وراءها، وهي مخصصة لمن له خلق حسن مع الناس، وخاصة بمن يُطيِّب الكلام؛ لكونه من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وهي لمن أطعم الطعام: للعيال، والفقراء، والأضياف ونحو ذلك، ولمن أدام الصيام: أي أكثر منه بعد الفريضة، وأقله أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصلى بالليل والناس نيام: أي غالبهم نيام أو غافلون عنه، لأن العمل بالليل والناس نيام لا رياء فيه ولا سمعة، وهذا يؤكد على أن من فعل ذلك فقد بلغ الغاية العظمى في الإِخلاص لله (١) وقد ذكر الله هذه الغرف في القرآن الكريم فقال : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] (٢) وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨] (٣).
رابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على عيادة المريض: إن عيادة المريض من الموضوعات المهمة التي ينبغي للداعية أن يحث الناس عليها؛ لأن المريض بحاجة إلى تفقد أحواله، والتلطف به، وتكون عيادته سببا في نشاطه وقوته وصبره في الغالب؛ لأنه يستأنس بزيارة إخوانه ويدافع المرض مع ما في ذلك من الثواب العظيم؛ ولهذا أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بعيادة المريض فقال: ". . . «وعودوا المريض». . . " وهذا يؤكد أهمية العيادة لمرْضَى المسلمين (٤).
خامسا: من موضوعات الدعوة: الحض على إجابة الدعوة: إن إجابة الدعوة من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يحث الناس عليها، ويرغبهم فيها، ويخوفهم من عدم إجابتها؛ ولهذا أمر النبي ﷺ في هذا الحديث
стр. 772
بإجابة الدعوة فقال:. . . «وأجيبوا الداعي». . . . ".
وقد حض النبي ﷺ على إجابة الداعي في أحاديث كثيرة، منها ما ثبت عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة (١) فليأتها» (٢) وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: " شر الطعام طعامُ الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ " (٣) وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : «مَنْ دُعِيَ إلى عرس أو نحوه فليجب»، وفي لفظ «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه». (٤).
وهذه الأحاديث تؤكد أهمية إجابة الدعوة والحض عليها سواء كانت لعرس أو غيره، ولكن تسقط إجابة الدعوة بأعذار منها: أن يكون في الطعام شبهة واضحة، أو يخص بالدعوة الأغنياء دون الفقراء، أو يكون هناك من يتأذَّى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه، أو لِيُعان على باطل، وأن لا يكون هناك منكر من: خمر، أو لهو، أو فرش حرير أو آَنية ذهب وفضة، أو صور إنسانِ، أو حيوان غير مفروشة (٥) أو غير ذلك مما حرمه الله ورسوله ﷺ " ورأى ابن مسعود ﵁ صورة في البيت فرجع "؛ (٦) وقد ذكر الإِمام القرطبي ﵀: أن الوليمة إذا كان فيها منكر فلا يجوز حضورها عند كافة العلماء (٧).
إلا إذا أمكنه الإِنكار وإزالة المنكر لزمه الحضور والإِنكار؛ لأنه يؤدي فرضين:
стр. 773
إجابة دعوة أخيه المسلم وإزالة المنكر (١) ومن الأعذار في عدم الإجابة أن يعتذر إلى الداعي فيتركه ويعفو عنه، وقد بالغ بعض الصحابة ﵃ في ترك إجابة الدعوة إذا وجد فيها بعض المكروهات، لْقد دعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سِترا على الجدار فقال ابن عمر ﵄: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاما فرجع (٢) قال ابن قدامة ﵀: " فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة؛ فإن كان لحاجة من وقاية حرٍّ أو بردٍ فلا بأس؛ لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب، وما يلبسه على بدنه، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه وعذر في الرجوع عن الدعوة وترك الإِجابة " (٣)؛ وإنما كره لما فيه من السرف (٤).
والذي ينبغي للداعية أن يحض على إجابة الدعوة وإزالة المنكر أو المكروه، فإذا لم يستطع الإِنكار أو لم يزل المنكر فلا حرج في عدم الإِجابة إلا إذا ترتب على ذلك منكر أنكر منه؛ فإنه يجيب ويرتكب أدنى المفسدتين لتفويت كبْرَاهما، والله المستعان.
стр. 774
١٧٣ - باب الحربِي إِذَا دخَل دار الإسْلامِ بغَيْرِ أمَانٍ
[حديث أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر]
١٣٤ - [٣٠٥١] حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع (١) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ- وَهُوَ فِي سَفَرٍ - فجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثمَ انفتلَ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوه "، فقتَلْتُهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَه» (٢).
* شرح غريب الحديث: * " عين " العين: الجاسوس (٣).
* " انفتل " التوى وانصرف (٤).
* " نَفَّلَهُ " النفْل: الزيادة، والنَّفَل بالتحريك الغنيمة. (٥).
* " سلبه " السلب: هو الذي يُقْضَى به للقاتل في الحرب وهو ما كان على المقتول: من اللباس، وما كان معه من السلاح والدوابِّ وآلة الحرب وغير ذلك (٦).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: طاعة ولي أمر المسلمين في المعروف.
٢ - من صفات الداعية: الشجاعة.
٣ - من وظائف الإمام المسلم: قتل الجاسوس الحربي الكافر.
٤ - من وسائل الدعوة: تشجيع الشجاع على شجاعته.
стр. 775
٥ - من وسائل الدعوة: أخذ الحذر والحيطة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: طاعة ولي أمر المسلمين في المعروف: إن من الصفات الحميدة والأعمال الجليلة: طاعة ولي أمر المسلمين في غير معصية الله ؛ ولهذه الأهمية بادر سلمة بن الأكوع ﵁ امتثال أمر النبي ﷺ فلحق بالجاسوس فقتله، وهذا يبيِّن أهمية طاعة ولي أمر المسلمين بالمعروف (١).
ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث أن الشجاعة من صفات الداعية؛ ولهذا قتل ابن الأكوع الجاسوس بأمر النبي ﷺ ، وظهرت قوته وشجاعته ﵁ في ذلك كما في هذا الحديث (٢).
ثالثا: من وظائف الإمام المسلم: قتل الجاسوس الحربي الكافر: إن من الأمور المهمة أن يُقْضَى على جواسيس الكفار بالقتل، وذلك من وظائف الإمام الأعظم، يأمر به ويشرف على تنفيذه؛ ولهذا أمر النبي ﷺ ابن الأكوع ﵁ بقتل الجاسوس فقتله ﵁؛ قال الإمام النووي ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: " وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين " (٣).
رابعا: من وسائل الدعوة: تشجيع الشجاع على شجاعته: لا شك أن من وسائل الدعوة تشجيع الشجاع على شجاعته؛ ولهذا أعطى النبي ﷺ سلمة بن الأكوع ﵁ سلب الجاسوس الذي قتله ففي هذا الحديث: «فنفله سلبه»، وفي رواية مسلم قال ابن الأكوع ﵁: «فخرجت أشتد فكنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع
стр. 776
ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: " من قتل الرجل؟ " قالوا: ابن الأكوع، قال: " له سلبه أجمع» (١) وهذا يؤكد أهمية تشجيع الشجاع؛ قال العلامة الملا علي القاري ﵀: " ويستحب للإِمام التحريض على القتال بالتنفيل، فيقول: من قتل قتيلا فله سلبه، أو يقول للسرية: قد جعلت لكم النصف أو الربع بعد الخمس " (٢).
خامسا: من وسائل الدعوة: أخذ الحذر والحيطة: دل هذا الحديث بمفهومه على أن من وسائل الدعوة أخذ الحذر والحيطة من أعداء الإِسلام؛ ولهذا أخذ النبي ﷺ بالحذر عندما جاء الرجل وجلس مع أصحابه كما في هذا الحديث، ففطن ﷺ لذكائه وعلم بأنه جاسوس فقال: «اطلبوه واقتلوه». وهذا يؤكد أهمية أخذ الحذر والحيطة مع الاستعانة بالله والاعتماد عليه (٣).
стр. 777
١٧٨ - بَابُ كيفَ يُعرَض الإسلامُ على الصّبيّ ؟
[حديث ذكر الدجال وقوله فيه تعلمون أنه أعور وإن الله ليس بأعور]
١٣٥ - [٣٠٥٧] وَقَالَ سَالِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ (١).
«ثمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: " إِنِّي أُنْذِرُكُمُوه، وَمَا مِنْ نَبِي إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوح قَوْمَه: وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيه قَوْلا لَم يَقُلْهُ نَبِي لِقَوْمهِ: تَعْلَمُون أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ الله لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (٢).
وفي رواية: «إِنَّ الله لَيْسَ بأَعْوَرَ، ألا إنَّ المَسيحَ الدَّجَالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنى، كَأن عَيْنَهُ عِنَبَة طَافِيَة» (٣).
وفي رواية: «كُنَا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الْوَدَاع وَالنَّبِيُّ ﷺ بيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّال فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ وَقَالَ: " مَا بَعَثَ الله مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ: أَنْذَرَهُ نُوح والنَّبيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإنَّه يَخْرُجُ فِيكُمْ فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأنِهِ، فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُم أَنَّ رَبكُمْ لَيْسَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ " ثلاثا " إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ العَين الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَة طَافِيَة» (٤).
* شرح غريب الحديث: * " فأطنب " يقال: أطنب في الكلام أو الوصف أو الأمر: بالغ وأكثر (٥).
стр. 778
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من وسائل الدعوة: الخطابة.
٢ - من آداب الداعية: الثناء على الله بما هو أهله.
٣ - من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير.
٤ - من موضوعات الدعوة: التحذير من فتنة الدجال وبيان صفاته للحذر منه.
٥ - من موضوعات الدعوة: بيان صفات الكمال لله .
٦ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: الخطابة: إن من الوسائل المهمة في الدعوة إلى الله الخطابة، وقد ظهر استخدام النبي ﷺ لها في هذا الحديث؛ لقول ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «ثم قام النبي ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله»، وهذا يؤكد أن الخطابة من أهم وسائل الدعوة. فينبغي للداعية العناية بها عناية فائقة (١).
ثانيا: من آداب الداعية: الثناء على الله بما هو أهله: إن من الآداب العظيمة التي ينبغي للداعية أن يبدأ بها في خطبه ومحاضراته، وكلماته أن يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ويصلي على النبي ﷺ ؛ ولهذا جاء في هذا الحديث قول ابن عمر ﵄: " ثم قام النبي ﷺ فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال. . . ". وهذا يؤكد أهمية الثناء على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبما هو أهله كما فعل النبي ﷺ ، ومن ذلك خطبة الحاجة التي كان يخطب بها النبي ﷺ في أول الخطبة (٢).
стр. 779
ثالثا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الناس الخير: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الحرص على تعليم الناس الخير وتحذيرهم مما يضرهم؛ ولهذا حرص النبي ﷺ حرصا عظيما على تعليم أمته الصفات التي يعرف بها الدجال؛ ليحذر أمته. وهذا يؤكد أن من أهم صفات الداعية الحرص على تعليم الناس ما ينفعهم وتحذيرهم مما يضرهم (١).
رابعا: من موضوعات الدعوة: التحذير من فتنة الدجال وبيان صفاته للحذر منه: إن من موضوعات الدعوة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها: التحذير من فتنة الدجال؛ ولهذا حذر النبي ﷺ في هذا الحديث عن الدجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، والنبيون من بعده»، قال الإمام النووي ﵀: " هذا الإِنذار؛ لِعِظَمِ فتنته وشدة أمرها " (٢)؛ ولعظم فتنة الدجال وخطرها على المسلمين بَيَّن النبي ﷺ صفاته كاملةً؛ لِيَحْذَرَ منه المؤمنون، ومن هذه الصفات على وجه الإِجمال اقتباسا من أحاديث النبي ﷺ ما يأتي: هو شاب جعد الشعر، أعور العين اليمنى حقيقة، وعينه اليسرى معيبة (٣) ويخرج من خلة بين الشام والعراق من المشرق: من خراسان، ويمكث في الأرض أربعين يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كالأيام المعروفة، وتُصَلَّى الصلوات على تقدير الأيام العادية في كل أربعٍ وعشرين ساعة خمس صلوات، وسرعته في الأرض كالغيث استدبرته الريح، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت، ومن أجابه إلى أنه الرب - تعالى الله عن قوله - أو أنه نبي كان في رغد من العيش وسعة، ومن عصاه ولم يجبه ذهبت أمواله معه وأصبح فقيرا، ويضرب شابَا مسلما بالسيف فيكون
стр. 780
قطعتين ثم يقف بين القطعتين ويناديه فيحْيى، ويدخل جميع البلدان والقرى إلا مكة والمدينة فإنه لا يدخلهما لحراسة الملائكة لهما، ولكن ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر ومنافق فيصيبه الدجال، ومعه نار وماء، فماؤه نار وناره ماءٌ، فمن رأى ذلك فليلق بنفسه في النار ويبتعد عن الماء، ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار، ومكتوب بين عينيه كافر [ك ف ر] يقرؤه كل مسلم قارئ وغير قارئ، وهو قصير متباعد ما بين الفخذين والرِّجل، ويتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان، وما خلق الله فتنة منذ أوجد السموات والأرض أعظم من فتنة الدجال؛ ولهذا حذره النبيون أممهم، ومن أعظم ما ينجي من الدجال قراءة عشر آيات من أول سورة الكهف والاستعاذة بالله من فتنته دبر كل صلاة، وفي آخر الأمر ينزل عيسى ابن مريم ﷺ فيقتل الدجال (١) نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وهذه الصفات التي ذكرها النبي ﷺ عن الدجال تؤكد أهمية التحذير من فتنته، وتوضيح أمره للناس، حتى يسلم من فتنته من أدركه، أسأل الله العافية في الدنيا والآخرة لي ولجميع المسلمين.
خامسا: من موضوعات الدعوة: بيان صفات الكمال لله : إن من الموضوعات المهمة بيان صفات الكمال لله ، ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «إن ربكم ليس بأعور» والله لا يشبهه شيء من خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢).
فينبغي للداعية أن يبيَن للناس منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الحسنى، والصفات العُلَى، ونفي النقائص والعيوب عن الله (٣).
стр. 781
سادسا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالتكرار: إن من أساليب الدعوة التأكيد بالتكرار؛ ولهذا استخدم النبي ﷺ هذا الأسلوب في هذا الحديث عند ذكره لصفات الدجال فقال: «فما خَفِيَ عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس على ما يخفى عليكم» ثلاثا. وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب.
فينبغي للداعية العناية به؛ لفعل النبي ﷺ (١).
стр. 782
١٨٠ - باب إذا أسلم قوم في دَارِ الحرب ولهُمْ مال وأَرَضُونَ فَهي لهمْ
[حديث استعمال عمر بن الخطاب مولى له يدعى هنيا ونصيحته له]
١٣٦ - [٣٠٥٩] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْن أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ (١) " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب ﵃ اسْتَعْملَ مَوْلىً لَهُ يُدْعَى هُنَيا (٢) عَلَى الْحِمَى، فَقَالَ: يَا هُنَيُ اضْمُمْ جَنَاحكَ عَن الْمُسْلِمِينَ، وَاتَقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ (٣) فإن دعْوَةَ الْمَظْلُومٍ مُسْتَجَابة. وأَدْخِلْ ربَّ الصُّرَيمَةِ، وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنعَمَ ابْنِ عَفَّانَ؛ فَإنَهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَىِ نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وإن رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي بِبَنِيهِ فيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمؤمِنينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنا لَا أَبَا لَكَ؟ فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَب وَالْوَرِقِ، وَأيْمُ الله إِنَهُمْ لَيَرَوْنَ أني قَدْ ظَلَمْتُهُمْ؛ إِنَهَا لَبِلادُهُمْ، فَقَاتَلَوا عَلَيْهًا فِي الْجَاهِليِّة وَأسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلامِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ الله مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلادهِمْ شِبْرا".
* شرح غريب الحديث: * " الحمى " الحمى خلاف المباح وهو الممنوع (٤).
* " اضمم جناحك عن المسلمين ": أي أَلِنْ جَانِبَك وارفق بهم (٥).
* " الصريمة " الإِبل القليلة (٦).
стр. 783
* " الغنيمة " الغنم القليلة (١).
* " الكلأ " النبات والمرعى. (٢).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية اختيار الرجل الصالح النبيل للأمور المهمة.
٢ - من أصناف المدعوين: الموالي والخدم.
٣ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الظلم.
٤ - من موضوعات الدعوة: الحث على رحمة المسلمين والشفقة عليهم.
٥ - من صفات الداعية: القوة وجودة النظر.
٦ - من أساليب الدعوة: الترهيب.
٧ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.
٨ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.
٩ - أهمية رعاية مصالح المسلمين.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية اختيار الرجل الصالح النبيل للأمور المهمة: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للداعية أو الإمام المسلم، أو من ولاه الله أمرا من أمور المسلمين أن يختار الرجل الصالح النبيل للأمور المهمة؛ لأن من الحكمة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب؛ ولهذا جاء في هذا الحديث أن عمر ﵁ " استعمل مولىً له يُدعى هنيّا على الحمى "؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ولولا أنه كان من الفضلاء النبهاء الموثوق بهم لما استعمله عمر " (٣).
стр. 784
ثانيا: من أصناف المدعوين: الموالي والخدم: إن مما لا شك فيه أن من أصناف المدعوين الموالي والخدم، ونحوهم؛ ولهذا حَذَّر أمير المؤمنين عمر ﵁ مولاه من الظلم، وأمره بالشفقة على الفقراء فقال: واتقِ دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة ". وهذا يؤكد أهمية عناية المسلم وخاصة الداعية إلى الله بمن تحت يده من الموالي والخدم وغيرهم: من دعوتهم إلى الخير وتحذيرهم من الشر، ومراقبتهم مراقبة دقيقة؛ لإِلزامهم بطاعة الله وإبعادهم عن معصيته.
ثالثا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الظلم: ظهر في هذا الحديث أن من موضوعات الدعوة المهمة تحذير الناس من الظلم؛ ولهذا قال عمر ﵁ لمولاه: " واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة " وقد حذر الله من الظلم فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ - وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ - وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٥] (١) وقال : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] (٢) وقال : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] (٣) وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٤).
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا». . . " (٥).
стр. 785
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلُوا محارمهم» (١) وقد ثبت عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: " إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فَيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتُهُ قبل أن يُقضى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طُرِحَ في النار» (٣).
والظالم يؤدي ما عليه من حقوق الخلق حتى البهائم يقتص بعضها من بعض؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «لتؤدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٤).
والظلم للعباد يوجب النار وإن كان يسيرا، فعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة " فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: " وإن قضيبا من أراك» (٥) والله وإن أمهل الظالم وذهبت الأيام والشهور، فإنه لا يغفل عنه ولا ينساه؛ ولهذا ثبت من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته» (٦) ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٧).
стр. 786
وقد أمر النبي ﷺ بنصر المظلوم؛ فقال: ". . . «ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر، وإن كان مظلوما فلينصره» (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما "، قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: " تأخذ فوق يديه» (٢).
وينبغي لكل مسلم أن يتحلل من كانت له عنده مظلمة قبل أن يكون الوفاء من الحسنات؛ قال النبي ﷺ : «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذَ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه» (٣).
وقد يكون الظلم للرعية أو الأهل والذرية فيستحق الظالم العقاب على ذلك، قال الرسول ﷺ : «ما من عبد يسترعيه اللهُ رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (٤).
وقد حذر النبي ﷺ من دعوة المظلوم، فقال ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: ". . . «واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» (٥) ومن أمثلة ذلك قصة سعيد بن زيد مع أروى بنت أويس؛ فإنها ادعت عليه أنه أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم فقال: " أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال:
стр. 787
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما طُوِّقه إلى سبع أرضين (١) يوم القيامة» فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها [وفي رواية: واجعل قبرها في دارها] قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار، [وفي رواية: تمشي في أرضها] مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها " (٢).
ومن صور استجابة دعوة المظلوم على من ظلمه، قصة سعد بن أبي وقاص ﵁، فعن جابر بن سمرة ﵁ قال: " شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁ فعزله واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أمَّا أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرِمُ عنها، أصلي صلاة العشاء فأركدُ في الأوليين وأخفف في الأخريين، قال: ذاك الظنُّ بِك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رَجُلا أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدعْ مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا حتى دخل مسجدا لبني عبس فقام رجلٌ منهم يقال له أسامة بن قتادة يُكنى أبا سعدة، قال: أمَّا إذا نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعدٌ: أَمَا والله لأدعوَنَّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن (٣).
стр. 788
والأحاديث تؤكد أن دعوة المظلوم مستجابة حتى ولو كان فاجرا فاسقا، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه» (١).
، وقد ذكر الإِمام ابن عبد البر ﵀ آثارا كثيرة عن السلف الصالح يحذرون فيها من الظلم ويبينون فيها استجابة دعوة المظلوم، ثم قال ﵀: ولقد أحسن القائل: "
نامت جفونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
" (٢).
والظلم في الحقيقة: وضع الأشياء في غير مواضعها (٣).
وهو على نوعين: ١ - ظلم النفس، وهو ضربان: ظلم النفس بالشرك الذي لا يغفره الله إذا مات العبد عليه قبل التوبة منه، وظلمها بالمعاصي التي يكون صاحبها تحت المشيئة إن لم يتب منها، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه بقدر معصيته ثم يخرجه من النار ويدخله الجنة، بعد التطهير من إثم المعصية.
٢ - ظلم العبد لغيره من الخلق وهذا لا يترك الله منه شيئا بل يعطي المظلوم حقه من الظالم ما لم يستحله في الدنيا (٤).
والله إذا عاقب الظالمين على ظلمهم لم يظلمهم؛ ولهذا قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] (٥) وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٦) وقال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] (٧).
стр. 789
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] (١).
فينبغي للداعية أن يُحذِّر الناس من الظلم وعواقبه في الدنيا والآخرة.
أسأل الله العافية لي ولجميع المسلمين في الدنيا والآخرة.
رابعا: من موضوعات الدعوة: الحث على رحمة المسلمين والشفقة عليهم: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث على الشفقة والرحمة بالمسلمين؛ ولهذا قال عمر ﵁ لمولاه: " وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة. . " وهذا يؤكد أهمية العناية بالفقراء والمحاويج ورحمتهم، وقال عمر ﵁ في أول هذا الحديث لمولاه: " يا هنيُّ اضمم جناحك عن المسلمين ". قال الإمام الكرماني ﵀ في مفهوم ذلك: " كناية عن الرحمة والشفقة " (٢) وقد حث النبي ﷺ على الشفقة والرحمة بالمسلمين ورغب في ذلك فقال: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٣) فينبغي للداعية أن يحض الناس على التراحم والتعاطف والشفقة على المسلمين (٤).
خامسا: من صفات الداعية: القوة وجودة النظر: ظهر في هذا الحديث أن القوة وجودة النظر من صفات الداعية، ومما يدل على ذلك فعل عمر وقوله لمولاه هني، حيث أوصاه بضم الجناح للمسلمين، واتقاء دعوة المظلوم، والعناية بأصحاب الأموال القليلة ومراعاة أحوالهم، ومنع غيرهم من الحمى، وبين ﵁ أن رب الصريمة والغنيمة إذا هلكت ماشيتهما؛ فإنهم يأتون إليه ويسألونه الذهب والفضة، وقال ﵁: " فالماء والكلأ أيسر
стр. 790
علي من الذهب والورق ". وهذا يؤكد جودة نظره، وقوته حين منع الأغنياء من الحمى؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث ما كان فيه عمر من القوة وجودة النظر، والشفقة على المسلمين " (١).
سادسا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أن أسلوب الترهيب من أهم الأساليب في الدعوة إلى الله ؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ لمولاه: " واتقِ دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب "، وهذا فيه تخويف من دعوة المظلوم، وحينئذ يبتعد الإِنسان عن الظلم ووسائله (٢).
سابعا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: ظهر في هذا الحديث أسلوب الاستفهام الإِنكاري، وذلك في قول عمر ﵁ لمولاه: " أفتاركهم أنا؟ " قال الحافظ ابن حجر ﵀: " استفهام إنكاري، معناه لا أتركهم محتاجين " (٣) وهذا يؤكد أهمية هذا الأسلوب (٤).
ثامنا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة التأكيد بالقسم؛ ولهذا قال عمر ﵁: " وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم؛ إنها لبلادهم فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإِسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا ". وهذا يؤكد أهمية التوكيد بالقسم في الدعوة إلى الله (٥).
تاسعا: أهمية رعاية مصالح المسلمين: ظهر في هذا الحديث عناية عمر بن الخطاب ﵁ بمصالح المسلمين
стр. 791
وإنزال كل إنسان منزلته على حسب حاجته، مراعاة لحاله، وأنه لم يحمِ إلا لمصلحة المسلمين والجهاد في سبيل الله ؛ ولهذا قال: " والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا " وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " وهذا يدل على أن لولي الأمر أن يحمي للجهاد لا لنفسه، [و] يوصي بالرحمة للفقراء وأهل الحاجة " (١) وهذا كله يؤكد أهمية العناية بمصالح المسلمين. (٢).
стр. 792
١٨١ - باب كتابة الإمام الناس
[حديث اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس]
١٣٧ - [٣٠٦٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عن أبي وائل، عن حذيفة (١) ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس» فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل. فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَه وَهُوَ خَائِفٌ ".
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزةَ، عَنِ الأَعْمش: " فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَمائَة ". قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: " مَا بَيْنَ سِتّمِائَةٍ إِلَى سَبْعِمائَةٍ ". (٢).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية الإِعداد للجهاد وإحصاء الإمام عدد الجيوش.
٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الإِعجاب بالكثرة.
٣ - من سنن الله : الابتلاء والامتحان.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
стр. 793
أولا: أهمية الإعداد للجهاد وإحصاء الإمام عدد الجيوش: دل هذا الحديث على أهمية الإِعداد للجهاد بكل ما يستطيعه المسلمون من قوة، كما دل على أن من الإِعداد للجهاد معرفة الإمام عدد الجيوش؛ لأخذ الحذر والحيطة والاستعداد للجهاد؛ ولهذا قال ﷺ : «اكتبوا لي من تلفظ بالإِسلام من الناس» قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث مشروعية كتابة ديوان الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة بمن لا يصلح " (١).
وهذا يؤكد أهمية العناية بالإِعداد للجهاد في سبيل الله . (٢).
ثانيا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الإعجاب بالكثرة: إن من الموضوعات المهمة في الدعوة إلى الله تحذير المسلمين من الإِعجاب بالكثرة والقوة؛ لأن ذلك من أسباب الهزيمة والخذلان، وقد دل هذا الحديث على خطر ذلك؛ لقول حذيفة ﵁: " فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف "، وهذا يؤكد أهمية التحذير من الإِعجاب بالكثرة والقوة؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه وقوع العقوبة على الإِعجاب بالكثرة " (٣) وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] (٤).
فينبغي للداعية أن يحذر الناس عن الإِعجاب بالكثرة أو القوة، ويحثهم على التوكل والاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب والاستعانة بالله (٥).
ثالثا: من سنن الله : الابتلاء والامتحان: دل هذا الحديث على أن من سنن الله الابتلاء والامتحان، لقول حذيفة
стр. 794
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف " قال الإمام النووي ﵀: " أما قوله: ابتلينا، فلعله كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبي ﷺ فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرا مخافة من الظهور والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب والله أعلم " (١).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وأما قول حذيفة فيشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان ومن ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة " (٢).
فينبغي للداعية أن يسأل الله العافية ويستعيذ به من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، والله المستعان (٣).
стр. 795
١٨٢ - بَاب إِن الله يُؤيِّدُ الدِّين بالرجُل الفاجر
[حديث قال لرجل ممن يدعي الإسلام هذا من أهل النار]
١٣٨ - [٣٠٦٢] حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْب، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح. وَحَدثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ: حَدَثَنَا عَبْدُ الرَّزّاق: أَخْبَرَنَا مَعْمرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ (١) ﵁ قَالَ: «شَهِدْنَا مَعِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ: " هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ". فَلمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالا شَدِيدا فَأصَابَتْهُ جِرَاحَة فَقيلَ يَا رَسُولَ الله، الَّذِي قُلْتَ: إنهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَإِنَّهُ قَاتَلَ اليَوْمَ قِتَالا شَدِيدا وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِلَى النَّارِ ". قَالَ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ. فَبيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يمتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحا شَدِيدا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْل لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِراحِ فَقَتلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: " الله أَكْبَرُ، أشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ ". ثمَّ أَمرَ بِلالا فَنَادَى فِي النَّاسِ: " إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا نَفْس مُسْلِمَة، وَإِنَّ الله لُيؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (٢).
وفي رواية: «شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ خيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لرَجُلٍ مِمَّنْ معه يَدَّعِي الإِسْلامَ: " هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ " فَلمَا حَضَر الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَجُلُ. .» الحديث (٣).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من موضوعات الدعوة: الحض على الإِيمان بالقدر والعمل بأسباب النجاة.
٢ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الاغترار بالأعمال.
стр. 796
٣ - من صفات الداعية: الجمع بين الخوف والرجاء.
٤ - من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالمغيبات.
٥ - من صفات الداعية: الأخذ بالظاهر والله يتولى السرائر.
٦ - من أساليب الدعوة: الترغيب والترهيب.
٧ - من موضوعات الدعوة: الحث على النية الصالحة.
٨ - من موضوعات الدعوة: حث الناس على طلب حسن الخاتمة بالقول والفعل.
٩ - عظم يقين الصحابة ﵃ بصدق ما يخبر به رسول الله ﷺ .
١٠ - قد يؤيد الله الإِسلام بالمدعو الفاجر (١).
стр. 797
١٨٥ - باب من غلب العدو، فأقام على عرصتهم ثلاثا
[حديث أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال]
١٣٩ - [٣٠٦٥] حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عبد الرَحِيمِ: حَدَّثَنَا رَوحُ بنُ عُبَادةَ: حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قتَادَةَ قَالَ: " ذَكَرَ لَنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحة (١) ﵄، «عنِ النَّبيِّ ﷺ أنه كَانَ إِذَا ظَهرَ عَلَى قَوْم أَقَامَ بِالعَرْصَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ». تَابَعهُ مُعَاذ وَعَبْدُ الأَعْلَى: " حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قَتَادةَ، عَن أنسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ " (٢).
وفي رواية «أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ أَمَرَ يَوْم بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَويٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمِ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ. فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ برَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُها، ثُمَّ مَشَى وَتَبعَهُ أَصْحَابُهُ وَقالُوا: مَا نَرى يَنْطَلِقُ إِلاّ لِبَعضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: " يَا فلانُ ابنَ فلَانٍ، وَيَا فلانُ ابنَ فلَانٍ، أيسُرُكُمْ أَنًكُمْ أَطَعْتُمُ الله وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقّا؟ " قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنتمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهم» قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ الله حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ: تَوْبِيخا، وتَصْغِيرا، وَنقْمَةً، وحَسْرَةً، وَنَدَما " (٣).
* شرح غريب الحديث: * " ظهر على قوم " أي غلبهم (٤).
* " العَرْصةُ " كل موضع واسعٍ لا بناء فيه (٥).
стр. 798
* " صناديد " صناديد قريش: أشرافهم، وعظماؤهم، ورؤساؤهم، وكل عظيم غالب صنديد (١).
* " طويّ " الطويُّ: البئر المطويّة (٢).
* " الركيّ " الركيّ: هي البئر التي لم تطوَ (٣).
* " القليب " القليب: البئر التي لم تطوَ أيضا (٤).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: إظهار انتصار الإِسلام وشعار المسلمين.
٢ - من معجزات الرسول ﷺ : الإِخبار بالأمور الغيبية.
٣ - من موضوعات الدعوة: بيان عذاب القبر ونعيمه.
٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب.
٥ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: إظهار انتصار الإسلام وشعار المسلمين: لا ريب أن إظهار انتصار الإِسلام وشعار المسلمين من وسائل الدعوة التي تدخل الرعب في قلوب أعداء الإِسلام، وقد كان النبي ﷺ إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال؛ قيل: الحكمة من ذلك؛ ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام، وقلة المبالاة بأعداء الإِسلام، وإظهار شعار المسلمين، وإيقاع الطاعة في الأرض التي وقعت فيها المعاصي، وغير ذلك من الحكم التي تظهر أثناء الإِقامة: كالنظر
стр. 799
في عدد القتلى والقيام بشؤونهم، وإراحة المجاهدين إذا أُمن مكر العدو (١).
وهذه الأعمال تؤيد أن إظهار الانتصار والقوة من أهم وسائل الدعوة؛ لما في ذلك من المصالح التي من أعظمها تخويف الأعداء وإذلالهم.
ثانيا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار بالأمور الغيبية: إن مما يدل على صدق رسالة النبي محمد ﷺ وعمومها ما أخبر به من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ؛ ومن ذلك إخباره بأن صناديد المشركين يسمعون قوله ﷺ لهم: «أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا». وهذا يدل على أن ذلك من معجزاته ﷺ الباهرة (٢).
ثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان عذاب القبر ونعيمه: إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن يبينها الداعية للناس: عذاب القبر ونعيمه؛ وقد ظهر في هذا الحديث ما يدل على ذلك، فقد «قال عمر ﵁ للنبي ﷺ حينما خاطب صناديد قريش بعد إلقائهم في قليب بدر: " يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ " فقال ﷺ : " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». قال قتادة: " أحياهم الله حتى أسمعهم قوله: توبيخا، وتصغيرا، ونقمة، وحسرة، وندما "، وهذا يؤكد أهمية بيان عذاب القبر؛ ولهذا خاطب النبي ﷺ صناديد قريش يوبخهم؛ لإِعراضهم وعنادهم التام في الدنيا عن دين الإِسلام، بل وقفوا في طريقه وقاتلوا أهله؛ ولأهمية التحذير من عذاب القبر ذكر الله عذاب آل فرعون في البرِزخ فقال : ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦] (٣) وقال في عذاب الكفار في الدنيا والبرزخ: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ - يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ - وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٥ - ٤٧] (٤).
стр. 800
وقد ذكر البراء بن عازب، وابن عباس، وعلي ﵃، أن قوله : ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] هو عذاب القبر، وقيل: هو الجوع في الدنيا والمصائب التي تصيبهم في الدنيا، ورجح الإمام الطبري ﵀ أن ذلك يشمل الأمرين وأن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابا دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة؛ لأنه في البرزخ، والجوع والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص نوعا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوع بل عمَّ (١) وقد بين النبي ﷺ للناس عذاب القبر في أحاديث كثيرة، ومن ذلك قوله ﷺ : «إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عليه يوم القيامة» (٢) وعن زيد بن ثابت ﵃ قال: «بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به (٣) فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: " من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ " قال رجل: أنا، قال: " فمتى مات هؤلاء؟ " قال: ماتوا في الإِشراك، فقال: " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه "، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: " تعوّذوا بالله من عذاب النار " قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: " تعوذوا بالله من عذاب القبر " قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: " تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن " قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: " تعوّذوا
стр. 801
بالله من فتنة الدجال " قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» (١).
وعن أبي أيُّوب ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس فسمع صوتا فقال: " يهودُ تعذب في قبورها» (٢).
وعن أنس ﵃ قال: قال نبي الله ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره وتولَّى عنه أصحابُه، إنه ليسمع قرعَ نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ " محمد ﷺ " فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما. جميعا" [قال قتادة: " وذُكِرَ لنا أنه يفسح له في قبره " ثم رجع إلى حديث أنس قال] " وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؛ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دَريت ولا تليت، ويضرب بمطارِقَ من حديد ضربة، فيصيح صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين» (٣) وعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أُتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» (٤).
وفتنة القبر كانت تحدث عند الصحابة خشوعا لله وإقبالًا عظيما إلى طاعته حينما يذكرهم رسول الله ﷺ ، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «قام رسول الله ﷺ خطيبا فذكر فتنة القبر التي يفتتن بها المرءُ، فلما ذكر ذلك ضجَّ المسلمون ضجَّةً» (٥).
стр. 802
والقبر له ضغطة لا ينجو منها أحد، لكنَّ هذه الضغطة ضغطة سخط وغضب على المجرمين، وضغطة فرح وسرور للمؤمنين (١) فعن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمةً ثم فرِّج عنه» (٢) يعني سعد بن معاذ ﵁ فينبغي للمسلم أن يسأل الله العافية؛ فإن للقبر ضغطة، فلو نجا أو سلم أحد منها لنجا سعد بن معاذ.
ومما يزيد الأمر وضوحا في عذاب القبر قوله ﷺ : «أسرعُوا بالجنازة، فإن تكُ صالحةً فخيرٌ تقدمونها إليه، وان تَكُ غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٣) وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتَها كلُّ شيءٍ إلا الإنسان، ولو سمعه لَصَعِق» (٤).
ولهول عذاب القبر أمر رسول الله ﷺ أمته بالاستعاذة منه دبر كل صلاة، فقال ﷺ : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (٥) وكان هو ﷺ يدعو في صلاته فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم
стр. 803
يا رسول الله؟ فقال: «إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فأخلف» (١).
ولا شك أن القبور لها ظلمة إلا من نوَّر الله قبره بالإِيمان والعمل الصالح، فعن أبي هريرة ﵁ «أن امرأة سوداء كانت تَقُمّ المسجد، أو شابا، ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات، قال: " أفلا آذنتموني " فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره فقال: " دلوني على قبره " فدلوه فصلى عليها ثم قال: " إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» (٢).
ومن أعظم الأحاديث في عذاب القبر حديث البراء بن عازب ﵁، وفيه أن العبد المؤمن يفسح له في قبره مد بصره، وأن العبد الفاجر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه (٣).
وعن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تُذكَرُ الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن القبر أوّلُ منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه» وقال: قال رسول الله ﷺ : «ما رأيت منظرا قطُ إلا والقبر أفظع منه» (٤).
ومما يزيد المسلم يقينا أن النبي ﷺ قال عن أرواح المؤمنين في البرزخ: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (٥).
وأرواح الشهداء أعظم من ذلك: فإن: «أرواحهم في
стр. 804
جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» (١) ولا شك أن أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وأحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا كان يوم القيامة كان الحكم والنعيم أو العذاب على الأرواح والأجساد جميعا (٢).
وعذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أو أكلته السباع، أو أحرق حتى صار رمادا أو نسف في الهواء؛ فإنه يصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل القبور (٣).
وأحاديث عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين تبلغ حد التواتر؛ فقد بلغت الأحاديث في ذلك سبعين حديثا (٤).
ومما يجير من عذاب القبر معرفة الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور والابتعاد عنها، والأسباب المنجية من عذاب القبر والعمل بها.
أما أسباب عذاب القبر فمنها: الجهل بالله، وإضاعة أوامره، وارتكاب معاصيه، والنميمة، وترك الاستبراء من البول، والكذب الذي يبلغ الآفاق، وترك العمل بالقرآن والنوم عنه بالليل، والزنا، وأكل الربا، والتثاقل عن الصلاة المفروضة، وترك الزكاة المفروضة، وأكل لحوم الناس بالغيبة والوقوع في أعراضهم، وغير ذلك من أسباب عذاب القبر التي ينبغي للداعية تحذير الناس منها.
وأما أسباب النجاة من عذاب القبر فكثيرة، منها: تجنب الأسباب التي تسبب عذاب القبر، ومن أنفع أسباب النجاة أن يجلس المسلم عندما يريد النوم فيحاسب نفسه فيما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد له توبة نصوحا فينام على تلك التوبة " ومن أسباب النجاة من عذاب القبر: الموت مرابطا في سبيل الله، والشهادة في
стр. 805
سبيل الله، وغير ذلك من الأسباب النافعة (١) فينبغي للداعية أن يبين للناس حقيقة عذاب القبر ونعيمه، اللهم عافني وسلمني وأعذني من عذاب القبر، ووالديَّ وجميع المؤمنين.
رابعا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ ولهذا قال قتادة في آخره عن صناديد قريش: " أحياهم الله حتى أسمعهم قوله: توبيخا، وتصغيرا، ونقمة، وحسرة، وندما " وهذا يبين أهمية أسلوب الترهيب وتأثيره على القلوب. (٢).
خامسا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: ظهر في هذا الحديث أسلوب القسم الذي يبعث النفوس على التصديق وقوة اليقين؛ ولهذا قال ﷺ : «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وهذا واضح في الدلالة على أهمية أسلوب التأكيد بالقسم في الدعوة إلى الله (٣).
стр. 806
١٨٧ - باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم
[حديث أن ابن عمر ذهب فرس له فأخذه العدو]
١٤٠ - [٣٠٦٧] قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١) ﵄ قالَ: " ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهُ الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسلِمُونَ فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ وأَبَقَ عَبد لَهُ فَلَحقَ بِالرُوم، فَظَهَرَ عَلَيْهم الْمُسْلِمُونَ فَردَهُ عَلَيْهِ خَالدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيّ ﷺ " (٢).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله .
٢ - من صفات الداعية: العدل.
٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله : إن الجهاد في سبيل الله من أهم الوسائل؛ لنشر وتبليغ الإِسلام، ونصر المظلوم؛ وقد جاء في هذا الحديث أن فرس عبد الله بن عمر ذهب فأخذه العدو، فظهر المسلمون على العدوِّ ومما حصل عليه المسلمون مع الغنائم هذا الفرس، فرُدَّ على ابن عمر ﵁ في زمن رسول الله ﷺ .
وهذا فيه إقامة لعلم الجهاد ونصر للمظلوم (٣).
ثانيا: من صفات الداعية: العدل: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية العدل؛ لأن المسلمين في زمن
стр. 807
رسول الله ﷺ عندما ظهروا على أعداء الإِسلام أعادوا فرس عبد الله بن عمر إليه، لعدلهم وأمانتهم، ورغبتهم في الخير.
فينبغي للداعية أن يكون عدلًا منصفا من نفسه؛ قال الخطابي ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه من الفقه أن المسلمين إذا غنموا فكان في الغنيمة مال لمسلم؛ فإنه مردود عليه، وقال بعض الفقهاء: إن كان قبل القسم رُدَّ عليه وإن كان بعده لم يُرَدَّ، ولا فرق بين الأمرين؛ لأن القسمة لا تبطل الملك، ولا تبدل الحكم " (١) وهذا يؤكد أهمية العدل، والإِنصاف ومكانته في الدعوة إلى الله (٢).
ثالثا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة إلى الله ، وذلك أن المسلمين في زمن رسول الله ﷺ رَدُّوا فرس عبد الله بن عمر ﵄، وهذا فيه قدوة لغيرهم، ولمن يأتي من بعدهم؛ ولهذا عندما أبق عبدٌ لعبد الله ﵁ فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون رَدّ خالدُ بن الوليد ﵁ العبد بعد النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن خالد بن الوليد ﵁ اقتدى بما فُعِلَ في زمن رسول الله ﷺ من رد الحقوق إلى أصحابها. وهذا يؤكد أهمية القدوة الحسنة وأثرها في الدعوة (٣).
* شرح غريب الحديث: * " سُوْرا " السور: الطَّعام الذي يُدعى إليه، وقيل: الطعام مطلقا، وهذا المقصود في هذا الحديث. والسور: كل ما يحيط بشيء من بناء أو غيره، كالبناء الذي يحيط بالمدينة، والسؤر بالهمز: البقية من الطعام أو الشراب: يقال: " سأر " أبقى بقية (١).
* " فحيَّهلا " حيهلا: كلمتان جعلتا كلمة واحدة، ومعناها: تعالوا وعجلوا (٢).
* " كُدْية " الكدية: قطعة غليظة صلبة من الأرض لا يؤثر فيها الفأس (٣).
* " كثيبا أهيل أو أهيم " الكثيب الأهيل: المنهار السائل الذي لا يتماسك في انصبابه، والكثيب الأهيم مثلُهُ: وهو الرمل اليابس (٤).
* " عناق " العناق: الأنثى من أولاد المعز (٥).
* " البرمة " البرمة القدر مطلقا، وجمعها برام، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن (٦).
* " الأثافي " هي الحجارة التي تنصب وتجعل القدر عليها وهي ثلاثة (٧).
* " التنور " التنور الذي يخبز فيه (٨).
* " ولا تضاغطوا " أي لا تزاحموا (٩).