← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الرابع عشر: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: دل هذا الحديث على أن من الأساليب المهمة التأكيد بالقسم عند الحاجة إليه؛ ولهذا قال كل من معاذ بن عمرو، ومعاذ ابن عفراء ﵄ في أبي جهل: "والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا"، وهذا يؤكد أهمية التأكيد بالقسم (١).

стр. 947

١٩ - باب ما كان النبي ﷺ يُعطي المُؤلفة قلوبهم وغَيْرهم مِنَ الخمس وَنحوِه ورَوَاهُ عبد الله بْنُ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ١٧١ - [٣١٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ (١) ﵁ قَالَ: قَالَ النَبِيُّ ﷺ : «إِنِّي أُعْطِي قُرَيْشا أتألفهم؛ لأنهم حَدِيثُ عَهْدٍ بجاهِلِيَّةٍ» (٢). وفي رواية: «أَنَّ نَاسا مِنَ الأنصارِ قَالُوا لِرَسُولِ الله ﷺ حِينَ أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ منْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ الله لِرَسُولِ الله ﷺ ، يُعْطِي قُريشا وَيَدَعنَا، وَسُيوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهمْ. قَالَ أنسٌ: فَحُدِّثَ رَسُولُ الله ﷺ بمَقالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأنصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قبّةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدا غَيْرَهُم، فَلَمَّا اجْتَمعُوا جَاءَهم رَسولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " قَال: لَه فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو رَأْينَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئا، وَأَمَّا أناس مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفرُ اللهُ لِرَسُولِ الله ﷺ يُعْطِي قُرَيْشا ويَتْركُ الأنصَارَ، وَسُيوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِم. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنِّي لأُعْطِي رِجَالا حَدِيث عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأمْوَالِ، وَترجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ الله ﷺ ، فَوالله مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ ". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَدْ رَضِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: " إِنَكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أثرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبرُوا حَتَّى تَلْقَوُا الله وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْحَوْضِ ". قَالَ أَنسٌ: فَلَمْ نَصْبِر ".» (٣).

стр. 948

وفي رواية: «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأنصَارَ فَقَالَ: "هَلْ فيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ " قَالُوْا: لا. إِلا ابْنُ أُخْتٍ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ابْنُ أخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ".» (١). وفي رواية: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيا أَوْ شِعْبا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ» (٢). وفي رواية: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ الْتَقَى هَوازِنُ وَمَعَ النَبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلافٍ وَالطُلَقَاءُ فأَدْبروا، قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأنصَارِ؟ " قَالُوا: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، لَبَّيْكَ نحنُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَنَا عبد الله وَرَسُولُهُ" فانْهَزَمَ الْمُشْرِكينَ فَأعطَى الطُلَقَاءَ وَالْمُهاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الأنصَارَ شَيْئا، فَقَالُوا فَدَعَاهُمْ فَأَدْخَلَهُمْ فِي قبةٍ فَقَالَ: "أَمَا ترضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ" فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيا، وَسَلَكَتِ الأنصَارُ شِعْبا لاخْترتُ شِعْبَ الأنصَارِ» (٣). وفي رواية: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسا مِنَ الأنصَار فَقَالَ: "إِنَّ قُرَيْشا حَدِيثُ عَهْدٍ بجاهِليةٍ وَمُصِيبةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبرهُمْ، وَأتألفهم، أمَا ترضَوْنَ أَنْ يرجِعَ الناسُ بِالدُّنْيَا وَترجِعُونَ برَسُولِ الله ﷺ إلى بُيوتكُم؟» (٤). وفي رواية: «قَالَتِ الأنَصَارُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَأَعْطَى قُرَيْشا - والله إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ، إِنَّ سَيُوفَنَا لتقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ قُرَيْشٍ، وَغَنَائِمُنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَا الأنصَارَ، قَالَ: فَقَالَ: "مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " - وَكَانُوا لا يَكْذِبُونَ - فَقَالُوا: هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ. قَالَ: "أَوَلَا تَرضَوْنَ أَنْ يَرجِعَ النَّاسُ بِالغَنائِم إِلى بُيوتهم وَترجِعُونَ بِرَسُولِ الله ﷺ إِلى بُيُوتكُمْ» (٥). وفي رواية: «لما كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بنَعَمِهِم وَذَرَارِيِّهمْ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلافٍ وَمِنَ الطُلَقَاءِ فَأَدْبروا عَنْهُ حَتَّى بقِيَ وَحْدَهُ، فنَادَى يَوْمَئِذٍ

стр. 949

نداءين لم يخلط بينهما التفت عن يمينه فقال: "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: "يا معشر الأنصار". قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال: "أنا عبد الله ورسوله" فانهزم المشركون فأصاب يومئذ غنائم كثيرة فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: "يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؛ " فسكتوا فقال: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم؟ " قالوا: بلى، فقال النبي ﷺ : "لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار" فقال هشام: يا أبا حمزة وأنت شاهد ذاك قال: وأين أغيب عنه؟.» (١). * شرح غريب الحديث: * قبة من أدم: القبة من البنيان تطلق على البيت المدور وهو معروف عند التركمان والأكراد، والجمع قباب، وهي من الخيام، والأدم بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب (٢). * أدم: الأدم جمع أديم وهو الجلد (٣). * أفاء: الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصل الفيء الرجوع، يقال: فاء يفيء فئة، وفيوءا كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال: فيء لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق، ويكون الفيء: الرجوع من جهة إلى جهة أو من مفارقة إلى موافقة (٤). * أثرة: الأثرة: الاستئثار: أي يستأثرون عليكم فيفضل عليكم غيركم،

стр. 950

أو ينفرد بالاستئثار من الفيء دونكم، والاستئثار: الانفراد بالشيء (١). * فطفق: طفق: بمعنى أخذ في الفعل، وجعل يفعل، وهي من أفعال المقاربة (٢). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: التأليف بالمال. ٢ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح وغزوة حنين. ٣ - أهمية الستر على أهل الصلاح والتقوى. ٤ - من صفات الداعية: التثبت. ٥ - من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه. ٦ - من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم. ٧ - من أساليب الدعوة: التأليف بطيب الكلام. ٨ - من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالمغيبات. ٩ - من أساليب الدعوة: ذكر الداعية بعض فضائله أو مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق. ١٠ - من موضوعات الدعوة: الحض على الصبر. ١١ - عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ . ١٢ - حسن أدب الأنصار مع رسول الله ﷺ . ١٣ - من صفات الداعية: الصدق. ١٤ - من أسباب النصر: عدم الإعجاب بالكثرة والقوة. ١٥ - من صفات الداعية: الشجاعة. ١٦ - من أصناف المدعوين: المشركون. ١٧ - من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى. ١٨ - من صفات الداعية: التواضع. ١٩ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري.

стр. 951

٢٠ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: التأليف بالمال: تألف النبي ﷺ في هذا الحديث قريشا بالمال فأعطى رجالا منهم المائة من الإبل، وقال ﷺ : «إني أعطي قريشا أتألفهم؛ لأنهم حديث عهد بجاهلية»، وهذا يؤكد أهمية التأليف بالمال في الدعوة إلى الله (١). ثانيا: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة الفتح وغزة حنين: غزوة الفتح الأعظم ظهر ذكرها في هذا الحديث؛ لقول الراوي: «قالت الأنصار يوم فتح مكة: وأعطى قريشا؛ والله إن هذا لهو العجب»، كما ظهر ذكر غزوة حنين في قوله: «لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم». . . "، وهذا يبين أهمية ذكر الحوادث التاريخية التي نصر الله فيها الإسلام وأهله، فقد خرج النبي ﷺ لغزوة فتح مكة في شهر رمضان ومعه عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، ففتح الله عليه، ونصره، وأعز الله الإسلام وأهله، وطهر مكة من دنس الجاهلية (٢) وبعد فتح مكة سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة فاجتمعوا لقتال النبي ﷺ ، فخرج إليهم في أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة، فحصل القتال العظيم، ثم نصر الله رسوله، والمؤمنين في معركة حنين، وأمدهم بالملائكة، وغنموا غنائم عظيمة، وأسلم بعد المعركة خلق كثير، والحمد لله (٣). ثالثا: أهمية الستر على أهل الصلاح والتقوى: إن من أهم الوسائل الدعوية التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، الستر على الناس وعدم التشهير بهم، وقد دل هذا الحديث على هذه الوسيلة؛ «لأن النبي ﷺ لما بلغه قول الأنصار ﵃: " يغفر الله لرسول الله ﷺ ؛ يعطي قريشا ويدعنا؟

стр. 952

وسيوفنا تقطر من دمائهم" دعاهم ﷺ فجمعهم ولم يدع معهم أحدا غيرهم، وقال: " هل فيكم أحد من غيركم؟ " قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال ﷺ : "ابن أخت القوم منهم»، وهذا يؤكد أهمية الستر على المدعو إذا وقع في زلة أو خطأ؛ ولهذا حث النبي ﷺ على الستر فقال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه؛ ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (١) والشاهد في هذا الحديث قوله ﷺ : «ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة». رابعا: من صفات الداعية: التثبت: ظاهر في هذا الحديث أهمية التثبت في الأمور؛ لأن النبي ﷺ عندما أخبر بمقالة الأنصار: «يغفر الله لرسول الله ﷺ ؛ يعطي قريشا ويدعنا» تثبت ولم يعجل، بل جمعهم وقال: «ما كان حديث بلغني عنكم» ثم بين لهم ﷺ ما كان يخفى عليهم، فاقتنعوا ﵃، فدل ذلك على أهمية التثبت والتأني وعدم العجلة (٢). خامسا: من وسائل الدعوة: التأليف بالجاه: دل هذا الحديث على أن التأليف بالجاه من وسائل الدعوة إلى الله ؛ ولهذا قال ﷺ فيه للأنصار: «إني لأعطي رجالا حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به؛ " قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا،» وقال ﷺ لهم: «لو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم»، وهذا يؤكد التأليف بالجاه، فقد تألفهم ﷺ بجاهه دون ماله (٣).

стр. 953

سادسا: من أساليب الدعوة: التأكيد بالقسم: لا ريب أن النبي ﷺ كان يستخدم التأكيد بالقسم عند الحاجة إليه؛ ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث للأنصار: «فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»، فأكد ﷺ بالقسم تأكيدا على ما يقول، فاتضح بذلك أهمية التأكيد بالقسم عند الحاجة إليه (١). سابعا: من أساليب الدعوة: التأليف بطيب الكلام: لا شك أن طيب الكلام، والتلطف فيه من أساليب الدعوة النافعة؛ ولهذا استخدمه النبي ﷺ فقال في هذا الحديث للأنصار: «أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله ﷺ »، وهذا الكلام الطيب يظهر فيه التلطف، واللين الحكيم؛ قال الإمام الكرماني ﵀: " إنما أراد به ﷺ تألف الأنصار، واستطابة نفوسهم، والثناء عليهم في دينهم، ومذهبهم، حتى رضي أن يكون واحدا منهم، لولا ما يمنعه عنه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها " (٢) وهذا يؤكد للداعية أهمية طيب الكلام والتلطف فيه (٣). ثامنا: من معجزات النبي ﷺ : الإخبار بالمغيبات: أخبر ﷺ ببعض الغيوب ووقعت كما أخبر ﷺ فدل ذلك على أنه رسول الله حقا، ومن ذلك ما ثبت في هذا الحديث عندما قال للأنصار: " إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض "، قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفيه علم من أعلام النبوة، فكان كما قال (٤) ﷺ " (٥). تاسعا: ذكر الداعية بعض فضائله أو مناقبه عند الحاجة انتصارا للحق: لا ريب أن ذكر الداعية بعض ما يتصف به من صفات حميدة عند الحاجة لا محذور فيه إذا لم يكن على وجه العجب أو الكبر، وقد ظهر في هذا الحديث

стр. 954

قول النبي ﷺ : «أنا عبد الله ورسوله»، فإذا احتاج الداعية إلى ذلك؛ لكونه يؤثر على المدعوين، فإنه من الأمور النافعة (١) والله المستعان (٢). عاشرا: من موضوعات الدعوة: الحض على الصبر: إن الصبر من الموضوعات التي ينبغي للداعية أن يحض الناس عليها؛ ولهذا حث النبي ﷺ في هذا الحديث الأنصار على الصبر فقال: «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض»، وهذا يؤكد أهمية الحث على الصبر. (٣). الحادي عشر: عظم محبة الصحابة لرسول الله ﷺ : الصحابة ﵃ يحبون النبي ﷺ حبا عظيما، ولهذا ثبت في هذا الحديث قوله ﷺ : «يا معشر الأنصار"، فقالوا: " لبيك يا رسول الله وسعديك، لبيك نحن بين يديك»، وهذه الاستجابة بالتلبية تدل على حبهم لرسول الله ﷺ (٤). الثاني عشر: حسن أدب الأنصار مع رسول الله ﷺ : ظهر في هذا الحديث حسن أدب الأنصار مع رسول الله ﷺ ؛ لأنهم قالوا: «يغفر الله لرسول الله ﷺ » عندما رأوه لم يقسم لهم؛ ولأنهم لم يجادلوه، ولم يماروه عندما جمعهم وبين لهم وجه الصواب، فأسلموا له قلوبهم وعقولهم؛ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: " فيه حسن أدب الأنصار في تركهم المماراة " (٥) فيلزم كل داعية بل كل مسلم أن يلتزم الأدب مع رسول الله في حياته، وبعد موته باتباع سنته والسير على منهجه ﷺ . الثالث عشر: من صفات الداعية: الصدق: الصدق يهدي إلى البر؛ ولهذا كان من أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتصف بها، وقد ظهر في هذا الحديث أن الأنصار صدقوا مع رسول الله ولم

стр. 955

يكذبوا عليه عندما سألهم فقال: «ما الذي بلغني عنكم؟»، قال الراوي: وكانوا لا يكذبون، فقالوا: «هو الذي بلغك» وأخبروه ﷺ بما حصل، فأخبرهم ﷺ بما عنده فرضوا ﵃، وهذا يؤكد أهمية الصدق (١). الرابع عشر: من أسباب النصر: عدم الإعجاب بالكثرة والقوة: إن الإعجاب بالكثرة والقوة من أسباب الهزيمة، وعدم ذلك من أسباب النصر، وقد ظهر في هذا الحديث ما يشير إلى ذلك، وهو قول الراوي: «لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم، بنعمهم، وذراريهم، ومع النبي ﷺ عشرة آلاف، ومن الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده». . . "، وهذا في أول الأمر ثم أنزل الله سكينته وجنوده، فنصر رسوله والمؤمنين، والهزيمة في أول المعركة إنما كانت بسبب من قال: «لن نغلب اليوم من قلة». (٢). الخامس عشر: من صفات الداعية: الشجاعة: تحقق في هذا الحديث أن الشجاعة من أهم الصفات التي يتأكد على الداعية أن يتصف بها عقليا وقلبيا، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ بقي يقاتل يوم حنين وانهزم الناس، فقاتل قتالا عظيما حتى تراجع الناس وأنزل الله النصر والحمد لله (٣). السادس عشر: من أصناف المدعوين: المشركون: دل جهاد النبي ﷺ المشركين، وقتاله لهم في معركة حنين وغيرها على أن المشركين من أصناف المدعوين الذين ينبغي للداعية أن يدعوهم على حسب الطرق الحكيمة في دعوتهم إلى الله . (٤). السابع عشر: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والتقوى: إن أهل الصلاح والتقوى من أصناف المدعوين، وقد ظهر في هذا الحديث ما حصل من الأنصار ثم أقنعهم رسول الله ﷺ وأرضاهم بقوله ﷺ : «إني لأعطي

стр. 956

رجالا حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ﷺ »، وهذا يؤكد أن أهل الصلاح والتقوى من أصناف المدعوين (١). الثامن عشر: من صفات الداعية: التواضع: النبي ﷺ أعظم الناس تواضعا؛ ولهذا ركب على البغلة في معركة حنين ثم نزل إلى الأرض فقاتل ففتح الله عليه، وهذا يدل على شجاعته ﷺ ، وتواضعه، فينبغي لكل مسلم أن يتواضع لله وخاصة الداعية إلى الله ؛ لما لذلك من الفوائد والتأثير على قلوب المدعوين (٢). التاسع عشر: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: إن الاستفهام الإنكاري من الأساليب الدعوية التي ينبغي للداعية أن يعتني بها؛ ولهذا استخدم هذا الأسلوب في هذا الحديث؛ لقول هشام: «يا أبا حمزة وأنت شاهد ذاك؟ قال: " وأين أغيب عنه» وهذا استفهام إنكاري (٣). العشرون: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ راعى أحوال المدعوين، فمن كان منهم من أهل الإيمان الكامل الذي لا نقص فيه لم يقسم له من الغنائم في معركة حنين، ومن كان دون ذلك أعطاه العطاء العظيم؛ ليقوى إيمانه، ويجذب قلبه إلى الإسلام، وقد كان أصحاب الفضل العظيم في كمال الإيمان الأنصار ﵃، وهذا يؤكد أهمية مراعاة أحوال المدعوين، والله المستعان (٤).

стр. 957

١٧٢ - [٣١٤٩] حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك (١) ﵁ قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء» (٢). وفي رواية: "فجبذه بردائه جبذة شديدة" (٣). * شرح غريب الحديث: * برد: البرد: نوع من الثياب معروف والجمع أبراد، وبرود، والبردة: الشملة، المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صور تلبسه الأعراب، وجمعها برد (٤). * غليظ الحاشية: حاشية كل شيء: طرفه وجانبه. أي غليظ الجانب أو الطرف. (٥). * فجبذه: الجبذ لغة في الجذب، وقيل: هو مقلوب. (٦). * صفحة عاتق النبي ﷺ : صفحة كل شيء: وجهه، وجانبه، وناحيته، والعاتق ما بين المنكب والعنق. (٧). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

стр. 958

١ - من صفات الداعية: التواضع. ٢ - أهمية الزهد في حياة الداعية. ٣ - من صفات الداعية: الحلم. ٤ - من صفات الداعية: الكرم. ٥ - أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة. ٦ - من صفات الداعية: حسن الخلق. ٧ - من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام. ٨ - أهمية التأليف بالمال. ٩ - من صفات الداعية: الصبر على الأذى. ١٠ - من صفات الداعية: دفع السيئة بالحسنة. ١١ - أهمية إعراض الداعية عن الجاهلين. ١٢ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ١٣ - من أصناف المدعوين: الأعراب. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من صفات الداعية: التواضع: التواضع من الصفات الكريمة التي يتأكد على الداعية أن يتصف بها، وقد ظهرت هذه الصفة في هذا الحديث؛ لقول أنس ﵁: "كنت أمشي مع النبي ﷺ فدل ذلك على تواضع الرسول ﷺ ؛ لأنه مشى مع خادمه، والعظماء في الغالب لا يمشون مع الخدم، وإنما مع كبار القوم ومع القوات التي تحرسهم (١). ثانيا: أهمية الزهد في حياة الداعية: دل هذا الحديث على زهد النبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ لبس البرد النجراني غليظ الحاشية، قال الإمام الكرماني ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: "وفيه

стр. 959

زهد النبي ﷺ ، وحلمه، وكرمه، وأنه على خلق عظيم" (١) وهذا يؤكد زهده وغنى نفسه كما قال ﷺ : "إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي" (٢) فهو ﷺ أولى بالزهد وغنى النفس؛ لمحبة الله له (٣). ثالثا: من صفات الداعية: الحلم: حلم النبي ﷺ على هذا الأعرابي الجافي الذي جبذه ببرده حتى أثر في صفحة عاتقه، وقال: مر لي من مال الله الذي عندك، فلم يعاقبه على هذه الأعمال التي تثير الغضب، بل حلم ولم يغضب ﷺ ، فينبغي للداعية: أن يكون حليما رفيقا، متأنيا (٤). رابعا: من صفات الداعية: الكرم: الكرم يدل على عظم الكريم وعلو مكانته؛ ولهذا كان النبي ﷺ أكرم الخلق وأجودهم، ومما يؤكد ذلك ما فعله مع هذا الأعرابي الذي جبذه بردائه، وسأله من المال؛ فأمر له ﷺ بعطاء، وهذا يؤكد غاية الكرم؛ فإن من يعطي عدوه بطيب نفس منه يدل على كرمه العظيم، وجوده المؤكد (٥). خامسا: أهمية أدب المدعو مع العلماء والدعاة: لا شك أن هذا الأعرابي قد أساء الأدب، وبالغ في الإساءة مع رسول الله ﷺ ، وعمل أعمالا تدل على جهله: فجبذ النبي ﷺ ببردته حتى أثر في صفحة عاتقه، ومع ذلك يأمره أن يعطيه! فلا ينبغي للمدعو أن يسيء الأدب بل يلزمه لزوما مؤكدا أن يتأدب مع العلماء والدعاة، ويناصرهم على الحق، ويدفع عنهم الأذى امتثالا لأمر الله ؛ وأمر رسوله ﷺ (٦).

стр. 960

سادسا: من صفات الداعية حسن الخلق: حسن الخلق من الصفات العظيمة التي يتأكد على الداعية إلى الله أن يتصف بها؛ وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة الحميدة؛ لأن النبي ﷺ عندما جبذه الأعرابي ببردته، حتى أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، وقال: مر لي من مال الله الذي عندك، لم يزد ﷺ إلا أن التفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء، وهذا والله يؤكد حسن خلقه ﷺ تأكيدا بالغا (١). سابعا: من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام: العفو والصفح من الأمور العظيمة التي ينبغي العناية بها في الدعوة إلى الله ؛ ولهذا عفا النبي ﷺ عن هذا الأعرابي، فلم يعاقبه، وصفح عنه فأزال ما في نفسه عليه فضحك ﷺ ، وإلا فجبذه النبي ﷺ ببرده حتى أثرت في صفحة عاتقه، يؤكد عقوبته والغضب عليه، ولكن النبي ﷺ تألفه بالعفو مكان الانتقام؛ لأن الله أمره بالعفو فقال: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] (٢) وقال : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٣) فينبغي للداعية أن يتألف المدعوين بالعفو، ويتصف به، حتى يجذب قلوب المدعوين، ويحبه الله . (٤). ثامنا: أهمية التأليف بالمال: التأليف بالمال من أهم وسائل الدعوة التي تجذب بها قلوب المدعوين، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب؛ لأن النبي ﷺ تألف الأعرابي الذي جبذه ببرده وقال مر لي من مال الله، فأمر له النبي ﷺ بعطاء، وهذا يؤكد أهمية التأليف بالمال (٥).

стр. 961

تاسعا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى: إن من الصفات الجميلة التي ينبغي للداعية أن يتصف بها: الصبر على الأذى؛ لأن الصبر يحبس به الداعية نفسه ويضبطها عن الجزع؛ ولهذا صبر النبي ﷺ ، على أذى هذا الأعرابي الذي جبذه ببرده حتى انشق، وبقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ (١) وقد أمر الله عباده بالصبر ووعدهم عليه بالجزاء بغير حساب، قال : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي هذا الحديث بيان حلمه ﷺ ، وصبره على الأذى؛ في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام؛ وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل: من الصفح، والإغضاء، والدفع بالتي هي أحسن" (٣) وهذا يؤكد جملا من الأخلاق الكريمة، ومنها الصبر على الأذى (٤). عاشرا: من صفات الداعية: دفع السيئة بالحسنة: الدفع بالحسنى من الصفات الجميلة التي ينبغي أن يتخلق بها الداعية إلى الله ، وقد دل هذا الحديث على هذه الصفة؛ لأن النبي ﷺ قابل إساءة الأعرابي بالحلم، والعفو، والعطاء؛ قال الإمام النووي ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: "وفيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة، وإعطاء من يتألف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها، وإباحة الضحك عند الأمور التي يتعجب منها في العادة، وفيه كمال خلق رسول الله ﷺ وحلمه" (٥) والداعية قد جعل الله له مخرجا من أعدائه؛ فإن العدو عدوان: عدو يرى بالعين، وهو شيطان الإنس، والعدو الآخر شيطان الجن، وهو لا يرى، فالمخرج من شيطان الإنس: بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن، والمخرج من شيطان الجن: بالاستعاذة بالله منه. قال الله : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (٦)

стр. 962

وقال عن النجاة من العدو الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] (١) وما أحسن ما قاله القائل. فما هو إلا الاستعاذة ضارعا ... أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب فهذا دواء الداء من شر ما يرى ... وذاك دواء الداء من شر محجوب (٢) فينبغي للداعية: أن يدفع السيئة بالحسنة، ويحسن إلى من أساء إليه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويبش في وجه من قل أدبه، حتى يحصل على الثواب العظيم، وينجو من شر أهل الشر، ويجذب قلوب العقلاء إلى دعوته، والله المستعان (٣). الحادي عشر: أهمية إعراض الداعية عن الجاهلين: الإعراض عن الجاهلين صفة من صفات الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولهذا أعرض النبي ﷺ عن هذا الأعرابي امتثالا لأمر الله حيث قال : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٤) وقد مدح الله من فعل ذلك فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٥) ومما يدل على التزام الصحابة ﵃ بهذا الخلق العظيم، ما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: «قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ﵁، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شيبا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس ﵄: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر ﵁، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا

стр. 963

بالعدل، فغضب عمر ﵁ حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله» (١) وهذا يؤكد للدعاة إلى الله أهمية الإعراض عن الجاهلين. الثاني عشر: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: الداعية الصادق مع الله : هو الذي يقتدي برسول الله ﷺ ، ويكون قدوة لغيره، وقد دل هذا الحديث على هذه الوسيلة الجميلة؛ ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر ﵁ في فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ صبر على الأذى، وتجاوز على جفاء من يريد تألفه للإسلام؛ ليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل (٢) فينبغي للداعية أن يكون كذلك، والله المستعان (٣). الثالث عشر: من أصناف المدعوين: الأعراب: ظهر في هذا الحديث أن من أصناف المدعوين الأعراب؛ ولهذا حلم النبي ﷺ على هذا الأعرابي الذي جبذه بردائه، وتألفه بالعفو، والعطاء، فدل ذلك على أن الأعراب من أصناف المدعوين الذين ينبغي أن يدعوا إلى الله على حسب عقولهم، والأعراب لهم جفاء، وشدة، وقسوة، ومن كان منهم من أهل الكفر كان أشد من غيره في الإعراض، قال الله : ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧ - ٩٩] سورة التوبة الآيات ٩٧ - ٩٩.، ولا شك أن من سكن البادية يغلب عليه الجفاء في الغالب والغلظة، وقد يكون بعض أهل البادية على غير ذلك، ولكن هذا هو الأغلب، فعن

стр. 964

أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من بدا جفا (١) ومن اتبع الصيد غفل (٢) ومن أتى أبواب السلطان افتتن (٣) وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا» (٤) وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن» (٥) وهذا الحديث يبين أحوال الأعراب، فليعتن الداعية بهم على حسب حالهم.

стр. 965

١٧٣ - [٣١٥٠] حدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله (١) ﵁ قال: «لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك. وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة. قال رجل (٢) والله إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرن النبي ﷺ فأتيته فأخبرته. فقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى. قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٣). وفي رواية: «قسم النبي ﷺ قسما فقال رجل: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله"، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال: "يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".» (٤). وفي رواية: «رحمة الله على موسى». . . " (٥). وفي رواية: ". . . «فأخبرته فتمعر وجهه». . . " (٦). وفي رواية: ". . . «فأتيته وهو في أصحابه فساررته فشق ذلك على النبي ﷺ وتغير وجهه حتى وددت أني لم أكن أخبرته» (٧). وفي رواية: ". . . «فغضب حتى احمر وجهه». . . " (٨).

стр. 966

* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من وسائل الدعوة: نقل الكلام بقصد التحذير والإصلاح وإزالة المنكر. ٢ - من صفات الداعية: الصبر على الأذى. ٣ - أهمية الإعراض عن الجاهلين. ٤ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة. ٥ - أهمية التأليف بالمال في الدعوة إلى الله . ٦ - من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام. ٧ - من صفات الداعية: الحلم. ٨ - من أساليب الدعوة: الدعاء للقدوات الحسنة. ٩ - من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين. ١٠ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري. ١١ - من أصناف المدعوين: أشراف الناس. ١٢ - من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة حنين. ١٣ - من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. * والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من وسائل الدعوة: نقل الكلام بقصد التحذير والإصلاح وإزالة المنكر: إن نقل الكلام على جهة التحذير والإصلاح من وسائل الدعوة إلى الله عند الحاجة، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن عبد الله بن مسعود ﵁ أخبر النبي ﷺ بقول من قال: "والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله "، فأقر النبي ﷺ عبد الله بن مسعود على هذا الإخبار وقال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟، رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»، وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث فقال: "باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه" (١) وقال الحافظ

стр. 967

ابن حجر ﵀ على هذه الترجمة: "المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد، وأما من يقصد النصيحة، ويتحرى الصدق، ويجتنب الأذى فلا، وقل من يفرق بين البابين فطريق السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح: الإمساك عن ذلك" (١) وقال ﵀ في مراد البخاري ﵀ بالترجمة: "وأراد البخاري بالترجمة بيان جواز النقل على جهة النصيحة؛ لكون النبي ﷺ لم ينكر على ابن مسعود نقله ما نقل، بل غضب من مقول المنقول عنه، ثم حلم وصبر على أذاه، اتساء بموسى ﵇، وامتثالا (٢) لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] سورة الأنعام، الآية: ٩٠، وقال النووي ﵀ في النميمة ونقل الكلام: "فإن دعت حاجة إليها فلا مانع منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله، أو بماله، أو أخبر الإمام أو من له ولاية: بأن إنسانا يفعل كذا، ويسعى بما فيه مفسدة، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك، وإزالته، فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبا وبعضه مستحبا على حسب المواطن والله أعلم" (٣) وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: "وفي هذا الحديث جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم؛ ليحذروا القائل، وفيه بيان ما يباح من النميمة، لأن صورتها موجودة في صنيع ابن مسعود هذا، ولم ينكره النبي ﷺ ، وذلك أن قصد ابن مسعود ﵁ كان نصح النبي ﷺ وإعلامه بمن يطعن فيه، ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق ليحذر منه، وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن كيدهم" (٤) وهذا يؤكد أهمية نقل الكلام عند الحاجة للتحذير والنصيحة الخالصة بشرط أن يكون الأمر واضحا لا شك فيه، وأن لا يحصل بذلك منكر أكبر، والله أعلم.

стр. 968

ثانيا: من صفات الداعية: الصبر على الأذى: الصبر على الأذى من الصفات المهمة التي يتأكد على الداعية الاتصاف بها، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن النبي ﷺ صبر على أذى هذا الرجل الذي قال له: " إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله! "، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قال بعض العلماء: الصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقد جبل الله الأنفس على التألم بما يفعل بها ويقال فيها؛ لهذا شق على النبي ﷺ نسبتهم له إلى الجور في القسمة، لكنه حلم عن القائل؛ لما علم من جزيل ثواب الصابرين، وأن الله تعالى يأجره بغير حساب، والصابر أعظم أجرا من المنفق؛ لأن حسنته مضاعفة إلى سبعمائة أما الصابر فيجزى بغير حساب " (١) وقال ﵀: "وفيه أن أهل الفضل قد يغضبهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم كما صنع النبي ﷺ اقتداء بموسى ﵇ " (٢) وهذا يبين للداعية أهمية الصبر على الأذى، والله المستعان (٣). ثالثا: أهمية الإعراض عن الجاهلين: الإعراض عن الجاهلين من الصفات الحميدة؛ ولهذا أعرض النبي ﷺ عن هذا المنافق الذي قال: "إن هذه قسمة ما عدل فيها"، وهذا يوضح للداعية ويبين له أن الإعراض عن الجاهلين من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام (٤). رابعا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: لا شك أن القدوة الحسنة من أهم وسائل الدعوة؛ ولهذا اقتدى محمد بن عبد الله ﷺ بموسى في صبره على الأذى، فصبر ﷺ على قول من قال: "إن هذه قسمة ما عدل فيها"، وقال ﷺ : «رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»، وهذا فيه استخدام قياس الأولى، فإذا كان موسى ﷺ صبر على

стр. 969

الأذى الذي هو أكثر من هذا، فالصبر على الأذى القليل أولى بالتحمل (١). خامسا: أهمية التأليف بالمال في الدعوة إلى الله : التأليف بالمال له أهمية بالغة في الدعوة إلى الله ؛ ولهذا أعطى النبي ﷺ كما في هذا الحديث- الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم في القسمة، وقد جاء التفصيل بأكثر من هذا في رواية الحديث عند مسلم، «فقد آثر ﷺ يوم حنين أشرافا من العرب في القسمة: فأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل، وأعطى أبا سفيان مائة، وعيينة بن حصن مائة، والأقرع بن حابس مائة، وعلقمة بن علاثة مائة، وقيل: أعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع فأتم له رسول الله ﷺ ، مائة من الإبل مثلهم» (٢) وهذا يؤكد على أهمية التأليف بالمال وأثره على النفوس، وخاصة ضعفاء الإيمان (٣). سادسا: من وسائل الدعوة: التأليف بالعفو مكان الانتقام: إن التأليف بالعفو مكان الانتقام من أهم الوسائل الدعوية؛ ولهذا عفا ﷺ عن هذا الرجل الجافي الجاهل الذي قال: "إن هذه قسمة ما عدل فيها"، وهذا يؤكد للداعية أهمية التأليف بالعفو مكان الانتقام، والله المستعان (٤). سابعا: من صفات الداعية: الحلم: حلم النبي ﷺ على هذا الرجل الذي قال فيه: "إن هذه قسمة ما عدل فيها

стр. 970

وما أريد بها وجه الله "، فلم يعاقبه على ذلك، فدل ذلك على كمال حلمه ﷺ ، فينبغي للداعية أن يقتدي بالنبي ﷺ في حلمه، وعفوه وصفحه، وفي جميع أحواله التي لا تختص به ﷺ (١). ثامنا: من أساليب الدعوة: الدعاء للقدوات الحسنة: إن من أساليب الدعوة النافعة الدعاء للقدوات الحسنة: من الأنبياء، والعلماء، والدعاة؛ لما في ذلك من لفت قلوب المدعوين إلى أعمالهم الطيبة، فيحبونهم ويقتدون بهم، وقد دل الحديث على هذا الأسلوب بقوله ﷺ : "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر"؛ فإن هذا يشد قلوب المدعوين إلى الاقتداء بمن دعي له، فينبغي للداعية أن يدعو للعلماء عند ذكرهم ويترحم عليهم، ويثني عليهم بأعمالهم الطيبة بحضرة المدعوين؛ لما في ذلك من ترغيب في أعمالهم؛ ولحقهم على من استفاد من علمهم، والله أعلم (٢). تاسعا: من صفات الداعية: مراعاة أحوال المدعوين: ظهر في هذا الحديث أن النبي ﷺ يراعي أحوال المدعوين؛ ولهذا أعطى أناسا من أشراف قريش وترك آخرين (٣) قال ﷺ : «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه» (٤) وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا أن ننزل الناس منازلهم» (٥) وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٦). وقال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (٧)

стр. 971

وهذه الأحاديث وغيرها تؤكد مراعاة أحوال المدعوين على حسب عقولهم، وعقيدتهم، وأجناسهم، ومجتمعاتهم، وعلمهم، وغير ذلك (١). عاشرا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإنكاري: إن الاستفهام الإنكاري من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله ، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب في قوله ﷺ : «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله»؟ "، وهذا يؤكد أهمية أسلوب الاستفهام الإنكاري، فينبغي أن يعتني به الداعية عند الحاجة إليه والله الموفق. (٢). الحادي عشر: من أصناف المدعوين: أشراف الناس: إن أشراف الناس صنف من أصناف المدعوين؛ ولهذا تألفهم رسول الله ﷺ وأعطاهم- كما في هذا الحديث- عطاء خاصا، مراعاة لأحوالهم، وإنزالا لهم منازلهم، قال عبد الله بن مسعود ﵁: «وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة»، وهم من الطلقاء الذين أسلموا يوم الفتح، ومنهم من هو من المهاجرين، وقد اعتنى النبي ﷺ بجماعة فأجزل لهم العطاء، منهم أبو سفيان، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة، والعباس بن مرداس، وغيرهم، وقد أعطى كل واحد من هؤلاء مائة من الإبل "، (٣) فينبغي للداعية أن يعتني بدعوة أشراف الناس، ويخاطبهم على قدر مكانتهم، ومنازلهم؛ لأن النبي ﷺ سلك هذا المنهج الحكيم وأنزل كل إنسان منزلته. الثاني عشر: من تاريخ الدعوة: ذكر غزوة حنين: ظهر في هذا الحديث ذكر غزوة حنين؛ لقول عبد الله بن مسعود ﵁: «لما

стр. 972

كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسا في القسمة»، وهذا فيه بيان لأهمية هذه الغزوة، والعناية بها، وبذكرها، وتاريخها (١). الثالث عشر: من القواعد الدعوية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: لا شك أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولهذا والله أعلم لم يقتل النبي ﷺ هذا الرجل الذي قال له في هذا الحديث: "إن هذه قسمة ما عدل فيها "؛ لأنه لو قتله، لقيل: إن محمدا يقتل أصحابه، وهذا فيه تنفير من الإسلام؛ لأن المنافقين من جملة أصحاب النبي ﷺ فيما يبدو للناس، فإذا قتلهم كان في ذلك مفاسد عظيمة، والله أعلم (٢).

стр. 973

[حديث أسماء كنت أنقل النوى من أرض الزبير . . .] ١٧٤ - [٣١٥١] حدثنا محمود بن غيلان: حدثنا أبو أسامة: حدثنا هشام قال: أخبرني أبي عن أسماء بنت أبي بكر (١) ﵄ قالت: «كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي. وهي مني على ثلثي فرسخ ".» وقال أبو ضمرة عن هشام، عن أبيه: «أن النبي ﷺ أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير".» (٢). وفي رواية: «عن أسماء ﵂ قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير ناضح، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: "إخ إخ " ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله ﷺ وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ؛ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني ".» (٣). * شرح غريب الحديث: * " فرسخ " الفرسخ من المسافة المعلومة في الأرض مأخوذ منه، والفرسخ ثلاثة أميال أو ستة، سمي بذلك؛ لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك

стр. 974

كأنه سكن (١) وقيل: الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، أو اثنا عشر ألف ذراع، أو عشرة آلاف (٢). * " ناضح " الناضح، والنواضح: الإبل السواني التي يسقى عليها الزرع والنخل، واحدها: ناضح، وجمعها نواضح (٣). * " غربه " الغرب الدلو (٤). * " سياسة الفرس " أي القيام على الفرس بما يصلحه (٥). * " الغيرة " أي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور، وامرأة غيور، بلا هاء؛ لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى (٦). * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - مكانة الصحابيات وصبرهن على خدمة الأزواج. ٢ - من صفات الداعية: الكرم. ٣ - من صفات الداعية: التواضع. ٤ - أهمية الحياء وعظم منزلته. ٥ - من صفات الداعية: الغيرة المحمودة. ٦ - من صفات الداعية: الحرص على صلة الأرحام. ٧ - أهمية الصدق ومكانته. ٨ - من صفات الداعية: الرحمة. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:

стр. 975

أولا: مكانة الصحابيات وصبرهن على خدمة الأزواج: إن نساء الصحابة ﵃ كن مجاهدات عاملات في خدمة الأزواج، صابرات على المشقة والتعب ابتغاء وجه الله ، ومما يدل على ذلك ما فعلته أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنهما، من العمل العظيم في خدمة الزوج الشجاع الزبير بن العوام ﵁، فقد كانت تنقل النوى من أرض بعيدة عن منزلها، وتخرز الغرب، وتستقي الماء، وتعجن وكل ذلك بيدها، والحمل على ظهرها ورأسها، وهذا يدل على قوة عزيمتها، ورغبتها فيما عند الله (١). ثانيا: من صفات الداعية: الكرم: الكرم من الصفات الحميدة؛ ولهذا اتصف به رسول الله ﷺ ، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأنه ﷺ أقطع الزبير أرضا، وهذا غيض من فيض من كرم رسول الله ﷺ ، فينبغي لكل مسلم أن ينهج منهجه، ويسلك طريقه ﷺ (٢). ثالثا: من صفات الداعية: التواضع: ظهر في هذا الحديث تواضع النبي ﷺ ، وحسن خلقه مع أصحابه؛ فقد رأى أسماء بنت أبي بكر تحمل النوى على رأسها من أرض الزبير البعيدة عن منزلها، فدعاها ﷺ ثم قال: «إخ إخ» لراحلته؛ لتبرك فيحمل أسماء عليها خلفه، كما كان يردف أصحابه خلفه مرارا لا تحصر، وهذا يدل على عظم تواضعه ﷺ (٣). رابعا: أهمية الحياء وعظم منزلته: لا شك أن الحياء مهم وخاصة للمرأة، وقد دل هذا الحديث على عظم حياء أسماء بنت أبي بكر ﵂؛ لأنها عندما أناخ رسول الله ﷺ راحلته لتركب خلفه استحيت ﵂ ولم تركب، قالت: «فاستحييت أن أسير مع الرجال»، وقالت: «فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى»، وهذا يؤكد أهمية

стр. 976

الحياء (١) ولهذا قال ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة (٢) والحياء شعبة من الإيمان» (٣) وفي رواية لمسلم: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأولها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (٤) وعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٥) ولأهمية الحياء عده النبي ﷺ من شرائع الأنبياء التي لم تنسخ، بل يكون إلى يوم القيامة (٦) فعن أبي مسعود ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح (٧). فاصنع ما شئت» (٨) وأعظم من ذلك دلالة أن هذا الحياء من أخلاق النبي ﷺ ، فعن أبي سعيد ﵁: «كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء (٩) في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه» (١٠) فينبغي للدعاة إلى الله أن يلتزموا الحياء الذي يحبه الله ؛ وليعلم أن الحياء الذي يمنع من العلم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حياء، وإنما هو من الضعف والخور، والجبن، والله المستعان.

стр. 977

خامسا: من صفات الداعية: الغيرة المحمودة: إن الغيرة المحمودة هي التي تبعث على القيام بالواجبات وتنفر من المحرمات، وقد ظهر في هذا الحديث أن الغيرة من الصفات الحميدة التي ينبغي أن يتصف بها الداعية، قالت أسماء ﵂: «فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس»، ويؤكد ذلك ما صح في مدح الغيرة، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أحد أغير من الله؛ ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله؛ ولذلك مدح نفسه، [وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل]»، " (١) وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه (٢) فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد؛ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» (٣) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم [الله] عليه» (٤) ومما يؤكد غيرة الله على محارمه ما روته عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يا أمة محمد، ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته يزني، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم

стр. 978

لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» (١). وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀: أن الغيرة نوعان: غيرة من الشيء، وغيرة على الشيء، والغيرة من الشيء: كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، والغيرة على الشيء: شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوز به. والغيرة أيضا نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه، كغيرته من نفسه على قلبه، ومن تفرقه على جمعيته، ومن إعراضه على إقباله، ومن صفاته المذمومة على صفاته المحمودة، وهذه الغيرة خاصية النفس الشريفة الذكية، وما للنفس الدنية المهينة فيها نصيب. ثم الغيرة أيضا نوعان: غيرة الله على عبده، وغيرة العبد لربه لا عليه، فأما غيرة الرب على عبده، فهي أن لا يجعله للخلق عبدا، بل يتخذه لنفسه وحده عبدا. وغيرة العبد لربه نوعان، أيضا: غيرة من نفسه وغيرة من غيره، فالتي من نفسه: أن لا يجعل شيئا من أعماله، وأقواله، وأحواله، وأوقاته، وأنفاسه لغير ربه، والتي من غيره: أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون، ولحقوقه إذ اتهاون بها المتهاونون (٢) فينبغي للداعية أن يتصف بالغيرة التي يحبها الله ، ويدعو الناس إليها ويحثهم عليها، ويحذرهم من محارم الله ؛ لأن الله يغار وغيرته لا تشبه غيرة أحد من خلقه؛ فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والله الموفق للصواب. سادسا: من صفات الداعية: الحرص على صلة الأرحام: دل هذا الحديث على أن من الصفات الحميدة الحرص على صلة الأرحام؛ لأن أبا بكر ﵁ أحسن إلى بنته أسماء ﵂ فأرسل إليها خادما يكفيها الفرس وما يحتاج إليه؛ ولهذا قالت ﵂: ". . . «حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني»، وقد تأثرت ﵂ بهذه الصلة حتى

стр. 979

قالت: «فكأنما أعتقني»، وهذا يؤكد ويحث على العناية بالأرحام وصلتهم؛ لما في ذلك من الثواب العظيم، والأجر الكبير؛ ولأهمية صلة الرحم ألزم الله بها كل مسلم ومسلمة لنصوص كثيرة وفوائد عظيمة منها ما يأتي: ١ - أمر الله بصلة الأرحام فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (١) وقال الله : ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] (٢) وقال سبحانه: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨] (٣) وقال : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] (٤). ٢ - صلة الأرحام يزيد الله بها في العمر، ويبسط في الرزق، ويصل من وصلها، وهي من أسباب المحبة بين الأهل والأقارب، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره (٥) فليصل رحمه» (٦) وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: «إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار» (٧) وعن أبي هريرة

стр. 980

رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة (١) في الأثر» (٢) وعن جبير بن مطعم ﵁ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول على المنبر: "تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم (٣) لأوزعه ذلك عن انتهاكه " (٤) وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة» (٥) وزاد البخاري في الأدب المفرد موقوفا على ابن عباس ﵄: «. . . وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها». (٦). ٣ - صلة الأرحام من أسباب دخول الجنة، فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ «أن رجلا قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال ﷺ : "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٧) وعن عبد الله بن سلام ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (٨).

стр. 981

٤ - صلة الرحم من أسباب النجاة من العقوبة؛ لأن قطيعة الرحم تسبب العقوبة، في الدنيا والآخرة، فعن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم» (١) وعن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة قاطع» (٢) يعني قاطع رحم (٣) وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: "هذا مقام العائذ بك من القطيعة". قال: "نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؛ " قالت: بلى يا رب، قال: "فهو لك "، ثم قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ - أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤]»، (٤) وعن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ : «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» (٥) وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته» (٦). ٥ - صلة الرحم الكاملة التي تحصل بها الإعانة هي أن المسلم يصل من

стр. 982

قطعه، فعن أبي هريرة ﵁: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل (١) ولا يزال معك من الله ظهير عليهم (٢) ما دمت على ذلك ".» (٣) وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» (٤) والمراد بالواصل في هذا الحديث: الكامل؛ فإن المكافأة نوع صلة، ولا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع، فهم ثلاث درجات: واصل، ومكافئ، وقاطع، فالواصل من يعطي ويتفضل ولا يتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يأخذ ولا يعطي، ويتفضل عليه ولا يتفضل، وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين، فمن بدأ بالوصل فحينئذ هو الواصل. انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٢٤. ٦ - الصدقة على ذي الرحم: اثنتان: صدقة وصلة، فعن سليمان بن عامر الضبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صلة وصدقة». (٥). ٧ - والرحم التي أمر بصلتها، هي كل ما يرتبط بقرابة سواء كانت من الأصول: كالآباء والأمهات وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، والحواشي: من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، كما دل على أصل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قال رجل: يا رسول الله، من أحق بحسن الصحبة؛ قال: " أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك، أدناك» (٦).

стр. 983

وصلة الرحم أنواع على حسب الحاجة، فتكون بالنفقة لمن يحتاج ذلك، وتكون بالهدية، وبالتودد إليهم، وبالعون والإعانة على الحاجات، وبالنصيحة، وبدفع الضرر، وبالإنصاف معهم، وطلاقة الوجه، وبالعدل والقيام بالحقوق الواجبة، وبالدعاء، وبتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، والزيارة، وبالشفاعة الحسنة، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الضرر (١). ويجمع أنواع الصلة قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] (٢) فينبغي للداعية أن يعتني بالرحم ويصلها؛ فيكون قدوة حسنة، ويحض على ذلك ويدعو إليه بالقول والفعل. والله المستعان وعليه التكلان. سابعا: أهمية الصدق ومكانته: ظهر في هذا الحديث أن الصدق من الصفات الحميدة؛ ولهذا أثنت أسماء بنت أبي بكر على من اتصف به فقالت: «ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق»، وهذا يؤكد أهمية الصدق ومكانة أهل الصدق في القلوب. (٣). ثامنا: من صفات الداعية: الرحمة: دل هذا الحديث على صفة الرحمة؛ لأن النبي ﷺ رحم أسماء بنت أبي بكر ﵄ وأشفق عليها من حمل النوى على رأسها، فأراد أن يحملها خلفه؛ لأن الزبير ﵁، قال حينما بلغه الخبر: «والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه»، قال الإمام النووي ﵀: "وفيه ما كان عليه ﷺ من الشفقة على المؤمنين والمؤمنات، ورحمتهم ومواساتهم فيما أمكنه " (٤) وهذا يؤكد أهمية الرحمة بالمؤمنين والمؤمنات (٥).

стр. 984

٢٠ - باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب [حديث استحياء عبد الله بن مغفل من رسول الله] ١٧٥ - [٣١٥٣] حدثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفل (١) ﵁ قال: «كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه فالتفت فإذا النبي ﷺ ، فاستحييت منه». (٢). [حديث ابن عمر كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه] ١٧٦ - [٣١٥٤] حدثنا مسدد: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، «عن ابن عمر (٣) قال: "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه ".» * شرح غريب الحديثين: * " جراب " الجراب: وعاء من جلد يحفظ فيه الزاد (٤). * " فنزوت " أي وثبت وأسرعت. (٥). * الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها: ١ - من خصائص الإسلام: التيسير ورفع الحرج. ٢ - من صفات الداعية: توقير النبي ﷺ وإجلاله.

стр. 985

٣ - من صفات الداعية: الحياء. والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي: أولا: من خصائص الإسلام: التيسير ورفع الحرج: التيسير ورفع الحرج من خصائص الإسلام، وقد دل هذان الحديثان على ذلك؛ لأن بعض الصحابة ﵃ كانوا يأكلون من الغنيمة قبل القسم على قدر الحاجة: من الشحم، والعسل، والعنب، والطعام اليسير، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، فدل على جواز مثل ذلك، ويسر الإسلام وسماحته. ونقل النووي ﵀: "إجماع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه "، (١) وقال الإمام ابن القيم ﵀: لا أعلم خلافا بين الفقهاء أن الطعام لا يخمس، في جملة ما يخمس من الغنيمة، وأن لواجده أكله ما دام الطعام في حد القلة، وعلى قدر الحاجة، ما دام صاحبه مقيما في دار الحرب " (٢) وهذا يبين أن من خصائص الإسلام التيسير ورفع الحرج، والحمد لله (٣). ثانيا: من صفات الداعية: توقير النبي ﷺ وإجلاله: الصحابة ﵃ كانوا يوقرون النبي ﷺ ، ويجلونه، إكراما، وتعظيما، ومحبة، وقد دل الحديث الأول من هذين الحديثين على ذلك؛ لقول عبد الله بن مغفل ﵁: «كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، فالتفت فإذا النبي ﷺ فاستحييت منه»، قال العلامة العيني ﵀: "وفيه إشارة إلى ما كانوا عليه من توقير النبي ﷺ ، ومن الإعراض عن خوارم المروءة" (٤). فينبغي لكل مسلم أن يحترم النبي ﷺ ويوقره، وينصره في حياته وبعد موته بنشر سنته والذب عن دينه، والدعوة إليه. قال الله :
следующие страницы →