← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

١٣ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم. ١٤ - من أساليب الدعوة: تأديب بعض المدعوين بالقول. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية: الاستدلال بالأدلة الشرعية يزيد اليقين ويزيل اللبس؛ ولهذا استدل أبو موسى الأشعري ﵁ على جواز التكفير عن اليمين لمن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فقال عن النبي ﷺ إنه قال: «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها»، وقال أبو موسى لمن استقذر أكل الدجاج: "هلم فإني رأيت النبي ﷺ يأكله"، وهذا يؤكد أهمية الاستدلال بالأدلة الشرعية (١). ثانيا: من صفات الداعية: إضافة النعم إلى الله : النعم من فضل الله وإحسانه على عباده، فينبغي أن تنسب إلى الله الكريم؛ ولهذا نسب النبي ﷺ نعمة حمل المجاهدين على الذود إلى الله ؛ لأنه الذي يسّرها، فقال ﷺ للأشعريين: «لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم»، وهذا يؤكد أهمية إضافة النعم لمسديها والمنعم بها سبحانه (٢). ثالثا: أهمية الحنث في اليمين والتكفير عنها للمصلحة الراجحة: إن من يسر الإسلام وسماحته أن المسلم إذا حلف على أمر من الأمور ثم رأى بأن غيره خير منه؛ فإنه يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، قال الإمام النووي ﵀: "وفي هذه الأحاديث دلالة على أن من حلف على فعل شيء أو تركه، وكان الحنث خيرا من التمادي على اليمين استحب له الحنث وتلزمه الكفارة، وهذا متفق

стр. 912

عليه، وأجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين" (١) وهذا يؤكد أهمية الحنث في اليمين إذا رأى الحالف ما هو خير، والحمد لله. رابعا: أهمية تحصيل العلم من مصادره الأصلية مباشرة والتثبت في ذلك: العلم أعظم الكنوز التي ينعم الله بها على من يشاء من عباده، فينبغي أن يطلب من مصادره الأصلية، وسماعه من أهله مباشرة على قدر الاستطاعة، والتثبت في ذلك، وقد ثبت في هذا الحديث ما يؤكد ذلك، وذلك: "أن النبي ﷺ أعطى عبد الله بن قيس ستة أبعرة؛ ليحمل عليها أصحابه، فانطلق بها إلى قومه ثم قال: إن النبي ﷺ يحملكم على هؤلاء ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ ، لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله رسول الله ﷺ ، فقالوا له: إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ : منعه إياهم ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى " وهذا يؤكد أهمية تلقي العلم عن أهله مباشرة إن أمكن ذلك (٢). خامسا: حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث: كان السلف الصالح يحرصون على الدقة في نقل الحديث كما جاء عن رسول الله ﷺ ، ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ : «وإني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني»، قال الكرماني ﵀: "هذا شك من الراوي في تقديم: "أتيت" على "كفّرت" أو العكس، وإما تنويع من تنويع رسول الله ﷺ إشارة إلى جواز تقديم الحنث وتأخيرها" (٣) وهذا يدل على حرص السلف ﵏ على الدقة في نقل العلم (٤).

стр. 913

سادسا: من صفات الداعية: الكرم: الكرم من الصفات الحميدة، ولهذا كان أكمل الخلق في الكرم هو إمامهم وخيرهم محمد بن عبد الله ﷺ ، وقد دل هذا الحديث على شيء من كرمه؛ فإنه أعطى خمس ذود، وفي الرواية الأخرى: "ستة أبعرة"؛ ليحمل عليه عبد الله بن قيس الأشعري وأصحابه ﵃، وهذا غيض من فيض من كرم رسول الله ﷺ (١). سابعا: أهمية الاستثناء في اليمين: كرم الله على عباده وإحسانه لا يحصى، ومن ذلك الاستثناء في اليمين بقول الحالف في قسمه "إن شاء الله" فإذا قال ذلك لا يحنث ولا يحتاج إلى كفارة، وقد ثبت في هذا الحديث أن النبي ﷺ استثنى فقال: "إني «والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وثبت عنه ﷺ أن من حلف على يمين فاستثنى فيها فلا حنث عليه ولا كفارة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ عن قصة سليمان ﷺ حينما أقسم أن يطأ في ليلة واحدة مائة امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، فقال نبينا محمد ﷺ : «لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته» (٢) قال الإمام النووي ﵀ في فوائد حديث قصة سليمان ﷺ : "ومنها أنه إذا حلف وقال متصلا بيمينه: إن شاء الله تعالى، لم يحنث بفعل المحلوف عليه، وأن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين؛ لقوله ﷺ : "لو «قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته»، ويشترط لصحة الاستثناء شرطان: أحدهما أن يقوله متصلا باليمين، والثاني أن يكون نوى قبل فراغ اليمين أن يقول: "إن شاء الله" (٣) ونقل ﵀: إجماع المسلمين على أن قوله: "إن شاء الله" يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا وأن الإمام مالكا، والأوزاعي والشافعي، والجمهور، يرون أن يكون قوله:

стр. 914

إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا تضر سكتة النفس (١) فينبغي للداعية أن يحفظ يمينه، وإذا كان لا بد من القسم استثنى في ذلك، والله المستعان. ثامنا: من أدب الداعية: إكرام الضيف: لا شك أن من الآداب السامية إكرام الضيف، واستقباله بالسرور، والبشاشة، والاستقبال الحسن، والتبسم، وقد ظهر في هذا الحديث حسن الأدب مع الضيف؛ لأن أبا موسى الأشعري ﵁ دعا ضيفه؛ ليأكل معه ومع أصحابه الغداء فامتنع الضيف؛ لأنه قد حلف أن لا يأكل الدجاج؛ ولحرص أبي موسى ﵁ على إكرامه أخبره أن النبي ﷺ بين أن من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه أتى الذي هو خير وكفر عن يمينه، وهذا يدل على حسن أدب أبي موسى ﵁؛ فإنه يطلب من الضيف أن يتغدّى معه ويكفر عن يمينه؛ ولهذا قال " الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي الحديث دخول المرء على صديقه في حال أكله، واستدناء صاحب الطعام الداخل، وعرضه الطعام عليه، ولو كان قليلا؛ لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه" (٢) وقد ذكر الله قصة إبراهيم ﷺ وإكرامه لأضيافه فقال : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ - إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ - فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ - فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٧] (٣) وقد حث النبي ﷺ على إكرام الضيف، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (٤) وهذا يؤكد العناية بالضيف والآداب

стр. 915

التي ينبغي للداعية أن يعتني بها (١). تاسعا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة تبوك: دل هذا الحديث على أن من تاريخ الدعوة ذكر غزوة تبوك، وما وقع فيها من الشدة والابتلاء، لقول أبي موسى ﵁: "أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك"، وقد كانت هذه الغزوة في السنة التاسعة للهجرة، وأظهر الله فيها كثيرا من المنافقين لرسول الله ﷺ ، وفضحهم الله. أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٢). عاشرا: من صفات الداعية: الصبر على الابتلاء والامتحان: الله يبتلي عباده بالسراء والضراء؛ ليختبرهم ويمتحنهم، فينبغي أن يقابل ذلك بالشكر في السراء، والصبر في الضراء، وقد ظهر في هذا الحديث الابتلاء بالضراء والصبر على ذلك، وهو أن النبي ﷺ لم يجد ما يحمل الأشعريين عليه؛ لقلة ما في اليد وشدة الحال، وهو سيد الخلق ويريد الغزو في جيش العسرة، ومع ذلك حصل له من الابتلاء ما جاء في هذا الحديث، فيقول لأبي موسى ومن معه: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه»، ثم يسر الله له ﷺ ما يحملهم عليه فحملهم بفضل الله بعد الصبر على هذه الشدة (٣). الحادي عشر: حرص الصحابة على الجهاد والدعوة: إن الصحابة ﵃ كانوا أحرص الناس على الجهاد والدعوة إلى الله ، ومما يدل على حرصهم ما ثبت في هذا الحديث أن أبا موسى الأشعري ﵁ أرسله أصحابه إلى رسول الله ﷺ ، ليحملهم معه في الجهاد، فلم يجد لهم رسول

стр. 916

الله ﷺ ما يحملهم عليه، ثم يسر الله له ﷺ بعض الإبل فأعطاهم ستة أبعرة، وفي رواية "خمس ذود" فحملهم ﷺ ، وهذا يؤكد حرص الصحابة على الجهاد؛ ولهذا جاء بعض الفقراء ليغزو مع رسول الله ﷺ فلم يجد لهم ما يحملهم عليه فنفى عنهم الحرج، قال : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] (١) وهذا والله يدل على أعظم الحرص على الجهاد والدعوة فرضي الله عنهم (٢). الثاني عشر: عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ : الصحابة ﵃ يحبون رسول الله ﷺ حّبا عظيما، يفوق محبة النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين، ويشفقون عليه ﷺ ؛ ولهذا ثبت في هذا الحديث أن أبا موسى وأصحابه سألوا رسول الله ﷺ أن يحملهم، فقال ﷺ : «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه»، ثم بعد أن يسر الله له وأعطاهم خمس ذود، أو ستة أبعرة، فلما أخذوها وذهبوا قالوا: تغفلنا النبي ﷺ يمينه، لا نفلح، لا يبارك لنا، فرجعوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا سألناك أن تحملنا فحلفت أن لا تحملنا أفنسيت؟ فقال ﷺ : «لست أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها»، وهذا يؤكد محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ ، وشفقتهم وعدم غشهم له ﷺ (٣). الثالث عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: التأكيد بالقسم من أساليب الدعوة؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ ، وقد ظهر في هذا الحديث؛ لقوله ﷺ : «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها

стр. 917

خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وهذا فيه تأكيد بالقسم (١). الرابع عشر: من أساليب الدعوة: تأديب بعض المدعوين بالقول: من الأساليب في الدعوة تأديب بعض المدعوين بالقول القوي، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث في قوله ﷺ : «والله لا أحملكم»، قال ذلك للأشعريين عندما سألوه أن يحملهم، قال الإمام القرطبي ﵀: "وفيه من الفقه ما يدل على جواز اليمين عند التبرّم (٢) وجواز رد السائل المثقل عند تعذر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول، وذلك أنهم سألوه في حال تحقق فيها أنه لم يكن عنده شيء، فأدبهم بذلك القول، ثم إنه ﷺ بقي مترقبا لما يسعف به طلبتهم ويجبر به انكسارهم، فلما يسر الله تعالى ذلك عليه أعطاهم وجبرهم على مقتضى كرم خلقه" (٣).

стр. 918

[حديث بعث النبي ﷺ سرية قبل نجد فيها عبد الله بن عمر] ١٦٤ - [٣١٣٤] حدّثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر (١) ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ بعث سريّة فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا، ونفّلوا بعيرا بعيرا" (٢). وفي رواية: "بعث النّبيّ ﷺ سريّة قبل نجد فكنت فيها، فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرا، ونفّلنا بعيرا بعيرا، فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا" (٣). [حديث أن رسول الله ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش] ١٦٥ - [٣١٣٤] حدّثنا يحيى بن بكير: أخبرنا اللّيث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر (٤) ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ كان ينفّل بعض من يبعث من السّرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامّة الجيش". (٥). * شرح غريب الحديثين: * " سهمانهم " السهم في الأصل: واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي: القداح، ثم سمّي به ما يفوز به الفالج سهمه، ثم كثر حتى سمّي كلّ نصيب سهما، ويجمع السهم على أسهم، وسهام، وسهمان. (٦). * " نفلوا " النّفل بالتحريك: الغنيمة، وجمعه أنفال، والنّفل بالسكون وقد يحرّك: الزيادة (٧).

стр. 919

* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال المجاهدين في سبيل الله . ٢ - من وسائل الدعوة: إعطاء النفل للشجعان تشجيعا لهم. ٣ - أهمية الحرص على الدقة في نقل الحديث. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال المجاهدين في سبيل الله : من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله بعث البعوث وإرسال المجاهدين؛ للجهاد والدعوة إلى الإسلام، وقد كان النبي ﷺ يعتني بذلك عناية فائقة، وهذان الحديثان يدلان على ذلك؛ لأن النبي ﷺ "بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد" فينبغي العناية بإرسال المجاهدين والدعاة إلى الله ؛ ليبلغوا الناس الإسلام (١). ثانيا: من وسائل الدعوة: إعطاء النفل للشجعان تشجيعا لهم: إن من الوسائل التي استخدمها النبي ﷺ في دعوته تشجيع الشجعان بإعطائهم شيئا زائدا على الغنيمة، ففي هذا الحديث "أن النبي ﷺ بعث سرية فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلهم بعيرا بعيرا، فكان نصيب كل واحد منهم ثلاثة عشر بعيرا". وقد ذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن النفل يكون على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يريد الإمام تفضيل بعض الجيش بشيء يراه؛ لشجاعته وغنائه، وبأسه، وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش، فينفله الإمام من خمس الخمس من سهام النبي ﷺ ، ويجعل له سلب قتيله. الثاني: إذا دفع الإمام سرية من العسكر فأراد أن ينفلهم مما غنمت دون

стр. 920

أهل العسكر، فحقه أن يخمس ما غنمت، ثم يعطي السرية مما بقي بعد الخمس (١) ما شاء: ربعا أو ثلثا ولا يزيد على الثلث؛ لأنه أقصى ما ورد، ويقسم الباقي على الجيش والسرية معه. الثالث: أن يحرض الإمام أو أمير الجيش أهل العسكر على القتال قبل لقاء العدو، وينفل من شاء منهم أو جميعهم ما عسى أن يصير بأيديهم، ويفتحه الله عليهم: الربع، أو الثلث قبل القسم تحريضا لهم على القتال (٢) وهذا يؤكد هذه الوسيلة، والله أعلم. ثالثا: أهمية الحرص على الدقة في نقل الحديث: إن الحرص على الدقة في نقل الحديث من أهم الأمور التي ينبغي العناية بها، ولهذا الحرص ثبت في هذا الحديث قول ابن عمر ﵄ عن نفل السرية التي بعثها رسول الله ﷺ قبل نجد: "فغنموا إبلا كثير فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا" فشك الراوي هل قال: اثني عشر أو قال: أحد عشر، ولم يجزم بأحدهما؛ لحرصه على الدقة في نقل الحديث (٣).

стр. 921

[حديث قسم النبي لإصحاب السفينة مع جعفر وأصحابه حين افتتح خيبر] ١٦٦ - [٣١٣٦] حدّثنا محمّد بن العلاء: حدّثنا أبو أسامة: حدّثنا يزيد ابن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى (١) ﵁ قال: "بلغنا مخرج النّبيّ ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه - أنا وأخوان لي أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال في بضع وإمّا قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النّجاشيّ بالحبشة، ووافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إنّ رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتّى قدمنا جميعا، فوافقنا النّبيّ ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا - أو قال: فأعطانا - منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا، إلّا لمن شهد معه، إلّا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم" (٢). وفي رواية: "فوافقنا النّبيّ ﷺ حين افتتح خيبر فقال النّبيّ ﷺ : «لكم أنتم يا أهل السّفينة هجرتان» (٣). وفي رواية: "فوافقنا النّبيّ ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناس من النّاس يقولون لنا - يعني لأهل السّفينة - سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس - وهي ممّن قدم معنا - على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس (٤) قال عمر: الحبشيّة هذه؟ البحريّة

стр. 922

هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحقّ برسول الله ﷺ ، منكم فغضبت وقالت: كلاّ والله كنتم مع رَسُولِ الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنّا في دار أوفي أرض البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسوله ﷺ ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرَسُولِ الله ﷺ ، ونحن كنّا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنّبي ﷺ ، وأسأله، والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد عليه" (١). وفي رواية: "فلمّا جاء النّبيّ ﷺ قالت: «يا نبي الله إنّ عمر قال: كذا وكذا، قال: "فما قلت له؟ "، قالت: قلت له: كذا وكذا. قال: "ليس بأحقّ بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السّفينة هجرتان»، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السّفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شي هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم ممّا قال لهم النّبيّ ﷺ (٢) [قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنّه ليستعيد هذا الحديث منّى] ". (٣). * شرح غريب الحديث: * " أرسالا " أي جماعة جماعة، وفرقا فرقا، وأفواجا أفواجا (٤). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 923

١ - من صفات الداعية: الفرح بنعمة الله والتحدث بها. ٢ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال. ٣ - حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث. ٤ - أهمية النية الصالحة. ٥ - من سنن الله : الابتلاء والامتحان. ٦ - أهمية الحرص على أخذ العلم من مصادره الأصلية مباشرة. ٧ - من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله : والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الفرح بنعمة الله والتحدث بها: إن من الصفات الحميدة التي دل عليها هذا الحديث: الفرح بفضل الله ورحمته والتحدث بذلك؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ قال لأسماء ﵂: "سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم "وذكر الإمام الأبي ﵀: "أن هذا القول من عمر على وجه الفرح بنعمة الله تعالى والتحدث بها؛ لما علم من عظيم شأن أجر الهجرة، لا على وجه الفخر، ولمّا سمعت أسماء ذلك غضبت على وجه المنافسة في الأجر" (١) وقد بين الله لعباده أنه لا حرج على من فرح بفضل الله سبحانه فقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ - قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨] (٢). ثانيا: من وسائل الدعوة: التأليف بالمال: إن التأليف بالمال من الوسائل النافعة في الدعوة إلى الله ؛ ولهذا استخدم النبي ﷺ هذه الوسيلة في دعوته، ففي هذا الحديث أن أبا موسى الأشعري ﵁ قال: "فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا - أو قال:

стр. 924

"فأعطانا - منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم"، وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "وهذا من تأليف القلوب بالمال؛ لما أصابهم من التعب" (١) وسمعته أيضا يقول: "تقديرا لتعبهم، وجهادهم، وصبرهم قسم لهم مع الناس في خيبر" (٢) وهذا يؤكد أهمية التأليف بالمال في الدعوة إلى الله (٣). ثالثا: حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث: لا شك أن السلف الصالح كانوا أحرص الناس على الدقة في نقل الحديث؛ ولهذا جاء في هذا الحديث: "فأسهم لنا، أو قال فأعطانا" شك الراوي، وفي الرواية الأخرى: "وكنا في دار أو في أرض البعداء" شك الراوي أيضا. وهذا يؤكد الحرص على الدقة في نقل الحديث؛ لئلا يدخل فيه ما ليس منه (٤). رابعا: أهمية النية الصالحة: النية الصالحة هي أساس العمل، وبها يبارك الله في الأعمال، وقد ظهر في مفهوم هذا الحديث أهميتها؛ لأن المهاجرين إلى الحبشة كتب الله لهم بنيتهم الصالحة هجرتين: هجرتهم من مكة إلى الحبشة، والهجرة الثانية: من الحبشة إلى المدينة؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: «ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان»، وسمعت العلامة ابن باز حفظه الله يقول: "كتب لهم بالنية هجرتان وهذا فضل الله" (٥) يؤتيه من يشاء (٦). خامسا: من سنن الله : الابتلاء والامتحان: لا شك أن الابتلاء بالخير والشر من سنن الله ، وقد ظهر الابتلاء بالخوف

стр. 925

والتشريد لأصحاب الهجرتين كما في هذا الحديث، فابتلاهم سبحانه بأعدائهم فهاجروا إلى الحبشة، وكذلك ابتلاء الأشعريين وهجرتهم من أوطانهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، ﵃ ورحمهم (١). سادسا: أهمية الحرص على أخذ العلم من مصادره الأصلية مباشرة: أخذ العلم من مصادره الأصلية مباشرة من أهم المهمات؛ ولهذا اعتنى السلف الصالح بذلك، ومن هذا ما ثبت في هذا الحديث أن أسماء بنت عميس ﵂ أخذت تحدث بحديث فضل هجرة الحبشة، وهو قوله ﷺ : «ولكم أصحاب السفينة هجرتان»، قالت: "فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث"، وقالت: "فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني" وهذا يؤكد أهمية أخذ العلم وسماعه من أهله مباشرة بدون واسطة عند الاستطاعة؛ لأن الأشعريين ﵃ يريدون سماع هذا الحديث من أسماء ﵂؛ لكونها سمعته من رسول الله ﷺ (٢). سابعا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله : إن الداعية المخلص الصادق يرغب فيما عند الله ، ويبذل جهده وطاقته فيما يقربه من ربه؛ ولهذه الرغبة صبر أصحاب الهجرتين على الشدة وفراق الأهل والأوطان؛ وأعظم من ذلك فراق النبي ﷺ مع حبهم له؛ ولهذا قالت أسماء بنت عميس ﵂ لعمر ﵁ عندما قال: "سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم"، فقالت: "كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله، وفي رسوله ﷺ "، وهذا يؤكد رغبتهم فيما عند الله ؛ ولهذا عندما أخبرهم رسول الله ﷺ بقوله: «ولكم أهل السفينة هجرتان»، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ (٣).

стр. 926

[حديث لقد شقيت إن لم أعدل] ١٦٧ - [٣١٣٨] حدّثنا مسلم بن إبراهيم: حدّثنا قرّة بن خالد: حدّثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله (١) ﵁ قال: «بينما رَسُولُ الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل. قال له: " لقد شقيت إن لم أعدل» (٢). * شرح غريب الحديث: * "غنيمة" الغنيمة، والغنم، والمغنم، والغنائم: هو ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل، والركاب. (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: العدل. ٢ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٣ - من صفات الداعية: الحلم. ٤ - سوء أدب بعض المدعوين. ٥ - من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: العدل: العدل من أهم الصفات التي يتأكد على الداعية أن يتصف بها، وقد ظهر في مفهوم هذا الحديث أهمية العدل؛ لقوله ﷺ : «لقد شقيت إن لم أعدل»، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء،

стр. 927

بل هو عادل فلا يشقى" (١) ﵊ (٢). ثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب: دل هذا الحديث على أن الترهيب من أساليب الدعوة إلى الله ؛ ولهذا قال ﷺ لهذا الرجل: "لقد شقيت إن لم أعدل"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "والمعنى لقد شقيت: أي ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل، أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن" (٣) وهذا على رواية فتح التاء: "لقد شقيت"، ورجح الفتح الإمام النووي ﵀، (٤) فتأكد أسلوب الترهيب (٥). ثالثا: من صفات الداعية: الحلم: الحلم من أعظم صفات أهل العلم والإيمان؛ لما فيه من ضبط النفس عن هيجان الغضب والانتقام، وقد ظهر واضحا في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ يعاقب هذا الرجل الذي قال: "اعدل"، ومما يؤكد حلمه ﷺ رواية الحديث عند مسلم ﵀؛ فإنه قد زاد في آخره: «فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق؟ " فقال ﷺ : "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم (٦) يمرقون منه كما يمرق السهم (٧) من الرمية» (٨) وهذا يؤكد حلم النبي وحكمته ﷺ ، فينبغي التأسي به (٩).

стр. 928

رابعا: سوء أدب بعض المدعوين: إن من أهم الآداب اللازمة مع الدعاة والعلماء: التأدب معهم، وأخذ العلم عنهم، والالتزام بأخلاق أهل العلم وطلاّبه، وقد ظهر في هذا الحديث سوء أدب هذا الرجل مع رسول الله ﷺ وهو قائد العلماء وإمام الأتقياء، فدل ذلك على أن بعض المدعوين يتصف بالجفاء وسوء الأدب والخلق، فيلزم المدعوين أن يسلكوا منهج الحق واحترام العلماء والاستفادة منهم، والله المستعان. خامسا: من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: ظهر من مفهوم هذا الحديث أن من القواعد الدعوية قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، دل على ذلك أن هذا الرجل الذي قال للنبي ﷺ : "اعدل" قد استحق القتل، ولكن عفا النبي ﷺ عنه درءا للمفاسد، ومما يؤكد ذلك رواية الحديث عند الإمام مسلم ﵀، فقد زاد في آخره: "فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق؛ " فقال ﷺ : «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي» (١) فقتل هذا المنافق مصلحة، ولكن يعارض هذه المصلحة مفسدة وهي أن الناس سيقولون إن محمدا يقتل أصحابه، فحينئذ تترك المصلحة لتفويت المفسدة، قال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀: "الدين مبنيّ على المصالح ... في جلبها والدرء للقبائح فإن تزاحم عدد المصالح ... يقدم الأعلى من المصالح وضده تزاحم المفاسد ... يرتكب الأدنى من المفاسد (٢) ومن درء المفاسد أيضا ما فعله رسول الله ﷺ مع عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد عمل أعمالا كثيرة توجب قتله فقال عمر ﵁؛ «يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال ﷺ : "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل

стр. 929

أصحابه» (١) وقال ﷺ لعائشة ﵂: «يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم» (٢) وهذا يوضح للداعية أن المصالح إذا تعارضت قدم الأعلى منها، وإذا تعارضت مصلحة ومفسدة تركت المصلحة لدفع المفسدة، وإذا تعارضت مفسدة ومفسدة يرتكب الأدنى لدفع الأعلى من المفاسد، وهذه قواعد دعوية ينبغي للداعية أن يعتني بها، والله المستعان وعليه التكلان (٣).

стр. 930

١٦ - بَابُ ما مَنَّ النبي ﷺ على الأَسارى من غيرِ أن يخمّسَ [حديث قوله في أسارى بدر لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتتركتهم له] ١٦٨ - [٣١٣٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عبد الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا معمر، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ (١) ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ فِي أَسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِي حَيّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لتترَكتُهم لَهُ» (٢). وفي رواية: "وَقَالَ اللَيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: "وَقَعَتْ الفتنة الأولى - يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب بَدْرٍ أَحَدا، ثُمَّ وَقَعَتْ الفتنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِي الْحَرَّةَ - فَلَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَاب الْحُدًيْبيةِ أَحَدا، ثُمَّ وَقَعَتْ الثالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَللنَّاسِ طَبَاخٌ" (٣). * شرح غريب الحديث: * "نتنى" يعني أسارى بدر، واحدهم نتن، كزمِنَ وزمنى، سماهم: نتنى: أي نجس؛ لكفرهم (٤). * "طَبَاخٌ" أصل الطَّبَاخ: القوة والسِّمَن، ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طباخ له: أي لا عقل له ولا خير عنده، أراد أنها لم تبقِ في النَّاس من الصحابة أحدا (٥). * "الفتنة" الابتلاء والاختبار، والامتحان، وأصل الفتنة من قولك: فتنت الذهب إذا أحرقته بالنار؛ ليتبيَّن الجيد من الرديء، وقد كثر استعمالها بمعنى: الكفر، والإِثم، والضلال، والقتال، والإحراق، والإِزالة، والصرف عن الشيء، والفضيحة، والعذاب، والجنون (٦).

стр. 931

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: المكافأة على المعروف. ٢ - أهمية العناية بتعليم الأقارب. ٣ - من موضوعات الدعوة: بيان خطر الفتن على الأمة. ٤ - من أساليب الدعوة: الترهيب. ٥ - من تاريخ الدعوة: تحديد وفاة البدريين وأهل الحديبية. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: المكافأة على المعروف: المكافأة على المعروف من مكارم الأخلاق؛ ولهذا قال ﷺ عن أسرى معركة بدر: "لو كان المُطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له"، وذلك، لأن النبي ﷺ دخل في جوار المطعم عندما رجع من الطائف فأجاره ودخل مكة (١) قال الإِمام الخطابي ﵀: "هذا يدل على أن للإِمام أن يَمُنَّ على الأسارى من غير فداء ولا مال" (٢) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "وفي هذا الحث على المكافأة على المعروف، وقاله ﵊؛ لأنه دخل في جواره عندما رجع من الطائف فأجاره، فشكر له النبي ﷺ هذا العمل من باب المكافأة، وقد مات المطعم كافرا" (٣) وقد حث النبي ﷺ على المكافأة على المعروف، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من استعاذكم بالله فأَعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد

стр. 932

كافأتموه» (١) وعن أسامة بن زيد ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء» (٢) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يشكُرُ الله من لا يشكرُ الناسَ» (٣) وهذا يؤكد على الداعية المكافأة على المعروف بحسب الاستطاعة، ولو بالاعتراف والدعاء. ثانيا: أهمية العناية بتعليم الأقارب: لا شك أن تعليم الأقارب من أعظم القربات؛ لأن حقهم أعظم من حق غيرهم، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن جبير بن مطعم علَّم ابنه محمدا قول النبي ﷺ في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له"، وهذا يبين أهمية تعليم الأبناء والأقارب العلم النافع (٤). ثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان خطر الفتن على الأمة: إن من الموضوعات التي ينبغي العناية بها: بيان أخطار الفتن للناس وأنها تضعف القوى وتوهن التكاتف والترابط بين المسلمين، وقد دل هذا الحديث على بيان ذلك للناس؛ لقول سعيد بن المسيب ﵀: "وقعت الفتنة الأولى - يعني مقتل عثمان - فلم تبقِ من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية - يعني الحرة - فلمِ تبقِ من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم ترتفع وللناس طبَاخٌ"، وهذا يوضح للداعية أهمية بيان أخطار الفتن على المسلمين، وأنها تذهب قوتهم وتضعفها؛ لقوله: "فلم ترتفع وللناس طباخ"، أسأل الله لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٥).

стр. 933

رابعا: من أساليب الدعوة الترهيب: لترهيب من أساليب الدعوة التي ينبغي للداعية العناية بها في دعوته، وقد ظهر هذا الأسلوب في مفهوم هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أطلق على أسارى بدر الكفار "نتنى" أي نجس، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] الآية، (١) وهذا فيه تنفير من الكفر وأهله وأنهم نجس (٢). خامسا: من تاريخ الدعوة: تحديد وفاة البدريين وأهل الحديبية: ظهر من مفهوم هذا الحديث تحديد آخر من مات من أهل بدر وآخر من مات من أهل الحديبية؛ لقول سعيد بن المسيب ﵀: "وقعت الفتنة الأولى فلم تُبْقِ من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية فلم تبقِ من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم ترتفع وللناس طَبَاخ". فالفتنة الأولى، هي مقتل عثمان بن عفان ﵁ في يوم الجمعة الثامن من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، والمقصود والله أعلم أن الفتنة الأولى كانت سببا لموت البدريين فماتوا منذ الفتنة الأولى إلى بداية الفتنة الثانية وهي فتنة الحرة في سنة ثلاث وستين للهجرة النبوية، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص، مات قبل فتنة الحرة ببضع سنين، ثم مات أهل الحديبية ابتداء من الفتنة الثانية. والثالثة من هذه الفتن رجح الحافظ ابن حجر ﵀، والعلامة العيني أنها فتنة يوم خروج أبي حمزة الخارجي في خلافة مروان بن محمد بن الحكم سنة مائة وثلاثين للهجرة، قبل موت يحيى بن سعيد بمدة (٣).

стр. 934

١٧ - باب وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ لِلإِمَامِ، وأَنهُ يُعْطِي بعض قَرَابَتِهِ دُونَ بعض مَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ وَبَنِي هَاشِمٍ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ قَال عُمَرُ بْنُ عبد العزيز: لَمْ يَعُمَّهُمْ بِذَلِكَ ولم يخص قريبا دُون مَنْ أحوج إَلَيْهِ وَإَنْ كان الَّذِي أعطى لما يشكو إليه من الحاجة، ولما مستهم في جنبه من قومه وخلفائهم. [حديث إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد] ١٦٩ - [٣١٤٠] حَدثنَا عبد الله بْن يوسُف: حَدثنَا الليْث، عنْ عقيلٍ، عنِ ابن شهَاب، عن ابْن المُسَيَّب، عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِمِ (١) قَالَ: مَشيت أنا وعثمان بن عفان إِلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقلنا: - «يا رسول اللهِ، أعطيت بنِي المطلِبِ وتركتنا. ونحنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هاشم شيء وَاحدٌ». قَالَ الليثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وَزَادَ: "قَالَ جُبَيْر: ولم يَقْسِم النبي ﷺ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل. وقال ابن إِسْحَاق: عِبد شمسٍ، وَهاشِم، والمطلب إخوة لأمٍّ. وَأمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ. وَكَانَ نَوْفَل أخَاهُمْ لأبيهمْ" (٢). وفي رواية: «أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خمس خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا» (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ٢ - أهمية السؤال عما أشكل. ٣ - من صفات الداعية: المكافأة على المعروف. ٤ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 935

أولا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: مراعاة أحوال المدعوين من الأمور المهمة، التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ وقد دل مفهوم هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي ﷺ قسم لبني المطلب، وبني هاشم من سهم ذوي القربى ولم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل؛ لأن بني المطلب ناصروا بني هاشم في الشدة والرخاء، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "العلة النصرة، فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل؛ لفقدان جزء العلة أو شرطها" (١) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "بنو المطلب ناصروا بني هاشم في الشدة والرخاء، في الجاهلية والإسلام" (٢) وهذا يؤكد مراعاة أحوال المدعوين (٣). ثانيا: أهمية السؤال عما أشكل: السؤال عما أشكل من الأمور المهمة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ وقد ظهر في هذا الحديث أهمية السؤال عما أشكل؛ لأن جبير بن مطعم وعثمان بن عفان ﵄ سألا رسول الله ﷺ فقالا: أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي الحديث حجة للشافعي ومن وافقه أن سهم ذي القربى لبني هاشم والمطلب خاصة دون بقية قرابة النبي ﷺ من قريش" (٤) وسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله يقول: "بنو المطلب يعطون من الخمس؛ لأنهم ناصروا النبي ﷺ في الجاهلية والإِسلام، ويعطون من الزكاة على الصحيح؛ لأن منع الزكاة عن بني هاشم فقط " (٥) وهذا يؤكد أهمية السؤال للداعية، فينبغي أن يسأل عما أشكل عليه أهل العلم الراسخين فيه، والله المستعان (٦).

стр. 936

ثالثا: من صفات الداعية: المكافأة على المعروف: المكافأة على المعروف من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، ويتخلق، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي ﷺ أعطى بني المطلب مع بني هاشم من الخمس، وترك بقية قرابته؛ لما لبني المطلب من النصرة لبني هاشم في الجاهلية والإِسلام؛ ولهذا كافأهم على معروفهم وإحسانهم (١). رابعا: من وسائل الدعوة: التأليف بالمال: لا ريب أن من وسائل الدعوة التأليف بالمال؛ ولهذا أعطى النبي ﷺ بني المطلب مع بني هاشم من خمس ذوي القربى، ولم يعطِ غيرهم من قرابته من قريش، وهذا والله أعلم فيه جبر لنفوسهم واستمالة لقلوبهم؛ لما لهم من النصرة لبني هاشم في الجاهلية والإِسلام، والله أعلم وأحكم (٢).

стр. 937

١٨ - باب مَنْ لم يخَمِّس الأَسلابَ وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلا فَله سَلبه من غَير أن يخَمّسَ، وحكم الإمَامِ فيهِ [حديث قتل إبي جهل] ١٧٠ - [٣١٤١] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ المَاجِشُونِ، عَنْ صالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عبد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه (١) «قَالَ: بَيْنَا أَنا واقِف في الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنا بِغُلامَيْنِ من الأنصَارِ حدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُما، فَغَمَزَني أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنهُ يَسُبُّ رَسُولَ الله ﷺ ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزنَي الآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أنشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاس فَقُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلتُمَانِي، فَابْتَدَرَاه بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاهُ. ثُمَّ انصَرَفَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَخْبَرَاهُ. فَقَالَ: "أَيُّكُمَا قتلَهُ؟ " قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: "هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ " قَالَا: لَا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: "كِلاكُمَا قتلَهُ". سلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ (٢). وَكَانَا: مُعَاذَ ابْنَ

стр. 938

عفْراء (١) وَمُعَاذَ بْن عَمْرو بْنِ الجَمُوحِ» (٢). وفي رواية: «إِنِّي لفي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ إِذِ الْتَفَتّ فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فتَيَانِ حَدِيثَا السِّنِّ فَكأني لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهمَا إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرّا مِنْ صَاحِبِهِ: يَا عَمِّ أَرني أَبَا جَهْلٍ! فَقُلْتُ: يَا ابْنَ أَخِي وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: عَاهَدْتُ الله إِنْ رأَيتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دونَهُ، فَقَالَ لِي الآخرُ سِرّا مِنْ صَاحِبهِ مِثْلَهُ، قَالَ؛ فَمَا سرني أني بَيْنَ رَجُليْنِ مَكَانَهُمَا، فَأَشَرْتُ لَهُمَا إِلَيْهِ، فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّقْرَيْنِ حتَّى ضَرَبَاهُ، وَهُمَا ابْنَا عَفْراءَ» (٣). * شرح غريب الحديث: * "حديثة أسنانهما" أي أعمارهما: أي شباب حدث في العمر (٤). * "بين أَضْلَعَ مِنْهُمَا" أي بين رجلين أقوى منهما (٥). * "سوادي" أي شخصي، فقوله: "لا يفارق سوادي سواده" أي: لا يفارق شخصي شخصه (٦). * "فلم أنشب" أي لم ألبث، وحقيقته لم يتعلق بشيء غيره، ولا أشتغل بسواه، ويقال: نَشِبَ في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه (٧).

стр. 939

"فغمزني" الغمز شبه النخس، يقال: غمزه بيده يغمزه: وهو كالنخس في الشيء بالشيء، ويقال: غمز بالعين والجفن والحاجب: أشار، ويقال غمز: إذا عاب وذكر بغير الجميل، والمغامز المعايب، ويقال: فيه مغمز أو غميزة: أي مطعن. والمقصود هنا: الغمز باليد (١). * "يجول" أي يدور، يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء ومنه الجوَلان في الحرب (٢). * "سلبه" السلب: الذي يُقضى به للقاتل في الحرب، وهو ما كان على المقتول: من لباسه، ومن آلة الحرب، والسلاح، والثياب، والدواب وغيرها (٣). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من صفات الداعية: الحرص على تعليم الأقارب. ٢ - أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه. ٣ - من صفات الداعية: الشجاعة. ٤ - من أساليب الدعوة: القصص. ٥ - من تاريخ الدعوة: معرفة وقت غزوة بدر. ٦ - من وسائل الدعوة: إعطاء السلب للقاتل تشجيعا له. ٧ - من أساليب الدعوة: تطييب قلب المدعو. ٨ - أهمية الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة. ٩ - أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله . ١٠ - أهمية المسارعة إلى الخيرات. ١١ - أهمية الغضب لله ولرسوله في حدود الحكمة.

стр. 940

١٢ - أهمية عدم احتقار الصغار في الأمور المهمة. ١٣ - من صفات الداعية: التزام الأدب والتلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير. ١٤ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: الحرص على تعليم الأقارب: الحرص على تعليم الأقارب، من الأولاد وغيرهم من صفات الداعية الصادق، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن عبد الرحمن بن عوف ﵁ علم ابنه إبراهيم هذا الحديث الذي يدل على شجاعة معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ثم علمه إبراهيم بن عبد الرحمن لابنه صالح، وهذا يؤكد أهمية الحرص على تعليم الأبناء والأقارب ما ينفعهم (١). ثانيا: أهمية سؤال الداعية عما أشكل عليه: إن الداعية الحريص على العلم والفهم ينبغي له أن يسأل عن كل ما يشكل عليه؛ ليكون على بصيرة، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح سألا عبد الرحمن بن عوف عن أبي جهل فقال كل منهما على انفراد: "يا عم هل تعرف أبا جهل؟ " وبعد السؤال أجابهما عبد الرحمن ﵁ بعد أن رأى أبا جهل يجول في الناس بقوله: "ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه"، وهذا يؤكد أهمية السؤال عما أشكل؛ لتحصل البصيرة والعلم بما سُئل عنه (٢). ثالثا: من صفات الداعية: الشجاعة: الشجاعة صفة حميدة ينبغي أن يتصف بها الداعية عقليا وقلبيا، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث، وذلك أن معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، شدّا على أبي جهل مثل الصقرين حتى ضرباه فقتلاه. وهذا يثبت

стр. 941

شجاعتهما، وقوة عزيمتيهما ﵄ (١). رابعا: من أساليب الدعوة: القصص: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة القصص؛ ولهذا قص عبد الرحمن بن عوف ﵁ على ابنه إبراهيم ما حصل يوم بدر من خبر هذين الشابين وقتلهما لأبي جهل، وحكم النبي ﷺ بين المعاذين ﵄، وهذا يؤكد أهمية القصص الصحيح وما فيه من الفوائد والعبر (٢). خامسا: من تاريخ الدعوة: معرفة وقت غزوة بدر: ظهر في هذا الحديث ذكر عبد الرحمن بن عوف ﵁ لغزوة بدر الكبرى، وأن أبا جهل قُتِلَ فيها، وقد كانت غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة في رمضان المبارك، وجملة من حضر بدرا من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، معهم فرسان وسبعون بعيرا، أما المشركون فكانوا ألفا، والتحم القتال بين حزب الله وحزب الشيطان، وأمد الله حزبه بألف من الملائكة مردفين، فنصر الله المسلمين فقتلوا سبعين من المشركين، وأسروا سبعين، وانهزم الباقون، والحمد لله على نصره وتوفيقه (٣). سادسا: من وسائل الدعوة: إعطاء السلب للقاتل تشجيعا له: إن إعطاء السلب للقاتل من وسائل الدعوة التي تشجع المقاتل، وتزيد في قوته ونشاطه، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي ﷺ أعطى معاذ بن عمرو بن الجموح سلب أبي جهل؛ لكونه الذي قتله قتلا شرعيا يستحق به أخذ السلب (٤). سابعا: من أساليب الدعوة: تطييب قلب المدعو: تطييب القلوب من أعظم وسائل الدعوة؛ لما في ذلك من المصالح الدينية

стр. 942

والدنيوية، وقد ثبت في هذا الحديث ما يدل على تطييب قلوب المدعوين، وذلك أن النبي ﷺ سأل معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح عن قتل أبي جهل، فقال: "أيكما قتله؟ "، قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: "كلاكما قتله" سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. وقد اشترك هذان الشابان في جراحة أبي جهل، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح أثخنه أولا فاستحق السلب، وإنما قال النبي ﷺ : "كلاكما قتله، تطييبا لقلب الآخر، من حيث إنَّ له مشاركة في قتله، وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب، وهو الإِثخان وإخراجه عن كونه ممتنعا إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح، فلهذا قضى له بالسلب، وإنما أخذ السيفين؛ ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما، فعلم أن ابن الجموح أثخنه، ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب، فلم يكن له حق في السلب (١) وقد قيل: إن عبد الله بن مسعود ﵁ حز رأسه، وقتله، وقيل: قتله معوّذ، قال ابن حجر ﵀: "فيحتمل أن يكون معاذ ابن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو، وضربه بعد ذلك معوذ حتى أثبته، ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلها" (٢) والمقصود هنا هو تطييب النبي ﷺ لقلب معاذ ابن عفراء ﵁ (٣). ثامنا: أهمية الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة: لا شك أن الأخذ بالقرائن في إثبات الحقوق عند عدم البينة من الأمور المهمة، فقد ثبت الحكم بذلك في هذا الحديث حينما حكم النبي ﷺ بين معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح فيمن قتل أبا جهل فقال ﷺ : "هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: "كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح "، فقد ظهر للنبي ﷺ أن معاذ بن عمرو بن الجموح هو الذي أثخنه أولا؛ وهذا فيه إثبات الحقوق المالية بالقرائن؛ لأن النبي ﷺ استدل بالدم الذي في السيف على

стр. 943

مَنْ قَتَلَ أبا جهل وحكم له بالسلب. (١) وللحكم بالقرائن والاستدلال بالأمارات والفراسة أصل في القرآن الكريم، قال الله : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ - وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ - فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨] (٢) وهذا يؤكد أهمية الأخذ بالقرائن والله أعلم (٣). تاسعا: أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله : التشبيه له أهمية في الأساليب الدعوية؛ لما له من تقريب المعاني، وقد ظهر هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لقول عبد الرحمن بن عوف ﵁ في شأن معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح ﵁ حينما قتلا أبا جهل: "فشدا عليه مثل الصقرين"، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "شبههما به لما اشتهر عنه من الشجاعة، والشهامة، والإِقدام على الصيد؛ ولأنه إذا تشبث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه" (٤) وهذا يبين أهمية أسلوب التشبيه في الدعوة إلى الله (٥). عاشرا: أهمية المسارعة إلي الخيرات: المسارعة إلى الخيرات من الصفات الحميدة التي ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها، وخاصة الداعية إلى الله ، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح بادرا إلى السؤال عن أبي جهل؛ ليسرعا إلى قتله، ولهذا عندما أشير إليه شدّا عليه مثل الصقرين حتى قتلاه ﵄ (٦). الحادي عشر: أهمية الغضب لله ولرسوله في حدود الحكمة: لقد دل هذا الحديث على أهمية الغضب لله ولرسوله ﷺ ؛ لقول كل

стр. 944

واحد من: معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح في أبي جهل: "أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منَّا" وشدا عليه مثل الصقرين فقتلاه غضبا لله ولرسوله ﷺ . ولا شك أن الغضبَ نوعان: غضب مذموم وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (١) وهو الذي أوصى بالابتعاد عنه لمن قال: «أوصني يا رسول الله"، فقال ﷺ : "لا تغضب» وردد مرارا «لا تغضب» (٢) أما النوع الثاني من أنواع الغضب فهو الغضب المحمود، الذي يكون من أجل الله عندما ترتكب حرماته أو تترك أوامره ويستهان بها، وهذا من علامات قوة الإِيمان، ولكن بشرط أن لا يخرج هذا الغضب عن حدود الحكمة، وقد كان رسول الله ﷺ يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وكان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب خادما، ولا امرأة، إلا أن يجاهد في سبيل الله ﷺ ، وقد خدمه أنس بن مالك ﵁ عشر سنوات، «فما قال له: أفٍّ قط، ولا قال له لشيء فعله: لمَ فعلت كذا؟ ولا لشيء لم يفعله: ألا فعلت كذا؟» (٣) وهذا في الحقيقة هو عين الحكمة؛ لأن هذا الغضب لم يخرج عن حدود الحكمة التي هي في الحقيقة: الإِصابة في القول والفعل، كما قال مجاهد ﵀: "الحكمة: الإصابة" (٤) كما رجح ذلك الإِمام ابن جرير ﵀ في قوله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: "تأويل الكلام: يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء، ومن يؤته الله

стр. 945

ذلك فقد آتاه خيرا كثيرا" (١) فالغضب لله هو الذي يكون في موضعه، صوابا في القول والفعل. والله أعلم. الثاني عشر: أهمية عدم احتقار الصغار في الأمور المهمة: لا شك أن الصغار يختلفون في قدراتهم العقلية والجسدية على حسب ما منَّ الله به على كل واحد منهم، فينبغي أن ينزلوا منازلهم على حسب أحوالهم، وقد ثبت في هذا الحديث ما فعله معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح ﵄ من قتل عمرو بن هشام - أبي جهل - فدل ذلك على أن الصغار لا يحتقرون فقد يكون الصغير خيرا من كثير من الكبار؛ قال الإِمام الكرماني ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفي هذا الحديث المبادرة إلى الخيرات، والغضب لله ولرسوله، وأنه لا ينبغي أن يحتقر الصغار في الأمور الكبار" (٢) ومن أهم العبادات بعد الشهادتين الصلاة وقد قدَّم بعض الصحابة من يؤمهم فيها وهو عمرو بن سلمة وكان أكثرهم قرآنا، وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين (٣). الثالث عشر: من صفات الداعية: التزام الأدب والتلطف ولين الكلام مع الكبير والصغير: إن التزام الأدب، والتلطف، ولين الكلام من الصفات المهمة التي ينبغي للداعية أن يلتزم بها، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لأن كلا من معاذ ابن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح ﵄ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: "يا عمِّ هل تعرف أبا جهل؟ "، فرد على كل واحد منهما: "نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي"، وهذا فيه أدب الصغير مع الكبير بإنزاله منزلة العم، وأدب الكبير مع الصغير بإنزاله منزلة ابن الأخ، احتراما، وإكراما وتلطفا (٤).

стр. 946

الرابع عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل هذا الحديث على أن من الأساليب المهمة التأكيد بالقسم عند الحاجة إليه؛ ولهذا قال كل من معاذ بن عمرو، ومعاذ ابن عفراء ﵄ في أبي جهل: "والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا"، وهذا يؤكد أهمية التأكيد بالقسم (١).

стр. 947

١٩ - باب ما كان النبي ﷺ يُعطي المُؤلفة قلوبهم وغَيْرهم مِنَ الخمس وَنحوِه ورَوَاهُ عبد الله بْنُ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ١٧١ - [٣١٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ (١) ﵁ قَالَ: قَالَ النَبِيُّ ﷺ : «إِنِّي أُعْطِي قُرَيْشا أتألفهم؛ لأنهم حَدِيثُ عَهْدٍ بجاهِلِيَّةٍ» (٢). وفي رواية: «أَنَّ نَاسا مِنَ الأنصارِ قَالُوا لِرَسُولِ الله ﷺ حِينَ أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ منْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ الله لِرَسُولِ الله ﷺ ، يُعْطِي قُريشا وَيَدَعنَا، وَسُيوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهمْ. قَالَ أنسٌ: فَحُدِّثَ رَسُولُ الله ﷺ بمَقالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأنصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قبّةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدا غَيْرَهُم، فَلَمَّا اجْتَمعُوا جَاءَهم رَسولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " قَال: لَه فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو رَأْينَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئا، وَأَمَّا أناس مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفرُ اللهُ لِرَسُولِ الله ﷺ يُعْطِي قُرَيْشا ويَتْركُ الأنصَارَ، وَسُيوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِم. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنِّي لأُعْطِي رِجَالا حَدِيث عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأمْوَالِ، وَترجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ الله ﷺ ، فَوالله مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ ". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَدْ رَضِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: " إِنَكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أثرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبرُوا حَتَّى تَلْقَوُا الله وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْحَوْضِ ". قَالَ أَنسٌ: فَلَمْ نَصْبِر ".» (٣).

стр. 948

وفي رواية: «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأنصَارَ فَقَالَ: "هَلْ فيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ " قَالُوْا: لا. إِلا ابْنُ أُخْتٍ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ابْنُ أخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ".» (١). وفي رواية: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيا أَوْ شِعْبا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ» (٢). وفي رواية: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ الْتَقَى هَوازِنُ وَمَعَ النَبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلافٍ وَالطُلَقَاءُ فأَدْبروا، قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأنصَارِ؟ " قَالُوا: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، لَبَّيْكَ نحنُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَنَا عبد الله وَرَسُولُهُ" فانْهَزَمَ الْمُشْرِكينَ فَأعطَى الطُلَقَاءَ وَالْمُهاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الأنصَارَ شَيْئا، فَقَالُوا فَدَعَاهُمْ فَأَدْخَلَهُمْ فِي قبةٍ فَقَالَ: "أَمَا ترضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ" فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيا، وَسَلَكَتِ الأنصَارُ شِعْبا لاخْترتُ شِعْبَ الأنصَارِ» (٣). وفي رواية: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسا مِنَ الأنصَار فَقَالَ: "إِنَّ قُرَيْشا حَدِيثُ عَهْدٍ بجاهِليةٍ وَمُصِيبةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبرهُمْ، وَأتألفهم، أمَا ترضَوْنَ أَنْ يرجِعَ الناسُ بِالدُّنْيَا وَترجِعُونَ برَسُولِ الله ﷺ إلى بُيوتكُم؟» (٤). وفي رواية: «قَالَتِ الأنَصَارُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَأَعْطَى قُرَيْشا - والله إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ، إِنَّ سَيُوفَنَا لتقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ قُرَيْشٍ، وَغَنَائِمُنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَا الأنصَارَ، قَالَ: فَقَالَ: "مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " - وَكَانُوا لا يَكْذِبُونَ - فَقَالُوا: هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ. قَالَ: "أَوَلَا تَرضَوْنَ أَنْ يَرجِعَ النَّاسُ بِالغَنائِم إِلى بُيوتهم وَترجِعُونَ بِرَسُولِ الله ﷺ إِلى بُيُوتكُمْ» (٥). وفي رواية: «لما كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بنَعَمِهِم وَذَرَارِيِّهمْ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلافٍ وَمِنَ الطُلَقَاءِ فَأَدْبروا عَنْهُ حَتَّى بقِيَ وَحْدَهُ، فنَادَى يَوْمَئِذٍ

стр. 949

نداءين لم يخلط بينهما التفت عن يمينه فقال: "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: "يا معشر الأنصار". قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال: "أنا عبد الله ورسوله" فانهزم المشركون فأصاب يومئذ غنائم كثيرة فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: "يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؛ " فسكتوا فقال: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم؟ " قالوا: بلى، فقال النبي ﷺ : "لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار" فقال هشام: يا أبا حمزة وأنت شاهد ذاك قال: وأين أغيب عنه؟.» (١). * شرح غريب الحديث: * قبة من أدم: القبة من البنيان تطلق على البيت المدور وهو معروف عند التركمان والأكراد، والجمع قباب، وهي من الخيام، والأدم بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب (٢). * أدم: الأدم جمع أديم وهو الجلد (٣). * أفاء: الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصل الفيء الرجوع، يقال: فاء يفيء فئة، وفيوءا كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال: فيء لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق، ويكون الفيء: الرجوع من جهة إلى جهة أو من مفارقة إلى موافقة (٤). * أثرة: الأثرة: الاستئثار: أي يستأثرون عليكم فيفضل عليكم غيركم،

стр. 950

أو ينفرد بالاستئثار من الفيء دونكم، والاستئثار: الانفراد بالشيء (١). * فطفق: طفق: بمعنى أخذ في الفعل، وجعل يفعل، وهي من أفعال المقاربة (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال. ٢ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح وغزوة حنين. ٣ - أهمية الستر على أهل الصلاح والتقوى. ٤ - من صفات الداعية: التثبت. ٥ - من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه. ٦ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم. ٧ - من أساليب الدعوة: التأليف بطيب الكلام. ٨ - من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالمغيبات. ٩ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض فضائله أو مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق. ١٠ - من موضوعات الدعوة: الحض على الصبر. ١١ - عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ . ١٢ - حسن أدب الأنصار مع رسول الله ﷺ . ١٣ - من صفات الداعية: الصدق. ١٤ - من أسباب النصر: عدم الإعجاب بالكثرة والقوة. ١٥ - من صفات الداعية: الشجاعة. ١٦ - من أصناف المدعوين: المشركون. ١٧ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى. ١٨ - من صفات الداعية: التواضع. ١٩ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري.
следующие страницы →