا ﷺ عن حاطب ﵁، وصفح، وبين أن أهل بدر قد أوجب الله لهم الجنة. فينبغي أن يكون عفو الداعية عن حكمة، ومؤاخذته عن حكمة كحال النبي ﷺ (١). الخامس عشر: من موضوعات الدعوة: الولاء والبراء: لا شك أن الولاء والبراء من موضوعات الدعوة، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث بعد ذكر قصة حاطب ﵁: "فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] (٢) وقد أمر الله المؤمنين بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، ونهاهم عن موالاة أعداء الله ورسوله، قال : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] (٣). وقال الله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٧] (٤). وقد بين العلماء ﵏ حقيقة الولاية والعداوة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد" (٥)؛ ولأهمية الولاء والبراء ثبت عن النبي ﷺ أنه قال، «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (٦)

стр. 683

وعن ابن عباس ﵁ يرفعه: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» وله شواهد منها حديث عبد الله بن مسعود والبراء (١) ﵄ ومن أعظم الأحاديث في الولاء حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قال من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب». . . " (٢) وقد بين الله أولياءه الكمل فقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] (٣) وأولياء الله درجات في الكمال الإيماني قال الله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] (٤). ولا شك أن الولاء والبراء مبنيان على قاعدة: الحب والبغض، فينبغي للداعية أن يوضح للناس ويحضهم على الموالاة والمعاداة وتكون على ثلاثة أوجه: ١ - من يحب محبة كاملة: وهذه المحبة للمؤمنين المتقين: من الأنبياء والمرسلين وعباد الله المحسنين القائمين بجميع ما أمر الله به، المبتعدين عن جميع ما نهى الله عنه. ٢ - من يحب من وجه ويكره من وجه؛ لأنه قد يجتمع في المؤمن ولاية من وجه وعداوة من وجه آخر وهذا هو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر.

стр. 684

٣ - من يبغض من كل وجه: وهو من كفر بالله ، فيجب بغضه بالقلب كاملًا لازمًا لا نقص فيه، أما بالبدن والأعمال فعلى حسب القدرة ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة لا نقص فيها، وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفعل الكامل إن شاء الله تعال (١). السادس عشر: من أساليب الدعوة: الحوار: ظهر أسلوب الحوار في هذا الحديث؛ لما دار فيه من الحوار بين حبان بن عطية وأبي عبد الرحمن في شأن علي بن أبي طالب ﵁ (٢).

стр. 685

١٤٤ - بَابُ الأُسَارَى فِي السَّلَاسِلِ [حديث عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل] ١١٧ - [٣٠١٠] حدثنا محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» (٢). وفي رواية: "عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٣) قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام" (٤). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال لله . ٢ - من أساليب الدعوة: الترغيب. ٣ - من وظائف الداعية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله . ٥ - شدة إعراض بعض المدعوين حتى لا ينفع معهم إلا القوة. ٦ - من خصائص أمة محمد ﷺ : الخيرية. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من موضوعات الدعوة: إثبات صفات الكمال لله : إن إثبات صفات الكمال لله من أهم الموضوعات التي يلزم الداعية بيانها للناس؛ لأن عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسول الله ﷺ : من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تكييف (٥) وقد ظهر في هذا الحديث إثبات

стр. 686

صفة العجب لله على ما يليق بجلاله وعظمته، ولا يشبه في ذلك شيئًا من خلقه (١) لأن صفاته لا تشبه الصفات، كما أن ذاته لا تشبه الذوا (٢). ثانيًا: من أساليب الدعوة: الترغيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لقوله ﷺ : «يدخلون الجنة في السلاسل» ولقوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] * وهذا يبين أهمية الترغيب في الدعوة إلى الله سبحانه وتعال (٣). ثالثًا: من وظائف الداعية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن من أهم وظائف الداعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا ورد في أثناء هذا الحديث قول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] * ولا ريب أن الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله على حسب الحاجة، والحال، والقدرة، على كل مسلم بحسبه (٤)؛ لقوله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (٥). ومدح الله أمة محمد ﷺ فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٦). وقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] (٧). وقد أوضح النبي ﷺ درجات إنكار المنكر فقال: «من رأى منكم منكرًا

стр. 687

فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١). وولي أمر المسلمين ينفع الله به في ذلك نفعًا عظيمًا؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، في إقامة الحدود وغيرها، وفي التعزير وهو أنواع: منه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب، واختلف العلماء في أكثر التعزير، فقيل عشر جلدات، وقيل: أكثره دون أقل الحدود، وقيل: لا حد لأكثره لكن إذا كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر. قال ابن تيمية ﵀: "وهذا القول أعدل الأقوال وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين (٢) ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل. وهذا كله من وظائف الإمام الأعظم للمسلمين (٣) ولا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أمور ثلاثة: العلم، والرفق، والصبر: العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعد (٤). فينبغي للداعية أن يكون أمره بالمعروف معروفا ونهيه عن المنكر غير منكر (٥) قال الإمام ابن القيم ﵀: "إنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده، والثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة" (٦). فينبغي للداعية أن يراعي هذه القواعد الدعوية حتى ينفع الله بأمره ونهيه والله المستعان. رابعًا: من وسائل الدعوة الجهاد في سبيل الله : إن من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله ودخول الناس في الإسلام: الجهاد

стр. 688

في سبيل الله ؛ لأن من البشر من لا ينفع فيهم إلا القوة؛ ولهذا جاء في خبر أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] "خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام " قال الإمام الكرماني ﵀ على قوله: "خير الناس للناس": "أي خير بعض الناس لبعضهم وأنفعهم لهم من يأتي بأسير مقيد في السلسلة إلى دار الإسلام؛ ليسلم؛ وإنما كان خيرًا؛ لأنه بسببه صار مسلمًا وحصل أصل جميع السعادات الدنيوية والأخروية" (١) فينبغي للمسلمين العناية بهذه الوسيلة العظيمة. والله المستعا (٢). خامسًا: شدة إعراض بعض المدعوين حتى لا ينفع فيهم إلا القوة: دل هذا الحديث على شدة إعراض بعض المدعوين؛ ولهذا قال أبو هريرة: "تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم" وقد عجب الله من شأنهم وعنادهم، ثم دخولهم الجنة بسبب أسرهم في السلاسل ثم إسلامهم؛ ولهذا قال النبي ﷺ في أول الحديث: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» ومن حكمته وعظمته أن جعل لكل داء دواءً، فشرع استخدام القوة مع المعاندين المعرضين، وأذن في ذلك وأمر به فسبحانه ما أعظم شأنه وما أحكمه (٣). سادسًا: من خصائص أمة محمد ﷺ : الخيرية: دل هذا الحديث والآية التي في سياقه أن أمة محمد ﷺ خير الأمم، كما قال أبو هريرة ﵁ في قول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: "خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام" فالأمة الإسلامية خير الأمم؛ لأنها تخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، حتى لو كان ذلك بالجهاد في سبيل الله (٤)

стр. 689

١٤٦ - بَابُ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ، فَيُصَاُب الوِلْدَانُ وَالذَّرَارِيُّ ﴿بَيَاتًا﴾ [الأعراف: ٤] (١) ليلًا. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩] (٢) ليلًا. ﴿بَيَّتَ﴾ [النساء: ٨١] (٣) ليلًا. [حديث حمى إلا لله ولرسوله ﷺ ] ١١٨ - [٣٠١٢] حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان: حدثنا الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس «عن الصعب بن جثامة (٤) ﵁ قال: مر بي النبي ﷺ بالأبواء - أو بودان - وسئل (٥) عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: "هم منهم ".» وسمعته يقول: «لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ » (٦). شرح غريب الحديث: * " يبيتون " أي يصابون ليلًا، وتبييت العدو: هو أن يقصد في الليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتةً، وهو البيات (٧). * " حمى " الحمى: خلاف المباح: وهو الممنوع، وحمى الله: محارمه التي حرمها ومنع منها، والحمى الذي حماه عمر مرعى الخيل التي كان يعدها للجهاد. وقيل: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا استعوى كلبا فحمى مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، وهو شريك القوم في سائر ما يرعون فيه، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله: أي إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة، وغيرها، كما

стр. 690

حمى عمر بن الخطاب ﵁ النقيع لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله (١). * " الأبواء " قرية من عمل الفرع من عمل المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا (٢). * " ودان " بفتح الواو وتشديد الدال المهملة: قرية جامعة من عمل الفرع بينها وبين هرشى نحو ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو ثمانية أميال قريب من الجحفة (٣). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. ٢ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث. ٣ - من القواعد الدعوية: عمل الداعية بالعام حتى يرد الخاص. ٤ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله . ٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على إبطال عادات الجاهلية. ٦ - أهمية رعاية مصالح المسلمين. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: إن سؤال المدعو عن الأمور التي تشكل عليه من أهم الوسائل لتحصيل العلم؛ ولهذه الأهمية سأل بعض الصحابة النبي ﷺ عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، فقال ﷺ : "هم منهم" أي لا بأس بقتلهم إذا اختلطوا بآبائهم (٤).

стр. 691

فينبغي العناية بالسؤال عن كل ما يشكل، حتى يحصل العلم والبصيرة. (١). ثانيًا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: لا شك أن الحرص على الدقة في نقل الحديث من صفات أهل العقول السليمة؛ لأنهم يخشون الوقوع في الكذب على رسول الله ﷺ ؛ ولهذا الحرص جاء في هذا الحديث: «مر بي النبي ﷺ بالأبواء أو بودان» فقد شك الراوي هل قال الصعب ﵁: بالأبواء، أو قال: بودان. قال العلامة العيني ﵀: "شك من الراوي" (٢). وهذا يبين أهمية الحرص على الدقة والتثبت في نقل الحديث عن رسول الله ﷺ . (٣). ثالثًا: من القواعد الدعوية: عمل الداعية بالعام حتى يرد الخاص: دل هذا الحديث على أنه إذا ثبت الدليل في العمل بأمر عام فإنه يعمل بالعام حتى يثبت الخاص؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفي هذا الحديث دليل على جواز العمل بالعام حتى يرد الخاص؛ لأن الصحابة ﵁ تمسكوا بالعمومات الدالة على قتل أهل الشرك، ثم نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان فخص ذلك العموم، ويحتمل أن يستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة" (٤)؛ ولهذا ثبت عن عبد الله ابن عمر ﵁ «أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان» (٥) قال النووي ﵀: "أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن

стр. 692

قاتلوا، قال جماهير العلماء: يقتلون" (١) أما إذا اختلط النساء والأطفال أو الصبيان بأهل الشرك فلم يميز المسلمون بينهم فلا حرج في قتلهم معهم؛ قال الإمام الخطابي ﵀ في ذكره لفوائد حديث الصعب بن جثامة ﵁: "وفيه بيان أن قتلهم في البيات وفي الحروب إذا لم يتميزوا وإذا لم يتوصل إلى الكبار إلا بالإتيان عليهم جائز، وأن النهي عن قتلهم منصرف إلى حال التميز والتفرق" (٢). رابعًا: من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله : إن من وسائل الدعوة العظيمة: الجهاد في سبيل الله ؛ ولهذا بذل الصحابة ﵃ الجهود البارزة في جهاد أعداء الإسلام، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ ولهذا سأل بعضهم النبي ﷺ : عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: "هم منهم" (٣). خامسًا: من موضوعات الدعوة: الحض على إبطال عادات الجاهلية: لا ريب أن حض الناس على إبطال عادات الجاهلية من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية حكيمة مسددة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث؛ «لا حمى إلا لله ورسوله ﷺ » قال الإمام الخطابي ﵀: "وفيه إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من ذلك، وكان الرجل العزيز منهم إذا [نزل] بلدًا مخصبا أوفى بكلب على جبل ووقف من يسمع منتهى صوته بالعواء، فحيث انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه ومنع الناس منه" (٤) وهو شريك قومه في سائر ما يرعون فنهى النبي ﷺ عن ذلك وأضاف الحمى إلى الله ورسوله، وأبطل ﷺ هذا الظلم الذي هو من عادات الجاهلية قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ - إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩] (٥).

стр. 693

قال الإمام ابن تيمية ﵀: "ثم جعل محمدًا ﷺ على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته" (١)؛ ولهذا امتثل أمر ربه وقال ﷺ في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة». . . " (٢) وهذا يوضح للداعية أهمية إبطال عادات الجاهلية السيئة. فينبغي له أن يوجه الناس إلى ما أمر به رسول الله ﷺ ، وإلى ترك ما نهى عنه ﷺ من عادات الجاهلية. سادسًا: أهمية رعاية مصالح المسلمين: إن رعاية مصالح المسلمين والنظر فيما يعود عليهم بالنفع والخير في الدنيا والآخرة من أعظم القربات؛ ولهذا قال ﷺ : «لا حمى إلا لله ورسوله ﷺ » قال الإمام الخطابي ﵀: "معناه لا حمى إلا على الوجه الذي أذن الله ورسوله فيه، وذلك على قدر الحاجة ووجه المصلحة من غير منع حق المسلم؛ فإن المسلمين شركاء في الماء والكلأ" (٣)؛ وقد قال رسول الله ﷺ : «المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار» (٤) قال ابن الأثير ﵀: "وأضاف ﷺ ، الحمى إلى الله ورسوله: أي إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة وغيرها كما حمى عمر بن الخطاب ﵁ النقيع (٥) لنعم

стр. 694

الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله " (١). وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: وأما قوله: «لا حمى إلا لله ورسوله»: فمعناه: لا يجوز لأحد أن يحمي الكلأ إلا لله ورسوله: أي يكون ذلك في مصلحة المسلمين، وولي الأمر يقوم مقام رسول الله ﷺ ، إذا دعت الحاجة لمصلحة المسلمين عامة لا لمصلحة خاصة، وبشرط أن لا يضر المسلمين" (٢). وقد تعين في بعض الطرق لحديث الصعب بن جثامة ما حماه النبي ﷺ ثم ما حماه عمر بن الخطاب ﵁؛ لمصلحة المسلمين، فعن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ورسوله» وقال: "بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف (٣) والربذة (٤) " (٥)

стр. 695

١٤٧ - بَابُ قَتْلِ الصِّبْيَانِ فِي الْحَرْبِ [حديث إنكار النبي ﷺ قتل النساء والصبيان] ١١٩ - [٣٠١٤] حدثنا أحمد بن يونس: أخبرنا الليث، عن نافع: أن عبد الله (١) ﵁ أخبره: «أن امرأةً وجدت في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولةً، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان» (٢). وفي رواية: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان» (٣). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: تحذير المجاهدين في سبيل الله عن قتل النساء والصبيان. ٢ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ٣ - من صفات الداعية: الرحمة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من موضوعات الدعوة: تحذير المجاهدين في سبيل الله عن قتل النساء والصبيان: إن الإسلام دين العدالة، والرحمة والرعاية لمصالح الناس؛ وقد أنكر رسول الله ﷺ في هذا الحديث قتل النساء والصبيان في الجهاد في سبيل الله ونهى عن ذلك، وهذا يؤكد على أن ذلك من موضوعات الدعوة التي ينبغي أن يبينها الداعية للمجاهدين ويحذرهم من قتل النساء والصبيان إلا إذا شاركوا في المعارك الحربية، أو اختلطوا أثناء المعارك بالكفار ولا يستطيع المسلمون التمييز؛ فإنهم حينئذ يقتلون تبعًا لا قصدًا، لعدم التمييز (٤)؛ ولهذا ثبت عن بريدة ﵁ أنه قال: «كان رسول الله" إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه

стр. 696

بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال. . . " ثم بين هذه الخصال: الإسلام والهجرة، أو الإسلام دون الهجرة ويكونون كأعراب المسلمين، فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك استعان بالله وقاتلهم» (١). وهذا يؤكد على أن الهدف من الجهاد هو إعلاء كلمة الله (٢). ثانيا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ يراعي أحوال المدعوين؛ ولهذا أنكر ﷺ قتل النساء والصبيان في الجهاد، ونهى عن ذلك؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال، وهم من جملة غنائم المسلمين (٣) ولكن إذا شاركوا في القتال أو اختلطوا بالمقاتلين الكفار قتلوا معهم، قال الله : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] (٤). فقتال المجاهدين يكون لمن نصب الحرب للمسلمين أو أعان على ذلك معهم (٥) وهذا يؤكد على أهمية مراعاة أحوال المدعوين (٦). ثالثًا: من صفات الداعية: الرحمة: لا شك أن من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها الرحمة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان رحمة بهم، وأنكر قتل هؤلاء (٧).

стр. 697

١٤٩ - باب لا يعذب بعذاب الله [حديث لا تعذبوا بعذاب الله] ١٢٠ - [٣٠١٧] حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة: أن عليا (١) ﵁ حرق قومًا، فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله»، ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٢). وفي رواية: "أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله ﷺ . «لا تعذبوا بعذاب الله»؛ ولقتلتهم؛ لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٣). شرح غريب الحديث: * " الزنديق ": المشهور على ألسنة الناس أن الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة، ويقول بدوام الدهر، والعرب تعبر عن هذا بقولهم: ملحد: أي طاعن في الأديان (٤) وقيل: الزنديق: من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان (٥). وقيل: الزنديق: هو كل من ليس على ملة من الملل المعروفة، ثم استعمل في كل معطل، وفي من أظهر الإسلام وأسر غيره (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الزنديق في عرف الفقهاء: هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ ، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن

стр. 698

دينًا من الأديان: كدين اليهود والنصارى، أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع والمعاد، والأعمال الصالحة" (١). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله . ٢ - أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس. ٣ - من أصناف المدعوين: الزنادقة الملحدون. ٤ - من وظائف الإمام المسلم: قتل المرتدين بعد استتابتهم. ٥ - من أساليب الدعوة: الترهيب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله : إن هذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن التحذير من التعذيب بعذاب الله من موضوعات الدعوة التي ينبغي للداعية أن يحذر الناس من فعلها؛ لقوله ﷺ : «لا تعذبوا بعذاب الله» وهذا يعم تعذيب الإنسان والحيوان، أما ما فعله علي ﵁، فلأنه لم يبلغه نهي النبي ﷺ عن التعذيب بالنار؛ قال الكرماني ﵀: "كان ذلك من علي ﵁ بالرأي والاجتهاد" (٢) والمجتهد المصيب له أجران، وغيره له أجر على اجتهاده (٣). ثانيًا: أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس: إن من الأمور المهمة للداعية أن يذكر الدليل على ما يقول أو يفتي به؛ لأن الدليل يرفع الإلباس، ويقوي اليقين، ويزيل الشك؛ ولهذا قال ابن عباس

стр. 699

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في هذا الحديث: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه». وهذا يبين أهمية ذكر الدليل والعناية به (١). ثالثًا: من أصناف المدعوين: الزنادقة الملحدون: ظهر في هذا الحديث أن علي بن أبي طالب ﵁ حرق الزنادقة، فدل ذلك على أنهم من أصناف المدعوين الذين يدعون إلى الله . فينبغي للداعية أن يسلك معهم أربعة مسالك: ١ - بيان الأدلة الفطرية على وجود الله وربوبيته؛ لأن الفطرة: الخلقة التي خلق عليها كل موجود أول خلقه (٢) والخلقة التي خلق عليها المولود في بطن أمه، والدين (٣) قال النبي ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه» (٤) واستدل أبو هريرة ﵁ بعد سياقه للحديث بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (٥). فينبغي للداعية أن يوضح للملحدين أن كل مولود يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد، وكل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به، فلا تجد أحدًا إلا وهو يقر بأن له صانعًا، وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره (٦) وإذا نظر العاقل ورجع إلى نفسه وعقله أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الخالق : في تكوينه، وبقائه، وتقلبه في

стр. 700

أحواله (١) وإذا نظر إلى الخلائق علم فقرهم كلهم إلى الخالق في كل شيء: فقراء إليه في الخلق والإيجاد، وفي البقاء والرزق والإمداد، وفقراء إليه في جلب المنافع ودفع المضار، فانظر إلى حالة الناس إذا كربتهم الشدائد ووقعوا في المهالك، وأشرفوا على الأخطار، أو شاهدوا شيئًا من الحوادث المتجددة: كالصواعق أو الرعد، والبرق والزلازل، والبراكين المتفجرة الثائرة، والريح الشديدة، وانهمار الأمطار الغزيرة، واضطراب أمواج البحار، وفيضانات الأنهار؛ فإنهم إذا حصلت هذه المشاهد العظيمة يلجئون إلى الله، وترتفع أصواتهم بالدعاء، وقلوبهم تنظر إلى إغاثة الخالق ، ولو لم يكن إلا خلق الإنسان؛ فإنه من أعظم الآيات، فكل يعلم أنه لم يحدث نفسه، ولا أبواه أحدثاه، ولا أحد من البشر أحدثه، ويعلم أنه لا بد له من خالق خلقه، وأن هذا الخالق موجود، حي، عليم، قدير، سميع، بصير، حكيم، حفيظ (٢) قال الله : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (٣). ٢ - بيان البراهين والأدلة العقلية؛ فإن هذه الأدلة لها التأثير البليغ في دعوة هؤلاء إلى الله ، فيقال لهؤلاء الذين ينكرون وجود الله : الأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة لا رابع لها: (أ) إما أن توجد هذه المخلوقات بنفسها صدفة من غير محدث ولا خالق خلقها، فهذا محال ممتنع تجزم العقول ببطلانه ضرورة ويعلم يقينًا أن من ظن ذلك فهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل؛ لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير موجد ولا محدث، فلا بد لكل حادث من محدث ولا سبيل إلى إنكار ذلك؛ فإن وجود الشيء من غير موجد محال وباطل، بالمشاهدة والحس والفطرة السليمة. (ب) وإما أن تكون هذه المخلوقات الباهرة هي المحدثة الخالقة لنفسها،

стр. 701

فهذا أيضًا محال ممتنع بضرورة العقل، وكل عاقل يجزم أن الشيء لا يحدث نفسه ولا يخلقها؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقا؟! فإذا بطل هذان القسمان عقلًا وفطرة، وبان استحالتهما تعين القسم الثالث: (ج) وهو أن هذه المخلوقات بأجمعها علويها وسفليها، وهذه الحوادث لا بد لها من خالق ينتهي إليه الخلق، والملك، والتدبير، وهو الله العظيم الخالق لكل شيء المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها (١)؛ ولهذا الدليل العقلي والبرهان القطعي قال الله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] (٢). وهذا يوضح أن العدم لا يخلق شيئا، والطبيعة لا تملك قدرة، والصدفة العمياء لا توجد حياة. ٣ - ذكر الأدلة الحسية المشاهدة التي تدل على وجود الله، وربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، وهذه الأدلة على نوعين: (أ) النوع الأول: إجابة الله للدعوات في جميع الأوقات، فلا يحصي الخلق ما يعطيه الله للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين، ويرفع به كرب المكروبين فتحصل المطالب الكثيرة بأسباب دعاء بعض العباد لربهم، والطمع في فضله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس، لا ينكره إلا مكابر (٣) قال الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] (٤). (ب) - النوع الثاني: معجزات الأنبياء وهي آيات يشاهدها الناس أو يسمعونها وهي من أعظم البراهين القاطعة على وجود مرسلهم؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر يجريها الله تأييدًا لرسله ونصرًا لهم عليهم

стр. 702

الصلاة والسلام (١) ومن ذلك قوله : ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] (٢) إلى غير ذلك من الآيات العظيمة (٣) ٤ - ذكر الأدلة الشرعية: وهي طريق الهداية الكاملة، وهي ما جاء عن الله وعن رسله عليهم الصلاة والسلام، وهي تجمع بين الأدلة العقلية والنقلية، فالكتب السماوية كلها تنطق بأن الله الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، وما جاءت به من مصالح العباد دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به (٤). رابعًا: من وظائف الإمام المسلم: قتل المرتدين بعد استتابتهم: لا ريب أن من الوظائف العظيمة والأمور المهمة قتل إمام المسلمين للمرتدين عن دين الإسلام بعد استتابتهم وامتناعهم عن الرجوع إلى دين الإسلام؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «من بدل دينه فاقتلوه» وقد بين الله عظم جريمة المرتدين فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: "وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين" (٦) فإذا كان المرتد عن دين الإسلام بالغًا، عاقلًا،، دعاه الإمام أو نائبه إلى الإسلام ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل (٧).

стр. 703

خامسًا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه»؛ فإن فيه الترهيب من الردة؛ لأن من ارتد عن الإسلام قتل، وأسأل الله العفو والعافية لي ولجميع المسلمين (١).

стр. 704

١٥٣ - بَابٌ [حديث أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله] ١٢١ - [٣٠١٩] حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة: أن أبا هريرة (١) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قرصت نملة نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمةً من الأمم تسبح الله»! " (٢). وفي رواية: «نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملةً واحدةً»! " (٣). شرح غريب الحديث: * " فأمر بجهازه " الجهاز: جهاز السفر وما يحتاج إليه فيه (٤). * "قرية النمل" هي مساكنها وبيتها، والجمع قرى، والقرية من المساكن والأبنية: الضياع وقد تطلق على المدن. (٥). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: القصص. ٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره. ٣ - من صفات الداعية: الصبر على الأذى. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 705

أولًا: من أساليب الدعوة: القصص: إن أسلوب القصص في الدعوة إلى الله من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية خاصة؛ لما للقصص من تأثير على المدعو؛ لأنه يشد الأذهان ويقرب الفهم للسامعين؛ وقد قص النبي ﷺ علينا قصة هذا النبي الكريم مع النملة وإحراقه لقرية النمل، وعتاب الله له على قتله لجميع النمل. فقال: «فهلا نملة واحدة» (١). ثانيًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الحض على عدم مؤاخذة أحد بذنب غيره؛ ولهذا عاتب الله هذا النبي الذي أحرق قرية النمل من أجل نملة واحدة: "فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله؟ " وقد قال الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] (٢). وهذا يؤكد على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، قال الإمام النووي ﵀: "قال العلماء: وهذا الحديث محمول على أن شرع ذلك النبي ﷺ كان فيه جواز قتل النمل، وجواز الإحراق بالنار، ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق، بل في الزيادة على نملة واحدة، وقوله تعالى: «فهلا نملة واحدة» أي فهلا عاقبت نملة واحدة هي التي قرصتك؛ لأنها الجانية، وأما غيرها فليس لها جناية، وأما في شرعنا فلا يجوز الإحراق بالنار للحيوان (٣) إلا إذا حرق إنسان فمات بالإحراق فلوليه الاقتصاص بإحراق الجاني. . " (٤) وأما قتل النمل في شريعة محمد ﷺ ، فمنهي عنه، فعن ابن عباس ﵄ قال: «إن رسول الله ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد» (٥) (٦).
следующие страницы →