٣ - من صفات الداعية: تذكر النعم والاعتراف بالتقصير.
٤ - من أساليب الدعوة: الجدل.
٥ - من سنن الله : ابتلاء الأنبياء وأتباعهم.
٦ - من أصناف المدعوين: المشركون.
٧ - من أساليب الدعوة: الترهيب.
٨ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة أحد.
٩ - خطر حب الدنيا وزينتها على قلب الإنسان.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من وظائف الإمام: التخطيط والتدبير في القتال: إن فعل النبي ﷺ يوم أحد يدل على حكمته ومعرفته العظيمة بالتخطيط والتدبير في الحرب؛ ولهذا أمر خمسين من أصحابه الرماة أن يجلسوا في الجبل وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، وأمرهم أن لا يفارقوا مكانهم حتى يرسل إليهم، ولو أراد الله بقاءهم كما أمرهم النبي ﷺ لم تحصل هزيمة المسلمين؛ لأن هؤلاء الرماة سيحمون المجاهدين من التفاف المشركين على الجبل ولكن الله له الحكمة البالغة والحجة الدامغة. وهذا يبين أهمية التخطيط في الحرب.
ثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من معصية النبي ﷺ وبيان خطرها: لا ريب أن التحذير من معصية النبي ﷺ من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ لأن معصية الرسول ﷺ من أسباب الخذلان والهزيمة؛ ولهذا عندما خالف الرماة يوم أحد أمره ﷺ هزم المسلمون بسبب تلك المعصية، فقد قال لهم ﷺ : «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» فهزم رسول الله ﷺ وأصحابه المشركين فولوا مدبرين مخذولين، فقال الرماة لأميرهم عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون؛ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتين
стр. 737
الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم فانقلبوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا، فقتل من أصحاب النبي ﷺ سبعون شهيدًا. قال الكرماني ﵀: "صرف وجوههم عقوبة لمعصية رسول الله ﷺ " (١) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "الهزيمة وقعت بسبب مخالفة الرماة" (٢) وقال أيضًا: "وفيه شؤم ارتكاب النهي وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (٣).
وأن من آثر دنياه أضر بآخرته ولم تحصل له دنياه" (٤) قال الله عن المخالفة التي وقعت في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣] (٥) وقال ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] (٦).
ولا شك أن من أسباب النصر والتمكين في الأرض: طاعة الله ورسوله.
فينبغي لكل مسلم أن يحذر معصية الله ورسوله، ويلزم طاعة الله ورسوله؛ فإن هذا من أسباب التوفيق والتسديد والإعانة (٧).
стр. 738
ثالثا: من صفات الداعية: تذكر النعم والاعتراف بالتقصير: ظهر في هذا الحديث أن تذكّر النعم والاعتراف بالتقصير من الصفات الحميدة؛ ولهذا قال البراء ﵁: " فأصابوا منا سبعين وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا " ففي هذا الحديث اعتراف الصحابة ﵃ بالتقصير يوم أحد، وتذكرهم لنعمة الله عليهم يوم بدر، وما منَّ الله به عليهم من النصر والتأييد والإِعانة على عدوِّهم حتى قتلوا منهم سبعين رجلا، وأسروا سبعين؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي هذا الحديث. . . أنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعمة الله ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها " (١) فينبغي للداعية أن يتذكر نعمة الله عليه ويشكره عليها، ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها.
رابعا: من أساليب الدعوة: الجدل: لا ريب أن الجدل في اللغة مأخوذ من شدة الفتل، يقال: جدلتُ الحبل أجدله جدلًا إذا شددت فتله، وفتلته فتلا محكما (٢) وهو في الحقيقة: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة، ويقصد به تصحيح كلامه (٣) ويكون في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وإظهار الحق، وإلزام الخصم (٤) وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث عندما دار الجدل بين عمر بن الخطاب ﵁ وأبي سفيان ﵁ في يوم أحد، ومن ذلك قول أبي سفيان: " اعل هبل " فقال عمر: " الله أعلى وأجل " فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم. إلى غير ذلك من جدل عمر ﵁ لأبي سفيان.
стр. 739
فينبغي للداعية أن يستخدم الجدل عند الحاجة إليه، ويقصد بذلك إظهار الحق وإبطال الباطل بالأدلة العقلية والنقلية (١) امتثالًا لأمر الله بذلك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٢).
خامسا: من سنن الله : ابتلاء الأنبياء وأتباعهم: إنما حصل للنبي ﷺ يوم أحد من الابتلاء والامتحان ما هو إلا سنة من سنن الله كما قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] (٣) وقال عن ابتلاء الصحابة وما أصابهم يوم أحد: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ - وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] (٤).
وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول في ذكره لبعض فوائد حديث البراء ﵁: " وهذا ابتلاء وامتحان، فلو كان المسلمون لا يصيبهم شيء ما بقي على الكفر أحد، فهو سبحانه يبتلي هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ولكن العاقبة تكون للمتقين " (٥)؛ قال الله :
стр. 740
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ - وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ - أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤٢] (١) وقال : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] (٢) ولا شك أن الصحابة ﵃ استفادوا من هذا الابتلاء والامتحان، فلم يعودوا إلى مثل ما فعلوه في معركة أحد؛ وبالغوا في طاعة رسول الله ﷺ ، وأخذوا الحذر من عدوِّهم، وعرفوا المنافقين من الصادقين ﵃ (٣)؛ ولهذا مدحهمِ الله فقال: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ - الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤] (٤).
وذلك أن النبي ﷺ عندما رجع من أحد إلى المدينة أمر من حضر الجهاد في أحد أن يخرجوا معه على ما بهم من الجراح فاستجابوا لله ورسوله ووصلوا إلى حمراء الأسد، وجاءهم الخبر بأن أبا سفيان قد جمع لهم جموع الناس " فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " (٥) وهذا يدل على صبرهم ﵃ الكامل على الابتلاء، ويدل على كمال إيمانهم ﵃ (٦).
سادسا: من أصناف المدعوين: المشركون: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين: المشركون؛ لأن النبي ﷺ دعاهم إلى الله، وقاتلهم؛ لعدم استجابتهم لله وعدم دخولهم في الإِسلام،
стр. 741
ولا شك أن دعوة المشركين لها أساليب ومناهج بينها الله في كتابه وبينها رسول الله ﷺ بسيرته وسنته. فينبغي السير على ضوئها، والله المستعان (١).
سابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: ظهر أسلوب الترهيب في هذا الحديث في قول عمر بن الخطاب ﵁ لأبي سفيان: " كذبت والله يا عدوّ الله إن الذين عددت لأحياءٌ كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك " وهذا فيه تخويف للأعداء، وإظهار للقوة، وأن أصحاب النبي ﷺ الذين عدهم أبو سفيان لا يزالون على قيد الحياة وهم مستعدون لقتال أعداء الله؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي هذا الحديث منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ ، وخصوصيتهما به حيث كان أعداؤه لا يعرفون بذلك غيرهما إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما " (٢) فرد عليه عمر ﵁، ليدخل الرعب في قلبه ويخوفه، وهذا أسلوب من أساليب الدعوة.
فينبغي للداعية أن يعتني بأسلوب الترهيب عند الحاجة إليه (٣).
ثامنا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة أحد: لا شك أن من تاريخ الدعوة ذكر غزوة أحد وزمنها؛ لقول البراء بن عازب ﵁: " جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير "، وقد كانت في شوال من السنة الثالثة للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة، وأتم التسليم (٤).
تاسعا: خطر حب الدنيا وزينتها على قلب الإِنسان: إن الحرص على الدنيا وزينتها من أخطر الأشياء على قلوب البشر، وقد ظهر هذا الحرص في قلوب بعض أصحاب عبد الله بن جبير ﵁، حيث خالفوا
стр. 742
أمر النبي ﷺ وهو قوله لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»، فهزم الرسول ﷺ والمسلمون المشركين، فقال أصحاب الجبل " الرماة ": الغنيمة الغنيمة، ونزلوا من الجبل فَهُزِمَ المسلمون بسبب حب الدنيا وزينتها، قال الله : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (١).
فينبغي لكل مسلم أن يحذر من الحرص على حب الدنيا وزينتها؛ فإنها زائلة وفانية، قال الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠] (٢) والله المستعان (٣).
* " لقاح " اللَّقاح من النوق: الحوامل، واحدها: لَقُوح ولواقح. وقيل: اللّوَاقح: الحَوَامِل، واللِّقاح: ذوات الألبان (١).
* " اليوم يوم الرضع " أي: هذا يوم هلاك اللئام، والرضع جمع راضع: وهو اللئيم، وسُمِّي به؛ لأنه لِلُؤمِهِ يرضع إبله أو غنمه ليلا؛ لئلا يسمع صوت حلبه. (٢).
وقيل صنع ذلك؛ لئلا يتبدَّد من اللبن شيء إذا حلب في الإِناء (٣) وقيل: هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه (٤) * " ما بين لابتيها " أي ما بين جانبيها، واللاَّبة: الحرة، وهي حجارة سود قد أحاطت بالمدينة (٥).
* " ملكت فأسْجحْ " أي قدرْتَ فسهِّل الأمر وأحسن العفو، وَهُوَ مَثَلٌ سائر. والسُّجُح: السَّهلة، والسَّجحاء: تأَنيث الأسجح: وهو السَّهْل (٦)
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: الصوت الجهوري.
٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.
٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على العفو والرفق وتسهيل الأمور.
٤ - من أساليب الدعوة: تعريف الداعية بنفسه عند الحاجة.
٥ - من أساليب الدعوة: الرجز.
стр. 745
٦ - من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة: أنا ابن فلان.
٧ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.
٨ - من أساليب الدعوة: التأليف بالثناء عند أمْنِ الفتنة.
٩ - من وسائل الدعوة: الإِعداد للجهاد بالتدريب على الرمي وغيره.
١٠ - من معجزات الرسول ﷺ : الإِخبار بالمغيبات.
١١ - من صفات الداعية: التواضع.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآَتي:
أولا: من صفات الداعية: الصوت الجهوري: إن الصوت الجهوري من الصفات التي يُفَضَّلُ أن يتصف بها الداعية؛ لأن ذلك يُسمع الناس ما يقوله الداعية؛ ولهذا كان النبي ﷺ يرفع صوته في الخطب حتى كأنه منذر جيش (١) وقد دل هذا الحديث على رفع الصوت في إنذار الناس والمبالغة في إيصال الكلام إليهم؛ ولهذا قال سلمة بن الأكوع ﵁: " فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها: يا صباحاه، يا صباحاه " قال الحافظ ابن حجر ﵀: " فيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن يكون ذلك من خوارق العادات " (٢) وقال الإمام القرطبي ﵁ على رفع سلمة صوته بقوله: يا صباحاه: " معناه هنا؛ الإِعلام بهذا الأمر المهم، الذي قد دهمهم في الصباح " (٣) وقال الإمام الكرماني ﵀: " يا صباحاه: هو منادى مستغاث، والألف للاستغاثة، والهاء للسكت، وكأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح: أي وقت الغارة، وحاصله أنها كلمة يقولها المستغيث " (٤) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وكانت عادتهم يغيرون وقت الصباح، فكأنه قال: تأهبوا لما دهمكم صباحا" (٥).
стр. 746
ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث شجاعة سلمة بن الأكوع ﵁، لقوله ﵁: «ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذْوا يستقون الماء، فجعلت أرميهم بنبلي - وكنت راميا- وأقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع، وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة» وهذا يدل على الشجاعة العظيمة؛ ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر ﵀: أن سلمة ﵁ كان مثل الأسد إذا حملت عليه الخيل فرَّ، ثم عارضهم فنضحها عنه بالنبل (١).
فينبغي للداعية أن يكون شجاعا: عقليا وقلبيّا، وهذا من أعظم الصفات الحميدة (٢).
ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على العفو والرفق وتسهيل الأمور: إن الرفق، والعفو، ومعاملة الناس بالأسهل والأحسن من الموضوعات التي ينبغي للدعاة حث الناس عليها وترغيبهم في التعامل بها مع الناس؛ ولهذا قال النبي ﷺ لسلمة في هذا الحديث: " ملكت فأسْجِحْ " أي قدرت فسهِّل الأمر، وأحسن العفو، وارفق ولا تأخذ بالشدة (٣).
وهذا يؤكد الحض على تعليم الناس الأخذ بالتيسير وترك التعسير، والله المستعان (٤).
رابعا: من أساليب الدعوة: تعريف الداعية بنفسه عند الحاجة: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة: تعريف الإِنسان بنفسه عند الحاجة لذلك مع القصد الحسن والنية الصالحة؛ ولهذا قال سلمة بن الأكوع ﵁: " أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع ". قال الإمام النووي ﵀: " فيه جواز مثل هذا الكلام في القتال، وتعريف الإِنسان بنفسه إذا كان شجاعا، ليرعب خصمه " (٥).
стр. 747
وهذا يؤكد للسامع أهمية تعريف الداعية بنفسه عند الحاجة وتخويف الأعداء " (١).
خامسا: من أساليب الدعوة: الرجز: لا ريب أن من أساليب الدعوة: قول الرجز المحمود؛ ولهذا ارتجز سلمة ﵁ في هذا الحديث بقوله: " أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع " ويكون ذلك عند الحاجة إلى الرجز مع بعض المدعوين على حسب الحاجة والمصلحة (٢).
سادسا: من أساليب الدعوة: قول الداعية عند الحاجة: أنا ابن فلان: إن قول الداعية والمجاهد في سبيل الله عند الحاجة: أنا فلان، أو أنا ابن فلان من أساليب الدعوة، إذا كان في ذلك مصلحة واضحة؛ ولهذا قال سلمة: " أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع ". قال الإمام الكرماني ﵀: " وفيه جواز. . . قولهم: أنا ابن فلان في الحرب، إذا كان شجاعا؛ لتخويف الخصم " (٣).
وهذا فيه تأكيد لأهمية هذا الأسلوب عند الحاجة (٤).
سابعا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: إن أسلوب التأكيد بالتكرار من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ؛ لما له من تثبيت المعاني وتفهيم الكلام؛ ولهذا قال سلمة ﵁: " فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، أسمعت ما بين لابتيها ". قال الإمام النووي ﵀: " فيه جواز مثله للإِنذار بالعدوِّ" (٥) وهذا يؤكد أهمية تكرير الكلام عند الحاجة للتأكيد وتثبيت المعاني، والله المستعان (٦).
стр. 748
ثامنا: من أساليب الدعوة: التأليف بالثناء عند أَمْنِ الفتنة: لا شك أن من أساليب الدعوة: التأليف بالثناء على المدعو أو غيره، وذكر بعض ما فيه من الفضائل؛ ليستزيد من الخير ويثبت عليه، بشرط أن لا يدخل عليه العجب فيفتتن بذلك، وقد أثنى رسول الله ﷺ على سلمة ﵁ بقوله: " ملكت فأسجح " والمعنى: قدرت فسهِّل وأحسن العفو (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث. . . استحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة، ولا سيما عند الصنع الجميل؛ ليستزيد من ذلك، ومحلّهُ حيثُ يؤمَنُ الافتتان " (٢).
فينبغي مراعاة أحوال المدعوين في الثناء، فإن كان ينفع أثنى عليهم، وإن كان يجلب عجبا ترك (٣).
تاسعا: من وسائل الدعوة: الإعداد للجهاد بالتدريب على الرمي وغيره: ظهر في الحديث أهمية الرمي؛ لقول سلمة ﵁: " فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميا " ولا زال ﵁ يستخدم الرمي حتى استنقذ لقاح النبي ﷺ ؛ قال العلامة العيني ﵀ في ذكره لبعض فوائد هذا الحديث: " وفيه فضيلة الرمي، على ما لا يخفى" (٤).
وهذا يؤكد أهمية تعلم الرمي وتعليمه إعدادا للجهاد في سبيل الله (٥).
عاشرا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالمغيبات: دل هذا الحديث على عَلَمٍ من أعلام النبوة؛ لقوله ﷺ لسلمة ﵁: " إن القوم يقرون في قومهم " والمقصود أنهم وصلوا إلى غطفان، وهم يضيفونهم فلا حاجة في الحال إلى البعث في الأثر؛ لأنهم لحقوا بأصحابهم (٦) وهذا
стр. 749
إعلام منه ﷺ بأمر لم يشاهده الصحابة ولم يشاهده هو، بل أمر غيبيٌّ؛ قال الإمام النووي ﵀: " وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ " (١).
وهذا يؤكد على صدق نبوته ﷺ صدقا يقينا محققا (٢).
الحادي عشر: من صفات الداعية: التواضع: ظهر في هذا الحديث صفة التواضع؛ لأن سلمة ﵁ قال: «ثم رجعنا ويردفني رسول الله على ناقته حتى دخلنا المدينة» وهذا فيه تواضع النبي ﷺ حيث أردف سلمة بن الأكوع على ناقته؛ لأن الكبراء والوجهاء لا يردفون على دوابهم؛ لتعاظمهم في الغالب، فخالفهم رسول الله ﷺ تواضعا وعطفا ورحمة (٣).
стр. 750
[باب إذا نزل العدو على حكم رجل]
[حديث حكم سعد في بني قريظة]
١٣١ - [٣٠٤٣] حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم وعن أبي أمامة هو ابن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري (١) ﵁ قال: «لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد (٢) بعث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وكان قريبا منه - فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله ﷺ : " قوموا إلى سيدكم "، فجاء فجلس إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: " إن هؤلاء نزلوا على حكمك ". قال فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية، قال: " لقد حكمت فيهم بحكم الملك» (٣).
وفي رواية: «نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي ﷺ إلى
стр. 751
سَعْدٍ فَأَتَى عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسْجدِ قَالَ لِلأنصَارِ: " قُومُوا إِلى سَيِّدِكُم أَوْ خَيْرِكُمْ - فَقَالَ: هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ " فَقَالَ: تُقْتَلُ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَاريهمْ قَالَ: " قَضَيْتَ بِحُكْم الله "، وَرُبَّمَا قَالَ: " بِحُكْم المَلِكِ» (١).
* شرح غريب الحديث: * - " وتُسْبَى ذرَارِيهم " السَّبْي، والسَّبيَّة، والسَّبايا: النهبُ وأخذ الناس عبيدا وإماءً، والسَّبيَّة: المرأة المنهوبة، وجمعها: سبايا، والذرية: النساء والصبيانَ (٢).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية حكم العالم برضى الخصمين.
٢ - من وسائل الدعوة: القيام للمقابلة بالسلام والمصافحة والتهنئة.
٣ - من صفات الداعية: التواضع.
٤ - من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه.
٥ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.
٦ - من أصناف المدعوين: اليهود.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية حكم العالم برضى الخصمين: لا شك أن حكم العالم برضى الخصمين له أهمية بالغة؛ لما يفصل وينهي من المنازعات، والأصل في ذلك قصة سعد بن معاذ مع بني قريظة حينما نزلوا على حكمه فأرسل إليه النبي ﷺ ، وعندما وصل قال ﷺ له: " إن هؤلاء نزلوا على حكمك " فقال ﵁: فإنِّي أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية. فقال النبي
стр. 752
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لقد حكمّت فيهم بحكم المَلِكِ ". قال الحافظ ابن حجر ﵀: " يستفاد منه لزوم حكم المحكم برضى الخصمين " (١) وقال العلامة العيني ﵀: " فيه لزوم حكم المحكم برضى الخصمين، سواء كان في أمور الحرب أو غيرها، وهو رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي ﵁ " (٢) وقد تكلم الإمام النووي ﵀ كلاما جامعا قال فيه: " فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين، وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، فإنهم أنكروا على عليٍّ التحكيم، وأقام الحجة عليهم، وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم، عدل، صالح للحكم، أمين على هذا الأمر، وعليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين، وإذا حكم بشيء لزم حكمه، ولا يجوز للإِمام ولا لهم الرجوع عنه، ولهم الرجوع قبل الحكم، والله أعلم " (٣) وحاصل ذلك أن الإمام إذا وافق على التحكيم لحَكَمٍ من أهل العلم والفقه، والديانة، فحكم بما فيه مصلحة المسلمين: من قتل، أو سباء، أو إقرار على الجزية، أو إجلاء، نفذ حكمه إذا لم يكن فيه مخالفة للشرع بأي وجه من الوجوه (٤).
ثانيا: من وسائل الدعوة: القيام للمقابلة بالسلام والمصافحة أو التهنئة: ظهر في هذا الحديث أن القيام للقادم لمقابلته بالسلام والمصافحة أو التهنئة، أو إجلاسه في مكانه، أو إنزاله من على دابته إذا كان مريضا من وسائل الدعوة؛ قال النبي ﷺ في هذا الحديث: " قوموا إلى سيدكم " وقد كان ﷺ يقوم للمقابلة بالسلام لبعض أصحابه عند القدوم عليه (٥) ومن ذلك حديث عائشة ﵂
стр. 753
قالت: «ما رأيت أحدا أشبه سمتا، ودلّا (١) وهديا برسول الله ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله ﷺ » قالت: «وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجَلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها» (٢) ومن ذلك ما فعله طلحة بن عبيد الله ﵁ بحضرة رسول الله ﷺ حينما قام إلى كعب بن مالك ﵁ قال كعب: «فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وَهَنَّاني» (٣).
وهذا كله يدل على أهمية المقابلة بالسلام، والتهنئة، والمعانقة، للقادم من السفر، والمصافحة عند المقابلة، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» (٤) وعن سلمان الفارسي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذُنُوبُهُمَا، كما تتحات الورق من الشجرة اليابسة في يومِ ريحٍ عاصفٍ، وإلا غُفِرَ لَهُمَا ولو كانت ذنوبهما مِثْلَ زبَدِ البحر» (٥) وعن أنس ﵁ قال عن أصحاب النبي ﷺ : «كانوا إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا» (٦).
стр. 754
وما تقدم يؤكد أن القيام للقادم - من أجل المقابلة بالسلام والمصافحة أو المعانقة، أو التهنئة، أو إجلاسه في مكان القائم - كل ذلك من وسائل الدعوة. وأما القيام للقادم أو القائم من المجلس بدون سلام ولا مصافحة أو معانقة أو تهنئة؛ أو لإِجلاسه في مجلس القائم فلا يجوز؛ لأن ذلك من فعل العجم لعظمائهم.
ولا ينبغي للمسلم وخاصة الداعية أن يقوم الناس لتعظيمه واحترامه؛ لأن النبي ﷺ كان لا يحب أن يقوم له أحد من أصحابه، فكانوا لا يقومون له، إِلا للسلام والمقابلة، أو إجلاسه مكان أحدهم (١) وقد قال ﷺ : «مَنْ أحبَّ أنْ يُمثَّل له الرجال قياما فليتبوَّأْ مقعده من النار» (٢) ولهذا قال أنس ﵁ عن الصحابة ﵃: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك» (٣).
والخلاصة أن القيام ينقسم إلى ثلاث مراتب: قيام على رأس الرجل وهو جالس وهو فعل الجبابرة، وقيام له عند رؤيته أو عند قيامه من المجلس تعظيما له وهذا متنازع فيه، والصواب عدم جوازه، وقيام إليه عند قدومه لمقابلته بالمصافحة أو المعانقة، أو التهنئة مع المصافحة، أو إجلاسه في مجلس القائم وهذا لا بأس به، بل هو من وسائل الدعوة النافعة (٤) قال الإمام ابن القيم ﵀: " ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه، والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم، والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة العرب، وأحاديث الجواز تدل عليه فقط " (٥).
стр. 755
ولكن إذا كان من عادة الناس إكرام القادم بالقيام، ولو تُرِكَ لاعتقد أن ذلك لترك حقه، أو قصد خفضه، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء، وذلك من باب دفع أعظم المفسدتين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما (١) ولكن ينبغي للداعية أن يقرن القيام بالمقابلة والمصافحة على حسب الاستطاعة، ويعلم الناس السنة بالحكمة والموعظة الحسنة، والله المستعان.
ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: ظهر في هذا الحديث صفة التواضع من عدة وجوهٍ، منها: كون النبي ﷺ وافق على طلب من أراد تحكيم سعد بن معاذ، ولو شاء ﷺ لم يقبل ذلك (٢) ويدل على التواضع قوله ﷺ : " قوموا إلى سيدكم "؛ فإن العظماء لا يحبون أن يقام إلى غيرهم ولا مساعدته، وقوله ﷺ : " قضيت فيهم بحكم الله " وهذا يؤكد تواضعه ﷺ وبيانه للحق وعدم ردِّه. وكذلك ما فعله سعد بن معاذ ﵁، وأنه ركب على حمار، وهذا يبين تواضعه ﵁.
فينبغي للداعية أن يتصف بالتواضع لله (٣).
رابعا: من صفات الداعية: وضع كل شيء في موضعه: إن من صفات الداعية وضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة العظيمة لسعد ﵁؛ ولهذا قال ﷺ : " قضيت فيهم بحكم الملك " وذلك أنه قال ﵁: «فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تُسبى الذرية»، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: " وهذا من توفيق الله لسعد ﵁، فحكم فيهم
стр. 756
بحكم الله، فقتل النبي ﷺ رجالهم البالغين، وسبى ذراريهم ونساءهم " (١).
فينبغي للداعية أن يسأل الله الصواب في الأقوال والأفعال ويحرص على ذلك (٢).
خامسا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: دل هذا الحديث على أن الحرص على الدقة في نقل الحديث من صفات الداعية المخلص؛ ولهذا قال الراوي في نقل كلام النبي ﷺ : " قوموا إلى سيدكم " أو " خيركم ". قال الحافظ ابن حجر ﵀: " الشك فيه من أحد رواته أي اللفظين قال " (٣).
وهذا يؤكد حرص السلف الصالح ﵏ على الدقة في نقل الحديث (٤).
سادسا: من أصناف المدعوين: اليهود دل هذا الحديث على أن اليهود من أصناف المدعوين؛ ولهذا دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، ثم عقد معهم العهد، وعندما نقضوا العهد والميثاق حاصرهم، ووافق على أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، فحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فقال ﷺ : " لقد حكمت فيهم بحكم الملِكِ " وفي لفظ: " قضيت بحكم الله " (٥).
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقتَلُ مُسْلِما ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لله مَصْرَعِي
وَذَلِكَ في ذَاتِ الإِلهِ وَإنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الحَارِثِ فَقَتَلَهُ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صبرا الصَّلاةَ. وَأَخْبَرَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيشٍ إِلَى عَاصِم بْنِ ثابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّه قُتِلَ أَنْ يؤتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ - وَكَانَ قَتَلَ رَجُلا عَظِيما مِنْ عُظَمَائِهمْ - فَبَعَثَ الله لِعَاصِم مِثْلَ الظُّلَّة مِن الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئا»، وقَال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ (١) " ذَكَرُوا مُرَارَةَ بْنَ الرَّبيعِ الْعَمْرِي (٢) وَهِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيَّ (٣) رَجُليْنِ صَالِحيْنِ " (٤).
* شرح غريب الحديث: * " الرهط " الرهط من الناس: العصابة دون العشرة، وقيل إلى الأربعين، ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه. وأصل كلمة من الرهط: وهم عشيرة الرجل وأهله (٥).
* " عينا " العين: الجاسوس، يقال: اعتان له: إذا أتاه بالخبر. (٦).
* " فدفد " الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. (٧).
стр. 760
* " ليستحد بها " الاستحداد: استعمال الحديد في الْحَلْقِ بِهِ، ثم استُعْملَ في حلق العانة (١).
* " قطف " القطف: العنقود، وجمعه قطوف، وهو اسم لكل ما قطف، كالذبح لكل ما ذبح، والطحن لكل ما طحن (٢).
* " صبرا " القتل صبرا: هو أن يمسك شيء من ذوات الأرواح حيّا ثم يُرمَى بشيءٍ حتى يموت (٣).
* " الظُّلَّة " السحاب وكل شيء أظلك فهو ظلة، سواء من السحاب أو الجبال أو غير ذلك. (٤).
* " الدَّبْرُ " هو بسكون الباء: النحل، وقيل: الزنابير، والظلة: السحاب (٥).
* " شلْوٍ ممزع " الشَّلْو: العضو، وممزع: أي مقطع، يقال: يتمزع أي: يتقطع ويتشقق (٦).
* " أحصهم عددا " دعاءٌ عليهم بالهلاك استئصالًا: أي لا تبقِ منهم أحدا (٧).
* " اقتلهم بددا " يروى بكسر الباء، جمع بُدَّة، وهي الحصة والنصيب: أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحد منهم حصته ونصيبه، ويروى بالفتح: أي متفرقين في القتل (٨).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
стр. 761
١ - من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة وبعث البعوث.
٢ - من وسائل الدعوة: تأمير الأمير على السرايا والبعوث، أو الرسل أو المسافرين.
٣ - أهمية أخذ الداعية بالشدة والقوة عند الحاجة أو المصلحة.
٤ - من صفات الداعية: الأمانة.
٥ - من صفات الداعية: قوة اليقين.
٦ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.
٧ - من وسائل الدعوة: إغاظة الأعداء بالامتداح بالشعر وغيره وإظهار القوة.
٨ - من أساليب الدعوة: تخويف الأعداء بالدعاء عليهم بالتعميم عند الحاجة.
٩ - من معجزات الرسول ﷺ : ظهور الكرامات على أيدي أتباعه.
١٠ - من معجزات الرسول ﷺ : الإِخبار بالمغيبات.
١١ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
١٢ - من صفات الداعية: النظافة والاستعداد للقاء الله .
١٣ - استجابة الله للداعية المخلص وإكرامه حيّا وميتا.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولاٌ: من وسائل الدعوة: إرسال الدعاة وبعث البعوث: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة إرسال الدعاة وبعث البعوث؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: «بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط سرية عينا وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري» وقد كان ﷺ يبعث البعوث ويرسل السرايا والرسل والدعاة إلى الله ؛ ليبلغوا الناس الإسلام قولًا وفعلا، وهذا من أعظم الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله (١).
ثانيا: من وسائل الدعوة: تأمير الأمير على السرايا والبعوث أو الرسل والمسافرين: دل هذا الحديث على أهمية تأمير الأمير على السرايا أو البعوث أو الرسل، أو المسافرين إذا كانوا ثلاثة فأكثر؛ لما في ذلك من اجتماع الكلمة والاعتصام بالله
стр. 762
وحده ثم باتحاد الرأي وعدم التفرقة؛ ولهذا أمَّر رسول الله ﷺ عاصم بن ثابت على الرهط الذين بعثهم وفيهم خبيب ﵃، وقد كان ﷺ يقول: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم» (١).
ولا شك أن تأمير الأمير على المسافرين والسرايا والبعوث يكون أجمع لشملهم، وأدعى لاتفاقهم، وأقوى لتحصيل غرضهم (٢).
ثالثا: أهمية أخذ الداعية بالشدة والقوة عند الحاجة أو المصلحة: لا شك أن من الأعمال الجليلة للداعية الأخذ بالقوة والشدة عند الحاجة أو المصلحة الراجحة؛ ولهذا قال عاصم بن ثابت أمير السرية: " أمَّا أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك " فرماه المشركون ومن معه بالنبل حتى قتلوا عاصما وسبعة معه، ونزل إليهم خبيب وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق الظفري بالعهد والميثاق، فلما استمكن المشركون من الثلاثة أوثقوهم، فقال عبد الله بن طارق (٣) " هذا أول الغدر والله لا أصحبكم " فقتلوه ﵁، وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة ﵄. وهذا يؤكد على أهمية الأخذ بالشدة والقوة عند الحاجة أو المصلحة كما أخذ بها عاصم ﵁.
رابعا: من صفات الداعية: الأمانة: ظهر في هذا الحديث أهمية صفة الأمانة للداعية؛ لأن الداعية الصادق لا يغدر، ولا ينقض عهده؛ ولهذه الصفة الكريمة قالت بنت الحارث عن خبيب ﵁: " فأخذ ابنا لي وأنا غافلة حين أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، والله ما رأيت أسيرا قطَّ خيرا من خبيب ".
وهذا يدل على أمانة خبيب؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه
стр. 763
الوفاء للمشركين بالعهد والتورع عن قتل أولادهم " (١) وقال العلامة العيني ﵀: " وفيه أداء الأمانة إلى المشرك وغيره، وفيه التورع من قتل أطفال المشركين رجاء أن يكونوا مؤمنين " (٢).
فينبغي للمؤمن، وخاصة الداعية إلى الله ، أن يلتزم بالعهد، وأداء الأمانة والابتعاد عن الخيانة؛ قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] (٣) وقال : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] (٤) وهذا يؤكد أهمية الأمانة وأنها تشمل القيام بحقوق الله وحقوق عباده، والقيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات على علم وبصيرة، ورغبة فيما عند الله من الثواب وخوفا من عقابه وانتقامه، والله المستعان (٥).
خامسا: من صفات الداعية: قوة اليقين: ظهر في هذا الحديث أن قوة اليقين من صفات الداعية؛ ولهذا قال خبيب ﵁:
فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيِّ جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإِله وإن يشأ ... يُبارك على أوصالِ شِلْوٍ مُمزَّعِ
وهذا يؤكد أهمية قوة اليقين عند الداعية، ويبين مكانة خبيب وقوة يقينه، وقوته في دين الله وثباته عليه ﵁ (٦).
سادسا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: دل الحديث على أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان والاختبار؛ لأن هؤلاء العشرة من الصحابة صبروا على ذلك، فعاصم بن ثابت صبر مع سبعة من
стр. 764
الصحابة ﵃ على مجاهدة الأعداء وعدم النزول على عهد الكفار حتى قتلوا، وخبيب وابن الدثنة وعبد الله بن طارق صبروا على أسر الأعداء وتعذيبهم وقتلهم صبرا؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] (١).
وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " وهذه قدرة الله تعالى؛ ليكون المؤمنون قدوة لغيرهم " (٢) وهذا كله يؤكد أهمية الصبر على الابتلاء واحتساب الثواب عند الله ، والله المستعان (٣).
سابعا: من وسائل الدعوة: إغاظة الأعداء بالامتداح بالشعر وغيره وإظهار القوة: دل هذا الحديث على أهمية إغاظة أعداء الإِسلام بالامتداح بالشعر وغيره مما يغيظهم، وإظهار القوة والشجاعة أمامهم؛ ولهذا قال خبيب ﵁:
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيِّ شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإِله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وهذا فيه إظهار القوة والشجاعة والرغبة فيما عند الله أمام أعداء الإِسلام؛ قال العلامة العيني ﵀: " وفيه الامتداح بالشعر حين ينزل بالمرء هوان في دينٍ، أو ذلة القتل، يرغم بذلك أنف عدوِّه، ويجدِّد في نفسه صبرا وأنفة " (٤).
فينبغي إظهار القوة والنشاط، وعدم المبالاة بالأعداء؛ ليكون ذلك من أسباب إذلال الأعداء وإدخال الرعب في قلوبهم. (٥).
ثامنا: من أساليب الدعوة: تخويف الأعداء بالدعاء عليهم بالتعميم عند الحاجة: ظهر في الحديث أن من أساليب الدعوة الدعاء على المشركين بالتعميم عند إعراضهم وعنادهم واستكبارهم ومحادتهم لله ورسوله، تخويفا لهم،
стр. 765
وإذلالًا، وإهانة، وانتصارا للإِسلام؛ ولهذا قال خبيب ﵁ في دعوته على الكفار: " اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبقِ منهم أحدا " وقد كان النبي ﷺ يسلك طريق الحكمة في الدعاء للمشركين والدعاء عليهم فيعمل الأنسب والأصلح، وسار الصحابة ﵃ على هذا المنهج (١).
تاسعا: من معجزات الرسول ﷺ ظهور الكرامات على أيدي أتباعه: دل هذا الحديث على أن من معجزات النبي محمد ﷺ ظهور الكرامات (٢) على أيدي أتباعه، وقد ظهرت هذه الكرامات على أنواع كثيرة منها ما جاء على يد خبيب، حيث قالت بنت الحارث: " والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر "، وكانت تقول: " إنه لرزق من الله رزقه خبيبا " وهذه الكرامة لخبيب ﵁ تدل على صدق النبي ﷺ وهي معجزة له، ويمكن أن الله جعلها آية للكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته (٣) وقد جزم الإمام ابن تيمية ﵀ أن كرامات الأولياء من معجزات النبي ﷺ ، وأوضح أن الآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ وعموم رسالته نوعان:
(أ) ما صار معلوما بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى ﵉.
(ب) ما هو باقٍ إلى اليوم، كالقرآن الذي هو من أعلام نبوة النبي ﷺ ، وكالعلم والإِيمان الذي في أتباعه؛ فإنه من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها؛ فإنه من أعلام نبوته، وكالآيات التي يظهرها الله وقتا بعد وقت من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، واليد والسنان، والعقوبات
стр. 766
التي تحيق بأعدائه، وصفاته ﷺ الموجودة في كتب الأنبياء قبله، كل هذا وغيره من معجزاته التي تدل على صدق نبوته ﷺ (١).
عاشرا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالمغيبات: دل هذا الحديث على أن من أعلام نبوة محمد ﷺ الإِخبار بالمغيبات؛ ولهذا أخبر ﷺ أصحابه ﵃ بما حدث لعاصم وأصحابه وما أصابهم، وهذا يؤكد صدقه ﷺ وما جعل الله على يديه من الخوارق (٢).
الحادي عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة النافعة؛ لأنه جاء فيه: " فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا "، لأنه قال ﵁ عندما أراد المشركون قتله: " ذروني أركع ركعتين ".
وهذا يؤكد أهمية القدوة الحسنة وما لها من الأثر العظيم (٣).
الثاني عشر: من صفات الداعية: النظافة والاستعداد للقاء الله : دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية النظافة؛ ولهذا استحد خبيب ﵁ عندما أراد المشركون قتله، قال الإمام الكرماني ﵀: " وإنما أراد بالاستحداد التنظف استعدادا للقاء ربه؛ لأن ذلك كان حين فهم إجماعهم على القتل " (٤).
وهذا يؤكد أهمية النظافة والاستعداد للقاء الله (٥).
الثالث عشر: استجابة الله للداعية المخلص وإكرامه حيّا وميِّتا: إن الله يكرم عباده المؤمنين بإجابة دعواتهم وخاصة الدعاة المخلصين
стр. 767
الصادقين؛ ولهذا استجاب الله دعاء عاصم بن ثابت ﵁ حينما لم ينزل في ذمة المشركين حيث قال: " أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك " فاستجاب الله دعاءه فأخبر النبي ﷺ أصحابه خبر عاصم وأصحابه وما أصيبوا. وهذا فيه إكرام لعاصم، وأكرمه الله كرامة أخرى وهو أنه سبحانه حمى لحمه من المشركين ففي هذا الحديث: " وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوِا أنه قُتِلَ ليُؤتوا بشيء منه يُعرف، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر، فبُعِث على عاصم مثل الظلة من الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ من رسولهم فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا " قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيّا وميتا ". (١).
وهذا يؤكد إكرام الله للداعية المخلص حيّا وميتا، والله المستعان وعليه التكلان.
стр. 768
١٧١ - باب فكاك الأسير
فيه عن أبي موسى عن النبي ﷺ .
[حديث فكوا العاني وأطعموا الجائع وعودوا المريض]
١٣٣ - [٣٠٤٦] حَدَّثَنَا قُتَيبةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائلٍ، عَنْ أِبِي مُوسَى (١) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «فكُّوا الْعَانِيَ - يَعْنِي الأَسِيرَ - وَأطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ» (٢).
وفي رواية: «فكُّوا الْعَانِي، وَأَجِيبُوا الدَّاعِي، وَعُودُوا الْمَرِيضَ» (٣).
* شرح غريب الحديث: * العاني العاني: الأسير، وفكاكه السعي في إطلاقه (٤) ويقال: العاني: الأسير وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو، والمرأة عانية وجمعها عوانٍ (٥).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير.
٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على تخليص أسرى المسلمين من أعداء الإِسلام.
٣ - من موضوعات الدعوة: الحض على إطعام الطعام.
٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على عيادة المرضى.
٥ - من موضوعات الدعوة: الحض على إجابة الدعوة.
стр. 769
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية المخلص الحرص على تعليم الناس الخير؛ ولهذا حرص النبي ﷺ على ذلك حرصا بالغا، فحث أمته على تخليص أسرى المسلمين من أيدي أعداء الدين، وحضهم على إطعام الفقراء والمساكين، من الآدميين وغيرهم، ورغبهم وأمرهم بعيادة المرضى وإجابة دعوة الداعي. فينبغي لكل مسلم أن يحرص على نفع إخوانه، ويتأكد ذلك على الداعية المخلص، والله المستعان (١).
ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على تخليص أسرى المسلمين من أعداء الإسلام: إن من الموضوعات المهمة حث المسلمين على تخليص أسراهم من أيدي أعداء الإسلام بأي وسيلة كانت: سواء كان ذلك بالجهاد، أو بالفِداء، أو بمبادلة الأَسرى، أو بغير ذلك من الوسائل المشروعة؛ ولهذا أمر النبيُّ ﷺ بفك الأسير فقال: «فكُّوا العاني». . . "؛ ولأهمية ذلك فإن المسلمين لو كان عندهم أسارى، وعند المشركين أسارى، واتفقوا على المفاداة تعينت، ولم تُجْزِ مفاداة أسارى المشركين بالمال (٢).
فينبغي للداعية إلى الله أن يحث على ذلك ويُرَغِّب فيه؛ لعناية النبي ﷺ وأمره بفك الأسرى وحثه على ذلك (٣).
ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحض على إطعام الطعام: إن إطعام الجائع والحث عليه من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله ؛ ولهذا أمر به النبي ﷺ في هذا الحديث فقال: ". . . «وأطعموا الجائع» وهذا فيه حفاظٌ على صحة الجائع وحياته، وصيانة لكرامته؛ ولأهمية إطعام
стр. 770
الطعام فقد ثبت من حديث عبد الله بن سلام ﵁ أنه قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ . ثلاثا. فجئت في الناس؛ لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجهه عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أوَّل شيء سمعته تكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (١).
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن في الجنة غُرفا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام، [وأفشى السلام]، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (٢).
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لَغُرَفا يُرى ظهورها من بطونها وبُطونُها من ظهورِها " فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: " هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (٣).
والمقصود أن هذا الحديث العظيم فيه حث على هذه الخصال الكريمة: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وطيب الكلام، وإدامة الصيام، والصلاة بالليل والناس نيام؛ فإن من عمل ذلك كانت له هذه الغرف، وهي جمع غرفة: أي علالي في غاية اللطافة ونهاية الصفاء والنظافة، وهي شفافة لا تحجب من
стр. 771
وراءها، وهي مخصصة لمن له خلق حسن مع الناس، وخاصة بمن يُطيِّب الكلام؛ لكونه من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وهي لمن أطعم الطعام: للعيال، والفقراء، والأضياف ونحو ذلك، ولمن أدام الصيام: أي أكثر منه بعد الفريضة، وأقله أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصلى بالليل والناس نيام: أي غالبهم نيام أو غافلون عنه، لأن العمل بالليل والناس نيام لا رياء فيه ولا سمعة، وهذا يؤكد على أن من فعل ذلك فقد بلغ الغاية العظمى في الإِخلاص لله (١) وقد ذكر الله هذه الغرف في القرآن الكريم فقال : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] (٢) وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] (٣).
رابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على عيادة المريض: إن عيادة المريض من الموضوعات المهمة التي ينبغي للداعية أن يحث الناس عليها؛ لأن المريض بحاجة إلى تفقد أحواله، والتلطف به، وتكون عيادته سببا في نشاطه وقوته وصبره في الغالب؛ لأنه يستأنس بزيارة إخوانه ويدافع المرض مع ما في ذلك من الثواب العظيم؛ ولهذا أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بعيادة المريض فقال: ". . . «وعودوا المريض». . . " وهذا يؤكد أهمية العيادة لمرْضَى المسلمين (٤).
خامسا: من موضوعات الدعوة: الحض على إجابة الدعوة: إن إجابة الدعوة من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يحث الناس عليها، ويرغبهم فيها، ويخوفهم من عدم إجابتها؛ ولهذا أمر النبي ﷺ في هذا الحديث
стр. 772
بإجابة الدعوة فقال:. . . «وأجيبوا الداعي». . . . ".
وقد حض النبي ﷺ على إجابة الداعي في أحاديث كثيرة، منها ما ثبت عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة (١) فليأتها» (٢) وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: " شر الطعام طعامُ الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ " (٣) وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : «مَنْ دُعِيَ إلى عرس أو نحوه فليجب»، وفي لفظ «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه». (٤).
وهذه الأحاديث تؤكد أهمية إجابة الدعوة والحض عليها سواء كانت لعرس أو غيره، ولكن تسقط إجابة الدعوة بأعذار منها: أن يكون في الطعام شبهة واضحة، أو يخص بالدعوة الأغنياء دون الفقراء، أو يكون هناك من يتأذَّى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه، أو لِيُعان على باطل، وأن لا يكون هناك منكر من: خمر، أو لهو، أو فرش حرير أو آَنية ذهب وفضة، أو صور إنسانِ، أو حيوان غير مفروشة (٥) أو غير ذلك مما حرمه الله ورسوله ﷺ " ورأى ابن مسعود ﵁ صورة في البيت فرجع "؛ (٦) وقد ذكر الإِمام القرطبي ﵀: أن الوليمة إذا كان فيها منكر فلا يجوز حضورها عند كافة العلماء (٧).
إلا إذا أمكنه الإِنكار وإزالة المنكر لزمه الحضور والإِنكار؛ لأنه يؤدي فرضين:
стр. 773
إجابة دعوة أخيه المسلم وإزالة المنكر (١) ومن الأعذار في عدم الإجابة أن يعتذر إلى الداعي فيتركه ويعفو عنه، وقد بالغ بعض الصحابة ﵃ في ترك إجابة الدعوة إذا وجد فيها بعض المكروهات، لْقد دعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سِترا على الجدار فقال ابن عمر ﵄: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاما فرجع (٢) قال ابن قدامة ﵀: " فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة؛ فإن كان لحاجة من وقاية حرٍّ أو بردٍ فلا بأس؛ لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب، وما يلبسه على بدنه، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه وعذر في الرجوع عن الدعوة وترك الإِجابة " (٣)؛ وإنما كره لما فيه من السرف (٤).
والذي ينبغي للداعية أن يحض على إجابة الدعوة وإزالة المنكر أو المكروه، فإذا لم يستطع الإِنكار أو لم يزل المنكر فلا حرج في عدم الإِجابة إلا إذا ترتب على ذلك منكر أنكر منه؛ فإنه يجيب ويرتكب أدنى المفسدتين لتفويت كبْرَاهما، والله المستعان.
стр. 774
١٧٣ - باب الحربِي إِذَا دخَل دار الإسْلامِ بغَيْرِ أمَانٍ
[حديث أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر]
١٣٤ - [٣٠٥١] حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع (١) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ- وَهُوَ فِي سَفَرٍ - فجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثمَ انفتلَ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوه "، فقتَلْتُهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَه» (٢).
* شرح غريب الحديث: * " عين " العين: الجاسوس (٣).
* " انفتل " التوى وانصرف (٤).
* " نَفَّلَهُ " النفْل: الزيادة، والنَّفَل بالتحريك الغنيمة. (٥).
* " سلبه " السلب: هو الذي يُقْضَى به للقاتل في الحرب وهو ما كان على المقتول: من اللباس، وما كان معه من السلاح والدوابِّ وآلة الحرب وغير ذلك (٦).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: طاعة ولي أمر المسلمين في المعروف.
٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.
٣ - من وظائف الإمام المسلم: قتل الجاسوس الحربي الكافر.
٤ - من وسائل الدعوة: تشجيع الشجاع على شجاعته.
стр. 775
٥ - من وسائل الدعوة: أخذ الحذر والحيطة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: طاعة ولي أمر المسلمين في المعروف: إن من الصفات الحميدة والأعمال الجليلة: طاعة ولي أمر المسلمين في غير معصية الله ؛ ولهذه الأهمية بادر سلمة بن الأكوع ﵁ امتثال أمر النبي ﷺ فلحق بالجاسوس فقتله، وهذا يبيِّن أهمية طاعة ولي أمر المسلمين بالمعروف (١).
ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث أن الشجاعة من صفات الداعية؛ ولهذا قتل ابن الأكوع الجاسوس بأمر النبي ﷺ ، وظهرت قوته وشجاعته ﵁ في ذلك كما في هذا الحديث (٢).
ثالثا: من وظائف الإمام المسلم: قتل الجاسوس الحربي الكافر: إن من الأمور المهمة أن يُقْضَى على جواسيس الكفار بالقتل، وذلك من وظائف الإمام الأعظم، يأمر به ويشرف على تنفيذه؛ ولهذا أمر النبي ﷺ ابن الأكوع ﵁ بقتل الجاسوس فقتله ﵁؛ قال الإمام النووي ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: " وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين " (٣).
رابعا: من وسائل الدعوة: تشجيع الشجاع على شجاعته: لا شك أن من وسائل الدعوة تشجيع الشجاع على شجاعته؛ ولهذا أعطى النبي ﷺ سلمة بن الأكوع ﵁ سلب الجاسوس الذي قتله ففي هذا الحديث: «فنفله سلبه»، وفي رواية مسلم قال ابن الأكوع ﵁: «فخرجت أشتد فكنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع