١٨٧ - باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم
[حديث أن ابن عمر ذهب فرس له فأخذه العدو]
١٤٠ - [٣٠٦٧] قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١) ﵄ قالَ: " ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهُ الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسلِمُونَ فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ وأَبَقَ عَبد لَهُ فَلَحقَ بِالرُوم، فَظَهَرَ عَلَيْهم الْمُسْلِمُونَ فَردَهُ عَلَيْهِ خَالدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيّ ﷺ " (٢).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله .
٢ - من صفات الداعية: العدل.
٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: الجهاد في سبيل الله : إن الجهاد في سبيل الله من أهم الوسائل؛ لنشر وتبليغ الإِسلام، ونصر المظلوم؛ وقد جاء في هذا الحديث أن فرس عبد الله بن عمر ذهب فأخذه العدو، فظهر المسلمون على العدوِّ ومما حصل عليه المسلمون مع الغنائم هذا الفرس، فرُدَّ على ابن عمر ﵁ في زمن رسول الله ﷺ .
وهذا فيه إقامة لعلم الجهاد ونصر للمظلوم (٣).
ثانيا: من صفات الداعية: العدل: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية العدل؛ لأن المسلمين في زمن
стр. 807
رسول الله ﷺ عندما ظهروا على أعداء الإِسلام أعادوا فرس عبد الله بن عمر إليه، لعدلهم وأمانتهم، ورغبتهم في الخير.
فينبغي للداعية أن يكون عدلًا منصفا من نفسه؛ قال الخطابي ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه من الفقه أن المسلمين إذا غنموا فكان في الغنيمة مال لمسلم؛ فإنه مردود عليه، وقال بعض الفقهاء: إن كان قبل القسم رُدَّ عليه وإن كان بعده لم يُرَدَّ، ولا فرق بين الأمرين؛ لأن القسمة لا تبطل الملك، ولا تبدل الحكم " (١) وهذا يؤكد أهمية العدل، والإِنصاف ومكانته في الدعوة إلى الله (٢).
ثالثا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: ظهر في هذا الحديث أن القدوة الحسنة من وسائل الدعوة إلى الله ، وذلك أن المسلمين في زمن رسول الله ﷺ رَدُّوا فرس عبد الله بن عمر ﵄، وهذا فيه قدوة لغيرهم، ولمن يأتي من بعدهم؛ ولهذا عندما أبق عبدٌ لعبد الله ﵁ فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون رَدّ خالدُ بن الوليد ﵁ العبد بعد النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن خالد بن الوليد ﵁ اقتدى بما فُعِلَ في زمن رسول الله ﷺ من رد الحقوق إلى أصحابها. وهذا يؤكد أهمية القدوة الحسنة وأثرها في الدعوة (٣).
* شرح غريب الحديث: * " سُوْرا " السور: الطَّعام الذي يُدعى إليه، وقيل: الطعام مطلقا، وهذا المقصود في هذا الحديث. والسور: كل ما يحيط بشيء من بناء أو غيره، كالبناء الذي يحيط بالمدينة، والسؤر بالهمز: البقية من الطعام أو الشراب: يقال: " سأر " أبقى بقية (١).
* " فحيَّهلا " حيهلا: كلمتان جعلتا كلمة واحدة، ومعناها: تعالوا وعجلوا (٢).
* " كُدْية " الكدية: قطعة غليظة صلبة من الأرض لا يؤثر فيها الفأس (٣).
* " كثيبا أهيل أو أهيم " الكثيب الأهيل: المنهار السائل الذي لا يتماسك في انصبابه، والكثيب الأهيم مثلُهُ: وهو الرمل اليابس (٤).
* " عناق " العناق: الأنثى من أولاد المعز (٥).
* " البرمة " البرمة القدر مطلقا، وجمعها برام، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن (٦).
* " الأثافي " هي الحجارة التي تنصب وتجعل القدر عليها وهي ثلاثة (٧).
* " التنور " التنور الذي يخبز فيه (٨).
* " ولا تضاغطوا " أي لا تزاحموا (٩).
стр. 811
* " داجن " الداجن من الغنم ما يربّى في البيوت ويألفها (١).
* " المعول " الفأس الذي يكسر به الحجر (٢).
* " خمصا شديدا " الخمص، والخمصة، والمخمصة: الجوع والمجاعة، ويقال: رجل خُمصان، وخميص، إذا كان ضامر البطن وجمع الخميص: خِمَاص (٣).
* " بُهيمة " البهيمة: تصغير البهمة، وهي ولد الضأن، ويقع على المذكر والمؤنث منها، والسخال: أولاد المعز، فإذا اجتمعت البهائم والسخال قلت لها جميعا: بهائم وبهم (٤).
* " لتغطّ " يقال: غطَّت القدر تغطُّ: غلت وفارت، وغطيطها صوت غليانها (٥).
* " فانكفأت " يقال: انكفأ الرجل إلى أهله: رجع وانقلب والأصل في الانكفاء: الانقلاب، من كفأت الإِناء إذا قلبته (٦).
* " الجراب " الجراب وعاء من جلد يحفظ فيه الزاد (٧).
* " اقدحي " يقال: قدحت القدر إذا غرفت ما فيها، والقديح: المرق، فعيل بمعنى مفعول، والمقدحة: المغرفة، والمقدح: الحديدة التي تقدح بها النار، والمعنى: اغرفي. (٨).
* " العجين قد انكسر " أي لان ورطب، وتمكن من الخمير (٩).
стр. 812
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: إكرام العلماء والدعاة.
٢ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإِيثار.
٣ - من صفات الداعية: التواضع.
٤ - من صفات الداعية: إعانة المدعوين ومساعدتهم.
٥ - أهمية الشورى مع العلماء والدعاة.
٦ - أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان.
٧ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.
٨ - من صفات الداعية: الرحمة.
٩ - من صفات الداعية: تعجيل المعروف وتحقيره.
١٠ - من آداب الداعية: تطييب الطعام وتعظيمه.
١١ - أهمية كمال عقل المدعو.
١٢ - من معجزات النبي ﷺ : تكثير الطعام.
١٣ - أهمية الأخذ بالأسباب.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا من صفات الداعية: إكرام العلماء والدعاة: إن من الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة إكرام العلماء والدعاة رغبة فيما عند الله ؛ ولهذا أكرم جابر بن عبد الله ﵄ النبيَّ ﷺ ، قال ﵁: «قلت يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير فتعال أنت ونفر، فصاح النبي ﷺ فقال: " يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سورا فحيهَلا بكم» فأكرمهم جابر ﵁، وأعانه الله وجعل طعامه مباركا نافعا شاملا لأهل الخندق كلهم فينبغي للداعية أن يكرم العلماء والدعاة ويقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة (١).
стр. 813
ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإيثار: دل هذا الحديث بمفهومه على أن من موضوعات الدعوة الحث على الإِيثار؛ ولهذا آثر جابر بن عبد الله النبي ﷺ على نفسه وأهله، فإن الحال عندهم كانت ضعيفة؛ لقلة ما في اليد، والظاهر أن جابر بن عبد الله ﵄ لم يجد في بيته إلا هذه العناق وصاع الشعير، فصنع ذلك للنبي ﷺ ورجلٍ أو رجلين إيثارا منه، ولو كان عنده أكثر من ذلك لزاد؛ لكثرة الناس وحاجتهم الشديدة للطعام. كما يدل على الإِيثار ما فعله رسول الله ﷺ عندما نادى المهاجرين والأنصار جميعا فقال: " قوموا "، فقام المهاجرون والأنصار ومن معهم. وهذا يدل على إيثار النبي ﷺ وحبه الخير لأصحابه، ولو كان المدعو غيره من الكبراء لم يدع أحدا معه؛ ليحصل على ما يسد رمقه، ولا هم له غير ذلك، ولكن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١) ولا شك أن الله قد مدح أهل الإِيثار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] (٢) وهذا العمل قد بلغ بأصحابه أعلى درجات الإِيمان الكامل؛ فإن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣).
وهذا يدل على أن من لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه فقد نقص إيمانه، قال الحافظ ابن رجب ﵀: " المراد بنفي الإِيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته؛ فإن الإِيمان كثيرا ما يُنفى لانتفاء بعض أركانه وواجباته " (٤) " والمقصود أن من جملة خصال الإِيمان الواجبة أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره
стр. 814
له ما يكرهه لنفسه، فإذا زال ذلك عنه فقد نقص إيمانه بذلك " (١).
أما الإِيثار فهو أعظم من ذلك في قوة حقيقة الإِيمان؛ لأن الإِيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا: أي خصصته به وفضلْته بالمال أو بالمنازل، أو بالنفس، لا عن غنىً بل مع الحاجة لذلك (٢) وقد وصل أصحاب النبي ﷺ إلى الدرجات العلى من الإِيثار، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود (٣) فأرسل رسول الله ﷺ إلى بعض نسائهِ، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: " من يُضِيف هذا الليلة ﵀؟ " فقام رجل من الأنصار (٤) فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رَحْلِهِ (٥) فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فَعَلِّليهم بشيءٍ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيهِ، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: " قد عجب الله من صنيعِكما بضيفكما الليلة "، وفي رواية أن الصحابي قال لامرأته: نوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها. . . ونوَّمت صبيانها. . . فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]» (٦) ومما يدل على الإِيثار قصة مؤاخاة النبي ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف ﵁، وسعد بن الربيع ﵁،
стр. 815
فإن النبي ﷺ لما قدم المدينة آخى بينهما فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثرُ الأنصار مالًا، سأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك [لا حاجة لي في ذلك] دلوني على السوق، فدلوه على السوق، فباع واشترى حتى تزوج، فقال له رسول الله ﷺ : «بارك الله لك أولم ولو بشاة» (١) ومما يؤكد حرص السلف الصالح على الإِيثار قصة الرأس الذي عُرض على سبعة أبيات يقول صاحب كل بيت منهم: أعطه جاري وعياله؛ فهو أحق بذلك مني، حتى رُجِعَ بالرأس إلى البيت الأول (٢) ومما يدل على الإِيثار العظيم في القُرَبِ وغيرها قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع عائشة ﵂، وذلك أن عمر عند موته قال لابنه عبد الله ﵄: ". . . انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فَسَلَّمَ واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنَهُ به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء أهمَّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قبضتُ فاحملوني ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين. (٣).
وهذا يؤكد جواز الإِيثار بالقرب، قال الإمام ابن القيم ﵀: " وقول من قال من الفقهاء: لا يجوز الإِيثار بالقُرَبِ، لا يصح، وقد آثرت عائشة عمر بن
стр. 816
الخطاب بدفنه في بيتها جوار النبي ﷺ ، وسألها عمر ذلك فلم تكره له السؤال، ولا لها البذل، وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال، ولا لذلك البذل، ونظائره، ومن تأمل سيرة الصحابة وجدهم غير كارهين لذلك ولا ممتنعين منه، وهل هذا إلا كرم وسخاءٌ، وإيثارٌ على النفس بما هو أعظم محبوباتها، تفريجا لأخيه المسلم، وتعظيما لقدره، وترغيبا له في الخير؟ وقد يكون ثواب كل واحدٍ من هذه الخصال راجحا على ثواب تلك القربة، فيكون المؤثر بها ممن تاجر فبذل قربة وأخذ أضعافها " (١).
وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يرجح جواز الإِيثار بالقرب وأنه لا حرج في ذلك إذا ظهرت المصلحة (٢).
وهذا كله وغيره كثير يدل على أهمية الإِيثار وأنه ينبغي للداعية إلى الله أن يعتني به، ويحض الناس عليه، والله المستعان.
ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على أن صفة التواضع من الصفات الحميدة؛ ولهذا تواضع النبي ﷺ فشارك أصحابه في حفر الخندق، فقال لهم: " أنا نازل " ثم قام وبطنه معصوب بحجر وشاركهم ﷺ في الحفر.
وهذا يؤكد تواضعه ﷺ وطيب عقله ونفسه (٣).
رابعا: من صفات الداعية: إعانة المدعوين ومساعدتهم: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية الصادق إعانة المدعوين ومشاركتهم في الأعمال التي تخدم الجهاد والدعوة؛ ولهذا شارك النبي ﷺ الصحابة ﵃ في حفر الخندق. فينبغي الاقتداء به ﷺ (٤).
стр. 817
خامسا: أهمية الشورى مع العلماء والدعاة: إن الشورى من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها الداعية إلى الله ، لما فيها من اجتماع الكلمة، وسداد الرأي، والاستفادة من الخبرات والتجارب، وقد ظهرت الشورى في هذا الحديث؛ لقول جابر ﵁: «إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤُوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: " أنا نازل " فأخذ النبي ﷺ المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل»، فقد استفاد الصحابة بهذه الشورى مع النبي ﷺ فأزيلت الكدية بعمل النبي ﷺ . وفي هذا الحديث أيضا أن جابر بن عبد الله ﵄ شاور زوجته في شأن إطعام الرسول ﷺ فقال: «رأيت بالنبي ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق». وهذا يؤكد أهمية الشورى وخاصة مع العلماء والدعاة، والأخيار الصالحين (١).
سادسا: أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان: دل هذا الحديث على أهمية الصبر على الابتلاء والامتحان؛ ولهذا صبر النبي ﷺ على الجوع والخوف أيام الخندق، كما في الحديث أن النبي ﷺ قام وبطنه معصوب بحجر، وقد لبث أصحاب الخندق مع النبي ﷺ ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا؛ ولحكمة النبي ﷺ عصب الحجر على بطنه؛ لأن الجوع يخشى منه أن يضمر البطن فينحني الصلب، فإذا وضع الحجر على البطن وَشُدَّ بالعصابة استقام الظهر، وقيل: لعل ذلك لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر؛ ولأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء فلا يتحلل شيء مما في البطن، فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل. (٢).
وهذا يؤكد ما أصاب النبي ﷺ وأصحابه ﵃ من شدة الحال، وقلة ما في اليد، فصبروا وصابروا والله المستعان (٣).
стр. 818
سابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية المخلص الحرص على الدقة في نقل الحديث؛ لقول الراوي في هذا الحديث: " أهيل أو أهيم " قال الحافظ ابن حجر ﵀: " شك من الراوي " (١).
وهذا يؤكد حرص السلف الصالح على العناية الدقيقة بنقل أحاديث رسول الله ﷺ وتبليغها للناس كما جاءت (٢).
ثامنا: من صفات الداعية: الرحمة: ظهرت صفة الرحمة في هذا الحديث من قول جابر ﵁ لامرأته: " رأيت بالنبي ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر فعندكم شيء؟ " كما ظهرت صفة الرحمة من قول النبي ﷺ لزوجة جابر ﵄: «كلي هذا وأهدي فإن الناس قد أصابتهم مجاعة». وهذا يبين أن الرحمة من صفات الدعاة إلى الله (٣).
تاسعا: من صفات الداعية: تعجيل المعروف وتحقيره: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الكريم: بذل المعروف وتعجيله، وتصغيره؛ قال جابر بن عبد الله ﵄ للنبي ﷺ : «. . . طُعَيِّم لي فقم أنت يا رسول الله، ورجلٌ أو رجلان قال: " كم هو؟ " فذكرت له، قال: " كثير طيِّب» وهذا يؤكد أهمية تقديم المعروف وفعله مع عدم استكثاره؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ عند ذكره لقول جابر ﵁: " طعيم لنا " هذا " على طريقة المبالغة في تحقيره، قالوا: من تمام المعروف: تعجيله وتحقيره " (٤).
فينبغي للداعية أن يتصف بهذه الصفة الكريمة.
стр. 819
عاشرا: من آداب الداعية: تطييب الطعام وتعظيمه: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية تطييب الطعام وتعظيمه واستكثاره إذا قُدِّم له؛ ولهذا عندما قال جابر للنبي ﷺ : " طعيم لنا " فقال ﷺ : " كثير طيب "، وهذا من الأدب النبوي العظيم الذي فاق فيه رسول الله ﷺ جميع البشر؛ ولهذا كان ﷺ لا يعيب الطعام، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط، كان إذا اشتهى شيئا أكله وإن كرهه تركه» (١) وهذا من الأدب العظيم الذي ينبغي لكل مسلم التزامه اقتداءً بالنبي ﷺ ، وخاصة الدعاة إلى الله .
الحادي عشر: أهمية كمال عقل المدعو: إن من الأمور المهمة التي تعين الدعاة إلى الله على دعوتهم كمال عقل المدعو، وقد ظهرت هذه الصفة العظيمة في هذا الحديث عندما قالت زوجة جابر ﵄: هل سألك؟ أي عن كمية الطعام، فقال جابر: نعم. فسكن ما عندها لعلمها بأن الله أعلم ورسوله؛ ولعلمها بإمكان خرق العادة؛ ولهذا قبل أن يذهب جابر ﵁ إلى رسول الله ﷺ قالت له: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، وعندما أخبره بكمية الطعام لم تلمه بعد ذلك؛ ولهذا الصنيع العظيم قال الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذه المرأة: " لما قال لها إنه جاء بالجميع ظنت أنه لم يعلمه فخاصمته، فلما أعلمها أنه أعلمه سكن ما عندها لعلمها بإمكان خرق العادة، ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها " (٢).
وهذا يبين أهمية كمال عقل المدعو. والله المستعان.
الثاني عشر: من معجزات النبي ﷺ : تكثير الطعام: إن من المعجزات الظاهرة الحسية التي تدل على صدق النبي ﷺ : تكثير
стр. 820
الطعام على يديه، وقد ظهرت هذه المعجزة في هذا الحديث، وذلك أن عناق جابر وصاع الشعير أشبع أمة من الناس وبقي الطعام كما هو لم ينقص منه شيء، قال جابر ﵁: " وهم ألف فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو " قال الإمام النووي ﵀: " وقد تضمن هذا الحديث علمين من أعلام النبوة: أحدهما تكثير الطعام القليل، والثاني علمه ﷺ بأن هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة خمسة أنفس أو نحوهم سيكثر فيكفي ألفا وزيادة، فدعا له ألفا قبل أن يصل إليه، وقد علم أنه صاع شعير، وبهيمة والله أعلم " (١).
وهذا يؤكد أهمية إبلاغ الداعية للناس بعلامات نبوة محمد ﷺ (٢).
الثالث عشر: أهمية الأخذ بالأسباب: ظهر في هذا الحديث أهمية الأخذ بالأسباب والتوكل على الله ؛ ولهذا حفر النبي ﷺ الخندق من باب الأخذ بالأسباب وقد علم أن الأحزاب تكالبوا عليه من كل حدب وصوب ولكن لثقته العظيمة وتوكله الكامل على الله صمد لذلك وحفر الخندق على ضعف الصحابة وقلة ما في اليد؛ ولضعفهم البدني حُدَّدَ لكل عشرة رجال عشرة أذرع (٣) فأخذ رسول الله ﷺ بالأسباب هو وأصحابه مع التوكل الكامل فنصرهم الله وأنزل جنوده، وريحه، وإعانته ونصره سبحانه (٤).
أخضر أو أصفر، فقال: " يا أم خالد هذا سناه " وسناه بالحبشية» (١).
وفي رواية «. . . . فبقيت حتى ذكر. . . يعني من بقائها» (٢).
* شرح غريب الحديث: * " سَنَهْ " أو " سَنَاه " سنا بالحبشية: حَسَنٌ، وسَنّاه بالتشديد والتخفيف (٣).
* " زبرني " يقال: زبرتُ الرجل: زجرته وانتهرته (٤).
* " خميصة لها أعلام " الخميصة: كساء من خز أو صوف أسود، وجمعه خمائص، وكانت من لباس النساء، ولا تكون الخمائص إلا معلمة (٥).
* " دكن " يقال: دكن الثوب أي عاد لونه إلى الدكنة وهي السواد (٦).
* " أبلي وأخلقي " من إخلاق الثوب: أي تقطيعه (٧).
وأبلي: من أبليت الثوب إذا جعلته عتيقا، وهو بمعنى أخلقي (٨).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من أصناف المدعوين: الأطفال.
٢ - من صفات الداعية: التواضع.
٣ - من صفات الداعية: الحلم.
٤ - من صفات الداعية: المشاورة للأصحاب.
стр. 823
٥ - من أساليب الدعوة: استمالة قلب المدعو بمخاطبته بلغته.
٦ - من أساليب الدعوة: الدعاء بطول العمر على طاعة الله .
٧ - من معجزات الرسول ﷺ : استجابة دعواته.
٨ - من وسائل الدعوة: الإِهداء.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من أصناف المدعوين: الأطفال: دل هذا الحديث على أن من أصناف المدعوين الأطفال؛ ولهذا أدخل النبي ﷺ السرور على أم خالد بنت خالد ﵄ فقال لها: " سنهْ سنهْ " واستمال قلبها بذلك، وبالهدية، وبالدعاء، فدل ذلك كله على أهمية العناية بالأطفال؛ لأنهم من أصناف المدعوين؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه استمال قلوب كثير من الأطفال إما بالدعاء والهدية والمداعبة كما في حديث أم خالد هذا، وإما بالسلام كما في حديث أنس ﵁ «أنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ " فمر بصبيان فسلم عليهم» (١) وكان ﷺ إذا رأى بعض الصبيان يعمل عملا لا ينبغي أنكر عليه بالأسلوب الحسن الجميل الذي يناسبه، فعن أبي هريرة ﵁: «أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال له النبي ﷺ بالفارسية: " كخْ، كخْ، ارمِ بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة» (٢).
وهذا يدل على أن الصبيان ينكر عليهم على حسب عقولهم؛ فإن معنى: كِخْ كِخْ: الزجر للصبي عما يريد فعله (٣).
وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " كِخ كِخ، يعني اتركها، وهذا فيه تعليم الصبيان ما أمر الله به، ونهيهم عما نهى الله عنه، حتى يتعوَّدوا؛ لئلا يتمردوا، وهكذا لا يلبسوا
стр. 824
الذهب ولا الحرير، ويمنعوا من الإِسبال، وظاهر الحديث أن كلمة كخ كخ كانت تستخدم في المدينة، فخاطبهم بما يفهمون، وأصلها فارسي فأصبحت عربية بالنقل، وكل كلمة ليست بعربية ثم نقلت إلى العربية واستخدمها العرب، فإنها تصبح عربية بالنقل " (١) وقد كان النبي ﷺ يؤدب الصبيان بالكلام الحكيم ويأمرهم بالأدب الكريم، فعن عمر بن أبي سلمة قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش (٢) في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ : " يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك " فما زالت تلك طعمتي بعد» (٣) وكان ﷺ يعلم الصبيان ما ينفعهم، ويحذرهم مما يضرهم، فعن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوما فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٤) ومما يدل على عنايته ﷺ بتعليم الصبيان ما رواه عنه ابن عباس ﵄ " أن النبي ﷺ توضأ فقام يصلي، فقمت عن يساره فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة. . . " (٥).
وهذا كله يؤكد أن الأطفال من أصناف المدعوين، فينبغي العناية بهم، ومراعاة أحوالهم ومخاطبتهم على قدر عقولهم.
стр. 825
ثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية التواضع؛ ولهذا تواضع النبي ﷺ مع أم خالد فلاطفها وقال: " سنهْ سنهْ " قال العلامة العيني ﵀ في فوائد هذا الحديث: " وفيه تواضع النبي ﷺ " (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " فيه تواضعه ﷺ مع أم خالد وحسن خلقه؛ لكونه قال: " سناه سناه " يعني حسن حسن ". (٢).
فينبغي أن يعتني الداعية بهذه الصفة العظيمة (٣).
ثالثا: من صفات الداعية: الحلم: ظهر في هذا الحديث أن الحلم صفة عظيمة من أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ ولهذا حلم النبي ﷺ على أم خالد عندما لعبت بخاتم النبوة، وقد زجرها أبوها ﵁، ولكن النبي ﷺ قال له: " دعها " وهذا يؤكد عظم حلمه ﷺ وحسن خلقه (٤).
فينبغي للداعية أن يقتدي به ﷺ (٥).
رابعا: من صفات الداعية: المشاورة للأصحاب: دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية المشاورة لأصحابه؛ ولهذا شاور النبي ﷺ أصحابه فيمن يعطي الخميصة السوداء الصغيرة فقال: «من ترون أن نكسُوَ هذه؟ " فسكت القوم، قال: " ائتوني بأم خالد " فأخذ الخميصة بيده فألبسها فقال: " أبلي وأخلقي». وهذا يؤكد أهمية الشورى مع الأصحاب؛ لما في ذلك من تطييب القلوب وسداد الرأي، والله المستعان (٦).
стр. 826
خامسا: من أساليب الدعوة: استمالة قلب المدعو بمخاطبته بلغته: ظهر في هذا الحديث أن من أساليب الدعوة استمالة قلب المدعو بمخاطبته بلغته، ومن ذلك قول النبي ﷺ لأم خالد في هذا الحديث: " سنه سنه " أي حسنةٌ حسنة، أو حسنٌ حسنٌ، وخاطبها بذلك؛ لأنها ولدت في الحبشة وهذه لغة حبشية؛ قال الكرماني ﵀: " وإنما كان غرض رسول الله ﷺ من التكلم بهذه الكلمة الحبشية استمالة قلبها؛ لأنها ولدت بأرض الحبشة " (١).
فينبغي للداعية أن يخاطب الناس بما يستميل به قلوبهم، وإذا استطاع أن يستميل قلوبهم بمخاطبتهم بلغاتهم فعل؛ لما في ذلك من تأليف قلوبهم وجذبها لمحبة الإِسلام، والله المستعان.
سادسا: من أساليب الدعوة: الدعاء بطول العمر على طاعة الله : إن من أساليب الدعوة الدعاء بطول العمر على طاعة الله ؛ وقد دعا رسول الله ﷺ لأمِّ خالد بطول العمر فقال عندما ألبسها الخميصة: «أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي» وهذا دعاء منه ﷺ بطول العمر لأم خالد، قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ووقع في نسخة الصاغاني هنا من الزيادة في آخر الباب " قال أبو عبد الله هو المصنف: " لم تعش امرأة مثل ما عاشت هذه، يعني أم خالد " ثم قال الحافظ ابن حجر: " قلت وإدراك موسى بن عقبة لها دال على طول عمرها؛ لأنه لم يلق من الصحابة غيرها " (٢) وقول النبي ﷺ : «أبلي وأخلقي» دعاء بطول العمر؛ لأن العرب تطلق ذلك وتريد الدعاء بطول البقاء للمخاطب بذلك: أي إنها تطول حياتها حتى يبلى الثوب ويخلق، يقال: أبلِ وأخلِقْ معناه: عش وخرق ثيابك وأرقعها (٣) ولكن ينبغي أن يقيد الدعاء بطول العمر بطاعة الله ؛ لحديث أبي بكرة ﵁: «أن رجلا قال: يا رسول الله أيُّ الناس خير؟ قال: " من طال عمره وحسن عمله "
стр. 827
قال: فأي الناس شر؟ قال؛ " من طال عمره وساءَ عمله» (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله يقول: " الدعاء بطول العمر ينبغي أن يقرن بالطاعة، وإذا دعا بطول العمر ونوى بذلك على الطاعة كفت النية " (٢).
سابعا: من معجزات الرسول ﷺ : استجابة دعواته: دل هذا الحديث على أن من معجزات الرسول ﷺ استجابة الله لدعواته؛ ولهذا دعا ﷺ لأم خالد فقال لها: «أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي» وهذا الدعاء بطول العمر، وقد استجاب الله دعوته ﷺ فعاشت زمنًا طويلا ﵂ (٣) وهذا يؤكد أن من معجزاته ﷺ استجابة دعواته (٤).
ثامنا: من وسائل الدعوة: الإهداء: دل هذا الحديث على أن من وسائل الدعوة الإهداء؛ لما في ذلك من استمالة القلوب، وإزالة الشحناء، وجمع القلوب؛ ولهذا أهدى رسول الله ﷺ لأم خالد الخميصة كما في الحديث، وقد حث النبي ﷺ على الهدية فقال: «تهادوا تحابوا» (٥).
فينبغي العناية بالهدية، وقبولها والإثابة عليها. بشرط أن لا تكون سببا للوقوع في أخذ الرشوة التي حرم الشرع.
فلا بد من التأمل أثناء الإهداء، وقبول الهدية والله المستعان (٦).
стр. 828
١٩٠ - باب القليل من الغلول
وَلَم يَذْكُر عبد الله بْنُ عَمْرو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنهُ حَرَّقَ مَتَاعَهُ، وَهَذا أصَحّ.
[حديث كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له كركرة]
١٤٣ - [٣٠٧٤] حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عبد الله: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سالِم بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ عبد الله بْن عَمْرٍو (١) قَالَ: «كَان عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رجلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَة (٢) فَمَاتَ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : " هُوَ فِي النَّارِ "، فَذهَبُوا ينظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا».
قَالَ أَبُو عبد الله: قَالَ ابْنُ سَلامٍ: كَرْكَرَة: يَعْنِي بفَتْحِ الكَافِ، وَهُوَ مَضْبُوط كَذَا.
* شرح غريب الحديث: * ثقل النبي ﷺ " الثقل: الرَّحْلُ والمتاع، وجمعه: أثقال (٣).
* عباءة، العباءَة: ضرب ونوع من الأكسية فيها خشونة (٤).
* " غلها " الغلول في المغنم أن يخْفى من الغنيمة شيء ولا يرد إلى القسمة؛ لأن ذلك من حقوق من شهد الغنيمة، وهو في معنى الخيانة يقال: غل يغل غلولا: إذا أخذ من الأموال المغنومة شيئا فأخفاه، وكل من خان شيئا في خفاء فقد غل، وسمي ذلك غلولا؛ لأن الأيدي مغلولة عنه: أي ممنوعة منه (٥).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
стр. 829
١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الغلول.
٢ - من صفات الداعية: الأمانة.
٣ - من أساليب الدعوة: الترهيب.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الغلول: ظهر في هذا الحديث أن من موضوعات الدعوة التي ينبغي أن يعتني بها الداعية: التحذير من الغلول وبيان خطره؛ ولهذا قال ﷺ فيمن غل العباءة: «هو في النار» وقد نفى الله الغلول عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحذر وتوعد أصحاب الغلول يوم القِيَامة فقال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] (١).
وحذر النبي ﷺ عن الغلول، فعن أبي هريرة ﵁، قال: «قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول، فعظّمه وعظّم أمره ثم قال: " لَا أُلفِيَنَّ (٢) أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء (٣) يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا أُلفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة (٤).
فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك. لا أُلفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاءٌ (٥) يقول يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك. لا أُلفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح (٦) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك. لا أُلْفِيَنَّ أحدكم
стр. 830
يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع (١) تخفق (٢) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (٣) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك» (٤) وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ قالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مرُّوا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ : " كلا إني رأيتُهُ في النار في بردة (٥) غلَّها، أو عباءَةٍ " ثم قال رسول الله ﷺ : " يا ابن الخطاب، اذهب فنادِ في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون " قال فخرجت فناديت: " ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» (٦) وعن أبي هريرة ﵁ قال: «خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إنما غنمنا [البقر، والإِبل] والطعام، والثياب [ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى، ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضباب]، وفي رواية مسلم: ومع رسول الله ﷺ عبد له، وهبه له رجل من جُذام يُدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله ﷺ يحلُّ رحله، فرُمِيَ بسهم فقال الناس: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : " كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا " فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك (٧) أو
стр. 831
بشراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله ﷺ : " شراك أو شراكان من نار» (١).
ويدخل في الغلول ما يؤخذ من بيت مال المسلمين عن طريق الخفية، وما يأخذه العمال من هدايا من أجل وظائفهم، فعن أبي حميد الساعدي قال: «استعمل رسول الله ﷺ عاملا (٢) فجاء العامل حين فرغ من عمله فقال: يا رسول الله هذا لكم، وهذا أهدي إليّ فقال له: " أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى لك أم لا؟ " ثم قام رسول الله ﷺ عشيةً بعد الصلاة، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد فما بال العامل نستعمله، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يُهدى له أم لا؟ فوالذي نفس محمد بيده لا يغلُّ أحدكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيرا جاء به له رغاء، وإن كانت بقرة جاء بها لها خوار، وإن كانت شاة جاء بها تيعرُ (٣) فقد بلغت» [وفي رواية مسلم: «اللهم هل بلغت؟ " مرتين»] (٤).
والغلول من أعظم الذنوب ولو كان يسيرا، فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ «أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: " إن صاحبكم غل في سبيل الله " ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين» (٥).
стр. 832
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ يوم حنين إلى جنب بعير من المقاسم ثم تناول شيئا من البعير فأخذ منه قردة - يعني وبرة - فجعل بين أصبعيه ثم قال: " أيها الناس إن هذا من غنائمكم. أدوا الخيط والمخيطَ فما فوق ذلك فما دون ذلك، فإن الغلول عار على أهله يوم القيامة، وشنار (١) ونار» (٢) فينبغي للداعية أن يحذر المدعوين من الغلول ويُبيِّن لهم خطره، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة.
ثانيًا: من صفات الداعية: الأمانة: ظهر في مفهوم هذا الحديث أن الأمانة من صفات الداعية؛ لأن النبي ﷺ بين أن هذا الرجل دخل النار بسبب عباءة غلها، فدل ذلك على خيانته وعدم حفظه للأمانة، ودل مفهوم المخالفة على أنه ينبغي للداعية أن يكون أمينا في كل شيء، والله المستعان (٣).
ثالثا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أن أسلوب الترهيب له مكانة عظيمة في الدعوة إلى الله ؛ لما يحمل عليه من التخويف؛ ولهذا قال ﷺ لهذا الرجل: «هو في النار» بسبب العباءة التي غلها، وهذا فيه تخويف عظيم من الغلول يردع النفوس عن مثل هذا العمل القبيح (٤).
стр. 833
١٩٤ - باب لا هجرة بعد الفتح
[حديث انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه ﷺ مكة]
١٤٤ - [٣٠٨٠] حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عبد الله: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرو وابْنُ جرَيجٍ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقَولُ: ذَهبْتُ مَعَ عُبَيدِ بْنِ عُمَيرٍ إِلَى عَائشةَ (١) ﵂ وَهِيَ مجَاوِرَةٌ بِثَبِيرٍ، فَقَالَتْ لَنَا: «انقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ منْذُ فَتَحَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ مكَّةَ» (٢).
وفي رواية: «زُرْتُ عَائِشَةَ ﵂، مَعَ عُبيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِي فَسَأَلْنَاهَا عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَتْ: لا هِجْرَةَ الْيَوْمَ، كَانَ الْمُؤمِنُونَ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بدِينِهِ إِلَى الله تَعالى وَإِلَى رَسُولِه ﷺ ، مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أظْهَرَ الله الإِسْلامَ، وَالْيَوْمَ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَكِنْ جِهَاد وَنيَّةٌ» (٣).
وفي رواية: ". . «فَقَدْ أَظْهَرَ الله الإِسْلامَ، فَالمُؤمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ ونيَّةٌ» (٤).
* شرح غريب الحديث: * " ثبير " جبل عظيم بالمزدلفة على يسار الذاهب منها إلى منى، وعلى يمين الذاهب من منى إلى مزدلفة (٥).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
стр. 834
١ - أهمية زيارة العلماء للاستفادة من علمهم.
٢ - أهمية السؤال في تحصيل العلم.
٣ - من معجزات النبي ﷺ : الإخبار ببقاء مكة دار إسلام.
٤ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.
٥ - من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله .
٦ - من موضوعات الدعوة: الحض على النية الصالحة.
٧ - من موضوعات الدعوة: بيان بقاء الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.
٨ - من صفات الداعية: التحدث بنعم الله .
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية زيارة العلماء للاستفادة من علمهم: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للمسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يزور العلماء؛ ليستفيد من علمهم ويتخلق بأخلاقهم الجميلة، لأنهم ورثة الأنبياء والأنبياء في الحقيقة إنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر؛ ولهذا زار عطاء بن أبي رباح وعبيد بن عمير رحمهما الله عائشة ﵂؛ ليستفيدا من علمها كما جاء في هذا الحديث، قال عطاء: «ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة ﵂ وهي مجاورة بثبير فسألناها عن الهجرة فقالت: "لا هجرة اليوم». . . ". وهذا يبين أهمية زيارة العلماء والاستفادة من علمهم (١).
ثانيا: أهمية السؤال في تحصيل العلم: ظهر في هذا الحديث أهمية السؤال في تحصيل العلم؛ ولهذا سأل عطاء وعبيد بن عمير عائشة ﵂ عن الهجرة، فقالت ﵂: «لا هجرة اليوم. . . ولكن جهاد ونية». وهذا يؤكد أهمية العناية بالسؤال عن العلم؛ للاستفادة (٢).
стр. 835
ثالثا: من معجزات النبي ﷺ : الإخبار ببقاء مكة دار إسلام: دل هذا الحديث على أن مكة تبقى دار إسلام فلا يهاجر منها إلى المدينة أو غيرها؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه ﷺ مكة». وهذا يؤكد صدق النبي ﷺ وأن بقاء مكة دار إسلام من علامات نبوته (١).
رابعا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ في هذا الحديث: "كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ ، مخافة أن يفتن عليه. . . " وهذا يبين ما وقع للصحابة ﵃ من الابتلاء والامتحان فصبروا وهاجروا، ونصرهم الله (٢) فينبغي للداعية أن يسأل الله العافية في الدنيا والآخرة دائما، وإذا حصل شيء من الابتلاء صبر واحتسب (٣).
خامسا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد في سبيل الله : إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن يعتني بها الدعاة الحض على الجهاد في سبيل الله ؛ بالنفس، والمال، والسنان، واللسان؛ ولهذا حثت عائشة ﵂ في هذا الحديث على الجهاد بقولها: «ولكن جهاد ونية». وهذا يؤكد أهمية الحث على الجهاد في سبيل الله (٤).
سادسا: من موضوعات الدعوة: الحض على النية الصالحة: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة الحث والحض على النية
стр. 836
الصالحة (١)؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ في هذا الحديث: «لكن جهاد ونية» وهذا فيه حث على النية الخالصة والعناية بها. فينبغي للداعية أن يبين ذلك للناس بيانا واضحا كاملا؛ لأهميتها ومكانتها في الإسلام (٢).
سابعا: من موضوعات الدعوة: بيان بقاء الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام: الناظر في هذا الحديث يظهر له أن الهجرة قد انقطعت؛ لقول عائشة ﵂: «انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه ﷺ مكة» ولكن أحاديث النبي ﷺ يفسر بعضها بعضا؛ فإن الهجرة التي انقطعت هي الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأن مكة صارت دار إسلام (٣) أما الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو من بلد المعاصي والسيئات إلى بلد الطاعات والحسنات فهذه باقية إلى يوم القيامة (٤).
ثامنا: من صفات الداعية: التحدث بنعم الله : دل هذا الحديث على أهمية التحدث بنعم الله وشكره عليها؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء. . .» وهذا فيه إظهار النعم والتحدث بها.
فينبغي للداعية أن يتحدث بنعم الله عليه ويثني على الله بها ويشكره عليها بقوله وفعله (٥).
[باب استقبال الغزاة]
стр. 837
١٩٦ - باب استقبال الغزاة
[حديث قول ابن الزبير لابن جعفر أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ ]
١٤٥ - [٣٠٨٢] حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود: حدّثنا يزيد بن زريع وحميد بن الأسود، عن حبيب بن الشّهيد، عن ابن أبي مليكة: «قال ابن الزّبير (١) لابن جعفر (٢) ﵃: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عبّاس؛ قال: نعم، فحملنا وتركك» (٣).
стр. 838
[حديث ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع]
١٤٦ - [٣٠٨٣] حدّثنا مالك بن إسماعيل: حدّثنا ابن عيينة، عن الزهريّ، قال: «قال السّائب بن يزيد (١).
﵁: ذهبنا نتلقّى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنيّة الوداع». (٢).
وفي رواية: «أذكر أني خرجت مع الصّبيان نتلقّى النّبيّ ﷺ إلى ثنيّة الوداع مقدمه من غزوة تبوك». (٣).
* شرح غريب الحديثين: * " ثنية الوداع " موضع بالمدينة على طريق مكة، سميت بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يودعه فيها مشيعه، وهو اسم جاهلي قديم سمي لتوديع المسافرين (٤).
* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه.
٢ - من صفات الداعية: الاعتزاز بما يقع من إكرام الشرع.
٣ - من صفات الداعية: التواضع.
٤ - أهمية تلقي العلماء والقادمين من سفر الطاعة.
٥ - من أصناف المدعوين: الصبيان.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه: دل فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن جعفر ﵄ على أن من موضوعات الدعوة
стр. 839
الحث على الإحسان إلى اليتيم وحفظه؛ وقد حمل النبي ﷺ عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس ﵃، وقد اعتنى ﷺ بعبد الله بن جعفر؛ لأنه كان يتيما، فعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقّي بصبيان أهل بيته، قال: إنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه، قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» (١) وهذا يدل على عناية النبي ﷺ باليتيم وحفظه؛ لأن جعفر بن أبي طالب مات شهيدا فعطف النبي ﷺ على ولده عبد الله فحمله بين يديه (٢) وقد أمر الله بالإحسان إلى اليتيم في آيات كثيرة (٣) ومن ذلك قوله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (٤) وأمر بالمحافظة على أموالهم فقال : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] (٥) وحذر من أكل أموالهم بالباطل فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (٦) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك بالسبابة والوسطى (٧).
/ +٥٠ وبين ﷺ ما لمن سعى على الضعفاء والأرامل من الثواب فقال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار» (٨).
стр. 840
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم إني أحرّج (١) حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» (٢) فينبغي للداعية أن يحث الناس على العناية باليتيم وهو الذي مات أبوه وهو دون البلوغ، والله المستعان.
ثانيا: من صفات الداعية: الاعتزاز بما يقع من إكرام الشرع: إن من الصفات الحميدة أن يعتز المسلم وخاصة الداعية إلى الله بما أكرمه الله من الفضائل؛ ولهذا اعتز عبد الله بن جعفر ﵄ بتفضيل النبي ﷺ له على غيره من الصبيان وذلك عندما قال له ابن الزبير ﵄: «أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عباس؛ قال: نعم، فحملنا وتركك»، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن من فوائد هذا الحديث: "جواز الفخر بما يقع من إكرام النبي ﷺ " (٣) وقال العلامة العيني ﵀: "وفيه الفخر بإكرام الشارع" (٤) ولا حرج من الفرح بفضل الله ورحمته، بل ينبغي ذلك؛ لقول الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] (٥).
ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: لا شك أن من صفات الداعية التواضع؛ ولهذا تواضع النبي ﷺ فحمل الصبيان على دابته وأردفهم، ولاطفهم، كما في هذين الحديثين، قال عبد الله بن جعفر ﵄ لعبد الله بن الزبير: "فحملنا وتركك" فكان ﷺ من أعظم الناس تواضعا وخلقا (٦).
رابعا: أهمية تلقي العلماء والقادمين من سفر الطاعة: دل هذان الحديثان على أهمية تلقي المسافرين من العلماء ومن قدم من سفر
стр. 841
الحج أو العمرة، أو الجهاد، أو الدعوة، أو غيرها من سفر الطاعة؛ قال عبد الله ابن الزبير لعبد الله بن جعفر ﵃: «أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا، وأنت، وابن عباس» وقال السائب ﵁: «ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع»؛ قال الإمام النووي ﵀: "هذه سنة مستحبة أن يتلقى الصبيان المسافر، وأن يركبهم، وأن يردفهم، ويلاطفهم، والله أعلم" (١) وقال ابن العربي ﵀: "قيل: إذا سافر الرجل ودع إخوانه في منازلهم، وإذا جاء تلقوه، والتشييع سنة" (٢) وقال العلامة العيني ﵀: "وفيه من الفوائد أن التلقي للمسافرين والقادمين من الحج والجهاد، بالبشر والسرور: أمر معروف ووجه من وجوه البر" (٣) ولفظ الحديث في سنن أبي داود يدل على أن الناس تلقوا رسول الله ﷺ : الرجال والصبيان، قال السائب ﵁: «لما قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك تلقاه الناس، فلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع» (٤).
خامسا: من أصناف المدعوين: الصبيان: دل هذان الحديثان على أن الصبيان من أصناف المدعوين؛ ولهذا اعتنى النبي ﷺ بإكرامهم، والإحسان إليهم، وملاطفتهم، وإدخال السرور عليهم، وتعليمهم مكارم الأخلاق (٥)؛ قال الإمام الخطابي ﵀ في ذكره لفوائد حديث عبد الله بن السائب: "فيه تمرين الصبيان على مكارم الأخلاق، واستجلاب الدعاء لهم" (٦) فينبغي العناية بالأطفال والإحسان إليهم ومراعاة أحوالهم في دعوتهم إلى الله بالقدوة الحسنة والعطف عليهم وإدخال السرور في قلوبهم (٧).
стр. 842
الفصل الثالث: كتاب الفرائض
стр. 843
١ - باب فرض الخمس
[حديث أن فاطمة سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها]
١٤٧ - [٣٠٩٢] حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله: حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزّبير أنّ عائشة أمّ المؤمنين ﵂ أخبرته «أنّ فاطمة (١) ﵍ ابنة رسول الله ﷺ سألت أبا بكر الصّدّيق (٢).
بعد وفاة
стр. 844
رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها ممّا ترك رَسُولُ الله ﷺ ممّا أفاء الله عليه".» (١).
وفي رواية: «أن فاطمة ﵍ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النّبيّ ﷺ فيما (٢) أفاء الله على رسوله ﷺ ، تطلب صدقة النّبيّ ﷺ ، الّتي بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر".» (٣).
وفي رواية: «أنّ فاطمة ﵍، والعبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما: أرضه من فدك وسهمه من خيبر".» (٤).
وفي رواية: «أنّ فاطمة ﵍ بنت النّبيّ ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها بفيء رسول الله ﷺ ممّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر،
стр. 845
فقال أبو بكر: إنّ رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة"، إنما يأكل آل محمّد في هذا المال وإنّي والله لا أغيّر شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رَسُولُ الله ﷺ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت (١) وعاشت بعد النّبيّ ﷺ ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلا ولم "يؤذن بها أبا بكر (٢) وصلّى عليها، وكان لعلي من النّاس وجه (٣).
حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه النّاس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي والله لآتينّهم، فدخل عليهم أبو بكر فتشهّد عليّ فقال: إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنّك استبددت علينا بالأمر وكنّا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيبا، حتّى فاضت عينا أبي بكر، فلمّا تكلم أبو بكر قال: والّذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي وأمّا الّذي