← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فهذا أيضًا محال ممتنع بضرورة العقل، وكل عاقل يجزم أن الشيء لا يحدث نفسه ولا يخلقها؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقا؟! فإذا بطل هذان القسمان عقلًا وفطرة، وبان استحالتهما تعين القسم الثالث: (ج) وهو أن هذه المخلوقات بأجمعها علويها وسفليها، وهذه الحوادث لا بد لها من خالق ينتهي إليه الخلق، والملك، والتدبير، وهو الله العظيم الخالق لكل شيء المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها (١)؛ ولهذا الدليل العقلي والبرهان القطعي قال الله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] (٢). وهذا يوضح أن العدم لا يخلق شيئا، والطبيعة لا تملك قدرة، والصدفة العمياء لا توجد حياة. ٣ - ذكر الأدلة الحسية المشاهدة التي تدل على وجود الله، وربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، وهذه الأدلة على نوعين: (أ) النوع الأول: إجابة الله للدعوات في جميع الأوقات، فلا يحصي الخلق ما يعطيه الله للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين، ويرفع به كرب المكروبين فتحصل المطالب الكثيرة بأسباب دعاء بعض العباد لربهم، والطمع في فضله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس، لا ينكره إلا مكابر (٣) قال الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] (٤). (ب) - النوع الثاني: معجزات الأنبياء وهي آيات يشاهدها الناس أو يسمعونها وهي من أعظم البراهين القاطعة على وجود مرسلهم؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر يجريها الله تأييدًا لرسله ونصرًا لهم عليهم

стр. 702

الصلاة والسلام (١) ومن ذلك قوله : ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] (٢) إلى غير ذلك من الآيات العظيمة (٣) ٤ - ذكر الأدلة الشرعية: وهي طريق الهداية الكاملة، وهي ما جاء عن الله وعن رسله عليهم الصلاة والسلام، وهي تجمع بين الأدلة العقلية والنقلية، فالكتب السماوية كلها تنطق بأن الله الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، وما جاءت به من مصالح العباد دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به (٤). رابعًا: من وظائف الإمام المسلم: قتل المرتدين بعد استتابتهم: لا ريب أن من الوظائف العظيمة والأمور المهمة قتل إمام المسلمين للمرتدين عن دين الإسلام بعد استتابتهم وامتناعهم عن الرجوع إلى دين الإسلام؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «من بدل دينه فاقتلوه» وقد بين الله عظم جريمة المرتدين فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: "وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين" (٦) فإذا كان المرتد عن دين الإسلام بالغًا، عاقلًا،، دعاه الإمام أو نائبه إلى الإسلام ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل (٧).

стр. 703

خامسًا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه»؛ فإن فيه الترهيب من الردة؛ لأن من ارتد عن الإسلام قتل، وأسأل الله العفو والعافية لي ولجميع المسلمين (١).

стр. 704

١٥٣ - بَابٌ [حديث أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله] ١٢١ - [٣٠١٩] حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة: أن أبا هريرة (١) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قرصت نملة نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمةً من الأمم تسبح الله»! " (٢). وفي رواية: «نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملةً واحدةً»! " (٣). شرح غريب الحديث: * " فأمر بجهازه " الجهاز: جهاز السفر وما يحتاج إليه فيه (٤). * "قرية النمل" هي مساكنها وبيتها، والجمع قرى، والقرية من المساكن والأبنية: الضياع وقد تطلق على المدن. (٥). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أساليب الدعوة: القصص. ٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره. ٣ - من صفات الداعية: الصبر على الأذى. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 705

أولًا: من أساليب الدعوة: القصص: إن أسلوب القصص في الدعوة إلى الله من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها عناية خاصة؛ لما للقصص من تأثير على المدعو؛ لأنه يشد الأذهان ويقرب الفهم للسامعين؛ وقد قص النبي ﷺ علينا قصة هذا النبي الكريم مع النملة وإحراقه لقرية النمل، وعتاب الله له على قتله لجميع النمل. فقال: «فهلا نملة واحدة» (١). ثانيًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من مؤاخذة أحد بذنب غيره: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة: الحض على عدم مؤاخذة أحد بذنب غيره؛ ولهذا عاتب الله هذا النبي الذي أحرق قرية النمل من أجل نملة واحدة: "فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله؟ " وقد قال الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] (٢). وهذا يؤكد على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، قال الإمام النووي ﵀: "قال العلماء: وهذا الحديث محمول على أن شرع ذلك النبي ﷺ كان فيه جواز قتل النمل، وجواز الإحراق بالنار، ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق، بل في الزيادة على نملة واحدة، وقوله تعالى: «فهلا نملة واحدة» أي فهلا عاقبت نملة واحدة هي التي قرصتك؛ لأنها الجانية، وأما غيرها فليس لها جناية، وأما في شرعنا فلا يجوز الإحراق بالنار للحيوان (٣) إلا إذا حرق إنسان فمات بالإحراق فلوليه الاقتصاص بإحراق الجاني. . " (٤) وأما قتل النمل في شريعة محمد ﷺ ، فمنهي عنه، فعن ابن عباس ﵄ قال: «إن رسول الله ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد» (٥) (٦).

стр. 706

قال الإمام الخطابي ﵀: "إن النهي إنما جاء في قتل النمل في نوع منه خاص. وهو الكبار منها، ذوات الأرجل الطوال وذلك: أنها قليلة الأذى والضرر، ونهى عن قتل النحلة؛ لما فيها من المنفعة، فأما الهدهد والصرد فنهيه في قتلهما يدل على تحريم لحومهما، وذلك أن الحيوان إذا نهي عن قتله، ولم يكن ذلك لحرمته ولا لضرر فيه كان ذلك لتحريم لحمه. . . " (١) وقال الإمام النووي ﵀: "وأما قتل النمل فمذهبنا أنه لا يجوز واحتج أصحابنا فيه بحديث ابن عباس. . . " (٢). وهذا يبين للداعية أنه ينبغي له أن يحذر الناس من أخذ بعض الناس ومعاقبتهم بذنوب غيرهم أو جناية غيرهم، والله المستعان. ثالثًا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى: لا ريب أن الصبر على الأذى في ذات الله من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا عوتب هذا النبي الكريم في هذا الحديث؛ لأنه قتل أمةً من النمل من أجل واحدة، قال الإمام القرطبي ﵀: "وظاهر هذا الحديث أن هذا النبي إنما عاتبه الله تعالى، حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منه، وكان الأولى به الصبر والصفح، لكن وقع للنبي: أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر، وينضم إليه التشفي الطبيعي يعاتب، والله تعالى أعلم. لكن لما انضاف إليه التشفي الذي دل عليه سياق الحديث عوتب عليه، والذي يؤيد ما ذكرنا: التمسك بأصل عصمة الأنبياء، وأنهم أعلم الناس بالله، وبأحكامه، وأشدهم له خشية" (٣) رحم الله الإمام القرطبي فقد أجاد وأفاد (٤).

стр. 707

١٥٤ - باب حرق الدور والنخيل [حديث ألا تريحني من ذي الخلصة] ١٢٢ - [٣٠٢٠] حدثنا مسدد: حدثنا يحيى، عن إسماعيل قال: حدثني قيس بن أبي حازم قال: قال لي جرير (١) قال لي رسول الله ﷺ : «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» - وكان بيتًا في خثعم يسمى كعبة اليمانية - قال فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، قال: وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا». فانطلق إليها فكسرها وحرقها. ثم بعث إلى رسول الله ﷺ يخبره فقال رسول جرير: والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجوف أو أجرب. قال: "فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات" (٢). وفي رواية: «ألا تريحني من ذي الخلصة؛» فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري فقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» قال: فما وقعت عن فرس بعد، قال وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم وبجيلة، فيه نصب يعبد يقال له: الكعبة، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها، قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام فقيل له إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا فإن قدر عليك ضرب عنقك قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير، فقال: لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو لأضربن عنقك، قال: فكسرها

стр. 708

وشهد، ثم بعث جرير رجلًا من أحمس يكنى أبا أرطاة (١) إلى النبي ﷺ يبشره بذلك فلما أتى النبي ﷺ قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. قال: فبرك النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات (٢). وفي رواية: "ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي" (٣). شرح غريب الحديث: * " ذو الخلصة" بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم، وبجيلة، وغيرهم، وقيل: ذو الخلصة الكعبة اليمانية التي كانت باليمن (٤). * "أحمس" أحمس طائفة من بجيلة، منهم أبو أرطاة: حصين بن ربيعة الأحمسي (٥). الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: راحة القلب بالتوحيد ونشره بين الناس. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحض على إزالة الشركيات. ٣ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة. ٤ - أهمية سرعة استجابة المدعو. ٥ - من صفات الداعية: التواضع.

стр. 709

٦ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء. ٧ - من وسائل الدعوة: إزالة كل ما يفتن به الناس من بناء وغيره. ٨ - أهمية البشارة وأثرها في النفوس. ٩ - أهمية التأكيد بالقسم. ١٠ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار. ١١ - من معجزات النبي ﷺ : استجابة دعواته. ١٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ١٣ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ١٤ - من صفات الداعية: حسن الخلق. ١٥ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث. ١٦ - من وسائل الدعوة: استمالة قلب من له شأن في قومه. ١٧ - من وسائل الدعوة: تعليم المجاهدين وتدريبهم استعدادًا للجهاد. ١٨ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من صفات الداعية؛ راحة القلب بالتوحيد ونشره بين الناس: إن الداعية الصادق في دعوته هو الذي يرتاح قلبه بنشر التوحيد بين الناس، وإذا انتشر الشرك أتعب ذلك قلبه وأقلقه؛ ولهذا قال ﷺ لجرير بن عبد الله: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» قال الحافظ ابن حجر ﵀: "المراد بالراحة راحة القلب؛ وما كان شيء أتعب لقلب النبي ﷺ من بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى" (١). فينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الكريمة فيسر ويفرح بانتشار التوحيد بين الناس، ويعلمهم ذلك. ثانيًا: من موضوعات الدعوة: الحض على إزالة الشركيات: لا ريب أن من أهم الموضوعات حض الناس وحثهم على إزالة كل ما يكون

стр. 710

وسيلة للشرك: من مشاهد، وآثار، وأشجار، وأماكن شركية؛ ولهذا قال ﷺ لجرير بن عبد الله ﵁: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» وعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته" (١). فينبغي للداعية أن يحض الناس على هدم الأشياء الشركية، ووسائل الشرك؛ لأمر النبي ﷺ بذلك. ثالثًا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة: إن من وسائل الدعوة التي لها أهمية بالغة: بعث البعوث وإرسال الرسل والدعاة إلى الله ؛ لتعليم الناس الخير والقضاء على الشرك ووسائله؛ ولهذا عرض النبي ﷺ على جرير بن عبد الله ﵁؛ ليرسله إلى هدم ذي الخلصة، فقال: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» فانطلق جرير ﵁ في خمسين ومائة فارس من قومه، فهدم ذا الخلصة وكسرها وأحرقها. وقد اعتنى النبي ﷺ بهذه الوسيلة، فكان يرسل الدعاة ويبعث البعوث والسرايا للدعوة إلى الله (٢). رابعًا: أهمية سرعة استجابة المدعو: المدعو ينبغي له الإسراع في الاستجابة لله ورسوله ﷺ ؛ لأن ذلك من أهم المهمات وأعظم القربات له ؛ ولهذا أسرع جرير ﵁ في الاستجابة لله ولرسوله ﷺ ، فانطلق بمائة وخمسين فارسًا على خيلهم حتى كسر الصنم المعروف: بذي الخلصة وحرقه (٣). خامسًا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على تواضع النبي ﷺ ؛ لأنه ضرب في صدر جرير بن عبد الله

стр. 711

ودعا له؛ قال العلامة العيني ﵀: "فيه أنه لا بأس للإمام أو العالم إذا أشار إليه إنسان في مخاطبة أو غيرها أن يضع عليه يده، ويضرب بعض جسده، وذلك من التواضع واستمالة النفوس" (١) فينبغي للداعية الاقتداء بالنبي ﷺ في تواضعه وغيره، مما لا يكون من خصائصه ﷺ (٢). سادسًا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: ظهر في هذا الحديث أن الدعاء من أساليب الدعوة، التي ينبغي للداعية العناية بها؛ لأهميتها في استمالة القلوب؛ قال ابن حجر ﵀: "وفيه استمالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم، والاستمالة بالدعاء والثناء. . " (٣). وهذا يؤكد أهمية العناية بالدعاء للمدعوين؛ لاستمالة قلوبهم (٤). سابعًا: من وسائل الدعوة: إزالة كل ما يفتتن به الناس من بناء وغيره: إن من سائل الدعوة إزالة ما يفتتن به الناس من الشرك ووسائله؛ ولهذا قال ﷺ لجرير بن عبد الله ﵁: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» فانطلق ﵁ في خمسين ومائة فارس فكسرها وحرقها؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي الحديث مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس من بناء وغيره، سواء كان إنسانًا، أو حيوانًا، أو جمادًا. . " (٥) وهذا يؤكد أهمية إزالة كل ما يفتتن به الناس. (٦). ثامنًا: أهمية البشارة وأثرها في النفوس: لا ريب أن البشارة بما يسر الإنسان من الأمور المهمة في الدعوة إلى الله ؛ لما في ذلك من تأليف القلوب واستمالتها؛ ولهذا أرسل جرير بن عبد الله ﵁

стр. 712

حصين بن ربيعة أبا أرطاة؛ ليبشر النبي ﷺ بتكسير وتحريق صنم خثعم المعروف بذي الخلصة؛ ليدخل السرور على رسول الله ﷺ ، فلما أتى البشير النبي ﷺ قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، فسر النبي ﷺ بذلك، فبارك على خيل أحمس ورجالاتها خمس مرات. وهذا يدل على سروره ﷺ العظيم بذلك، ويدل على مكانة البشارة في النفوس (١)؛ قال النووي ﵀: "وفي هذا الحديث استحباب إرسال البشير بالفتوح ونحوها" (٢). تاسعًا: أهمية التأكيد بالقسم: ظهر أسلوب القسم في هذا الحديث؛ لقول أبي أرطاة ﵁: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب. ولا ريب أن التأكيد بالقسم من الأمور المهمة؛ لتأكيد ما يقوله الإنسان، وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب عند الحاجة (٣). عاشرًا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: ظهر في هذا الحديث أسلوب التكرار، وذلك أن النبي ﷺ برك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات؛ وقد ذكر (٤) ﵀ الحكمة من ذلك، فقال: "قيل: مبالغة واقتصارًا على الوتر؛ لأنه مطلوب، ثم ظهر لي احتمال أن يكون دعا للخيل والرجال أولهما معًا، ثم أراد التأكيد في تكرير الدعاء ثلاثا، فدعا للرجال مرتين أخريين، وللخيل مرتين أخريين؛ ليكمل لكل من الصنفين ثلاثا، فكان مجموع ذلك خمس مرات" (٥). وهذا يدل على أهمية أسلوب التكرار (٦).

стр. 713

الحادي عشر: من معجزات النبي ﷺ : استجابة دعواته: دل هذا الحديث على أن من معجزات النبي ﷺ إجابة دعواته؛ ولهذا دعا النبي ﷺ لجرير بعد أن اشتكى إليه عدم ثبوته على الخيل فضرب صدره وقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» قال الإمام القرطبي ﵀: "فدعا له النبي ﷺ بأكثر مما طلب بالثبوت (١) مطلقا، وبأن يجعله هاديًا لغيره، مهديًّا لنفسه، فكان كل ذلك، وظهر عليه جميع ما دعا له به، وأول ذلك أنه نفر في خمسين ومائة فارس لذي الخلصة فحرقها، وعمل فيها جميلًا لا يعمله خمسة آلاف" (٢) وسمعت العًلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "وفيه علم من أعلام النبوة؛ لأنه ﷺ ضرب صدره فثبت على الراحلة" (٣). وهذا يدل على صدقه ﷺ وأنه عبد الله ورسوله (٤). الثاني عشر: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لأن جرير بن عبد الله ﵁ عندما قدم إلى اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك، فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: "لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك، فكسرها وشهد. . . ". وهذا يبين أهمية أسلوب الترهيب في الدعوة إلى الله . (٥). الثالث عشر: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن من الصفات الحميدة الحكيمة؛ مراعاة أحوال المدعوين؛ ولهذا ما حجب النبي ﷺ جرير بن عبد الله منذ أسلم، والمقصود أنه ﷺ عندما يعلم استئذان جرير يترك كل شيء ويأذن له فورًا، مبادرًا لذلك،

стр. 714

مبالغة في إكرامه (١) قال الإمام القرطبي على قول جرير ﵁: "ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت": "ولا يفهم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبي ﷺ بيته من غير إذن، فإن ذلك لا يصلح؛ لحرمة بيت النبي ﷺ ؛ ولما يفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز من عورات البيوت" (٢). وهذا يدل على أن النبي ﷺ راعى حال جرير بن عبد الله ﵁؛ لمكانته في قومه، فلم يحجبه ويمنعه من الدخول عليه كما يحجب بعض الناس في أوقات خاصة بل كان يبادر ﷺ إلى الإذن له بالدخول، وهذا يؤكد على الدعاة مراعاة أحوال المدعوين (٣). الرابع عشر: من صفات الداعية: حسن الخلق: ظهر في هذا الحديث أن حسن الخلق من الصفات العظيمة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا الخلق قال جرير ﵁ عن النبي ﷺ : "ولا رآني إلا تبسم في وجهي" قال الإمام القرطبي ﵀: "هذا منه ﷺ فرح به، وبشاشة للقائه، وإعجاب برؤيته؛ فإنه من كملة الرجال: خَلْقًا وَخُلُقًا" (٤) وقال النووي ﵀: "وفعل ذلك إكرامًا، ولطفًا، وبشاشةً، ففيه استحباب هذا اللطف للوارد، وفيه فضيلة ظاهرة لجرير " (٥) وقال العلامة العيني ﵀: "فيه أن لقاء الناس بالتبسم، وطلاقة الوجه من أخلاق النبوة، وهو مناف للتكبر، وجالب للمودة". (٦) وهذا يؤكد على الداعية التزامه بحسن الخلق (٧). الخامس عشر: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: ظهر في الحديث أن الدقة في نقل الحديث من الصفات الحميدة؛ لأن رسول جرير ﵁ قال للنبي ﷺ عن ذي الخلصة: "ما جئتك حتى تركتها كأنها

стр. 715

جمل أجوف أو أجرب"، فالراوي شك هل قال: أجوف، أو قال: أجرب (١). وهذا يؤكد حرص السلف الصالح على العناية بنقل الحديث (٢). السادس عشر: من وسائل الدعوة: استمالة قلب من له شأن في قومه: إن من الوسائل المهمة في الدعوة إلى الله استمالة قلب من له شأن في قومه؛ ليتألف؛ ولهذا ما رأى النبي ﷺ جرير بن عبد الله ﵁ إلا تبسم في وجهه، قال الإمام الأبي ﵀: "فيه بر أشراف الناس وحسن لقائهم؛ لأنه كان كبير قومه" (٣) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "وهذا يدل على التأليف وتقدير أهل الفضل، ومن كان له شأن في قومه" (٤). وعن عبد الله بن عمر ﵁ يرفعه: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (٥) وعن جابر بن عبد الله ﵁ يرفعه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا أتاه كريم قوم فليكرمه» (٦) وهذا يؤكد أهمية العناية بكبير القوم وإكرامه، تأليفًا له واستمالةً لقلبه؛ لأن له الأثر الكبير في قومه، فإذا وافق على شيء وافقوا عليه أو فعل شيئًا فعلوه. فينبغي العناية بهذه الوسيلة لأهميتها في الدعوة إلى الله . السابع عشر: من وسائل الدعوة: تعليم المجاهدين وتدريبهم استعدادًا للجهاد: ظهر في هذا الحديث أن من الوسائل المهمة في الدعوة إلى الله تعليم المجاهدين وتدريبهم على وسائل الجهاد؛ وقد اعتنى النبي ﷺ بذلك فدعا لجرير بن

стр. 716

عبد الله أن يثبت على الخيل فقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي الحديث. . . فضل ركوب الخيل في الحرب" (١) وقال العلامة العيني ﵀: "وفيه فضل الفروسية، وأحكام ركوب الخيل؛ فإن ذلك مما ينبغي أن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس" (٢). فينبغي العناية بهذه الوسيلة عناية خاصة؛ لأهميتها في الدعوة إلى الله (٣). الثامن عشر: أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه: ظهر في هذا الحديث أن جرير بن عبد الله ﵁ شكا إلى النبي ﷺ أنه لا يثبت على الخيل، فدعا له النبي ﷺ ، فما سقط عنها قط، وهذا يؤكد أهمية السؤال؛ فإنه استفاد من هذا السؤال استفادة عظيمة فثبت على الخيل بدعوة النبي ﷺ (٤).

стр. 717

١٥٥ - بَابُ قَتْلِ النَّائِمِ المُشْرِكِ [حديث بعث الرسول ﷺ رهطا من الأنصار إلى أبي رافع] ١٢٣ - [٣٠٢٢] حدثنا علي بن مسلم: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: حدثني أبي، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب (١) ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ رهطا من الأنصار إلى أبي رافع؛ ليقتلوه، فانطلق رجل منهم فدخل حصنهم، قال: فدخلت في مربط دواب لهم، قال: وأغلقوا باب الحصن، ثم إنهم فقدوا حمارًا لهم فخرجوا يطلبونه، فخرجت فيمن خرج أريهم أنني أطلبه معهم، فوجدوا الحمار، فدخلوا ودخلت، وأغلقوا باب الحصن ليلًا، فوضعوا المفاتيح في كوة حيث أراها، فلما ناموا أخذت المفاتيح ففتحت باب الحصن، ثم دخلت عليه فقلت: يا أبا رافع، فأجابني، فتعمدت الصوت فضربته، فصاح، فخرجت، ثم جئت ثم رجعت كأني مغيث، فقلت يا أبا رافع -وغيرت صوتي- فقال: ما لك لأمك الويل، قلت: ما شأنك؟ قال: لا أدري من دخل علي فضربني، قال: فوضعت سيفي في بطنه، ثم تحاملت عليه حتى قرع العظم، ثم خرجت وأنا دهش، فأتيت سلما لهم لأنزل منه فوقعت، فوثئت رجلي، فخرجت إلى أصحابي فقلت: ما أنا ببارح، حتى أسمع الناعية، فما برحت حتى سمعت نعايا أبي رافع تاجر أهل الحجاز. قال: فقمت وما بي قلبة، حتى أتينا النبي ﷺ فأخبرناه» (٢). وفي رواية: «بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار فأمر عليهم عبد الله بن عتيك (٣) وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس

стр. 718

بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجةً، وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتخت بابا أغلقت علي من داخل قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ فقلت: أبا رافع، فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربةً بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئًا، وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل إن رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال فأضربه ضربةً أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجاء فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال لي: "ابسط رجلك" فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط». (١). وفي رواية: «بعث رسول الله ﷺ إلى أبى رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم فانطلقوا حتى دنوا من الحصن فقال لهم عبد الله بن عتيك:

стр. 719

امكثوا أنتم حتى أنطلق فأنظر قال: فتلطفت أن أدخل الحصن ففقدوا حمارًا لهم، قال: فخرجوا بقبس يطلبونه قال: فخشيت أن أعرف فغطيت رأسي ورجلي كأني أقضي حاجةً، ثم نادى صاحب الباب من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركةً خرجت قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته ففتحت به باب الحصن، قال: قلت إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل؟ فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئًا؟ قال: ثم جئت كأني أغيثه فقلت: ما لك يا أبا رافع؟ وغيرت صوتي، فقال: ألا أعجبك لأمك الويل؟ دخل علي رجل فضربني بالسيف، قال: فعمدت له أيضًا فأضربه أخرى فلم تغن شيئًا فصاح وقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه أنكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت لهم: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع، قال: فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته». (١). *شرح غريب الحديث: * " الرهط " الجماعة من الناس دون العشرة (٢).

стр. 720

* " الكوة " ثقب في جدار البيت أو الثقبة النافذة في الحائط (١). * " فوثئت " فوثئت رجلي: أصابها وهن وألم دون الخلع والكسر (٢). * " الناعية " أي النائحة، والنعاة: المخبرون بموت من مات. (٣). * " قلبة " ما به قلبة: أي ليست به علة يقلب بها فينظر إليه (٤). * " سرحهم " السرح، والسارحة، والسارح سواء: الماشية (٥). * " الأقاليد " المفاتيح (٦). * " الأغاليق " هي المفاتيح واحدها إغليق (٧). * " علالي " الغرفة في الطبقة الثانية من الدار وما فوقها (٨). * " أثخنته " أي بالغت فيه يقال: أثخنته الجراحة: أي بالغت فيه (٩). * " ظبة " وضعت ظبة السيف في بطنه: أي طرف السيف (١٠). * " النجاء " مصدر منصوب: أي انجوا النجاء، تكراره للتأكيد: النجاء، النجاء: أي انجوا بأنفسكم، والنجاء: السرعة: يقال: نجا ينجو نجاءً إذا أسرع (١١). * " نذروا بي أي علموا بي (١٢). * " دهش " يقال: دهش ودهش: إذا بهت، وأنا داهش: أي باهت (١٣).

стр. 721

* " أحجل " يحجل في مشيه إذا قارب الخطو، والحجل أن يرفع رجلًا ويقفز على الأخرى (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث. ٢ - من صفات الداعية: الفطنة والذكاء. ٣ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٤ - من وسائل الدعوة: قتل الإمام كل من آذى الله ورسوله. ٥ - الابتلاء والامتحان لأولياء الله . ٦ - الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. ٧ - أهمية الحرص على الأخذ باليقين في الأمور كلها. ٨ - من صفات الداعية: إثبات النعم لله والثناء عليه بها. ٩ - من معجزات رسول الله ﷺ : شفاء المرضى بإذن الله . ١٠ - أهمية البشارة في الدعوة إلى الله . والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث: لا ريب أن بعث البعوث للدعوة والجهاد من أهم وسائل الدعوة إلى الله ؛ ولهذا اعتنى النبي ﷺ ببعث البعوث ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث: «بعث رسول الله ﷺ رهطًا من الأنصار إلى أبي رافع؛ ليقتلوه». فينبغي العناية بهذه الوسيلة؛ لأهميتها في الدعوة إلى الله (٢). ثانيًا: من صفات الداعية: الفطنة والذكاء: ظهر في هذا الحديث أهمية الفطنة والذكاء، وأن الداعية ينبغي له أن يتصف

стр. 722

بهذه الصفة الحميدة؛ ولهذه الصفة عمل عبد الله بن عتيك ﵁ أمورًا تدل على ذكائه وفطنته: منها: دخوله في مربط الدواب؛ ليتمكن من دخول الحصن، وخروجه مع من يخرج يبحث معهم عن الحمار؛ ليظهر لهم أنه يطلبه معهم، وانتباهه لمكان المفاتيح؛ ليتمكن من قبضها، وتقنعه بثوبه كأنه يقضي حاجته حتى لا يفطن له، وأخذه المفاتيح وإغلاقه أبواب بيوتهم عليهم من ظاهر وإغلاقه الأبواب على نفسه من داخل حتى لا يستطيعوا الوصول إليه إذا علموا به، ونداؤه لأبي رافع عندما لم يستطع الحصول على مكانه في البيت المظلم، وتغييره لصوته ونداؤه مرة أخرى لأبي رافع؛ ليعرف مكانه ثم يجهز عليه فيتحقق من قتله، وهذه أمور تدل على ذكاء عبد الله بن عتيك وفطنته ﵁. فينبغي للداعية أن يكون ذكيا فطنًا منتبها. والله المستعان (١). ثالثًا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهرت صفة الشجاعة في هذا الحديث من فعل عبد الله بن عتيك ﵁، لأنه عمل أعمالًا تدل على شجاعته وقوة قلبه وعقله؛ حيث دخل في حصن أبي رافع بن أبي الحقيق، وكان متسترًا في تلك الجموع الكثيرة: من الحراس، والضيوف وغيرهم، فتجسس على هذا الطاغية حتى قتله؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي هذا الحديث جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر (٢) وجواز التجسس على أهل الحرب وتطلب غرتهم، والأخذ بالشدة في محاربة المشركين، وجواز إبهام القول للمصلحة. . . " (٣). فينبغي للداعية أن يكون شجاعًا عقليًّا وقلبيًّا في أموره كلها، والله الموفق (٤). رابعًا: من وسائل الدعوة: قتل الإمام كل من آذى الله ورسوله ﷺ : دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة قتل كل من صدر منه أذىً لله أو

стр. 723

لرسوله ﷺ ؛ ولهذا «بعث رسول الله ﷺ رهطًا إلى أبي رافع ليقتلوه»؛ لأنه كان يؤذي رسول الله ﷺ ، ويعاديه، ويؤلب عليه الناس (١)؛ قال ابن حجر ﵀: "وفي الحديث من الفوائد جواز. . . قتل من أعان على رسول الله ﷺ : بيده، أو ماله، أو لسانه" (٢) وهذا يؤكد أهمية قتل من آذى الله ورسوله ﷺ . (٣) وهو من أهم وسائل الدعوة؛ لأنه يزيل العوائق التي في طريقها، وفيه نصرة لله ولرسوله ﷺ ، وكذلك قتل الإمام للمرتدين بعد استتابتهم، وإقامة القصاص في قتل العمد، وتنفيذ الحدود، كل هذه الأمور من الوسائل الدعوية المهمة (٤). خامسًا: الابتلاء والامتحان لأولياء الله : ظهر في هذا الحديث أن من سنة الله أن يبتلي عباده بالسراء والضراء؛ وقد حصل لعبد الله بن عتيك ﵁ من ذلك بعض الابتلاء، فانكسرت ساقه بعد أن قتل صاحب الأذية البالغة لرسول الله ﷺ " أبا رافع: عبد الله بن أبي الحقيق، ويقال: سلام بن أبي الحقيق اليهودي " (٥) وهذا يؤكد على الدعاة إلى الله أن يعلموا أن الله يبتلي عباده بالسراء والضراء، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة (٦). سادسًا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل هذا الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ ولهذا أخذ عبد الله بن عتيك بالأسباب في عدة أمور منها: أنه اختفى من الحرس وأهل الحصن، وعمل بالمكر لهم، وأغلق عليهم الأبواب، وأغلق على نفسه من

стр. 724

الداخل، وعصب رجله عندما انكسرت، وغير ذلك، وهذا يؤكد أهمية الأخذ بالأسباب مع اعتماد القلب على الله وحده (١). سابعًا: أهمية الحرص على الأخذ باليقين في الأمور كلها: إن طرح الشك والأخذ باليقين من أهم القواعد الدعوية التي ينبغي للداعية أن يعمل بها في كل شيء من أمور حياته؛ ولهذه الأهمية عمل عبد الله بن عتيك في هذا الحديث بهذه القاعدة، فعندما ضرب أبا رافع بالسيف شك هل قتله أم لا، فرجع وغير صوته وقال: ما هذا الصوت يا أبا رافع فتأكد أنه لم يمت فوضع ظبة السيف في بطنه حتى سمع صوت العظم، وهذا يدل على رغبة عبد الله ﵁ في اليقين؛ ولهذا أراد أن يزداد يقينه فقال لأصحابه: ما أنا ببارح حتى أسمع الناعية، فبقي حتى صاح الديك فقام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فعندما تيقن ﵁ رجع إلى النبي ﷺ ، وهذا يؤكد أهمية العمل باليقين وطرح الشك (٢). ثامنًا: من صفات الداعية: إثبات النعم لله والثناء عليه بها: لا شك أن من الأدب إثبات النعم لله ونسبتها إليه، والثناء عليه بها؛ لأنه سبحانه الذي أعطى النعم؛ ولهذا قال الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] (٣). وقد ظهرت تلك الصفة في قول عبد الله بن عتيك ﵁: "فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء فقد قتل الله أبا رافع " وهذا يدل على صدقه وإخلاصه لله، وأدبه الكامل؛ لأنه لم يقل: قتلت وإنما قال: قتل الله، فنسب هذه النعمة لله . فينبغي للداعية أن ينسب جميع النعم لله ويثني عليه بها (٤).

стр. 725

تاسعًا: من معجزات الرسول ﷺ : شفاء المرضى بإذن الله : إن من دلائل النبوة الحسية التي تدل على صدق النبي ﷺ ما جعل الله على يد محمد ﷺ من شفاء بعض المرضى، ومن ذلك ما فعله مع عبد الله بن عتيك ﵁ عندما انكسرت ساقه، قال عبد الله بن عتيك ﵁: «فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: "ابسط رجلك" فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط» وقد حصل للنبي ﷺ مثل ذلك في وقائع كثيرة (١). عاشرًا: أهمية البشارة في الدعوة إلى الله : إن البشارة لها أهمية بالغة في الدعوة إلى الله ؛ لما لها من إدخال السرور والفرح المحمود على المسلم؛ ولهذا رغب عبد الله بن عتيك ﵁ في أن يكون هو الذي يبشر رسول الله ﷺ بقتل أبي رافع، فقال لأصحابه: "انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع، قال فقمت أمشي ما بي قلبه فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته". وهذا يدل على رغبة عبد الله ﵁ في أن يكون هو الذي يبشر رسول الله ﷺ ويدخل السرور عليه (٢).

стр. 726

١٥٦ - باب لا تمنوا لقاء العدو [حديث لا تمنوا لقاء العدو] ١٢٤ - [٣٠٢٦] وقال أبو عامر: حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحث على سلوك الأدب. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد. ٣ - من صفات الداعية: الصبر. ٤ - من صفات الداعية: التواضع (٣).

стр. 727

١٥٧ - باب الحرب خدعة [حديث هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده] ١٢٥ - [٣٠٢٧] حدثنا عبد الله بن محمد: حدثنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة (١) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده. وقيصر ليهلكن، ثم لا يكون قيصر بعده. ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله» (٢). [حديث تسمية النبي ﷺ الحرب خدعة] ١٢٦ - [٣٠٢٨]، «وسمى الحرب خدعةً» (٣). وفي رواية: حدثنا أبو بكر بن أصرم: أخبرنا عبد الله: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «سمى النبي ﷺ الحرب خدعة» (٤). وفي رواية: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» (٥). وفي رواية: ". . «والذي نفس محمد بيده». . " (٦). [حديث الحرب خدعة] ١٢٧ - [٣٠٣٠] حدثنا صدقة بن الفضل: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو: سمع جابر بن عبد الله (٧) ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «الحرب خدعة» (٨).

стр. 728

* شرح غريب الأحاديث: * " كسرى " لقب لكل من ملك الفرس (١). * " قيصر " لقب لكل من ملك الروم (٢). * " خدعة " يروى بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال: "خدعة" و "خدعة" وبضم الخاء مع فتح الدال: "خدعة" فالمعنى الأول: أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة، من الخداع، أي أن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم تكن لها إقالة، وهي أفصح الروايات وأصحها. ومعنى الثاني: هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث: أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم ولا تفي لهم، كما يقال: فلان رجل لعبة وضحكة: أي كثير اللعب والضحك (٣). *الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: التحريض على خداع الكفار في الحرب. ٢ - من وظائف الإمام المسلم: التدبير ووضع الخطط والحيل الحربية. ٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على أخذ الحذر والحيطة في الحروب. ٤ - حرص النبي ﷺ على انتصار أمته على أعداء الإسلام. ٥ - من معجزات النبي ﷺ : تحقق وقوع ما أخبر به. ٦ - من أساليب الدعوة: البشارة. ٧ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولًا: من موضوعات الدعوة: التحريض على خداع الكفار في الحرب: إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي العناية بها: التحريض على خداع

стр. 729

الكفار في الحرب؛ لما في ذلك من أسباب النصر وهزيمة الأعداء؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «الحرب خدعة» وفي حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵁ قالت عن النبي ﷺ : "ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث" بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب. ونص قول ابن شهاب: "ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها" (١). وهذا يؤكد العناية بخداع الكفار في الحرب؛ قالي الإمام القرطبي ﵀: ". . . وأما كذبة تنجي ميِّتًا، أو وليًّا، أو أممًا، أو مظلومًا ممن يريد ظلمه، فذلك لا تختلف في وجوبه أمة من الأمم: لا العرب، ولا العجم" (٢) وقال الإمام النووي ﵀: "واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل" (٣). ثانيًا: من وظائف الإمام المسلم: التدبير ووضع الخطط والحيل الحربية: إن من وظائف الإمام التدبير ووضع الخطط؛ لأن الحرب تدبير، واحتيال، وكثيرًا ما كان ﷺ مع اعتماده على الله وتوكله عليه- يجتهد في وضع الخطط العسكرية والحيل الحربية، واستعمال الرأي والمشورة في الحرب (٤)؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «الحرب خدعة» وهذا يدل على أهمية التدبير ووضع الخطط في المعارك؛ للفوز بالنصر وتجنب الزلل؛ ولأن ذلك يشحذ الفكر، ويقوي العزيمة؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل الاحتياج إليه أكبر من الشجاعة" (٥)؛ قال كعب بن مالك ﵁: «ولم يكن

стр. 730

رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى (١) بغيرها. . .» (٢) قال الإمام ابن العربي ﵀: "الخديعة في الحرب تكون بالتورية، وتكون بالكمين (٣) يعده الجيش، وتكون بخلف الوعد، وذلك كذب من المستثنى الجائز من المحرم " (٤). ثالثًا: من موضوعات الدعوة: الحث على أخذ الحذر والحيطة في الحرب: لا شك أن قوله ﷺ : «الحرب خدعة» يحث على أخذ الحذر والحيطة في الحروب القائمة بالجهاد في سبيل الله ، وهذا يؤكد أن النبي ﷺ أعطي جوامع الكلم، فهو يتكلم بالكلمة الواحدة التي تشمل المعاني والفوائد الكثيرة (٥) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد حديث الباب: "فيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار في الحرب، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه" (٦)؛ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٧). وهذا يؤكد على الدعاة إلى الله أن يحضوا المسلمين وخاصة المجاهدين على أخذ الحذر والحيطة، والعمل بأسباب النجاة وعوامل النصر، والله المستعان (٨). رابعًا: حرص النبي ﷺ على انتصار أمته على أعداء الإسلام: دل هذا الحديث على حرص النبي ﷺ على انتصار أمته على أعداء الإسلام؛ لأنه قال ﷺ : «الحرب خدعة» وهذا فيه توجيه منه ﷺ لأمته؛ لتأخذ بأسباب النصر والتمكين وخداع أعداء الدين في المعارك، وقد بين الله حرص النبي ﷺ على ما يعود على أمته بالخير والصلاح فقال : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٩).

стр. 731

فينبغي للداعية أن يكون حريصًا على انتصار أمة الإسلام اقتداء بالنبي ﷺ (١). خامسًا: من معجزات النبي ﷺ : تحقق وقوع ما أخبر به: دل الحديث على معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، تدل على صدقه وأنه رسول الله حقًّا؛ لأنه قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» فقد وقع ذلك كله فافتتح المسلمون بلادهما، واستقرت لهم، واقتسموا كنوزهما (٢) ولا شك أن هذا من أعلام نبوته ﷺ (٣). سادسًا: من أساليب الدعوة: البشارة: بشر النبي ﷺ المسلمين بأن ملك كسرى وقيصر سيزول، وأن كنوزهما ستنفق في سبيل الله ، ووقعت البشارة وتحققت للمسلمين والحمد لله (٤) وهذا يؤكد على أهمية البشارة وأنها من الأساليب النافعة في الدعوة إلى الله ؛ لما لها من التأثير المباشر في القلوب. فينبغي العناية بهذا الأسلوب عناية فائقة، والله المستعان (٥). سابعًا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: ظهر في هذا الحديث أسلوب التأكيد بالقسم في قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله». وهذا يؤكد أهمية القسم للتأكيد في الأمور المهمة عند الحاجة لذلك كما فعل رسول الله ﷺ (٦). [باب من لا يثبت على الخيل]

стр. 732

١٦٢ - باب من لا يثبت على الخيل [حديث ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي] ١٢٨ - [٣٠٣٥] حدثني محمد بن عبد الله بن نمير: حدثنا ابن إدريس، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير (١) ﵁ قال: «ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (٢). وفي رواية: ". . «ولا رآني إ لا ضحك» (٣). وفي رواية: «ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري وقال: "اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» (٤). *الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ٢ - من صفات الداعية: حسن الخلق. ٣ - من صفات الداعية: التواضع. ٤ - من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء. ٥ - من وسائل الدعوة: استمالة قلب من له شأن في قومه. ٦ - من معجزات النبي ﷺ : استجابة دعواته. ٧ - من وسائل الدعوة: تعليم المجاهدين وتدريبهم استعدادًا للجهاد. ٨ - أهمية سؤال المدعو عما أشكل عليه (٥). [باب ما يكر من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه] [حديث جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد عبد الله بن] جبير

стр. 733

١٦٤ - باب ما يكر من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه قال الله : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] (١). وقال قتادة: الريح الحرب. ١٢٩ - [٣٠٣٩] حدثنا عمرو بن خالد: حدثنا زهير: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب (٢) ﵄ يحدث قال: «جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبد الله بن جبير (٣) فقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم". فهزموهم. قال: فأنا والله رأيت النساء يشددن، قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن. فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: نسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؛ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائةً وسبعين أسيرًا وسبعين قتيلا (٤) فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات. فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات. ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا. فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك.

стр. 734

قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. إنكم ستجدون في القوم مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ. قال النبي ﷺ : "ألا تجيبونه؟ " قالوا: يا رسول الله ما نقول؛ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل". قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ : "ألا تجيبونه؟ " قال: قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» (١). وفي رواية: «جعل النبي ﷺ على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير». . " (٢). وفي رواية: «. . وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة، وأَمَّرَ عليهم عبد الله، وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا. .» (٣). وفي رواية: «. . . وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا» (٤). * شرح غريب الحديث: * " الرجالة " جمع راجل: أي ماش (٥). * " وأوطأناهم " أي غلبناهم وقهرناهم (٦). * " الخلخال " حلية كالسوار تلبسها النساء في أرجلهن (٧).

стр. 735

* " أسوقهن " الساق ما بين الكعب والركبة: جمعه سوق، وسيقان، وأسؤق (١). * " يرتجز " الرجز: بحر من بحور الشعر ونوع من أنواعه، ويسمى قائله راجزًا، كما يسمى. قائل بحور الشعر شاعرًا، وقد قيل لفرس في عهد النبي ﷺ "المرتجز" سمي به لحسن صهيله (٢). * " الحرب سجال " أي تكون مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء، أي تصيبون منا مرة ونصيب منكم أخرى. مأخوذ من السجل: وهو الدلو الذي يستقى به؛ لأن الواردين على الماء لكل واحد منهم سجل: أي لكل واحد منهم نوبة فالسقي بالدلو تكون له بعد صاحبه أو قبله على حسب الاتفاق. (٣). * " مثلة " المثلة: الخروج بالعقوبات عن رسوم الشريعة، يقال: مثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه، أو مذاكيره، أو شيئًا من أطرافه، والاسم: المثلة: فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة (٤). * " هبل " صنم للمشركين كانوا يعبدونه في مكة (٥). * " العزى " صنم لأهل الجاهلية كانوا يحلفون به تعظيمًا له (٦). *الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وظائف الإمام: التخطيط والتدبير في القتال. ٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من معصية النبي ﷺ وبيان خطرها.

стр. 736

٣ - من صفات الداعية: تذكر النعم والاعتراف بالتقصير. ٤ - من أساليب الدعوة: الجدل. ٥ - من سنن الله : ابتلاء الأنبياء وأتباعهم. ٦ - من أصناف المدعوين: المشركون. ٧ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٨ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة أحد. ٩ - خطر حب الدنيا وزينتها على قلب الإنسان. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وظائف الإمام: التخطيط والتدبير في القتال: إن فعل النبي ﷺ يوم أحد يدل على حكمته ومعرفته العظيمة بالتخطيط والتدبير في الحرب؛ ولهذا أمر خمسين من أصحابه الرماة أن يجلسوا في الجبل وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، وأمرهم أن لا يفارقوا مكانهم حتى يرسل إليهم، ولو أراد الله بقاءهم كما أمرهم النبي ﷺ لم تحصل هزيمة المسلمين؛ لأن هؤلاء الرماة سيحمون المجاهدين من التفاف المشركين على الجبل ولكن الله له الحكمة البالغة والحجة الدامغة. وهذا يبين أهمية التخطيط في الحرب. ثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من معصية النبي ﷺ وبيان خطرها: لا ريب أن التحذير من معصية النبي ﷺ من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ لأن معصية الرسول ﷺ من أسباب الخذلان والهزيمة؛ ولهذا عندما خالف الرماة يوم أحد أمره ﷺ هزم المسلمون بسبب تلك المعصية، فقد قال لهم ﷺ : «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» فهزم رسول الله ﷺ وأصحابه المشركين فولوا مدبرين مخذولين، فقال الرماة لأميرهم عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون؛ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتين

стр. 737

الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم فانقلبوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا، فقتل من أصحاب النبي ﷺ سبعون شهيدًا. قال الكرماني ﵀: "صرف وجوههم عقوبة لمعصية رسول الله ﷺ " (١) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "الهزيمة وقعت بسبب مخالفة الرماة" (٢) وقال أيضًا: "وفيه شؤم ارتكاب النهي وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (٣). وأن من آثر دنياه أضر بآخرته ولم تحصل له دنياه" (٤) قال الله عن المخالفة التي وقعت في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣] (٥) وقال ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] (٦). ولا شك أن من أسباب النصر والتمكين في الأرض: طاعة الله ورسوله. فينبغي لكل مسلم أن يحذر معصية الله ورسوله، ويلزم طاعة الله ورسوله؛ فإن هذا من أسباب التوفيق والتسديد والإعانة (٧).

стр. 738

ثالثا: من صفات الداعية: تذكر النعم والاعتراف بالتقصير: ظهر في هذا الحديث أن تذكّر النعم والاعتراف بالتقصير من الصفات الحميدة؛ ولهذا قال البراء ﵁: " فأصابوا منا سبعين وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا " ففي هذا الحديث اعتراف الصحابة ﵃ بالتقصير يوم أحد، وتذكرهم لنعمة الله عليهم يوم بدر، وما منَّ الله به عليهم من النصر والتأييد والإِعانة على عدوِّهم حتى قتلوا منهم سبعين رجلا، وأسروا سبعين؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي هذا الحديث. . . أنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعمة الله ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها " (١) فينبغي للداعية أن يتذكر نعمة الله عليه ويشكره عليها، ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها. رابعا: من أساليب الدعوة: الجدل: لا ريب أن الجدل في اللغة مأخوذ من شدة الفتل، يقال: جدلتُ الحبل أجدله جدلًا إذا شددت فتله، وفتلته فتلا محكما (٢) وهو في الحقيقة: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة، ويقصد به تصحيح كلامه (٣) ويكون في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وإظهار الحق، وإلزام الخصم (٤) وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث عندما دار الجدل بين عمر بن الخطاب ﵁ وأبي سفيان ﵁ في يوم أحد، ومن ذلك قول أبي سفيان: " اعل هبل " فقال عمر: " الله أعلى وأجل " فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم. إلى غير ذلك من جدل عمر ﵁ لأبي سفيان.

стр. 739

فينبغي للداعية أن يستخدم الجدل عند الحاجة إليه، ويقصد بذلك إظهار الحق وإبطال الباطل بالأدلة العقلية والنقلية (١) امتثالًا لأمر الله بذلك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٢). خامسا: من سنن الله : ابتلاء الأنبياء وأتباعهم: إنما حصل للنبي ﷺ يوم أحد من الابتلاء والامتحان ما هو إلا سنة من سنن الله كما قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٣) وقال عن ابتلاء الصحابة وما أصابهم يوم أحد: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ - وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] (٤). وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول في ذكره لبعض فوائد حديث البراء ﵁: " وهذا ابتلاء وامتحان، فلو كان المسلمون لا يصيبهم شيء ما بقي على الكفر أحد، فهو سبحانه يبتلي هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ولكن العاقبة تكون للمتقين " (٥)؛ قال الله :

стр. 740

﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ - وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ - أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤٢] (١) وقال : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (٢) ولا شك أن الصحابة ﵃ استفادوا من هذا الابتلاء والامتحان، فلم يعودوا إلى مثل ما فعلوه في معركة أحد؛ وبالغوا في طاعة رسول الله ﷺ ، وأخذوا الحذر من عدوِّهم، وعرفوا المنافقين من الصادقين ﵃ (٣)؛ ولهذا مدحهمِ الله فقال: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ - الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤] (٤). وذلك أن النبي ﷺ عندما رجع من أحد إلى المدينة أمر من حضر الجهاد في أحد أن يخرجوا معه على ما بهم من الجراح فاستجابوا لله ورسوله ووصلوا إلى حمراء الأسد، وجاءهم الخبر بأن أبا سفيان قد جمع لهم جموع الناس " فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " (٥) وهذا يدل على صبرهم ﵃ الكامل على الابتلاء، ويدل على كمال إيمانهم ﵃ (٦). سادسا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين: المشركون؛ لأن النبي ﷺ دعاهم إلى الله، وقاتلهم؛ لعدم استجابتهم لله وعدم دخولهم في الإِسلام،
следующие страницы →