وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين الله أربعا وثلاثين»، ثمّ قال سفيان إحداهنّ أربع وثلاثون فما تركتها بعد. قيل: ولا ليلة صفّين؛ قال: ولا ليلة صفّين" (١).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء.
٢ - من صفات الداعية: التواضع.
٣ - أهمية أسلوب السؤال والجواب في الدعوة إلى الله .
٤ - من موضوعات الدعوة: تعليم الأذكار المشروعة.
٥ - من صفات الداعية: الرحمة.
٦ - من أصناف المدعوين: الأهل والأقارب.
٧ - أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء: الصبر على الابتلاء والامتحان والاختبار من صفات الداعية؛ ولهذا صبرت فاطمة بنت رسول الله ﷺ على التعب، ومشقة الرحى والطحن، وهي سيدة النساء بنت سيد الخلق ﷺ ، وقد ذكر القرطبي وابن حجر رحمهما الله أن في هذا الحديث من الفوائد: ما كان عليه السلف الصالح من شظف العيش وقلة الشيء، وشدة الحال، وأن الله حماهم الدنيا مع إمكان ذلك صيانة لهم من تبعاتها، وتلك سنة أكثر الأنبياء، والأولياء (٢) فإذا كان هؤلاء صبروا فينبغي التأسي بهم والصبر على الابتلاء؛ أسأل الله لي ولجميع المسلمين العافية في الدنيا والآخرة (٣).
стр. 877
ثانيا: من صفات الداعية: التواضع: دل هذا الحديث على عظم تواضع النبي ﷺ ؛ ولهذا ذهب بنفسه في وقت النوم والراحة إلى بنته فاطمة وعلي ﵄، ليعلمهما ما ينفعهما، فينبغي للداعية أن يكون متواضعا تأسّيا برسول الله ﷺ (١).
ثالثا: أهمية أسلوب السؤال والجواب في الدعوة إلى الله : ظهر في هذا الحديث أهمية أسلوب السؤال والجواب؛ لاستخدام النبي ﷺ له بقوله لعلي وفاطمة ﵄: «ألا أدلكم على خير مما سألتماه" ثم أخبرهما ودلهما على ذلك فقال: "إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين؛ فإن ذلك خير مما سألتماه»، فالنبي ﷺ سألهما؛ ليشد الانتباه، ثم أجابهما ﷺ بعد أن أحضرا ذهنيهما، وهذا يؤكد أهمية السؤال والجواب في الدعوة إلى الله (٢).
رابعا: من موضوعات الدعوة: تعليم الأذكار المشروعة: لاشك أن من أعظم الموضوعات في الدعوة إلى الله تعليم الناس الأذكار المشروعة؛ لأن بها ترفع الدرجات، ويبارك الله في الأوقات، ويحفظ بها العبد المسلم من الشياطين، ويزيد الله بها في النشاط والقوة على الطاعات والأعمال، وبها تطمئن القلوب كما قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] (٣).
وقد دل هذا الحديث على مشروعية تعليم الأذكار؛ لأن النبي ﷺ قال لعلي وفاطمة ﵄: «إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين، فإن ذلك خير مما سألتماه». قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ويستفاد من الحديث أن الذي يلازم ذكر الله يعطى قوة أعظم من القوة التي يعملها له الخادم، أو تسهّل الأمور عليه بحيث يكون تعاطيه أموره أسهل من تعاطي الخادم
стр. 878
لها" (١) وقال العلامة الملا علي القاري: "كأن قراءة هذه الأذكار تزيل تعب خدمة النهار والآلام" (٢) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "وهذا يدل على أن الذكر يعين ويستعان به على كل الأمور" (٣) وهذا يؤكد تعليم الأذكار المشروعة للمدعوين على حسب الأحوال، والأوراد، والأوقات، والمناسبات التي تشرع فيها الأذكار (٤).
خامسا: من صفات الداعية: الرحمة: إن الرحمة من أعظم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتحلىّ بها؛ ولهذا ظهرت رحمة النبي ﷺ لابنته فاطمة ﵂ في هذا الحديث، وذلك أنه عندما أخبرته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن فاطمة ﵂ جاءت تسأل خادما، فذهب النبي إلى فاطمة وقت الراحة والنوم رحمة بها وشفقة عليها، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه بيان غاية التعطف والشفقة على البنت والصهر" (٥) وهذا يوضح ويؤكد أهمية الرحمة والشفقة على الأقارب، والمدعوين. (٦).
سادسا: من أصناف المدعوين: الأهل والأقارب: دعوة الأقربين من أهم المهمات وأعظم القربات، وأولى الواجبات؛ ولهذا اعتنى النبي ﷺ بتعليم ابنته فاطمة ﵂ وابن عمه وصهره علي ﵁ هذا الذكر العظيم: "إذا «أخذتما مضاجعكما فكبرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين»، فنفعهما الله به، ونفع به المخلصين من أمة محمد ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "يستفاد من هذا الحديث حمل
стр. 879
الإنسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من التقلل والزهد في الدنيا، والقنوع بما أعد الله لأوليائه الصابرين في الآخرة" (١).
وهذا يؤكد العناية بدعوة الأهل والأقارب وأنهم من أصناف المدعوين الذين ينبغي أن يعتني بهم الداعية عناية خاصة (٢)؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (٣).
سابعا: أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح: ظهر في هذا الحديث أهمية الحرص على المداومة على العمل الصالح وملازمته في الشدة والرخاء؛ ولهذا قال علي ﵁: "فما تركتها بعد" أي لم يترك جملة التسبيح والتحميد والتكبير بالعدد المذكور بعد أن سمع ذلك من النبي ﷺ ، فقيل له: ولا ليلة صفين؛ قال: "ولا ليلة صفين"، وهذا فيه منقبة لعلي ﵁؛ فقد داوم على هذا العمل الصالح، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه أن من واظب على الذكر عند النوم لم يصبه إعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب من العمل فأحالها ﷺ على ذلك" (٤) وهذا يؤكد أهمية قيمة المداومة على العمل الصالح. (٥).
стр. 880
٧ - باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [ الأنفال: ٤١] (١).
يعني للرّسول قسم ذلك قال رَسُولُ الله ﷺ : «إنمّا أنا قاسم وخازن، والله يعطي».
[حديث إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي]
١٥٦ - [٣١١٤] حدّثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة، عن سليمان ومنصور وقتادة: أنهم سمعوا سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله (٢).
﵁، أنه قال: «ولد لرجل منّا من الأنصار غلام، فأراد أن يسمّيه محمّدا» - قال شعبة في حديث منصور: إنّ الأنصاريّ قال: «حملته على عنقي، فأتيت به النّبيّ ﷺ ». وفي حديث سليمان: «ولد له غلام فأراد أن يسمّيه محمّدا قال: سمّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فإنّي إنّما جعلت قاسما أقسم بينكم». وقال حصين: «بعثت قاسما أقسم بينكم». وقال عمرو: أخبرنا شعبة، عن قتادة: سمعت سالما، عن جابر: «أراد أن يسمّيه القاسم فقال النّبيّ ﷺ : "سمّوا باسمي، ولا تكنّوا بكنيتي» (٣).
وفي رواية: «ولد لرجل منّا غلام فسمّاه القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا. فأتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله ولد لي غلام فسمّيته القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا. فقال النّبيّ ﷺ : " أحسنت الأنصار، سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي، فإنّما أنا قاسم» (٤).
وفي رواية: «ولد لرجل منّا غلام فسماه القاسم، فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة، فأخبر النّبيّ ﷺ فقال: "سمّ ابنك عبد الرّحمن» (٥).
стр. 881
وفي رواية: «سمّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، فإنّما أنا قاسم أقسم بينكم» (١).
[حديث إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت]
١٥٧ - [٣١١٧] حدّثنا محمّد بن سنان: حدّثنا فليح: حدّثنا هلال، عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة (٢).
﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنّما أنا قاسم أضع حيث أمرت».
* شرح غريب الحديثين: * "لا ننعمك عينا" أي لا نقول لك: نعمت عينك، بمعنى قرّت، ولا نقر عينك بذلك، ولا نرضيك به، ولا نساعدك عليه (٣).
* " إنما أنا قاسم " إشارة إلى أن هذه الكنية تصدق على النبي ﷺ وحده؛ لأنه يقسم مال الله بين المسلمين كما أمره الله ، وغيره ليس بهذه المرتبة (٤).
* "ولا كرامة" أي لا نكرمك بذلك (٥).
* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من موضوعات الدعوة: الحض على احترام النبي ﷺ وتوقيره وتعزيره.
٢ - عظم محبة الصحابة للنبي ﷺ .
٣ - من موضوعات الدعوة: الحث على اختيار التسمية بالأسماء الحسنة.
٤ - من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين وربطها بخالقها.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: الحض على احترام النبي ﷺ وتوقيره وتعزيره: إن هذا الحديث يدل على أن الحض على احترام النبي ﷺ ، وتوقيره من
стр. 882
الموضوعات التي ينبغي أن يحض الناس عليها؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي»، وقد ثبت عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «نادى رجل رجلا بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني لم أعنك، إنما دعوت فلانا، فقال رسول الله ﷺ : "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي» (١).
* قال الإمام القرطبي ﵀ عن هذا الحديث: "صدر هذا القول عن النبي ﷺ مرات، فعلى حديث أنس إنما قاله حين نادى رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال الرجل لم أعنك، فقال النبي ﷺ ذلك القول، وهذه حالة تنافي الاحترام، والتعزير المأمور به، فلما كانت الكناية بأبي القاسم تؤدي إلى ذلك نهى عنها" (٢).
، وقد أمر الله بالتزام الأدب مع رسول الله ﷺ واحترامه وتوقيره فقال: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (٣).
، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] (٤).
، وقال : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (٥).
، وحرمة النبي ﷺ بعد موته وتوقيره، لازم كحال حياته، وذلك عند ذكر حديثه، وسنته، وسماع اسمه، وسيرته، وتعلم سنته، والدعوة إليها ونصرتها (٦).
* ولاشك أنه ينبغي للداعية أن يحض الناس على التزام الأدب مع رسول الله ﷺ ، والإيمان الصادق به وبما جاء به، وطاعته، واتباعه واتخاذه قدوة في جميع الأحوال إلا ما كان خاصا به، ومحبته أكثر من النفس، والأهل والولد، والوالد، والناس أجمعين، والصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ ، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه، وإنزاله مكانته التي أنزله الله إياها ﷺ (٧).
، وقد كان النهي عن الجمع بين اسمه وكنيته في
стр. 883
حياته أما بعد وفاته ﷺ فقال الإمام القرطبي ﵀: "وذهب الجمهور من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى جواز كل ذلك، فله أن يجمع بين اسمه وكنيته، وله أن يسمي بما شاء من الاسم والكنية" (١).
وقد ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «قلت: يا رسول الله، إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؛ قال: "نعم» (٢).
، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "نهى ﵊ عن التكني بكنيته وأذن في التسمي باسمه، ثم بعد أن مات زالت العلة فجاز التكني بكنيته بعد موته كما جاز التسمي باسمه في حياته وبعد موته، والجمع بين اسمه وكنيته بعد موته" (٣).
* فينبغي للداعية أن يبين للناس حقوق النبي ﷺ ، ويحضهم على احترامه وتوقيره ونصرته ﷺ .
ثانيا: عظم محبة الصحابة للنبي ﷺ : لاشك أن الصحابة يحبون النبي ﷺ أكثر من أنفسهم، وأولادهم، ووالديهم والناس أجمعين، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لقول الأنصار: «ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة»، وفي لفظ: «لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا». . "، فقال النبي ﷺ : «أحسنت الأنصار سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي فإنما أنا قاسم»، وهذا يؤكد محبة الصحابة لرسول الله ﷺ ، فينبغي التأسي بهم ﵃. (٤).
ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على اختيار التسمية بالأسماء الحسنة: دل هذا الحديث على أن من موضوعات الدعوة حث الناس على اختيار الأسماء الطيبة الحسنة؛ لقول النبي ﷺ هذا الحديث لرجل من الأنصار:
стр. 884
" سمّ ابنك عبد الرحمن "، وهذا فيه حث وتأكيد على التسمية بهذا الاسم؛ وقال ﷺ : «إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن» (١).
، وهذا يؤكد للداعية أهمية حض الناس على تسمية أولادهم بالأسماء الطيبة الحسنة، والله المستعان (٢).
رابعا: من أساليب الدعوة: تطييب قلوب المدعوين وربطها بخالقها: إن في هذين الحديثين دلالة واضحة على أن من أساليب الدعوة إلى الله تطييب قلوب المدعوين وربطها بخالقها، وذلك في قوله ﷺ : «إنما أنا قاسم أقسم بينكم»، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «ما أعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت»، أي لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا إلا بأمر الله (٣).
قال الإمام القرطبي ﵀: " فإنما أنا قاسم " "يعني أنه هو الذي يبين قسم الأموال في المواريث، والغنائم، والزكوات، والفيء وغير ذلك من المقادير، فيبلغ عن الله حكمه، ويبيّن قسمه، وليس ذلك لأحد إلا له" (٤).
، وهذا فيه تطييب لقلوب المدعوين وربط لها بخالقها، ويؤكد ذلك قوله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي». . . " (٥).
* قال ابن بطال ﵀: "معناه أني لم أستأثر من مال الله تعالى شيئا دونكم، وقاله تطييبا لقلوبهم حين فاضل في العطاء، فقال: الله هو الذي يعطيكم لا أنا، وإنما أنا قاسم فمن قسمت له شيئا فذلك نصيبه قليلا كان أو كثيرا" (٦).
، وهذا يؤكد أهمية تطييب قلوب المدعوين بما يدخل السرور عليهم ويربط قلوبهم بربهم .
стр. 885
[حديث إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق]
١٥٨ - [٣١١٨] حدّثنا عبد الله بن يزيد: حدّثنا سعيد بن أبي أيّوب قال: حدّثني أبو الأسود، عن ابن أبي عيّاش - واسمه نعمان -، عن خولة الأنصاريّة (١).
﵂ قالت: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ رجالا يتخوّضون في مال الله بغير حقّ، فلهم النّار يوم القيامة».
* شرح غريب الحديث: * " يتخوضون في مال الله " أي يتصرفون فيه ويتقحمون في استحلاله، وأصل الخوض: المشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبس في الأمر والتصرف فيه: والمقصود بالتخوض في المال: التصرف فيه بما لا يرضي الله ، وقيل: هو التخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن. (٢).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من موضوعات الدعوة: التحذير من صرف الأموال في الباطل.
٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب.
٣ - من أساليب الدعوة: عدم التصريح بذكر اسم المخطئ.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من صرف الأموال في الباطل: إن التحذير من صرف الأموال في الباطل من موضوعات الدعوة؛ ولهذا حذر النبي ﷺ في هذا الحديث عن التصرف في المال بما لا يرضي الله ، وقيل عن التخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن (٣).
، فقال ﷺ : «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة»، ويدخل في ذلك
стр. 886
المال الذي جعل في مصالح المسلمين فقسم بالباطل بغير عدل، أو بغير إذن الإمام، لأن ما في بيت مال المسلمين: من الزكاة، والخراج، والجزية، والغنيمة، وغير ذلك يجب العناية به عناية فائقة كما يرضي الله (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵁: " من مال الله " "مظهر أقيم مقام المضمر إشعارا بأنه لا ينبغي التخوض في مال الله ورسوله، والتصرف فيه بمجرد التشهّي" (٢).
، وذكر ﵀ أن في هذا الحديث من الفوائد: "أن من أخذ من الغنائم شيئا بغير قسم الإمام كان عاصيا، وفيه ردع الولاة أن يأخذوا من المال شيئا بغير حقه، أو يمنعوه من أهله" (٣).
، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "يجب أن تصرف الأموال في الطرق الشرعية، ومن خالف ذلك فهو متوعّد بالنار" (٤).
وقد نهى الله عن أكل الأموال بالباطل فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] (٥).
وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه» (٦).
، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (٧).
، وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات. وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال
стр. 887
وإضاعة المال» (١).
، وهذا يؤكد على الداعية العناية بتحذير الناس عن إضاعة المال وعن صرفه في الباطل، وعن اكتسابه من غير حله والله المستعان.
ثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: إن الترهيب من الأساليب المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها في دعوته إلى الله ؛ ولهذا حذر النبي ﷺ في هذا الحديث بأسلوب الترهيب فقال: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، لهم النار يوم القيامة»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ على قوله ﷺ : «فلهم النار يوم القيامة»: "حكم مرتب على الوصف المناسب، وهو الخوض في مال الله، ففيه إشعار بالغلبة" (٢).
، وهذا يؤكد استخدام هذا الأسلوب؛ للتنفير من صرف الأموال في غير حق، ومن اكتسابها من غير الطرق الشرعية (٣).
ثالثا: من أساليب الدعوة: عدم التصريح بذكر اسم المخطئ: عدم التصريح بذكر اسم المخطئ وعدم مواجهة الناس بالعتاب من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية العناية بها في دعوته إلى الله ؛ ولهذا والله أعلم لم يصرح النبي ﷺ بذكر الرجال الذين يتخوضون في مال الله؛ بل قال: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة»، وقد كان النبي ﷺ يستخدم هذا الأسلوب كثيرا، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟». . " (٤).
، وقال ﷺ : «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» (٥).
، وغير ذلك كثير في أساليبه ﷺ في الدعوة إلى الله (٦).
стр. 888
٨ - باب قول النبي ﷺ : «أحلّت لكم الغنائم»
وقول الله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] (١).
وهي للعامّة حتّى يبيّنه الرّسول ﷺ .
[حديث أحلت لكم الغنائم]
١٥٩ - [٣١٢١] حدّثنا إسحاق سمع جريرا، عن عبد الملك، عن جابر بن سمرة (٢).
﵄ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله» (٣).
* شرح غريب الحديث: * " كسرى " لقب لكل من ملك الفرس. (٤).
* " قيصر " لقب لكل من ملك الروم (٥).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من أساليب الدعوة: البشارة.
٢ - من أساليب الدعوة التأكيد بالقسم.
٣ - من معجزات الرسول ﷺ : تحقق وقوع ما أخبر به. (٦).
стр. 889
[حديث غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة]
١٦٠ - [٣١٢٤] حدّثنا محمّد بن العلاء: حدّثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همّام بن منبّه، عن أبي هريرة (١).
﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولمّا يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا. فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشّمس: إنّك مأمورة وأنا مأمور، اللهمّ احبسها علينا، فحبست حتّى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النّار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إنّ فيكم غلولا، فليبايعني من كلّ قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذّهب فوضعوها، فجاءت النّار فأكلتها. ثمّ أحلّ الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلّها لنا». [(٢).
* شرح غريب الحديث: * " ملك بضع امرأة " البضع يطلق على عقد النكاح والجماع معا، وعلى الفرج (٣).
* " خلفات " الخلفة - بفتح الفاء وكسر اللام - الحامل من النوق، وتجمع على خلفات، وخلائف (٤).
* " الغلول " الغلول في المغنم: أن يخفى من الغنيمة شيئا ولا يرد إلى القسمة؛ لأن ذلك من حقوق من شهد الغنيمة، وهو في معنى الخيانة؛ لأن كل من خان شيئا في خفاء فقد غل، وسمي ذلك غلولا؛ لأن الأيدي مغلولة عنه: أي ممنوعة منه (٥).
стр. 890
* " يبني بها " يقال: بنى الرجل بأهله: إذا دخل بها، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة (١).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية تفريغ قلب الداعية من المشاغل الدنيوية.
٢ - من أساليب الدعوة: القصص.
٣ - من خصائص النبي ﷺ وأمته: حل الغنائم.
٤ - من معجزات النبوة: حبس الشمس واستجابة الدعاء.
٥ - من صفات الداعية: التواضع.
٦ - من أساليب الدعوة: التشبيه.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية تفريغ قلب الداعية من المشاغل الدنيوية: من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعتني بها الداعية تفريغ القلب من مشاغل الدنيا أثناء الدعوة والجهاد؛ ولهذا قال هذا النبي ﷺ في هذا الحديث: «لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها»، وهذا يؤكد أهمية اختمار الرجل الحازم الذي قد فرّغ قلبه للأمور المهمة؛ لأن من كان قلبه معلقا بشيء من أمور الدنيا؛ فإنه ينقص من جدّه واجتهاده وحزمه وعزيمته في الدعوة إلى الله أو الجهاد؛ قال الإمام الكرماني ﵀: "وفيه أن الأمور المهمة لا ينبغي أن تفوض إلا إلى أولي الحزم وأولي الفراغ؛ لأن تعلق القلب بغيرها يفوت كمال بذل القاضي وسعه" (٢).
وقد أوضح الإمام النووي في فوائد هذا الحديث أهمية التفرغ للأمور المهمة فقال ﵀: "وفي هذا الحديث أن الأمور
стр. 891
المهمة ينبغي أن لا تفوّض إلا إلى أولي الحزم وفراغ البال لها، ولا تفوّض إلى متعلق القلب بغيرها؛ لأن ذلك يضعف عزمه، ويفوت كمال بذل وسعه فيه" (١).
، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "المقصود أن الغازي يفرّغ قلبه، فإذا دخل بأهله قبل الغزو كان ذلك أفرغ لقلبه، فيكون قلبه بعد ذلك معلقا بالجهاد" (٢).
ثانيا: من أساليب الدعوة: القصص: القصص الحكيم من الكتاب أو من السنة من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ؛ لما فيه من شحذ ذهن المدعو؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ في دعوته، ففي هذا الحديث قال ﷺ : «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها»، وهذا يوضح للداعية أهمية استخدام أسلوب القصص في دعوته إلى الله (٣).
ثالثا: من خصائص النبي ﷺ وأمته: حل الغنائم: ظهر في هذا الحديث أن من خصائص النبي ﷺ وأمته تفضل الله عليهم بأن أحل لهم الغنائم، أما الأنبياء قبله فكانت الغنائم تجمع ثم يرسل الله عليها نارا فتحرقها، ويكون ذلك علامة لقبولها، وعدم الغلول فيها (٤).
؛ ولهذا بيّن النبي ﷺ في هذا الحديث أن الغنائم خاصة بأمته فقط: «ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» (٥).
رابعا: من معجزات النبوة: حبس الشمس واستجابة الدعاء: دل هذا الحديث على أن من معجزات النبوة حبس الشمس واستجابة الدعاء؛
стр. 892
ولهذا قال ﷺ يحكي هذا النبي الغازي في الحديث: «فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه»، وقد ذكر الإمام النووي، والحافظ الهيثمي، والحافظ ابن حجر ﵏ آثارا تدل على أن الشمس حبست لنبينا محمد بن عبد الله ﷺ (١).
، وعن جابر بن عبد الله ﵄: «أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار» (٢) "، وهذا كله يؤكد أن حبس الشمس واستجابة الدعاء من معجزات النبوة التي تدل على صدق النبي ﷺ وأنه مرسل من عند الله .
خامسا: من صفات الداعية: التواضع: لا ريب أن التواضع من الصفات الجميلة الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله ، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث من قول النبي ﷺ : ". . . «ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا»، وهذا يؤكد عظم تواضع النبي ﷺ لله حيث قال: "رأى ضعفنا وعجزنا"، فينبغي للداعية إلى الله أن يكون كذلك (٣).
سادسا: من أساليب الدعوة: التشبيه: إن التشبيه أسلوب نافع من أساليب الدعوة إلى الله ، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث في قوله ﷺ : «فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها»، وهذا يؤكد أهمية استخدام هذا الأسلوب عند الحاجة إليه (٤).
стр. 893
١٣ - باب بركة الغازي في ماله حيّا وميتا، مع النّبي ﷺ وولاة الأمر
[حديث لما وقف الزبير يوم الجمل دعا ابنه عبد الله]
١٦١ - [٣١٢٩] حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لأبي أسامة: أحدّثكم هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزّبير؟ (١) قال: "لمّا وقف الزّبير (٢) يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بنيّ إنّه لا يقتل اليوم إلّا ظالم أو مظلوم، وإنّي لا أراني إلّا سأقتل اليوم مظلوما، وإنّ من أكبر همّي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا؟ فقال: يا بنيّ، بع ما لنا، فاقض ديني. وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه - يعني بني عبد الله بن الزّبير، يقول: ثلث الثلث - فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدّين فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزّبير - خبيب وعبّاد - وله يومئذ تسعة بنين وبنات. قال عبد الله فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بنيّ إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتّى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلّا قلت: يا مولى الزّبير اقض عنه دينه، فيقضيه. فقتل الزّبير ﵁ ولم يدع دينارا ولا درهما، إلّا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر. قال: وإنّما كان دينه الّذي عليه أنّ الرّجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إيّاه، فيقول الزّبير: لا، ولكنّه سلف، فإنّي أخشى عليه الضّيعة. وما ولي إمارة قطّ ولا جباية خراج، ولا شيئا إلّا أن يكون في غزوة مع النّبيّ ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ قال عبد الله بن الزّبير: فحسبت ما عليه من الدّين فوجدتة ألفي ألف ومائتي ألف قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزّبير فقال: يا ابن أخي: كم على أخي من الدّين؛ فكتمه فقال مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي
стр. 894
ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. قال: وكان الزّبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف. فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف. ثمّ قام فقال: من كان له على الزّبير حقّ فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر - وكان له على الزّبير أربعمائة ألف - فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخّرون إن أخّرتم. فقال عبد الله: لا. قال: قال: فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله: لك من هاهنا إلى هاهنا. قال فباع منها فقضى دينه فأوفاه. وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية - وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزّبير، وابن زمعة - فقال له معاوية: كم قوّمت الغابة: قال: كلّ سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزّبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. قال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية كم بقي؛ فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستّمائة ألف. فلمّا فرغ ابن الزّبير من قضاء دينه قال بنو الزّبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتّى أنادي بالموسم أربع سنين. ألا من كان له على الزّبير دين فليأتنا فلنقضه. قال: فجعل كلّ سنة ينادي بالموسم. فلمّا قضى أربع سنين قسم بينهم. قال: فكان للزّبير أربع نسوة، ورفع الثّلث فأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائتا ألف". فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
* شرح غريب الحديث: * "الغابة " الغابة قرب المدينة من عواليها، والغابة الأجمة ذات الشجر المتكاثف، وسمّيت غابة؛ لأنها تغيّب ما فيها، وجمعها غابات، وغابة المدينة من ناحية الشام، كان فيها أموال لأهل المدينة وقيل: إن الغابة بريد من المدينة
стр. 895
على طريق الشام، وقد صنع منبر النبي ﷺ من طرفاء الغابة (١).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: الاستعداد للقاء الله .
٢ - من صفات الداعية: الثقة بالله .
٣ - أهمية الالتجاء إلى الله بالدعاء.
٤ - أهمية الحرص على أداء الأمانة.
٥ - من صفات الداعية: الجود والكرم.
٦ - من صفات الداعية: العفة وقوة النفس.
٧ - أهمية النية الصالحة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: الاستعداد للقاء الله : الاستعداد للقاء الله من أهم المهمات وأعظم الواجبات، ومما ينبغي لكل مسلم أن يعتني به وخاصة الداعية إلى الله ، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة العظيمة؛ لقول الزبير بن العوام ﵁ لابنه عبد الله: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا؟ يا بني بع ما لنا فاقض ديني، وأوصى بالثلث". وهذا يؤكد ويبين للداعية أهمية الاستعداد للقاء الله ، فيقوم بجميع الواجبات، ويبتعد عن جميع المحرمات، ويوصي بما يريد أن يوصي به من دين وغيره، والله المستعان (٢).
ثانيا: من صفات الداعية: الثقة بالله : إن من الصفات العظيمة المهمة التي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم وخاصة
стр. 896
الداعية إلى الله : الثقة بالله "ولهذه الثقة قال عبد الله بن الزبير ﵁ عن أبيه: "فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي، قال عبد الله: فوالله ما دريت مما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله، قال: فوالله ما وقعت في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه منزلة الزبير عند نفسه، وأنه في تلك الحالة كان في غاية الوثوق بالله والإقبال عليه والرضا بحكمه والاستعانة به" (١) وهذا دليل على ثقة الزبير العظيمة بالله ، وقد كان سبحانه عند ظنه به؛ قال ﷺ : «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني» (٢) وهذا يؤكد على الداعية أن يثق بربه ويحسن الظن به.
ثالثا: أهمية الالتجاء إلى الله بالدعاء: إن الالتجاء إلى الله من أعظم الصفات الحميدة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها؛ لأن الله يجيب دعاء السائلين ويكشف كرب المكروبين؛ ولهذا التجأ عبد الله بن الزبير إلى الله فأجابه في قضاء دين والده، قال ﵁: "فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه"، قال الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] (٣) وهذا يؤكد أهمية الالتجاء إلى الله عند الشدائد والكرب (٤).
رابعا: أهمية الحرص على أداء الأمانة: ظهر في هذا الحديث الحرص على أداء الأمانة؛ لأن الزبير بن العوام ﵁ إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: "لا، ولكنه سلف، فإنّي أخشى عليه الضيعة"، وهذا يبين عظم أمانته ﵁؛
стр. 897
لأنه يريد أن يضمن للناس أموالهم لو تلفت بدون تفريط منه. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه مبالغة الزبير في الإحسان لأصدقائه؛ لأنه ﵁ يحفظ لهم ودائعهم في غيبتهم، ويقوم بوصاياهم على أولادهم بعد موتهم، ولم يكتف بذلك حتى احتاط لأموالهم وديعة أو وصية بأن يتوصل إلى تصييرها في ذمته مع عدم احتياجه لها غالبا، وإنما ينقلها من اليد للذمة مبالغة في حفظها لهم" (١) فينبغي للداعية أن يكون حريصا على أداء الأمانة وحفظها (٢).
خامسا: من صفات الداعية: الجود والكرم: الكرم والجود من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، وخاصة الداعية إلى الله ، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث من وجهين: الأول: كرم حكيم بن حزام ﵁، قال عبد الله بن الزبير ﵁ في دين والده: "فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف أي مليونان ومائتا ألف، فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال حكيم: يا ابن أخي كم على أخي من الدين؟ فكتمه فقال: مائة ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه، فقال له عبد الله: أفرأيت إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. وهذا يدل على كرم حكيم ﵁.
الثاني: كرم عبد الله بن جعفر ﵁؛ فإنه كان يطلب الزبير أربعمائة ألف فقال لعبد الله بن الزبير: إن شئتم تركتها لكم، فامتنع عبد الله بن الزبير من ذلك وأعطاه من الغابة. وهذا يدل على كرم عبد الله بن جعفر ﵁؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه بيان جود ابن جعفر لسماحته بهذا المال العظيم" (٣) وهذا يبين للداعية أهمية الكرم والجود وأثره في الدعوة إلى الله (٤).
стр. 898
سادسا: من صفات الداعية: العفة وقوة النفس: مما يدل على قوة النفس وعفتها ما فعله عبد الله بن الزبير ﵁ مع حكيم ابن حزام وعبد الله بن جعفر؛ فإن حكيم بن حزام ﵁ طلب عبد الله بن الزبير أن يعينه على قضاء دين الزبير فامتنع ابن الزبير من ذلك، وسأله عبد الله بن جعفر ﵁ أن يضع الدين عن الزبير - وكان أربعمائة ألف - فامتنع عبد الله بن الزبير عن ذلك، وهذا يدل على عفة عبد الله بن الزبير ﵁ وقوة نفسه، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه قوة نفس عبد الله بن الزبير لعدم قبوله ما سأله حكيم بن حزام من المعاونة، وما سأله عبد الله بن جعفر من المحاللة" (١).
سابعا: أهمية النية الصالحة: إن النية الصالحة من الصفات العظيمة التي يفوز صاحبها بسعادة الدنيا والآخرة، وهي من أسباب البركة، ومما يدل على ذلك ما وقع في هذا الحديث في قصة دين الزبير بن العوام، وأن دينه بلغ ألفي ألف ومائتي ألف، ولم يكن له في الظاهر من المال إلا الغابة اشتراها بمائة وسبعين ألفا، ثم باعها ابنه عبد الله بأموال طائلة عظيمة فاجتمعت تركته فكان جميع المال خمسين ألف ألف ومائتى ألف: [أي خمسين مليونا ومائتي ألف] قضى منها الدين وأخرجت الوصية ووزّع الباقي على الورثة، وهذا يدل على أن الله بارك في مال الزبير؛ لنيته الصالحة ﵁. وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول في فوائد هذا الحديث إنه: "بركة من الله؛ لحسن النية، فبارك الله له، وهذا من ثمرات النية الصالحة" (٢) وهذا يؤكد أهمية النية الصالحة وأثرها وثمراتها، والله المستعان. (٣).
стр. 899
١٤ - باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجة، أو أمره بالمقام، هل يسهم له ؟
[حديث قوله ﷺ لعثمان إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه]
١٦٢ - [٣١٣٠] حدّثنا موسى: حدّثنا أبو عوانة: حدّثنا عثمان بن موهب، عن ابن عمر (١) ﵁ قال: إنّما تغيّب عثمان عن بدر فإنّه كان تحته بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له النّبيّ ﷺ : «إنّ لك أجر رجل ممّن شهد بدرا وسهمه» (٢).
وفي رواية: "كنّا في زمن النّبيّ ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثمّ عمر، ثم عثمان، ثمّ نترك أصحاب النّبيّ ﷺ لا نفاضل بينهم" (٣).
وفي رواية: عن عبيدة قال: "جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: لعلّ ذاك يسوءك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثمّ سأله عن عليّ، فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النّبيّ ﷺ . ثمّ قال: لعلّ ذاك يسوءك؛ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد عليّ جهدك" (٤).
وفي رواية: عن عثمان بن موهب قال: "جاء رجل حجّ البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القعود؛ قال: هؤلاء قريش، قال: من الشّيخ؟ قالوا: ابن عمر فأتاه فقال: إنّي سائلك عن شيء أتحدّثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أنّ عثمان بن عفّان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال:
стр. 900
فتعلمه تغيّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلّف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال فكبّر، قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبيّن لك عمّا سألتني عنه أمّا فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه، وأمّا تغيّبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رَسُولِ الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النّبيّ ﷺ : «إنّ لك أجر رجل ممّن شهد بدرا وسهمه». وأمّا تغيّبه عن بيعة الرّضوان فإنّه لو كان أحد أعز ببطن مكّة من عثمان بن عفّان لبعثه مكانه، فبعث عثمان وكانت (١) بيعة الرّضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكّة فقال النّبيّ ﷺ بيده اليمنى: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده فقال: "هذه لعثمان " اذهب بهذا الآن معك" (٢).
وفي رواية: عن نافع عن ابن عمر ﵄، أتاه رجلان في فتنة ابن الزّبير فقالا: إنّ النّاس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبيّ ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أنّ الله حرّم دم أخي فقالا: ألم يقل الله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] (٣) فقال: قاتلنا حتّى لم تكن فتنة، وكان الدّين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتّى تكون فتنة ويكون الدّين لغير الله (٤).
وفي رواية: عن بكير عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنّ رجلا جاءه فقال: يا أبا عبد الرّحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] إلى آخر الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي أغترّ بهذه الآية ولا أقاتل أحبّ إليّ من أن أغترّ بهذه الآية الّتي يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] (٥) إلى آخرها قال: فإنّ الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ
стр. 901
كان الإسلام قليلا، فكان الرّجل يفتن في دينه إمّا يقتلوه، وإمّا يوثقوه، حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنة فلمّا رأى أنه لا يوافقه فيما يريد قال: فما قولك في عليّ وعثمان؟ قال " ابن عمر: ما قولي في عليّ وعثمان؟ أمّا عثمان فكان الله قد عفا عنه فكرهتم أن تعفوا عنه، وأمّا عليّ فابن عمّ رَسُولِ الله ﷺ وختنه، وأشار بيده وهذه ابنته أو بنته حيث ترون (١).
وفي رواية: عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا أو إلينا ابن عمر فقال رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمّد ﷺ يقاتل المشركين وكان الدّخول عليهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك (٢).
وفي رواية: قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدّثنا حديثا حسنا قال: فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرّحمن حدّثنا عن القتال في الفتنة والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فقال: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمّك؟ إنّما كان محمّد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدّخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك (٣).
* شرح غريب الحديث: * " فأرغم الله أنفك" أي ألصقه بالرّغام وهو التراب، هذا هو الأصل، ثم استعمل في الذّلّ والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره (٤).
* "وختنه" أي زوج ابنته، والأختان من قبل المرأة، والإحماء من قبل الرجل، والصهر يجمعهما، وخاتن الرجل الرجل إذا تزوج إليه (٥).
* "ثكلتك أمك" أي فقدتك، والثكل: فقد الولد، ويجوز أن تكون من
стр. 902
الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم تربت يداك، وقاتلك الله (١).
* "اجهد عليّ جهدك" أي ابلغ غايتك في هذا الأمر واعمل في حقي ما تستطيع وتقدر عليه (٢).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية النية الصالحة.
٢ - من صفات الداعية: العدل.
٣ - من وظائف الداعية الدفاع عن أئمة الهدى والتماس العذر لهم.
٤ - من أساليب الدعوة: استخدام الشدة مع بعض المدعوين.
٥ - أهمية الكف عما جرى بين الصحابة ﵃.
٦ - من أساليب الدعوة: الجدل.
٧ - أهمية اعتزال الفتن المضلة.
٨ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية النية الصالحة: النية الصالحة من أهم الأعمال القلبية التي ينبغي أن يتصف بها كل مسلم؛ لما في ذلك من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة (٣) وفي هذا الحديث دلالة على النية الصالحة، وأنه يكتب للعبد الصالح ما نوى ولم يقدر على عمله؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعثمان بن عفان حينما لم يشهد بدرا: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»؛ لأنه ﵁ كان مشغولا بتمريض بنت رسول الله ﷺ وكانت
стр. 903
زوجته، ولو لم يشغل بذلك لكان من المجاهدين فأعطاه الله ما نوى (١).
ثانيا: من صفات الداعية: العدل: العدل من أهم الصفات الحميدة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها وخاصة الداعية إلى الله ، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لقول عبد الله بن عمر ﵁: "كنا لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان " ولم يقدم أباه على أبي بكر حمية، ولكن حمله إيمانه على الصدق، وهذا هو العدل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وأنهم يرتبون أصحاب النبي ﷺ على حسب فضلهم وسبقهم للإسلام وجهادهم ﵃، فأفضل الصحابة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، قال الإمام ابن تيمية ﵀: "ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله" (٢) وقد استقر إجماع الصحابة ﵃ على ترتيب هؤلاء الأربعة في الفضل وفي الخلافة، وهذا هو العدل الذي أخذ به أهل السنة والجماعة (٣) أهل الصراط المستقيم (٤) وهذا يؤكد أهمية العدل، وأن الداعية ينبغي له أن يبتعد عن طرق أهل البدع (٥) ويلتزم بصفة العدل في جميع أحواله (٦).
ثالثا: من وظائف الداعية: الدفاع عن أئمة الهدى والتماس العذر لهم: لاشك أن من الأعمال المباركة: الدفاع عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى من الصحابة، والتابعين، ومن سلك طريقهم من أهل العلم والإيمان؛ ولهذا دافع عبد الله بن عمر ﵁ عن علي بن أبي طالب وعن عثمان ﵄، فقال لهذا الرجل الضال الذي يظهر عداوته لعلي ﵁: "فأرغم الله بأنفك انطلق
стр. 904
فاجهد علي جهدك! "، وقال ﵁ في الدفاع عن عثمان حين سأل هذا الضال: "أما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم أن تعفوا عنه، وأما عليّ فابن عمّ رسول الله ﷺ وختنه"، ثم أخذ يذكر من محاسن علي وعثمان ﵄ حتى أفحم هذا الضال فذهب خائبا، وقال له ابن عمر ﵁: "اذهب بهذا الآن معك"، قال العيني ﵀: أي اقرن هذا العذر بالجواب حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقد" (١) فينبغي للداعية أن يدافع عن الصحابة ﵃ وعن أئمة الهدى من علماء أهل السنة والجماعة، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالحسنى.
رابعا: من أساليب الدعوة: استخدام الشدة مع بعض المدعوين: الأصل في الأساليب في الدعوة إلى الله الرفق واللين، ولكن من المدعوين من لا يجدي ولا ينفع فيه ومعه إلا الشدة والقوة؛ ولهذا استخدم عبد الله بن عمر ﵁ أسلوب الشدة مع الرجل الضال الذي يطعن في علي وعثمان ﵄، فقال: "أرغم الله بأنفك"، وقال ﵁: "قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله"، وهذا فيه قوة في الأسلوب، ولكن لا يفعل ذلك إلا مع الأمن من الوقوع في المفاسد، والله المستعان (٢).
خامسا: أهمية الكف عما جرى بين الصحابة ﵃: إن من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعرض عنها ولا يخوض فيها ما جرى بين الصحابة ﵃، وما حصل لبعضهم؛ لأن الكف عن ذلك مذهب أهل الحق والاعتدال (٣)؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر ﵄ في هذا الحديث: "أما عثمان فكان الله قد عفا عنه فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما عليّ فابن عمّ رسول الله ﷺ "، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مذهب أهل
стр. 905
السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة ﵃: "ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساوئهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه +مُعذرون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهلا إن وجد. . "، ثم قال ﵀: "هذا في الذنوب المحققة فكيف بالذنوب التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور" (١).
سادسا: من أساليب الدعوة: الجدل: إن أسلوب الجدل من الأساليب النافعة عند الحاجة إليه في الدعوة إلى الله ؛ ولهذا استخدمه عبد الله بن عمر ﵄ مع الرجل الضال الذي يطعن في علي وعثمان ﵁ في هذا الحديث، فسأله أولا عن عثمان وعن تخلفه، فرد عليه ابن عمر بقوله: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة فقال له النبي ﷺ . «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»، وسأل هذا الرجل الضال عن علي ﵁ وطعن فيه فقال له عبد الله: "وأما علي فابن عمّ رسول الله ﷺ وختنه. . . " وجادله ﵁ حتى أفحمه، فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الجدل عند الحاجة إليه، ولكن بالحسنى (٢).
سابعا: أهمية اعتزال الفتن المضلة: ظهر في هذا الحديث أهمية اعتزال الفتن المضلة؛ ولهذا اعتزل عبد الله بن
стр. 906
عمر ﵄ الفتن كما جاء في هذا الحديث، فجادله بعض الناس في ذلك قال: "قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله"، وهذا يؤكد اعتزال الفتن المضلة، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (١).
ثامنا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: الاستدلال بالأدلة الشرعية من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها في دعوته إلى الله ؛ لما لها من التأثير على المدعوين وإقناعهم؛ ولهذا استخدمها عبد الله بن عمر ﵄ في هذا الحديث، فرد على الرجل الضال الذي طعن في عثمان، وبين له بالدليل أن النبي ﷺ قال لعثمان: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»، واستدل ﵁ على عدم الدخول في القتال في الفتنة بقوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] (٢) وهذا فيه تخويف من الدخول في الفتن العمياء المضلة (٣).
стр. 907
١٥ - باب ومن الدّليل على أنّ الخمس لنوائب المسلمين
ما سأل هوازن النّبيّ ﷺ برضاعه فيهم فتحلّل من المسلمين، وما كان النّبي ﷺ يعد النّاس أن يعطيهم من الفيء، والأنفال من الخمس وما أعطي الأنصار، وما أعطي جابر بن عبد الله من تمر خيبر.
[حديث والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم]
١٦٣ - [٣١٣٣] حدّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب: حدّثنا حمّاد: حدّثنا أيّوب، عن أبي قلابة. قال: وحدّثني القاسم بن عاصم الكلينيّ - وأنا لحديث القاسم أحفظ - عن زهدم قال: كنّا عند أبي موسى (١) فأتى ذكر دجاجة وعنده رجل من بني تيم الله أحمر كأنه من الموالي، فدعاه للطّعام فقال: إنّي رأيته يأكل شيئا فقذرته فحلفت لا آكل. فقال: هلمّ فلأحدّثكم عن ذلك: إنّي أتيت رسول الله ﷺ في نفر من الأشعريّين نستحمله، فقال: «والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم». وأتي رسول الله ﷺ بنهب إبل فسأل عنّا فقال: «أين النّفر الأشعريّون؟» فأمر لنا بخمس ذود غرّ الذّرى، فلمّا انطلقنا قلنا: ما صنعنا؟ لا يبارك لنا. فرجعنا إليه فقلنا: إنّا سألناك أن تحملنا، فحلفت أن لا تحملنا، أفنسيت؟ قال: «لست أنا حملتكم، ولكنّ الله حملكم، وإنّي والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الّذي هو خير وتحلّلتها» (٢).
وفي رواية: لمّا قدم أبو موسى أكرم هذا الحيّ من جرم وإنّا لجلوس عنده، وهو يتغدّى دجاجا وفي القوم رجل جالس فدعاه إلى الغداء، فقال: إنّي رأيته
стр. 908
يأكل شيئا فقذرته، فقال: هلمّ فإنّي رأيت النّبيّ ﷺ يأكله" فقال: إنّي حلفت لا آكل!، فقال: هلمّ أخبرك عن يمينك، إنّا أتينا النّبيّ ﷺ نفر من الأشعريّين فاستحملناه فأبى أن يحملنا فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا ثمّ لم يلبث النّبيّ ﷺ أن أتي بنهب إبل فأمر لنا بخمس ذود فلمّا قبضناهما قلنا تغفّلنا النّبي ﷺ يمينه لا نفلح بعدها أبدا، فأتيته فقلت: يا رسول الله إنك حلفت أن لا تحملنا وقد حملتنا قال: «أجل ولكن لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الّذي هو خير منها». (١).
وفي رواية: عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ ، أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك فقلت: يا نبيّ الله إنّ أصحابي أرسلوني اليك لتحملهم، فقال: «والله لا أحملكم على شيء»، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر ورجعت حزينا من منع النبي ﷺ ومن مخافة أن يكون النّبيّ ﷺ وجد في نفسه عليّ فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الّذي قال النّبيّ ﷺ فلم ألبث إلّا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أي عبد الله بن قيس فأجبته فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك، فلمّا أتيته قال: «خذ هذين القرينين وهذين القرينين - لستّة أبعرة ابتاعهنّ حينئذ من سعد - فانطلق بهنّ إلى أصحابك فقل: إنّ الله - أو قال - إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهنّ» فانطلقت إليهم بهنّ فقلت: إنّ النّبيّ ﷺ يحملكم على هولاء، ولكنّي والله لا أدعكم حتّى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ ، لا تظنّوا أني حدّثتكم شيئا لم يقله رَسُولُ الله ﷺ ، فقالوا لي: إنك عندنا لمصدق، ولنفعلنّ ما أحببت فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتّى أتوا الذين سمعوا قول رَسُولِ الله ﷺ منعه إيّاهم ثمّ إعطاءهم بعد فحدّثوهم بمثل
стр. 909
ما حدّثهم به أبو موسى (١).
وفي رواية: «رأيت النّبيّ ﷺ يأكل دجاجا».! (٢).
وفي رواية: «والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه» قال: ثمّ لبثنا ما شاء الله أن نلبث، ثمّ أتي بثلاث ذود غرّ الذّرى فحملنا عليها".
وفيها: «ما أنا حملتكم بل الله حملكم وإنّي والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا كفّرت عن يميني، وأتيت الّذي هو خير، أو أتيت الّذي هو خير وكفّرت عن يميني» (٣).
وفي رواية: عن زهدم: "كان بين هذا الحيّ من جرم وبين الأشعريّين ودّ وإخاء، فكنّا عند أبي موسى الأشعريّ فقرّب إليه طعام فيه لحم دجاج. . . " الحديث (٤).
وفي رواية: عن زهدم الجرميّ أيضا: "كنّا عند أبي موسى وكان بيننا وبين هذا الحيّ من جرم إخاء ومعروف. . . " الحديث. (٥).
وفي رواية: "أخبرك أو أحدّثك إنّي أتيت النّبيّ ﷺ في نفر من الأشعريّين فوافقته وهو غضبان، وهو يقسم نعما من نعم الصدقة" (٦).
* شرح غريب الحديث: * " بنهب إبل " أي غنيمة إبل، والنهب الغارة والسّلب (٧).
* " ذود " الذود من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة ولا واحد لها من لفظها: كالنعم (٨).
стр. 910
* " غر الذرى " جمع ذروة وهي سنام البعير وذروة كل شيء: أعلاه (١).
* " من جرم " نسبة إلى قبيلة "الجرمي" بفتح الجيم وسكون الراء، وهي نسبة إلى جرم بن ريان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وفي بجيلة: جرم بن علقمة بن أنمار، وفي عاملة: جرم بن شعل بن معاوية بن عاملة، وفي طي جرم وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث (٢).
* " تغفلنا يمينه " أي جعلناه غافلا عن يمينه بسبب سؤالنا. (٣).
* " وجد في نفسه عليّ " أي غضب (٤).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية.
٢ - من صفات الداعية: إضافة النعم إلى الله .
٣ - أهمية الحنث في اليمين والتكفير عنها للمصلحة الراجحة.
٤ - أهمية تحصيل العلم من مصادره الأصلية مباشرة والتثبت في ذلك.
٥ - حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث.
٦ - من صفات الداعية: الكرم.
٧ - أهمية الاستثناء في اليمين.
٨ - من أدب الداعية: إكرام الضيف.
٩ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك.
١٠ - من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان.
١١ - حرص الصحابة على الجهاد والدعوة.
١٢ - عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ .
стр. 911
١٣ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم.
١٤ - من أساليب الدعوة: تأديب بعض المدعوين بالقول.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: الاستدلال بالأدلة الشرعية يزيد اليقين ويزيل اللبس؛ ولهذا استدل أبو موسى الأشعري ﵁ على جواز التكفير عن اليمين لمن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فقال عن النبي ﷺ إنه قال: «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها»، وقال أبو موسى لمن استقذر أكل الدجاج: "هلم فإني رأيت النبي ﷺ يأكله"، وهذا يؤكد أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية (١).
ثانيا: من صفات الداعية: إضافة النعم إلى الله : النعم من فضل الله وإحسانه على عباده، فينبغي أن تنسب إلى الله الكريم؛ ولهذا نسب النبي ﷺ نعمة حمل المجاهدين على الذود إلى الله ؛ لأنه الذي يسّرها، فقال ﷺ للأشعريين: «لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم»، وهذا يؤكد أهمية إضافة النعم لمسديها والمنعم بها سبحانه (٢).
ثالثا: أهمية الحنث في اليمين والتكفير عنها للمصلحة الراجحة: إن من يسر الإسلام وسماحته أن المسلم إذا حلف على أمر من الأمور ثم رأى بأن غيره خير منه؛ فإنه يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، قال الإمام النووي ﵀: "وفي هذه الأحاديث دلالة على أن من حلف على فعل شيء أو تركه، وكان الحنث خيرا من التمادي على اليمين استحب له الحنث وتلزمه الكفارة، وهذا متفق
стр. 912
عليه، وأجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين" (١) وهذا يؤكد أهمية الحنث في اليمين إذا رأى الحالف ما هو خير، والحمد لله.
رابعا: أهمية تحصيل العلم من مصادره الأصلية مباشرة والتثبت في ذلك: العلم أعظم الكنوز التي ينعم الله بها على من يشاء من عباده، فينبغي أن يطلب من مصادره الأصلية، وسماعه من أهله مباشرة على قدر الاستطاعة، والتثبت في ذلك، وقد ثبت في هذا الحديث ما يؤكد ذلك، وذلك: "أن النبي ﷺ أعطى عبد الله بن قيس ستة أبعرة؛ ليحمل عليها أصحابه، فانطلق بها إلى قومه ثم قال: إن النبي ﷺ يحملكم على هؤلاء ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ ، لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله رسول الله ﷺ ، فقالوا له: إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ : منعه إياهم ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى " وهذا يؤكد أهمية تلقي العلم عن أهله مباشرة إن أمكن ذلك (٢).
خامسا: حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث: كان السلف الصالح يحرصون على الدقة في نقل الحديث كما جاء عن رسول الله ﷺ ، ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ : «وإني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني»، قال الكرماني ﵀: "هذا شك من الراوي في تقديم: "أتيت" على "كفّرت" أو العكس، وإما تنويع من تنويع رسول الله ﷺ إشارة إلى جواز تقديم الحنث وتأخيرها" (٣) وهذا يدل على حرص السلف ﵏ على الدقة في نقل العلم (٤).
стр. 913
سادسا: من صفات الداعية: الكرم: الكرم من الصفات الحميدة، ولهذا كان أكمل الخلق في الكرم هو إمامهم وخيرهم محمد بن عبد الله ﷺ ، وقد دل هذا الحديث على شيء من كرمه؛ فإنه أعطى خمس ذود، وفي الرواية الأخرى: "ستة أبعرة"؛ ليحمل عليه عبد الله بن قيس الأشعري وأصحابه ﵃، وهذا غيض من فيض من كرم رسول الله ﷺ (١).
سابعا: أهمية الاستثناء في اليمين: كرم الله على عباده وإحسانه لا يحصى، ومن ذلك الاستثناء في اليمين بقول الحالف في قسمه "إن شاء الله" فإذا قال ذلك لا يحنث ولا يحتاج إلى كفارة، وقد ثبت في هذا الحديث أن النبي ﷺ استثنى فقال: "إني «والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وثبت عنه ﷺ أن من حلف على يمين فاستثنى فيها فلا حنث عليه ولا كفارة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ عن قصة سليمان ﷺ حينما أقسم أن يطأ في ليلة واحدة مائة امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، فقال نبينا محمد ﷺ : «لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته» (٢) قال الإمام النووي ﵀ في فوائد حديث قصة سليمان ﷺ : "ومنها أنه إذا حلف وقال متصلا بيمينه: إن شاء الله تعالى، لم يحنث بفعل المحلوف عليه، وأن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين؛ لقوله ﷺ : "لو «قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته»، ويشترط لصحة الاستثناء شرطان: أحدهما أن يقوله متصلا باليمين، والثاني أن يكون نوى قبل فراغ اليمين أن يقول: "إن شاء الله" (٣) ونقل ﵀: إجماع المسلمين على أن قوله: "إن شاء الله" يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا وأن الإمام مالكا، والأوزاعي والشافعي، والجمهور، يرون أن يكون قوله:
стр. 914
إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا تضر سكتة النفس (١) فينبغي للداعية أن يحفظ يمينه، وإذا كان لا بد من القسم استثنى في ذلك، والله المستعان.
ثامنا: من أدب الداعية: إكرام الضيف: لا شك أن من الآداب السامية إكرام الضيف، واستقباله بالسرور، والبشاشة، والاستقبال الحسن، والتبسم، وقد ظهر في هذا الحديث حسن الأدب مع الضيف؛ لأن أبا موسى الأشعري ﵁ دعا ضيفه؛ ليأكل معه ومع أصحابه الغداء فامتنع الضيف؛ لأنه قد حلف أن لا يأكل الدجاج؛ ولحرص أبي موسى ﵁ على إكرامه أخبره أن النبي ﷺ بين أن من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه أتى الذي هو خير وكفر عن يمينه، وهذا يدل على حسن أدب أبي موسى ﵁؛ فإنه يطلب من الضيف أن يتغدّى معه ويكفر عن يمينه؛ ولهذا قال " الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي الحديث دخول المرء على صديقه في حال أكله، واستدناء صاحب الطعام الداخل، وعرضه الطعام عليه، ولو كان قليلا؛ لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه" (٢) وقد ذكر الله قصة إبراهيم ﷺ وإكرامه لأضيافه فقال : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ - إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ - فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ - فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٧] (٣) وقد حث النبي ﷺ على إكرام الضيف، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (٤) وهذا يؤكد العناية بالضيف والآداب
стр. 915
التي ينبغي للداعية أن يعتني بها (١).
تاسعا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك: دل هذا الحديث على أن من تاريخ الدعوة ذكر غزوة تبوك، وما وقع فيها من الشدة والابتلاء، لقول أبي موسى ﵁: "أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك"، وقد كانت هذه الغزوة في السنة التاسعة للهجرة، وأظهر الله فيها كثيرا من المنافقين لرسول الله ﷺ ، وفضحهم الله. أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٢).
عاشرا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: الله يبتلي عباده بالسراء والضراء؛ ليختبرهم ويمتحنهم، فينبغي أن يقابل ذلك بالشكر في السراء، والصبر في الضراء، وقد ظهر في هذا الحديث الابتلاء بالضراء والصبر على ذلك، وهو أن النبي ﷺ لم يجد ما يحمل الأشعريين عليه؛ لقلة ما في اليد وشدة الحال، وهو سيد الخلق ويريد الغزو في جيش العسرة، ومع ذلك حصل له من الابتلاء ما جاء في هذا الحديث، فيقول لأبي موسى ومن معه: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه»، ثم يسر الله له ﷺ ما يحملهم عليه فحملهم بفضل الله بعد الصبر على هذه الشدة (٣).
الحادي عشر: حرص الصحابة على الجهاد والدعوة: إن الصحابة ﵃ كانوا أحرص الناس على الجهاد والدعوة إلى الله ، ومما يدل على حرصهم ما ثبت في هذا الحديث أن أبا موسى الأشعري ﵁ أرسله أصحابه إلى رسول الله ﷺ ، ليحملهم معه في الجهاد، فلم يجد لهم رسول