← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الحج أو العمرة، أو الجهاد، أو الدعوة، أو غيرها من سفر الطاعة؛ قال عبد الله ابن الزبير لعبد الله بن جعفر ﵃: «أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا، وأنت، وابن عباس» وقال السائب ﵁: «ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع»؛ قال الإمام النووي ﵀: "هذه سنة مستحبة أن يتلقى الصبيان المسافر، وأن يركبهم، وأن يردفهم، ويلاطفهم، والله أعلم" (١) وقال ابن العربي ﵀: "قيل: إذا سافر الرجل ودع إخوانه في منازلهم، وإذا جاء تلقوه، والتشييع سنة" (٢) وقال العلامة العيني ﵀: "وفيه من الفوائد أن التلقي للمسافرين والقادمين من الحج والجهاد، بالبشر والسرور: أمر معروف ووجه من وجوه البر" (٣) ولفظ الحديث في سنن أبي داود يدل على أن الناس تلقوا رسول الله ﷺ : الرجال والصبيان، قال السائب ﵁: «لما قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك تلقاه الناس، فلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع» (٤). خامسا: من أصناف المدعوين: الصبيان: دل هذان الحديثان على أن الصبيان من أصناف المدعوين؛ ولهذا اعتنى النبي ﷺ بإكرامهم، والإحسان إليهم، وملاطفتهم، وإدخال السرور عليهم، وتعليمهم مكارم الأخلاق (٥)؛ قال الإمام الخطابي ﵀ في ذكره لفوائد حديث عبد الله بن السائب: "فيه تمرين الصبيان على مكارم الأخلاق، واستجلاب الدعاء لهم" (٦) فينبغي العناية بالأطفال والإحسان إليهم ومراعاة أحوالهم في دعوتهم إلى الله بالقدوة الحسنة والعطف عليهم وإدخال السرور في قلوبهم (٧).

стр. 842

الفصل الثالث: كتاب الفرائض

стр. 843

١ - باب فرض الخمس [حديث أن فاطمة سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها] ١٤٧ - [٣٠٩٢] حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله: حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزّبير أنّ عائشة أمّ المؤمنين ﵂ أخبرته «أنّ فاطمة (١) ﵍ ابنة رسول الله ﷺ سألت أبا بكر الصّدّيق (٢). بعد وفاة

стр. 844

رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها ممّا ترك رَسُولُ الله ﷺ ممّا أفاء الله عليه".» (١). وفي رواية: «أن فاطمة ﵍ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النّبيّ ﷺ فيما (٢) أفاء الله على رسوله ﷺ ، تطلب صدقة النّبيّ ﷺ ، الّتي بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر".» (٣). وفي رواية: «أنّ فاطمة ﵍، والعبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما: أرضه من فدك وسهمه من خيبر".» (٤). وفي رواية: «أنّ فاطمة ﵍ بنت النّبيّ ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها بفيء رسول الله ﷺ ممّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر،

стр. 845

فقال أبو بكر: إنّ رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة"، إنما يأكل آل محمّد في هذا المال وإنّي والله لا أغيّر شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رَسُولُ الله ﷺ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت (١) وعاشت بعد النّبيّ ﷺ ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلا ولم "يؤذن بها أبا بكر (٢) وصلّى عليها، وكان لعلي من النّاس وجه (٣). حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه النّاس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي والله لآتينّهم، فدخل عليهم أبو بكر فتشهّد عليّ فقال: إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنّك استبددت علينا بالأمر وكنّا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيبا، حتّى فاضت عينا أبي بكر، فلمّا تكلم أبو بكر قال: والّذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي وأمّا الّذي

стр. 846

شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلّا صنعته فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر الظهر رقي المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالّذي اعتذر إليه ثمّ استغفر وتشهّد علي فعظّم حقّ أبي بكر وحدّث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكارا للّذي فضّله الله به ولكنّا كنّا نرى لنا في هذا الأمر نصيبا فاستبدّ علينا فوجدنا في أنفسنا، فسرّ بذلك المسلمون وقالوا: أصبت وكان المسلمون إلى عليّ قريبا حين راجع الأمر بالمعروف".» (١). [حديث لا نورث ما تركنا صدقة] ١٤٨ - [٣٠٩٣] «فقال لها أبو بكر: إنّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: " لا نورث، ما تركنا صدقة". فغضبت فاطمة بنت رَسُولِ الله ﷺ ، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت، وعاشت بعد رَسُولِ الله ﷺ ستّة أشهر. قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رَسُولُ الله ﷺ من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال: لست تاركا شيئا كان رَسُولُ الله ﷺ يعمل به إلّا عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعبّاس، وأمّا خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ ، كانتا لحقوقه الّتي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى وليّ الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم". قال أبو عبد الله: (اعتراك، افتعلت، من عروته فأصبته، ومنه: يعروه، واعتراني» (٢).

стр. 847

وفي رواية: «إنّ رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال - يعني مال الله - ليس لهم أن يزيدوا على المأكل"، وإنّي والله لا أغيّر شيئا من صدقات النّبيّ ﷺ الّتي كانت عليها في عهد النّبيّ ﷺ ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رَسُولُ الله ﷺ ، فتشهّد عليّ ثمّ قال: إنّا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك - وذكر قرابتهم من رَسُولِ الله ﷺ وحقّهم - فتكلّم أبو بكر فقال: والّذي نفسي بيده لقرابة رَسُولِ الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي".» (١). وفي رواية: «قال أبو بكر: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلّا صنعته، قال: فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتّى ماتت".» (٢). شرح غريب الحديثين: * " لم ننفس عليك " أي لم نحسدك، يقال: نفاسة على فلان: أي صدا له ورغبة وحرصا على ما ناله، ولم يره له أهلا، ويقال: نفست عليه الشيء، نفاسة: إذا لم تره يستأهله (٣). * " فلم آل فيها عن الخير " أي لم أقصّر (٤). * " فدك " قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان بالسير، وقيل: ثلاثة، أفاءها الله على رسول الله ﷺ صلحا سنة سبع؛ لأنه عندما فتح خيبر بلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يصالحهم على النصف من ثمارهم، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة لرسول الله ﷺ ، وكان فيها عين فوارة، ونخيل كثيرة (٥).

стр. 848

* " فوجدت " أي غضبت، يقال: لا تجد عليّ: أي تغضب (١). * " وما عسيتهم " أي وما حسبتهم، فعسيت هنا بمعنى حسبت، وأجريت مجراها فنصبت ضمير الغائبين على أنه مفعول ثان (٢) أما قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] (٣) فمعناها: فلعلكم إن توليتم. (٤). * " استبددت " انفردت، يقال: استبدّ فلان بكذا: أي انفرد به، واستبدّ برأيه: انفرد به عن غيره (٥). * " أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ " أزيغ: أجور وأعدل عن الحق. (٦). * " تعروه " أي تغشاه وتنتابه (٧). * " نوائبه " النوائب ما ينوب الإنسان: أي ما ينزل به من المهمات، ويقال: نابه ينوبه نوبا، وانتابه، إذا قصده مرة بعد مرة. ويقال: احتاطوا، هل الأموال في النائبة والواطئة: أي الأضياف الذين ينوبونهم (٨) الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الزهد. ٢ - لا ينكر أن يغيب عن الداعية بعض العلم. ٣ - من وسائل الدعوة: المنبر. ٤ - من آداب الخطيب: البدء بالشهادتين بعد الحمد والثناء على الله .

стр. 849

٥ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية. ٦ - من صفات الداعية: الحذر من مخالفة أمر رسول الله ﷺ . ٧ - من أساليب الدعوة: الحوار. ٨ - من صفات الداعية: الرجوع إلى الحق بدليله. ٩ - من صفات الداعية: التواضع. ١٠ - أهمية الاعتراف بالفضل لأهله. ١١ - من صفات الداعية: الخشوع لله . ١٢ - أهمية محبة النبي ﷺ وأهل بيته. ١٣ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق. ١٤ - من صفات الداعية: العفو والصفح. ١٥ - من صفات الداعية: الاقتداء برسول الله ﷺ قولا وفعلا. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الزهد: إن الزهد من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أزهد الناس في الدنيا؛ لأنهم لم يبعثوا لجمع الأموال، وإنما بعثوا لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «لا نورث ما تركنا صدقة»، وقد كان النبي ﷺ زاهدا ويزهّد الناس في الدنيا، فعن مطرف عن أبيه ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] قال: "يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» (١) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يقول العبد: مالي مالي، إنما، له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وسوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس".» (٢).

стр. 850

وهذا يؤكد أن ما يقتنيه الإنسان للآخرة ويدخر ثوابه عند الله هو الذي ينفعه حقيقة، وهذا لا يتحقق إلا بالزهد في الدنيا. (١). ثانيا: لا ينكر أن يغيب عن الداعية بعض العلم: إن الداعية أو العالم العظيم قد يغيب عنه بعض العلم ويعلمه غيره، وهذا يدل على أن علم البشر محدود، ويكمل بعضهم بعضا؛ ولهذا خفي على عليّ ﵁ وفاطمة الزهراء ﵂ قول النبي ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة"،» قال الإمام القرطبي ﵀: "فأما طلب فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكر، فكان ذلك قبل أن تسمع الحديث الذي دل على خصوصية النبي ﷺ بذلك، وكانت متمسكة بما في كتاب الله من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك ولم تعد عليه بطلب" (٢) وقال العيني ﵀: "قيل: إن فاطمة ﵁ لم تكن علمت هذا" (٣) وهذا لا ينقص من قدرها ولا من علمها وفضلها ﵂ (٤). ثالثا: من وسائل الدعوة: المنبر: لاشك أن من الوسائل المهمة التي تعين على إيصال العلم للناس استخدام المنبر في الخطب، وفي المواعظ التي يحضرها جموع من الناس؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستخدم هذه الوسيلة، ثم استخدمها أصحابه ﵃ من بعده، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث من قول عائشة ﵂: «فلما صلى أبو بكر الظهر رقي على المنبر فتشهد» وهذا يؤكد أهمية هذه الوسيلة (٥). رابعا: من آداب الخطيب: البدء بالشهادتين بعد الحمدلة والثناء على الله : لا ريب أن من الآداب التي ينبغي أن يعتني بها الداعية البدء في خطبه،

стр. 851

ومواعظه، ومحاضراته، وكلماته: بالثناء على الله بما هو أهله، وبالإقرار بالشهادتين والصلاة عنى النبي ﷺ ولهذا بدأ أبو بكر ﵁ بذلك في هذا الحديث، وكذا علي ﵁ لقول عائشة ﵂: «فلما صلى أبو بكر الظهر رقي المنبر فتشهد»، وقالت ﵂: «ثم استغفر وتشهد عليّ فعظّم حق أبي بكر» وهذا يؤكد أهمية استخدام هذا الأدب في الخطب والمواعظ، والله المستعان. (١). خامسا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: ظهر في هذا الحديث أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية؛ لقول أبي بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة»، فقد استدل ﵁ بهذا الحديث؛ ليقنع فاطمة وعليا ﵄، وهذا يؤكد أهمية العناية بالأدلة من الكتاب والسنة، أو من أحدهما، وإقناع المدعوين بذلك (٢). سادسا: من صفات الداعية: الحذر من مخالفة أمر رسول الله ﷺ : دل هذا الحديث على أن من صفات الداعية الناجح الحذر من مخالفة أمر رسول الله ﷺ ؛ لأن مخالفة أمره ﷺ من أسباب الخذلان والهلاك في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال أبو بكر ﵁ في هذا الحديث: «إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ» وصدق ﵁؛ فإن الله قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٣) وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٤) وقال النبي ﷺ : «وجعل الذّلّ والصغار على من خالف أمري".» (٥).

стр. 852

سابعا: من أساليب الدعوة: الحوار: الحوار أسلوب مهم من أساليب الدعوة إلى الله ، وقد ظهر في هذا الحديث الحوار بين أبي بكر وعلي ﵄، واستمر الحوار بينهما حتى فاضت عينا أبي بكر ﵁، ورضي كلّ منهما على صاحبه، ثم اعتذر عليّ ﵁، وبايع أبا بكر بحضرة الناس في مسجد النبي ﷺ ، وهذا يؤكد أهمية الحوار الهادف وأثره العظيم. فينبغي للداعية أن يعتني به في دعوته إلى الله (١). ثامنا: من صفات الداعية: الرجوع إلى الحق بدليله: الحق هو مقصد كل مسلم إذا ظهر واتضح، والرجوع إليه من أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد ظهر في هذا الحديث رجوع علي بن أبي طالب ﵁ للحق عندما اتضح الدليل وبان البرهان فأرسل ﵁ إلى أبي بكر؛ ليأتيه فأتاه أبو بكر ﵁ فدخل عليه، «فتشهد عليّ فقال: "إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك"،» ثم قال: «موعدك العشية للبيعة»، ثم حضر ﵁، وبعد صلاة الظهر بايع أبا بكر بحضرة الصحابة ﵃ واعتذر وعظّم حق أبي بكر، فسرّ بذلك المسلمون، وقالوا: "أصبت" ومن تأمل ما دار بين أبي بكر وعليّ ﵄ عرف أن كلا منهما كان يعترف بفضل الآخر، وأن قلبيهما متفقان على الاحترام والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحيانا، لكن الديانة والتقوى ترد ذلك (٢). ينبغي للداعية أن يكون من أوّل الناس رجوعا إلى الحق إذا ظهر بدليله كما فعل علي بن أبي طالب ﵁. تاسعا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على أهمية التواضع وأنه ينبغي للداعية أن يتصف به، لما في ذلك من الفوائد العظيمة؛ ولهذا تواضع أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ

стр. 853

فذهب إلى بيت علي ﵁ كما في هذا الحديث فحصل بهذا التواضع: سلامة القلوب، وطيب النفوس، واجتماع الكلمة والحمد لله، وهذا يبين أهمية التواضع والاتصاف به، وخاصة للدعاة إلى الله (١). عاشرا: أهمية الاعتراف بالفضل لأهله: إن من الأمور المهمة الاعتراف بالفضل لأهله وشكرهم على أعمالهم الطيبة، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث من قول عليّ ﵁ لأبي بكر الصديق ﵁: «إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك»، وهذا يبين أن عليّ بن أبي طالب ﵁ قد أنصف، واعترف بالفضل لأبي بكر ﵁. قال الإمام القرطبي ﵀: "ولا يظنّ بعليّ أنه خالف الناس في البيعة، ولكنه تأخر عن الناس لمانع منعه، على الموجدة التي وجدها حين استبدّ بمثل هذا الأمر العظيم ولم ينتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره، وبمشورته، لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال: مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأتّ لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهم في هذا المجلس من المحاورة، والمكالمة، والإنصاف ما يدل على معرفة بعضهم بفضل بعض، وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض، ومحبة بعضهم لبعض ما يشرق به الرافضي وتشرق به قلوب أهل الدين". (٢). فينبغي لكل مسلم الاعتراف بالفضل لأهله، وإنزال الناس منازلهم، وهذا يتأكد على الدعاة أكثر من غيرهم، والله المستعان. الحادي عشر: من صفات الداعية الخشوع لله : إن الخشوع لله من الصفات التي ينبغي للداعية إلى الله أن يتصف بها، وقد دل خشوع أبي بكر في هذا الحديث على ذلك حينما تكلم عليّ ﵁ ففاضت عينا أبي بكر ﵁ وقال: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ

стр. 854

أحب إليّ أن أصل من قرابتي»، وقد مدح الله الخاشعين في كتابه العزيز وأثنى عليهم فقال بعد أن ذكر آل زكريا بعد عدد من الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (١)؛ ولأهمية الخشوع استعاذ النبي ﷺ من قلب لا يخشع فقال: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» (٢) وأصل الخشوع لله : لين القلب، ورقته، وسكونه وخضوعه، فإذا خشع القلب لله تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر، والرأس، وسائر الأعضاء؛ لأنه أمير البدن، والجوارح رعيته وجنوده، وبصلاح الأمير تصلح الرعية (٣). «وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: "هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء"، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منّا وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنّه، ولنقرئنّه نساءنا وأبناءنا، فقال: "ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؛» قال جبير فلقيت عبادة بن الصامت قلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؛ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس؛ الخشوع، يوشك أن تدخل مسجدَ جماعةٍ فلا ترى فيه رجلا خاشعا" (٤). فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية إلى الله أن يسأل الله أن يصلح قلبه ويجعله خاشعا لله وحده، ويستعيذ بالله من قلب لا يخشع.

стр. 855

الثاني عشر: أهمية محبة النبي ﷺ وأهل بيته: محبة النبي ﷺ وأهل بيته من أعظم الصفات الواجبة التي يتأكد على كل مسلم أن يتصف بها وخاصة الداعية إلى الله ؛ ولهذه الأهمية قال أبو بكر الصديق ﵁ في هذا الحديث: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي»، وهذا يبين عظم محبة النبي ﷺ وأهل بيته في قلوب أصحابه ﷺ . فينبغي أن يتصف كل مسلم بمحبة النبي ﷺ أكثر من النفس، والمال، والولد، والوالد، والناس أجمعين، كما يظهر في هذا الحديث أن من كمال الإيمان تقديم محبة أهل بيت النبي ﷺ الصالحين على محبة الأقرباء، إكراما لرسول الله ﷺ (١). الثالث عشر: من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق: لا شك أن من الأساليب النافعة عند الحاجة إليها، ذكر الداعية بعض مناقبه التي يكون في إظهارها نفع للمدعوين؛ ولهذا أظهر أبو بكر بعض مناقبه في هذا الحديث عندما رأى أن المصلحة تقتضي ذلك، فقال ﵁: «فلم آل جهدا عن الخير، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته»، وهذه منقبة من أعظم المناقب العظيمة لأبي بكر ﵁، ذكرها انتصارا للحق (٢). الرابع عشر: من صفات الداعية: العفو والصفح: العفو والصفح من أعظم الصفات السامية التي يتصف بها النبلاء: من العلماء، والدعاة، وأهل الديانة المستقيمة، والأخلاق الكريمة، ولهذا عفا وصفح الصديق ﵁ عما حصل من علي ﵁؛ لأن عليا ﵁ يرى أن الحق معه حتى تبين له الدليل على أن النبي ﷺ لا يورث لقوله ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة»، وعند اتضاح الحق لعليّ عفا عنه أبو بكر؛ ولهذا جاء في هذا "الحديث: «فلما صلى أبو بكر الظهر رقي المنبر فتشهد وذكر شأن عليّ

стр. 856

رضي الله عنه وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذي اعتذر إليه"،» فاجتمعت الكلمة وطهرت القلوب والحمد لله، وهذا يؤكد أهمية العفو ويوضح آثاره الحميدة، والله المستعان (١). الخامس عشر: من صفات الداعية: الاقتداء برسول الله ﷺ قولا وعملا: إن الاقتداء برسول الله ﷺ من أهم الصفات وأعظم القربات التي يتقرب بها المخلصون إلى الله ؛ ولهذه الأهمية قال أبو بكر ﵁: «إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله ﷺ "،» وقال: «ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته"،» وهذا يدل على كمال اتباع الصديق لرسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا. فينبغي للداعية أن يكون أكمل الناس في الاتباع وأبعدهم عن الابتداع، وأن يكون قدوة صالحة لغيره، والله المستعان (٢).

стр. 857

٣ - باب نفقة نساء النّبي ﷺ بعد وفاته [حديث توفي رسول الله ﷺ وما في بيته من شيء] ١٤٩ - [٣٠٩٧] حدّثنا عبد الله بن أبي شيبة: حدّثنا أبو أسامة: حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ (١). قالت: «توفّي رَسُولُ الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلّا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتّى طال علي، فكلته، ففني".» (٢). * شرح غريب الحديث: * " شطر الشعير " شطر الشيء: نصفه، إلا أن الحديث ليس فيه مقدار يكون ما أشارت إليه نصفه، فكأنها أشارت إلى جزء مبهم: أي شيء. من شعير وجزء من شعير (٣). * " رف " الرّفّ خشب يرفع عن الأرض إلى جنب الجدار يوقى به ما يوضع عليه (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - حرص السلف الصالح على تعليم أولادهم الرقائق. ٢ - من صفات الداعية: الزهد. ٣ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان. ٤ - أهمية التوكل على الله . والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 858

أولا: حرص السلف الصالح على تعليم أولادهم الرقائق: إن السلف الصالح كانوا حريصين أشد الحرص على تعليم أولادهم، وأقربائهم العلم النافع، ومما يؤكد ذلك ما ثبت في إسناد هذا الحديث من تعليم عروة بن الزبير بن العوام لابنه هشام حديث عائشة ﵂ في وصفها شدة عيش النبي ﷺ وما كان عليه من الزهد، فقالت ﵂: «توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي".» (١). فينبغي للداعية أن يعلم أولاده وأهل بيته ما ينفعهم، ويذكر لهم الرقائق؛ لتصح قلوبهم وترق وتخشع كما فعل سلفنا الصالح ﵏ (٢). ثانيا: من صفات الداعية: الزهد: الزهد من الصفات الحميدة التي يجمل ويحسن لكل مسلم أن يتصف بها، وقد ظهر في هذا الحديث ما يؤكد ذلك من زهد النبي ﷺ في الدنيا، قالت عائشة ﵂: «توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي»، وقد كان ﷺ يطيّب قلوب أتباعه الزهاد فيقول: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (٣) وهذا يؤكد عناية النبي ﷺ بالزهد والحث عليه؛ لما فيه من السلامة والعافية من الوقوع فيما لا يرضاه الله (٤). ثالثا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية الصبر على الابتلاء والاختبار؛ ولهذا صبر النبي ﷺ على شدة العيش وشظفه، وقد مات ﷺ ولم يخلف شيئا لورثته؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ في الحديث: «توفي رسول الله ﷺ وما في

стр. 859

بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير".» فينبغي لكل مسلم وخاصة الداعية أن يصبر على الابتلاء في السراء والضراء، وفي العسر واليسر، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (١). رابعا: أهمية التوكل على الله : دل مفهوم هذا الحديث على أن التوكل على الله واعتماد القلب عليه من أهم المهمات وأعظم القربات؛ لتوكل عائشة أم المؤمنين ﵂ على الله، فبقيت تأكل من الشعير القليل في الرف زمنا طويلا، ويبارك الله فيه حتى كالته ففني، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "يستفاد منه أن من رزق شيئا، أو أكرم بكرامة، أو لطف به في أمر ما، فالمتعين عليه موالاة الشكر، ورؤية المنة لله تعالى، ولا يحدث في تلك الحالة تغيير" (٢) ويتعين على المتوكل العمل بالأسباب التي شرعها الله (٣).

стр. 860

٤ - باب ما جاء في بيوت أزواج النّبيّ ﷺ وما نسب من البيوت إليهنّ وقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] (١) و ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (٢). [حديث ها هنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان] ١٥٠ - [٣١٠٤] حدّثنا موسى بن إسماعيل: حدّثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله (٣) ﵁، قال: " قام النّبيّ ﷺ خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال: «ها هنا الفتنة - ثلاثا - من حيث يطلع قرن الشّيطان» (٤). وفي رواية: " رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى المشرق فقال: «ها إنّ الفتنة هاهنا، إنّ الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشّيطان» (٥). وفي رواية: " سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر. . . " (٦). وفي رواية: «الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشّيطان - أو قال - قرن الشّمس» (٧). وفي رواية: "أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول. . . " (٨). * شرح غريب الحديث: * " الفتنة ": أصل الفتنة من قولك: "فتنت الذهب" إذا أحرقته بالنار ليتبين الجيد من الرديء، وهي الابتلاء والاختبار، والامتحان، وكثر استعمالها

стр. 861

بمعنى: الإثم، والكفر، والضلال، والقتال، والفضيحة، والعذاب (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية؛ منها: ١ - من وسائل الدعوة: الخطابة. ٢ - من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار ببعض المغيبات. ٣ - من موضوعات الدعوة: التحذير من الفتن. ٤ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: الخطابة: دل الحديث على أن من وسائل الدعوة: الخطابة؛ لما فيها من إيصال الحق للناس؛ ولهذا قام النبي ﷺ كما في هذا الحديث - خطيبا فأشار إلى مسكن عائشة ﵂، وحذر من الفتن، وهذا يؤكد أهمية الخطابة، ويؤكد أهمية القيام فيها؛ ليرى الناس الخطيب ويسمعوا كلامه، والله المستعان (٢). ثانيا: من معجزات الرسول ﷺ : الإخبار ببعض المغيبات: لا شك أن من معجزات النبي محمد ﷺ الإخبار ببعض المغيبات، ومن ذلك قوله ﷺ في هذا الحديث: «هاهنا الفتنة - ثلاثا - من حيث يطلع قرن الشيطان»، وقد تحقق ما أخبر به ﷺ ؛ فإن الفتن ظهرت من قبل المشرق كثيرا، والفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين هي قتل عثمان ﵁ وهي سبب وقعة الجمل، وحروب صفين - كانت في ناحية المشرق، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وأكثر البدع إنما ظهرت من المشرق فكانت سببا إلى افتراق كلمة المسلمين ومذهبهم، وفساد نيات كثير منهم إلى اليوم، وإلى قيام الساعة، وآخر الفتن خروج الدجال من قبل المشرق (٣).

стр. 862

وهذا كله يؤكد صدق النبي ﷺ ؛ لوقوع ما أخبر به على حقيقته (١). ثالثا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الفتن: التحذير من الفتن من أهم الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، ويحذر الناس منها؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «هاهنا الفتنة - ثلاثا - من حيث يطلع قرن الشيطان»، وهذا فيه تحذير النبي ﷺ لأمته من الفتن، وبيان منه ﷺ أن الفتن تأتي من قبل المشرق؛ ليحذر منها الناس وينتبهوا أشد الانتباه، قال العيني ﵀: "وكان ﷺ يحذر من ذلك ويعلم به قبل وقوعه، وذلك من دلالات نبوته ﷺ " (٢) وقد حث النبي ﷺ أمته على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل الانشغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة والمتراكمة، المتكاثرة، فقال ﷺ : «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٣). قال القاضي عياض ﵀: "وفائدة المبادرة بالعمل: إمكانه قبل شغل البال والجسد بالفتن، وقطعها عن العمل" (٤) ومما يؤكد التحذير من الفتن حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؛ قال: "نعم". فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؛ قال: "نعم وفيه دخن". قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر". فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: "نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا". قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك؛ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ". فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة

стр. 863

ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١). وهذا فيه التحذير العظيم من الفتن وبيان المخرج منها، ولاشك أن الزمان كلما تأخر زادت الفتن في الغالب حتى قيام الساعة؛ ولهذا قال أنس بن مالك ﵁: «اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم»، سمعته من نبيكم ﷺ (٢) فأسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة، والله المستعان. رابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: ظهر في هذا الحديث أن من صفات الداعية الحرص على الدقة في نقل الحديث؛ ولهذا قال الراوي: «من حيث يطلع قرن الشيطان»، أو قال: «قرن الشمس»، شك أي اللفظين قال النبي ﷺ (٣) والمقصود بقرن الشيطان: هو التمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها فكأن الشيطان سوّل له ذلك، فإذا سجد لها كان كأن الشيطان مقترن بها (٤). وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بقرني شيطان» (٥) قيل: المراد بقرني الشيطان: حزبه وأتباعه، وقيل: قوته وغلبته وانتشار فساده، وقيل: القرنان: ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره، وهذا هو الأقوى، قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر وتمكن من أن يسلبوا على المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان (٦).

стр. 864

٥ - باب ما ذكر من درع النبي ﷺ ، وعصاه، وسيفه، وقدحه، وخاتمه وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته، ومن شعره، ونعله، وآنيته، ممّا تبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته . [حديث إخراج أنس نعلين جرداوين لهما قبالان] ١٥١ - [٣١٠٧] حدّثنا عبد الله بن محمّد: حدّثنا محمّد بن عبد الله الأسديّ: حدّثنا عيسى بن طهمان (١) قال: "أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثني ثابت البنانيّ (٢) بعد عن أنس (٣) أنهما نعلا النّبيّ ﷺ ". (٤). وفي رواية: "خرج إلينا أنس بن مالك بنعلين لهما قبالان، فقال ثابت البنانيّ: هذه نعل النّبيّ ﷺ " (٥). [حديث إخراج عائشة كساء ملبدا وقولها في هذا نزع روح النبي ﷺ ] ١٥٢ - [٣١٠٨] حدّثني محمّد بن بشّار: حدّثنا عبد الوهّاب: حدّثنا أيّوب: حدّثنا حميد بن هلال، عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة (٦) ﵂، كساء ملبّدا وقالت: في هذا نزع روح النّبيّ ﷺ . وزاد سليمان عن حميد، عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة إزارا غليظا ممّا يصنع باليمن، وكساء من هذه الّتي يدعونها الملبّدة" (٧). وفي رواية: "أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض روح النبيّ ﷺ في هذين" (٨).

стр. 865

[حديث أن قدح النبي ﷺ كسر] ١٥٣ - [٣١٠٩] حدّثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁: "أنّ قدح النبيّ ﷺ كسر فاتخذ مكان الشّعب سلسلة من فضّة. قال عاصم (١) رأيت القدح وشربت فيه" (٢). وفي رواية: "عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبيّ ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضّة، قال: وهو قدح جيّد عريض من نضار. قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا. قال: وقال ابن سيرين: (٣) إنّه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضّة فقال له أبو طلحة: لا تغيرنّ شيئا صنعه رَسُولُ الله ﷺ فتركه" (٤). * شرح غريب الحديث: * " نعلين جرداوين " أي لا شعر عليهما. (٥). * " قبالان " القبال: زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الإصبع الوسطى والتي تليها (٦).

стр. 866

* " كساء ملبّدا " أي مرقعا. يقال: لبدت القميص ألبده، ولبدته، وألبدته إذا رقعته، ويقال للخرقة التي يرقع بها صدر القميص: اللبدة، والتي يرقع بها قبله: القبيلة، وقيل: الملبّد: الذي ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبدة. (١). * " فاتخذ مكان الشعب سلسلة " الشعب: أي الصدع والشق. (٢). * " نضار " قدح جيد عريض من نضار: أي من خشب نضار، وهو خشب معروف، وقيل: هو الأثل الورسيّ اللون (٣). * الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث الثلاثة دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - أهمية استخدام وسائل الإيضاح في الدعوة إلى الله . ٢ - عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ . ٣ - من صفات الداعية: الزهد. ٤ - من صفات الداعية: التواضع. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية استخدام وسائل الإيضاح في الدعوة إلى الله : إن استخدام وسائل الإيضاح الحسية في الدعوة إلى الله من الأمور المهمة؛ وقد استخدمها أنس بن مالك وعائشة ﵄ في هذه الأحاديث، فأنس: "أخرج نعلين جرداوين" وهما نعلا النبي ﷺ ، وأخرجت عائشة "إزارا غليظا مما يصنع باليمن وكساء"، وهذا فيه إيضاح للناس وتعليم لهم بما كان عليه النبي ﷺ من الزهد في الدنيا، وإيثار الآخرة والرغبة فيها؛ لأن ما عند الله خير وأبقى. فينبغي للداعية أن يستخدم وسائل الإيضاح الحسية في دعوته إلى الله ،

стр. 867

وقد كان النبي ﷺ يستخدم هذه الوسائل، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط النبي ﷺ خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: "هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (١) وقيل: هذه صفة الخط (٢). : وهذا يؤكد للداعية أهمية استخدام الوسائل الحسية للإيضاح والتبيين وشد الانتباه للمدعوين والله المستعان. ثانيا: عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ : الصحابة ﵃ كانوا يحبون النبي ﷺ حبا عظيما؛ وقد بلغ بهم هذا الحب العظيم إلى أن احتفظ بعضهم ببعض ما يختص به ﷺ تبركا به ﷺ ، فقد احتفظ أنس ﵁ بنعليه، وقدحه، واحتفظت عائشة ﵂، بإزاره، وكسائه كما في الحديث، وغير ذلك كثير، كالاحتفاظ بدرعه، وخاتمه (٣) وهذا يؤكد حب الصحابة ﵃ لرسول الله أكثر من أنفسهم وأموالهم، وأولادهم ووالديهم، والناس أجمعين، فينبغي لكل مسلم أن يكون كذلك (٤). ثالثا: من صفات الداعية: الزهد: ظهر في هذه الأحاديث زهد النبي ﷺ في الدنيا؛ لكونه قبضه الموت وهو يلبس إزارا غليظا، وكساء ملبدا مرقعا، ويأكل في قدح من خشب النضار منصدع، قال الإمام النووي ﵀: "في هذه الأحاديث المذكورة في الباب ما كان عليه النبي ﷺ من الزهادة في الدنيا، والإعراض عن متاعها وملاذها، وشهواتها، وفاخر لباسها، ونحوه، واجتزائه بما يحصل به أدنى التجزئة في ذلك كله، وفيه الندب للاقتداء به ﷺ في هذا وغيره" (٥) وهذا يؤكد عظم

стр. 868

زهده ﷺ ورغبته فيما عند الله . (١). رابعا: من صفات الداعية: التواضع: دل الحديث على أن التواضع من الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ فقد لبس النبي ﷺ الإزار الغليظ والكساء المرقع كما في هذا الحديث تواضعا ﷺ (٢) وهذا يبين أن التواضع من الأخلاق الكريمة التي يحمد عليها المسلم، ويثاب عليها عند الله ، ويدخل الله بها حبه في قلوب الناس (٣). ولا شك أن هدي النبي ﷺ في اللباس أجمل الهدي وأحسنه، فقد كان ﷺ متواضعا في لباسه، ومع ذلك كان يتجمل للوفود، وفي يوم الجمعة، ويحث أمته على إظهار نعمة الله عليهم، فقد قال رجل للنبي ﷺ : إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال النبي ﷺ : «إن الله جميل يحبّ الجمال، الكبر: بطر الحق (٤) وغمط (٥) الناس» (٦) وعن أبي الأحوص عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال له: «إذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك» (٧) قال الإمام ابن القيم ﵀: " لبس الدني من الثياب يذمّ في موضع ويحمد في موضع: فيذم إذا كان شهرة وخيلاء، ويمدح إذا كان تواضعا واستكانة، كما أن لبس الرفيع من الثياب يذمّ إذا كان تكبّرا وفخرا وخيلاء، ويمدح إذا كان تجملا وإظهارا لنعمة الله " (٨).

стр. 869

[حديث لو كان علي ذاكرا عثمان ذكره يوم جاءه ناس . . .] ١٥٤ - [٣١١١] حدّثنا قتيبة بن سعيد: حدّثنا سفيان، عن محمّد بن سوقة، عن منذر، عن ابن الحنفيّة (١) قال: "لو كان عليّ ﵁ ذاكرا عثمان ﵁ ذكره يوم جاءه ناس فشكوا سعاة عثمان، فقال لي عليّ: اذهب إلى عثمان فأخبره إنها صدقة رَسُولِ الله ﷺ ، فمر سعاتك يعملون فيها (٢). فأتيته بها فقال: أغنها عنّا. فأتيت بها عليّا فأخبرته فقال: ضعها حيث أخذتها" (٣) وفي رواية: "وقال الحميديّ: حدّثنا سفيان: حدّثنا محمّد بن سوقة قال: سمعت منذرا الثّوريّ، عن ابن الحنفيّة قال: أرسلني أبي: خذ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان، فإنّ فيه أمر النّبيّ ﷺ بالصّدقة". (٤). * شرح غريب الحديث: * " سعاة عثمان " الساعي هو الذي يستعمل على الصدقات ويتولىّ استخراجها من أربابها، وبه سمي عامل الزكاة: الساعي (٥). * " أغنها عنا " أي اصرفها وكفها، كقوله تعالى ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] (٦) أي يكفيه ويكفيه (٧).

стр. 870

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: سلامة القلب وحفظ اللسان. ٢ - من موضوعات الدعوة: الحض على النصيحة بالحكمة. ٣ - من صفات الداعية: التثبت. ٤ - من وسائل الدعوة: إرسال الكتب والرسائل. ٥ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية. ٦ - أهمية تربية الأبناء وتدريبهم على الأمور المهمة. ٧ - من أصناف المدعوين: أهل العلم والتقوى. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: سلامة القلب وحفظ اللسان: إن سلامة القلب وحفظ اللسان من الصفات الكريمة الجميلة التي يتأكد على كل مسلم الاتصاف بها، وخاصة الدعاة إلى الله ، وقد دل قول محمد بن علي ابن الحنفية على ذلك حين قال في هذا الحديث: "لو كان عليّ ﵁ ذاكرا عثمان ﵁ ذكره يوم جاءه ناس فشكوا سعاة عثمان "، والمقصود لو كان عليّ ﵁ ذاكرا عثمان ﵁ بما لا يليق ولا يحسن لذكره يوم جاءه ناس فشكوا سعاة عثمان، ولكن، لسلامة قلبه أرسل إليه بالكتاب الذي فيه أمر النبي ﷺ بالصدقة (١) وقد بين النبي ﷺ فضل ومكانة صاحب القلب السالم من الحقد والبغضاء والحسد، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؛ قال: «كلّ مخموم القلب صدوق اللسان"، قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي، النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غلّ، ولا حسد» (٢).

стр. 871

وفي حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة الرجل الذي شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ثلاث مرات في ثلاثة أيام فتابعه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ ليقتدي به فبقي معه ثلاثة أيام فلم ير عملا زائدا على عمله، ولم يقم من الليل شيئا إلا أنه إذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه ذكر الله وكبره حتى يقوم لصلاة الفجر، ولم يسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليال كاد أن يحتقر عبد الله عمل الرجل، فسأله وقال: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ فقال: "ما هو إلا ما رأيت غير أنى لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطّاه الله إياه"، فقال عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق (١). وهذا كله يؤكد على كل مسلم أن يسأل الله أن يطهر قلبه من الحقد، والحسد، والبغضاء للمسلمين، وأن يطهر لسانه من قول الزور، ومن كل ما يغضب الله ، والله المستعان. ثانيا: من موضوعات الدعوة: الحض على النصيحة بالحكمة: النصيحة لله وكتابه، ورسوله، وأئمة المسلمين، وعامتهم من أعظم القربات، وأهم الواجبات؛ ولهذه الأهمية نصح عليّ ﵁ لعثمان بن عفان ﵁، كما في هذا الحديث، فأرسل إليه كتاب أمر النبي ﷺ بالصدقة، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ويستفاد من هذا الحديث: بذل النصيحة للأمراء، وكشف أحوال من يقع منه الفساد من أتباعهم، وللإمام التنقيب عن ذلك" (٢) وقد حث النبي ﷺ على النصيحة بالحكمة، فعن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة" قلنا: لمن يا رسول الله؛ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» (٣).

стр. 872

وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنّصح لكلّ مسلم» (١). ، والنصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبّهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب، وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبّهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط. فينبغي للمسلم أن يلمّ شعث أخيه كما يلم الخياط خرق الثوب ويخلص النصيحة لأخيه صافية كما يصفو العسل (٢) ومما يؤكد ذلك قول النبي ﷺ : «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (٣) وهذه الثلاث تستصلح بها الثوب فمن تمسك بها سلم قلبه من الحقد والحسد، والخيانة، والشحناء، ولا يبقى فيه شيء من ذلك (٤). فينبغي لكل مسلم النصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، ويحث الناس على ذلك، والله المستعان (٥). ثالثا: من صفات الداعية: التثبت: لا شك أن التثبت في الأمور وعدم العجلة من الأمور المهمة التي ينبغي العناية بها؛ ولهذا تثبّت عثمان بن عفان ﵁ كما في هذا الحديث - فلم يعجل على عقاب سعاته ولم يعزلهم في الحال، وهذا يدل على تثبته ﵁؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: "يحتمل أن عثمان ﵁ لم يثبت عنده ما طعن به

стр. 873

على سعاته، أو ثبت عنده وكان التدبير يقتضي تأخير الإنكار، أو كان الذي أنكره من المستحبات لا من الواجبات؛ ولذلك عذره عليّ ولم يذكره بسوء" فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٢١٥، وقيل: إن عثمان ﵁ لم يرد الصحيفة إلا لأن عنده علما من ذلك، فاستغنى به، ورد الصحيفة بحكمة ورفق (١) وكل ما تقدم يوضح للداعية أهمية التثبت والأناة في الأمور؛ لما في ذلك من الصلاح والإصلاح، وسلامة القلوب واجتماع الكلمة (٢). رابعا: من وسائل الدعوة: إرسال الكتب والرسائل: إن إرسال الكتب والرسائل من الوسائل النافعة التي ينبغي أن تستخدم في الدعوة إلى الله ؛ ولهذه الأهمية أرسل عليّ ﵁ بكتاب فيه الأمر بالزكاة إلى عثمان ﵁، كما قال محمد ابن الحنفية في هذا الحديث: "أرسلني أبي: خذ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان؛ فإن فيه أمر رسول الله ﷺ بالصدقة"، وهذا يؤكد أهمية إرسال الرسائل والكتب؛ للدعوة إلى الله وتبليغ العلم النافع للناس (٣). خامسا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: الاستدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أو من أحدهما من أهم الأمور وأعظم الطاعات، وقد دل على ذلك في هذا الحديث قول علي ﵁ لابنه محمد: "خذ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان؛ فإن فيه أمر النبي ﷺ بالصدقة". فينبغي للداعية أن يعتني بذكر الأدلة على ما يقول، وعلى ما يدعو الناس إليه؛ لما في ذلك من إيجاد الثقة بما يقول في قلوب المدعوين، وحصول اليقين بصدقه، ومن ثم قبول قوله ودعوته (٤).

стр. 874

سادسا: أهمية تربية الأبناء وتدريبهم على الأمور المهمة: ظهر في هذا الحديث أهمية التربية والتدريب للأبناء على الأمور المهمة، والدعوة إلى الله ، ففيه أن علي بن أبي طالب ﵁ أرسل ابنه محمد ابن الحنفية بكتاب الصدقة التي أمر بها النبي ﷺ ، فيؤخذ من ذلك أنه ينبغي للداعية أن يربي أبناءه ويدربهم على تحمل المسؤولية، والقيام بالأمور المهمة؛ ليتعودوا على ذلك؛ ويشعروا بالثقة بالله ثم بأنفسهم، وحمل مصالح المسلمين، والله المستعان. سابعا: من أصناف المدعوين: أهل العلم والتقوى: المدعوّون أصناف على حسب الأحوال، وقد يكون المدعو من أهل العلم والتقوى؛ لأن المسلم مرآة أخيه، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث من إرسال علي ﵁ إلى عثمان بكتاب الصدقة؛ ليبلغه سعاته؛ لأن فيه أمر النبي ﷺ بالصدقة، وهذا يوضح ويدل على أن كل إنسان يحتاج إلى توجيه إخوانه وتذكيرهم له، فلا يأنف، ولا يرد الحق، بل عليه أن يقبل الحق بدليله (١).

стр. 875

٦ - باب الدّليل على أنّ الخمس لنوائب رسول الله ﷺ والمساكين وإيثار النّبي ﷺ أهل الفاقّة والأرامل، حين سألته فاطمة وشكت إليه الطّحن والرّحى أن يخدمها من السّبي فوكلها إلي الله. [حديث أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحنه] ١٥٥ - [٣١١٣] حدّثنا بدل بن المحبّر: أخبرنا شعبة: أخبرني الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى: أخبرنا عليّ (١). «أنّ فاطمة (٢) ﵍ اشتكت ما تلقى من الرّحى ممّا تطحنه، فبلغها أنّ رسول الله ﷺ أتي بسبي، فأتته تسأله خادما فلم توافقه، فذكرت لعائشة، فجاء النّبيّ ﷺ فذكرت ذلك عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم فقال: "على مكانكما"، حتّى وجدت برد قدمه على صدري، فقال: "ألا أدلكما على خير ممّا سألتماه؛ إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبّحا ثلاثا وثلاثين، فإنّ ذلك خير ممّا سألتماه» (٣). وفي رواية: "فذهبت لأقوم فقال: «على مكانكما» فقعد بيننا حتّى وجدت برد قدميه على صدري. . " (٤). وفي رواية: «إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبّحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبّرا أربعا وثلاثين» (٥). وفي رواية: "عن عليّ بن أبي طالب: «أنّ فاطمة ﵍ أتت النّبيّ ﷺ تسأله خادما فقال: "ألا أخبرك ما هو خير لك منه: تسبّحين عند منامك ثلاثا وثلاثين،

стр. 876

وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين الله أربعا وثلاثين»، ثمّ قال سفيان إحداهنّ أربع وثلاثون فما تركتها بعد. قيل: ولا ليلة صفّين؛ قال: ولا ليلة صفّين" (١). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء. ٢ - من صفات الداعية: التواضع. ٣ - أهمية أسلوب السؤال والجواب في الدعوة إلى الله . ٤ - من موضوعات الدعوة: تعليم الأذكار المشروعة. ٥ - من صفات الداعية: الرحمة. ٦ - من أصناف المدعوين: الأهل والأقارب. ٧ - أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء: الصبر على الابتلاء والامتحان والاختبار من صفات الداعية؛ ولهذا صبرت فاطمة بنت رسول الله ﷺ على التعب، ومشقة الرحى والطحن، وهي سيدة النساء بنت سيد الخلق ﷺ ، وقد ذكر القرطبي وابن حجر رحمهما الله أن في هذا الحديث من الفوائد: ما كان عليه السلف الصالح من شظف العيش وقلة الشيء، وشدة الحال، وأن الله حماهم الدنيا مع إمكان ذلك صيانة لهم من تبعاتها، وتلك سنة أكثر الأنبياء، والأولياء (٢) فإذا كان هؤلاء صبروا فينبغي التأسي بهم والصبر على الابتلاء؛ أسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة (٣).

стр. 877

ثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على عظم تواضع النبي ﷺ ؛ ولهذا ذهب بنفسه في وقت النوم والراحة إلى بنته فاطمة وعلي ﵄، ليعلمهما ما ينفعهما، فينبغي للداعية أن يكون متواضعا تأسّيا برسول الله ﷺ (١). ثالثا: أهمية أسلوب السؤال والجواب في الدعوة إلى الله : ظهر في هذا الحديث أهمية أسلوب السؤال والجواب؛ لاستخدام النبي ﷺ له بقوله لعلي وفاطمة ﵄: «ألا أدلكم على خير مما سألتماه" ثم أخبرهما ودلهما على ذلك فقال: "إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين؛ فإن ذلك خير مما سألتماه»، فالنبي ﷺ سألهما؛ ليشد الانتباه، ثم أجابهما ﷺ بعد أن أحضرا ذهنيهما، وهذا يؤكد أهمية السؤال والجواب في الدعوة إلى الله (٢). رابعا: من موضوعات الدعوة: تعليم الأذكار المشروعة: لاشك أن من أعظم الموضوعات في الدعوة إلى الله تعليم الناس الأذكار المشروعة؛ لأن بها ترفع الدرجات، ويبارك الله في الأوقات، ويحفظ بها العبد المسلم من الشياطين، ويزيد الله بها في النشاط والقوة على الطاعات والأعمال، وبها تطمئن القلوب كما قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] (٣). وقد دل هذا الحديث على مشروعية تعليم الأذكار؛ لأن النبي ﷺ قال لعلي وفاطمة ﵄: «إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين، فإن ذلك خير مما سألتماه». قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ويستفاد من الحديث أن الذي يلازم ذكر الله يعطى قوة أعظم من القوة التي يعملها له الخادم، أو تسهّل الأمور عليه بحيث يكون تعاطيه أموره أسهل من تعاطي الخادم

стр. 878

لها" (١) وقال العلامة الملا علي القاري: "كأن قراءة هذه الأذكار تزيل تعب خدمة النهار والآلام" (٢) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "وهذا يدل على أن الذكر يعين ويستعان به على كل الأمور" (٣) وهذا يؤكد تعليم الأذكار المشروعة للمدعوين على حسب الأحوال، والأوراد، والأوقات، والمناسبات التي تشرع فيها الأذكار (٤). خامسا: من صفات الداعية: الرحمة: إن الرحمة من أعظم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتحلىّ بها؛ ولهذا ظهرت رحمة النبي ﷺ لابنته فاطمة ﵂ في هذا الحديث، وذلك أنه عندما أخبرته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن فاطمة ﵂ جاءت تسأل خادما، فذهب النبي إلى فاطمة وقت الراحة والنوم رحمة بها وشفقة عليها، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه بيان غاية التعطف والشفقة على البنت والصهر" (٥) وهذا يوضح ويؤكد أهمية الرحمة والشفقة على الأقارب، والمدعوين. (٦). سادسا: من أصناف المدعوين: الأهل والأقارب: دعوة الأقربين من أهم المهمات وأعظم القربات، وأولى الواجبات؛ ولهذا اعتنى النبي ﷺ بتعليم ابنته فاطمة ﵂ وابن عمه وصهره علي ﵁ هذا الذكر العظيم: "إذا «أخذتما مضاجعكما فكبرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين»، فنفعهما الله به، ونفع به المخلصين من أمة محمد ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "يستفاد من هذا الحديث حمل

стр. 879

الإنسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من التقلل والزهد في الدنيا، والقنوع بما أعد الله لأوليائه الصابرين في الآخرة" (١). وهذا يؤكد العناية بدعوة الأهل والأقارب وأنهم من أصناف المدعوين الذين ينبغي أن يعتني بهم الداعية عناية خاصة (٢)؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (٣). سابعا: أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح: ظهر في هذا الحديث أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح وملازمته في الشدة والرخاء؛ ولهذا قال علي ﵁: "فما تركتها بعد" أي لم يترك جملة التسبيح والتحميد والتكبير بالعدد المذكور بعد أن سمع ذلك من النبي ﷺ ، فقيل له: ولا ليلة صفين؛ قال: "ولا ليلة صفين"، وهذا فيه منقبة لعلي ﵁؛ فقد داوم على هذا العمل الصالح، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه أن من واظب على الذكر عند النوم لم يصبه إعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب من العمل فأحالها ﷺ على ذلك" (٤) وهذا يؤكد أهمية قيمة المداومة على العمل الصالح. (٥).

стр. 880

٧ - باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [ الأنفال: ٤١] (١). يعني للرّسول قسم ذلك قال رَسُولُ الله ﷺ : «إنمّا أنا قاسم وخازن، والله يعطي». [حديث إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي] ١٥٦ - [٣١١٤] حدّثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة، عن سليمان ومنصور وقتادة: أنهم سمعوا سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله (٢). ﵁، أنه قال: «ولد لرجل منّا من الأنصار غلام، فأراد أن يسمّيه محمّدا» - قال شعبة في حديث منصور: إنّ الأنصاريّ قال: «حملته على عنقي، فأتيت به النّبيّ ﷺ ». وفي حديث سليمان: «ولد له غلام فأراد أن يسمّيه محمّدا قال: سمّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فإنّي إنّما جعلت قاسما أقسم بينكم». وقال حصين: «بعثت قاسما أقسم بينكم». وقال عمرو: أخبرنا شعبة، عن قتادة: سمعت سالما، عن جابر: «أراد أن يسمّيه القاسم فقال النّبيّ ﷺ : "سمّوا باسمي، ولا تكنّوا بكنيتي» (٣). وفي رواية: «ولد لرجل منّا غلام فسمّاه القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا. فأتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله ولد لي غلام فسمّيته القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا. فقال النّبيّ ﷺ : " أحسنت الأنصار، سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي، فإنّما أنا قاسم» (٤). وفي رواية: «ولد لرجل منّا غلام فسماه القاسم، فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة، فأخبر النّبيّ ﷺ فقال: "سمّ ابنك عبد الرّحمن» (٥).
следующие страницы →