٥ - حسن الوقوف في موطن الوقوف والبدء في موقع البدء، ولا يحسن بالخطيب أن يتوقف في وسط الجملة التي لم تتم، أو يجعل جزءا منها في صفحة، والجزء الآخر. في الصفحة الأخرى، فحسن الوقوف والابتداء يدل على فصاحة الخطيب وفهمه لما يلقي.
٦ - تجنب عيوب اللسان ما استطاع كالفأفأة، واللثغة، والصفير، والتعتعة، ونحو ذلك مما يوجه الأسماع إلى متابعة هذه العيوب ويصرفها عن تدبر المعاني والأفكار، فإذا لمس من نفسه شيئا من ذلك فليتجنب الألفاظ، والكلمات التي توقعه فيه.
٧ - ثبات الصوت بحيث لا يبدو للأسماع مرتجا متلجلجا شأن الخائف أو القلق والمضطرب، أو يبدو عليه الارتباك والخجل.
٨ - التسليم على المصلين إذا صعد المنبر، وهذا مروي عن النبي ﷺ ، حيث «كان إذا صعد على المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم» (١) .
أما بالنسبة لحركة الخطيب على المنبر، فيراعى فيها الأمور التالية:
١ - أن يكون وقوف الخطيب ثابتا، يظهر عليه سيما الرزانة والمهابة، والوقار، والشعور بالثقة، والجد، فلا يحسن أن يبدو بمظهر الهازل على المنبر، ويكون رابط الجأش وقور الحركة.
٢ - ألا يكثر من الالتفات أو حركة اليد، أو الرأس، أو الجسم.
٣ - تناسب حركة اليد، والإشارة مع الألفاظ والكلمات، قال الحجاج لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم، لولا أنك تكثر الرد، وتشير باليد، أي: تكثر من ذلك.
стр. 107
قال الجاحظ: وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان (١) .
وأما القول بأن الخطيب يقف ساكنا لا يحرك يديه، ولا منكبيه، ولا يقلب عينيه، ولا يحرك رأسه، فهذا غير سديد، وإنما يناسب بين الحركة والنطق، والإشارة والعبارة، ويراعى أن لا يشعر المتحدث أنه ملزم بالجمود في بقعة محددة، أو أن أعضاء جسمه ممنوعة من الحركة، فالمهم أن لا ننفر من استخدام الإيماءات ونوظفها بنجاح (٢) .
٤ - إذا كان الخطيب يقرأ الخطبة فينبغي أن يحسن الانتقال ببصره بين الورقة والمستمعين، فلا يطيل النظر في الورقة بحيث لا يرفع بصره منها، ولا يطيل الابتعاد عنها، بحيث يصعب عليه وصل الكلام بعضه ببعض، أو يذهل نظره عن الوضع الذي انتهى إليه، فيرتبك أو يطيل السكوت.
٥ - تجنب اشتغال يده في طرف عباءته، أو (غترته) ، أو العبث في لحيته، أو في تقليب الأوراق التي أمامه، أو في ضرب السماعة، أو تحريكها، أو في غير ذلك من الحركات التي تشغل المصلين، ولا تليق بهذا المقام.
٦ - أن يخطب واقفا متوكئا على عصا أو قوس، فإن ذلك من السنة، ولعل الحكمة من ذلك إضفاء المهابة على الخطيب، والتقليل من حركة يده.
عن الحكم بن حزن ﵁ قال: «شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكئا على عصا أو قوس» (٣) .
стр. 108
[المبحث السادس حسن مظهر الخطيب]
المبحث السادس
حسن مظهر الخطيب ومما يضفي على الخطيب الهيبة والوقار نظافته، وحسن سمته، وحسن مظهره، ولذلك فإنه يشرع الاغتسال يوم الجمعة، وأن يمس من الطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويزيد في حسن هيئته. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]
إن تأثير حسن الهيئة، وجمال المظهر على نفوس الحاضرين، لا ينكر، فلا يحسن بالخطيب الاستهانة بجمال ظاهره، من نظافة ثيابه، وبياض أسنانه، وترجل لحيته، وكي ملابسه، وغير ذلك.
وقد «سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: " إن الله جميل يحب الجمال» (١) .
فالجمال وحسن المظهر يكون في الجسد بالغسل، والترجيل للحية، واستعمال السواك ونحوه للأسنان، وقص الشارب، وقص الأظافر ونحو ذلك.
ويكون اللباس بالاعتدال فيه، والنظافة الظاهرة، وتجنب الحرام فيه، كالتشبه والزيادة على الكعبين، وتجنب لباس الشهرة، ولباس المذلة، لذلك قال بعض الحكماء: البس من الثياب ما لا يزدريك فيه العظماء، ولا يعيبك عليه الحكماء، وعن عمر ﵁: إياكم ولبستين: لبسة مشهورة، ولبسة محقورة. فلا يبالغ في التأنق، وشدة التكلف في اللباس، فإن الجمال الحقيقي للمرء جمال الباطن.
وترى سفيه القوم يدنس عرضه ... سفها وبمسح نعله وشراكها (٢)
стр. 109
وقال عمرو بن معدي كرب:
ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا
إن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجدا
وقال حبيب بن أبي ثابت: أن تعز في خصفة خير لك من أن تذل في مطرف (١) أي: أن تعز وأنت تلبس غليظ الثياب، خير من أن تذل وأنت تلبس مطارف الخز، وكما أنه لا يبالغ في التأنق فلا يبالغ في الرثاثة وإظهار الخشونة، وليتجمل للوفد والمناسبات، وعلى رأس هذه المناسبات الجمعة.
لذلك يسن أن يكون ثوب الجمعة سوى ثوب المهنة.
عن عبد الله بن سلام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما على أحدكم إن وجد، أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (٢) .
وعن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا استجد ثوبا لبسه يوم الجمعة» (٣) .
وجمال المظهر هو المروءة الظاهرة للإنسان كما قيل: المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة (٤) .
بل إن السمت الحسن والمظهر الحسن ربما كان أنطق عند الناس، وأهدى إلى العمل من القول المجرد.
قال البخاري ﵀ في كتاب الأدب المفرد: باب الهدي والسمت الحسن، وروى بإسناد لا بأس به عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سؤاله، كثير معطوه، العمل
стр. 110
فيه قائد للهوى، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل، اعلموا أن حسن الهدي- في آخر الزمان- خير من بعض العمل (١) .
فعلى الخطيب أن يكون شامة في جمال مظهره، وحسن منظره، فتأنس العيون بظاهرة، قبل أن تؤخذ النفوس بمنطقه وحجته.
ومما يحسن مراعاته في هذا المجال عرف البلد الذي يعيش فيه، والناس الذين يستمعون إليه، على ألا يكون في الملبوس شيء من حرام، كلباس الكفار أو النساء، ولا يكون من الألبسة الشفافة، والسراويلات القصيرة أو الضيقة، أو يلبس حريرا، أو يتختم بالذهب، وغير ذلك من المحرمات.
стр. 111
[المبحث السابع تثبته من المعلومات والأحكام التي يلقيها على الناس]
المبحث السابع
تثبته من المعلومات والأحكام التي يلقيها على الناس هذا الأمر من أهم الأمور المتعينة على الخطيب، لما له من أثر على مصداقيته عند الناس، ولما يترتب عليه من نقل للأخبار.
والتثبت من الأخبار والمعلومات من الأمور المطلوبة شرعا، وإن لم يكن الخطيب متثبتا من أخباره، وما ينقله للناس، سيكون من حيث لا يدري مصدرا من مصادر الشائعات، وتعميمها على الناس، وآثار هذا خطيرة على الأمة، ولا سيما إذا كان الخطيب ثقة معروفا عندهم، أو ذائع الصيت، فإن الشائعة ستنتشر وتعم بقدر شهرته، وذيوع صيته، أما إذا تعلقت الأخبار والمعلومات التي ينقلها الخطيب بعرض شخص، أو فئة من الناس، أو بسياسة دولة، أو جماعة من الجماعات، أو عالم من العلماء، فإنها تكون- ولا ريب- أشد خطرا وأعظم ضررا على الأمة، بما تبعثه من فتنة، وما تثيره من فرقة.
ولا يسامح الخطب في عدم التثبت لشدة حماسته، أو قوة تأثره وغيرته، فإن هذه الحماسة، وهذه الغيرة، إذا لم تكن مستندة إلى أصل شرعي، لا تعدو أن تكون انفعالات عصبية، أو حمية قومية.
لذا فإن على الخطيب أن يراعي الأمور التالية في نقل الأخبار والتحدث بها حتى لا يقع فريسة للأوهام والإشاعات:
(أ) عدم التسرع في نقل الأخبار قبل أن يتضح أمرها تماما، وتتبين حقيقتها، ومن الخطأ البين ما يقوم به بعض الخطباء من المسارعة إلى إعلان الخبر، أو الخوض في أمره، وكأنه يريد بذلك أن يحقق سبقا إخباريا، أو انتصارا صحفيا، متغافلا عما ينتج عن ذلك من آثار ومخاطر على الأمة.
стр. 112
(ب) تحري الصدق والدقة في مصدر المعلومة، والتثبت من ذلك، فقد قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. . .» (١) .
فتحري الصدق مطلوب في نقل الخبر، وفي التحدث به، وهو من صفات الصديقين.
(ج) ومن هذا التحري أن لا يأخذ الخبر إلا من مصدر معتمد موثوق، ولا يقتصر في ذلك على ما تنشره الصحف أو الإذاعات المرئية أو غير المرئية، ولا على أي شخص كان، فإن " معظم مواقف الناس- مع الأسف- لا تبنى على ما يحدث فعلا، بل على تفسيرهم لما يحدث " (٢) .
(د) التنبه إلى تقاعس شروط التوثيق في زماننا، وقصور صفات العدالة والضبط عند معظم الناس، وان أدق منهج عملي لتمحيص الروايات هو ما أصله المحدثون في هذا المجال، فينبغي أن يجعل منهجا عاما لقبول الأخبار أوردها [فربما كان الراوي من أهل العدالة والصلاح، فإن المحدثين لم يكتفوا في هذا بظاهر عدالة الراوي وصلاحه وورعه، بل اشترطوا أن يكون إلى جانب ذلك يقظا غير مغفل، ضابطا لما يروي صائنا لما يكتب عن الزيادة أو النقص، وقد ردوا أحاديث أناس من أهل الصلاح ممن لم يتوفر فيهم شرط الضبط والإتقان، وربما كان بعضهم قاضيا، أو مؤرخا، أو فقيها، أو مفسرا، ولكن لا يؤخذ بخبره في الرواية لعدم ضبطه] أو على ضوء هذا المنهج ينبغي أن يفهم قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] الآية [الحجرات- ٦] .
فالأمر بالتبين في خبر الفاسق لا يعني قبول خبر العدل على إطلاقه، فإن الفاسق- وهو الساقط العدالة- لا يقبل خبره ولو كان ضابطا، وكذا العدل لا
стр. 113
يقبل خبره إذا لم يكن ضابطا، وخبر معظم الناس في زماننا هذا هو من قبيل خبر المستور لتعذر الخبرة الباطنة في حقهم.
وإذا تضمن الخبر الطعن في معلوم العدالة، كان الاحتياط أشد في رده وعدم قبوله.
وإذا تأملت كثيرا من الإشاعات تجد أنها تبدأ "خبرا صحيحا تماما، فإذا تناقله الناس زادوا عليه من خيالهم حتى يغدو مشوقا مثيرا، فما إن يمشي خطوات حتى يغدو ككرة الثلج لا تزال تتزايد كلما دحرجتها (١) .
وربما وقع الشك في الخبر لأسباب في المخبر غير قادحة في عدالته، لكنها مانعة من قبول خبره، كما يقع بين الأقران والمتعاصرين بسبب عداوة دنيوية، أو معاصرة، أو تأويل، أو وهم، وما شابه ذلك.
ومن هنا فإنه يتعين على الخطيب ديانة التحري عن مصدر المعلومة أو الخبر، وكيف نشأت، ثم التحري عن ناقل المعلومة، أو من يوصل إليه الخبر، مدى ضبطه، عدالته، كيفية تلقيه لهذه المعلومة، إذا كان يريد أن يطرحها على الناس.
ثم على الخطيب أن يحسن التعامل مع هذه المعلومة أو هذا الخبر، فإنه ربما كان الخبر صحيحا تماما لكن المصلحة الشرعية الراجحة تقتضي عدم نقله، أو إخبار الناس به، لما يترتب على ذلك من أسباب تجر إلى الفتنة، وتفتح أبوابا من الشر يصعب إغلاقها.
وليعلم الخطيب أن من أهم مسئولياته التثبت من الأخبار، وتمييز سقيمها من صحيحها، وما يصلح منها أن يذاع على الناس وما لا يصلح، فإن الخطبة ليست كلاما يقال لا يعرف قبيله من دبيره.
ومن التثبت المطلوب أيضا التثبت في عزو أي قول إلى قائله سواء أكان قديما أم معاصرا، وسواء أكان ما يعزوه رأيا سياسيا، أم فقهيا، أم طبيا، وليتثبت من
стр. 114
المصدر الذي أخذ منه الرأي، ليكون حجته إذا جادله في ذلك مجادل، أو اتهمه بالخطأ في نسبة قول إلى قائله.
وكذلك التثبت في موضوع التحريم والتحليل، والفتوى في النوازل والقضايا المعاصرة التي يفتي فيها جهات متخصصة، بعد دراسة وترو.
وكذلك التثبت في وصف الأحداث التي تقع وأسبابها.
стр. 115
[المبحث الثامن حسن العرض والخطاب]
المبحث الثامن
حسن العرض والخطاب لا يكفي أن يكون الخطيب أو الداعية حامل حق، بل ينبغي إلى جانب ذلك أن يكون ذا بصيرة بما يحمل، ذا بصيرة في الدعوة إلى هذا الحق، وكم داعية ومعلم يحمل فكرة صائبة، أو رأيا سديدا لا يستطيع إيصاله إلى الناس، بل كان أسلوب عرضه منفرا للناس عن هذا الحق عن غير قصد منه.
رام نفعا فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقا (١)
. وكم حامل باطل زينه للناس، وجذبهم إليه لحسن عرضه ولباقة أسلوبه، فلا يكفي أن يكون موضوع الخطبة هاما، وأفكارها ضرورية عظيمة الفائدة، كثيرة النفع للأمة، بل لا بد أن يكون للخطيب قدرة على إيصال هذه الأفكار إلى قلوب الناس وعقولهم، واستمالة قناعاتهم إليها، والتأثر بها.
قال علي ﵁: أف لحامل حق لا بصيرة له. . . إن قال أخطأ، وإن أخطأ لا يدري، شغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به.
لذا كان على الخطيب أن يتحرى الأسلوب الناجح، والوسيلة المشروعة المحببة إلى النفوس لعرض حقه، وإبراز فكرته، وهذا يتطلب علما بنفسيات المدعوين، ومستوياتهم، واغتنام المناسبة، وتوظيف الحدث في مخاطبتهم، مع تخير الألفاظ اللائقة، والأمثال والصور الأدبية والواقعية المؤثرة.
وحسن العرض لا يعود إلى حسن الأسلوب وطريقة الإلقاء فقط، بل إن حسن العرض يشتمل على أمور أخرى منها:
(أ) قوة شخصية الخطيب، ومدى قناعته بفكرته، وحماسته لها.
(ب) علم الخطيب وفقهه الذي يبرز في معالجته للقضايا معالجة شرعية،
стр. 116
تظهر قوة تمكنه من الفقه بالمصالح المرسلة، والموازنة بين المصالح والمفاسد، وترتيب الأولويات، وحسن استدلاله بالكتاب والسنة.
(ج) قوة الخطيب البيانية، وجزالة ألفاظه وتعابيره.
(د) حسن الأدب في مخاطبة الناس، فلا يواجههم بالغلظة والجفاء، كأن يقول: أنتم أكلتم الربا، واستحللتم الزنا، وفسدتم، وفعلتم وفعلتم.
أو يقول منفرا من الكذب: فأنت أيها الكذاب، وأنتم أيها المفسدون الضالون، ونحو ذلك مما يؤذي النفوس، ويجرح المشاعر.
(هـ) عدم الإكثار مما ينفر الناس كثرته، ككثرة الحلف بالله على كل صغير وكبير، أو كثرة التكرار لبعض الكلمات ككلمة "يعني " ونحوها، فإن الكلام إذا تكرر كثيرا يصيب السامع بالملل والنفور.
(و) تجنب الأخطاء اللغوية، والتعثر بالكلمات، وخاصة في تلاوة الآية القرآنية أو الحديث، أو قراءة الشعر.
стр. 117
[المبحث التاسع تجنب التقعر والتكلف في الكلام]
المبحث التاسع
تجنب التقعر والتكلف في الكلام عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون- قالها ثلاثا-» (١) .
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]
قال ابن زيد: أي لا أسألكم على القرآن أجرا: تعطوني شيئا، وما أنا من المتكلفين أتخرص وأتكلف ما لم يأمرني الله به (٢) .
قال ابن عطية: وما أنا من المتكلفين أي: المتصنعين المتحلين بما ليسوا من أهله، فأنتحل النبوة والقول على الله (٣) لقد كان هدي النبي ﷺ أكمل الهدي في الدعوة والخطابة، والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الأمور كلها.
من هديه في الكلام ما روت عائشة ﵂ قالت: «كان كلام رسول الله ﷺ كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه» ، وقالت: «كان يحدثنا حديثا لو عده العاد لأحصاه» ، وقالت: «إنه لم يكن يسرد الحديث كسردكم» (٤) .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها» إسناده صحيح (٥) .
стр. 118
قال في النهاية: " هو الذي يتشدق في الكلام، ويفخم لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفا (١) .
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. . .» الحديث" (٢) .
قال ابن الأثير: الثرثار الذي يكثر الكلام تكلفا وخروجا عن الحق، والثرثرة كثرة الكلام وترديده، والمتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز، ومثل المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم. . . والمتفيهق الذي يتوسع في الكلام ويفتح فاه به، مأخوذ من الفهق، وهو الامتلاء والاتساع (٣) .
وقال في معنى صرف الكلام: ما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه على قدر الحاجة، وإنما كره لما يدخله من الرياء والتصنع، ولما يخالطه من الكذب والتزيد (٤) .
وعن معاوية ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ الله عليه وسلم الذين يشققون الكلام تشقيق الشعر» (٥) وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون قالها ثلاثا-» (٦) .
стр. 119
قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد العاصمي في حاشيته على كتاب التوحيد: أي المتكلفون المتعمقون المتأنقون، الغالون في الكلام، المتكلمون بأقاصي حلوقهم، مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولا وفعلا، أو الغالون في عباداتهم بحيث تخرج عن قوانين الشريعة، أو الذي يدخل الباطل في قالب الحق، لقوة فصاحته، وأما الفصاحة التي توضح الحق، وترد الباطل، وتظهر عظمة العلم والدليل فممدوحة (١) .
إن مما تمجه الأسماع، وتنفر منه القلوب في الخطب التكلف في الكلام، والتنطع فيه، فعلى الخطيب أن يترفع عن هذه الطريقة الكريهة في الخطابة، ومن ذلك قلقلة الحروف إلى حد التكلف والتصنع، وتجويد بعض العبارات وترتيلها كأنه يرتل القرآن العظيم، ومن ذلك التكلف في تقليده لبعض الخطباء المعروفين، وانتحال طريقتهم في الخطاب، وأسلوبهم في تفخيم الكلام أو ترقيقه، أو مد آخر الجمل.
وليترك الكلام يخرج على سجيته، والألفاظ تخرج على السليقة، ولا يستكره الألفاظ ويحشرها في غير مواضعها.
قال الجاحظ: ومتى كان اللفظ كريما في نفسه، متخيرا في جنسه، وكان سليما من الفضول بريئا من التعقيد، حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب. . . ولم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأقحاح ألفاظا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعا رديا، ولا قولا مستكرها (٢) .
ومن التشدق في الخطبة أن تكون الخطبة عبارات منمقة، وجملا إنشائية فارغة من المحتوى، فليس وراء تلك الكلمات الرنانة موضوع أو طائل يخرج به المستمعون، لا موضوعا تربويا، ولا اجتماعيا، ولا فقهيا يخرج منه المصلون بفائدة.
стр. 120
[المبحث العاشر إعداد الخطبة]
المبحث العاشر
إعداد الخطبة الارتجال أم القراءة؟
من المعلوم أن الخطيب ينبغي أن يعد موضوعه إعداد جيدا متكاملا، لكن قد يقوم الخطيب بالإعداد الجيد، ثم لا يحسن في طريقة إيصاله للناس، حيث يقوم بالارتجال على المنبر، دون النظر في ورقة، مما يجعله يتجاوز بعض الأفكار، والفقرات المهمة في الخطبة، ولا يتذكرها.
وقد يكون الارتجال مع التحضير واستحضار الأفكار الأساسية للخطبة أفضل من القراءة، غير أن القراءة أفضل منه إذا لم يكن الخطيب قد أعد موضوعه إعدادا كاملا في ذهنه، وأشربه ووعاه بدقة.
فإن الارتجال في هذه الحال يؤدي بالخطيب إلى تفتيت الأفكار، والخروج عن الموضوع، وقد يدخل موضوعا في آخر، فيبدو للسامعين في حالة من الاضطراب والارتباك، وعدم التركيز، وهذا يترك عندهم انطباعا سيئا عن الخطيب، وعن الخطبة، ولهذا قيل: " إن الارتجال آفة الخطابة، لأنه يلقي المعنى دون أن ينضج بالتفكير (١) .
ومن هنا فإن الخطيب إذا لم يكن مؤهلا للارتجال بما يملكه من قدرة لغوية، وقوة شخصية، وسعة الإطلاع، وحضور ذهن، ورباطة جأش، فالخير له أن لا يرتجل الخطبة لأنه ربما حول السامعين إلى متفرجين أو منتقدين.
وحتى يرتقي الخطيب إلى المستوى الأمثل في الخطبة ينبغي أن يراعي في هذا الأمور التالية:
١ - أن يعد الخطبة بكتابة رؤوس الأفكار، والخطوط الأساسية للخطبة.
٢ - إذا أراد الاستغناء عن الورقة فعليه أن يحفظ هذه الأفكار الأساسية
стр. 121
لخطبته، وينظر فيها بين الحين والآخر حتى يعيها تماما، وتكون آخر نظرة منه إليها قبيل صعوده إلى المنبر، فقد كان الكثير من البلغاء يعدون خطبهم ويهذبونها ويتمرنون على إلقائها (١) .
٣ - إذا أعد رؤوس أقلام للخطبة فمن الأفضل أن لا يخرج عنها أثناء الحديث مهما كانت المغريات، وإلا حاد عن الموضوع، وارتبك لعدم التأكد من بعض المعلومات أو بسبب الانزلاق نحو المبالغة في استخدام العبارات المجازية والاستعارات (٢) .
٤ - لا يقرأ من أوراقه بصفة مستمرة- إذا كان يعتمد على الكتابة- لكن ينبغي أن يحاول إخفاء أوراقه بصورة كاملة (٣) .
٥ - أن يكون المكتوب بخط واضح، مرتب ترتيبا جيدا، مرقم الصفحات بحيث لا يحتاج إلى تقليب الصفحات، ومعاودة النظر، والبحث عن تتمة الكلام، فإن أي توقف أو ارتباك له انعكاساته السيئة على المخاطبين.
٦ - أن يكتب على وجه واحد من الورقة حتى لا ينعكس ظلال الكلمات على المكتوب فتطمس بعض الألفاظ فتحدث خللا في العبارة، مع أن الأصل أن يكون سريع البديهة حاضر الذهن لا توقفه كلمة أو عبارة.
٧ - أن تكون الأوراق مثبتة، أو تكون في دفتر، ولا تكون متناثرة، فربما أدى ذلك إلى اختلاطها مما يحتاج معه إلى توقف وصمت لإعادة ترتيبها.
٨ - الجمع بين الإعداد والارتجال، فإن هذا هو أفضل الطرق، وأنجح السبل لإلقاء الخطبة، " وخير طريقة للإعداد أن الخطيب يعد خطبته إعدادا كاملا، ثم يتركها ويرتجل، أو يضعها أمامه مكتوبة، ويكتفي باللمح الخاطف بحيث يستوعب الصفحة في نظره دون أن يشعر الجمهور بأنه يلمح، لأن الموضوع ما دام
стр. 122
واضحا في ذهنه يكون أكثر وضوحا، وأسرع نبعا وفيضا (١) والأولى أن ينمي الخطيب قدرته على الارتجال، ويهيئ نفسه لذلك، فإن من المواضيع والمناسبات ما لا يحسن فيها إلا الارتجال، ثم ربما عرض للخطيب أمر في أثناء الخطبة، أو ربما حدث حادث طارئ في أثنائها اقتضاه أن يغير الموضوع في اللحظات الأخيرة، أو يضيف إليه الكلام عن موضوع آخر، فلا يستطيع أن ينتدب لهذه المهمة إذا لم يكن مؤهلا للارتجال، عنده التجهز والاستعداد للطوارئ.
стр. 123
[المبحث الحادي عشر تقويم الخطيب لخطبه]
المبحث الحادي عشر
تقويم الخطيب لخطبه إن ما وهبه الله تعالى للإنسان من جوارح، من سمع، وبصر، وغير ذلك ينبغي أن يكون شاهدا عليه، مقوما لعمله، ولهذا قال الحسن البصري ﵀: " المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه " (١) .
وعنه: " لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، ماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضي قدما لا يحاسب نفسه " (٢) .
وعنه أيضا: " إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته " (٣) .
وقال ميمون بن مهران: " لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه " (٤) .
وقد دل على وجوب محاسبة النفس، وتقويمها، والنظر في الأعمال وتسديدها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]
قال قتادة: " ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد " (٥) .
وقال جل وعلا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ - وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]
عن قتادة في معنى الآية: إذا شئت رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنوبه، قال: وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا: يا ابن آدم تبصر
стр. 124
القذاة في عين أخيك، ولا تبصر الجذع المعترض في عينيك (١) .
ولما كان المؤمن طلعة طمحا إلى الكمال والارتقاء إلى المعالي كان لا بد له من النظر إلى عمله نظر الناقد البصير الممحص.
فينظر إلى نيته وقصده، وينظر إلى عمله ومسلكه، ولا يداهن نفسه، ولا يجاملها، فضلا عن أن يزكيها مستروحا إلى جليل ما قدم من نصح أو عمل صالح.
والخطابة من الأمور التي لا ينبغي أن يغفل المرء محاسبة نفسه فيها، ليستقيم قصده، ويصلح علمه.
فعليه أن يقوم خطبه تقويما صادقا دقيقا، لأن ذلك جزء من تقويم الذات، ولوم النفس ومحاسبتها، ليظل مرتقيا في معارج الخير والفلاح.
ومن وسائل تقويم الخطبة: (أ) أن يقوم بتسجيل خطبه، أو بعضها، فيطلب من بعض خاصته أن يفعل ذلك بعيدا عن أعين الناس، ثم يسمعها خاليا مع نفسه ليتبين ما فيها مما يود أنه لم يكن، وما ليس فيها مما يود أنه كان، ليكون أكثر اهتماما، وأشد استعدادا للخطب الأخرى، فيتلافى العيوب والهدات التي وقعت من قبل، ولا يغتر في هذا بثناء العامة، ومدح بعض الخاصة فيطمئن إلى أسلوبه، وعند سماعه لذلك يجب أن يلحظ بدقة كل مخالفة مهما كانت صغيرة أو كبيرة من حيث الصوت، أو الموضوع، أو سرعة الإلقاء أو بطئه، أو طول الوقت أو قصره، وغير ذلك، ولا يستهن بأي أمر يراه خلاف الأولى بأن لا يعيره اهتماما.
(ب) أن يسأل بعض إخوانه الناصحين من أهل العلم، وأهل الفضل الذين يصدقونه النصح والتوجيه، فيأخذ بنصحهم وتوجيههم في هذا الشأن.
стр. 125
(ج) أن يعد نموذجا تقويميا يشتمل على متطلبات الخطبة المختلفة، ويوزعه على عدد من خلصائه وخاصته، مستنصحا لهم، طالبا من كل واحد منهم إعطاء رأيه بصراحة وأمانة دون مجاملة، ومن آثر عدم ذكر اسمه فله ذلك حتى يكون أكثر صراحة ووضوحا في نقده.
وهذا نموذج مختصر يصلح أن يكون مقياسا، ويمكن أن يزيد عليه الخطيب أمورا أخرى:
١ - الصوت ضعيف غير واضح أبدا قوي قوي جدا مناسب ٢ المضطهر والحركة فيهما تكلف غير لائقين لائقان
أقترح: ٣ الوقت طويل طويل جدا قصير مناسب أقترح: ٤ الموضوع مهم مهم جدا غير مهم غيره أولى منه أقترح: ٥ المعلومات صحيحة موثقة غير موثقة مشكوك في صحتها
أقترح: ٦ طريقة الإلقاء ممتازة جيدة جدا جيدة مقبولة أقترح: توضع إشارة ÿ على الكلمة المناسبة
стр. 126
[الفصل الثالث المخاطبون]
[المبحث الأول مراعاة مستواهم من حيث العلم والثقافة والسن والعادات]
стр. 127
المبحث الأول
١ - مراعاة مستواهم من حيث العلم والثقافة، والسن، والعادات معرفة أحوال المخاطبين من ألزم الأمور التي تلزم الداعية والخطيب، ليكون على علم بما يحرك عواطفهم، ويؤثر في نفوسهم.
والخطيب بحكم معايشته للمصلين، ومخالطته لهم أقدر على معرفة مستوياتهم الثقافية، والاجتماعية، ومعرفة عاداتهم وتقاليدهم، وما الذي يوقظ مشاعرهم وأحاسيسهم، ويثير حماستهم وغيرتهم.
فمن المعلوم أن الناس لا يخاطبون جميعا بأسلوب واحد على اختلاف عقولهم وقدراتهم، وتنوع ثقافاتهم وأحوالهم. وقد قال النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله. . .» الحديث " (١) .
فقد بين له ﷺ حال المدعوين، فهم أهل كتاب، وليسوا مشركين أو وثنيين، فينبغي أن يفرق في أسلوب خطابهم بينهم وبين عبدة الأوثان الذين لا يتفقون معه في شيء من أصول العقيدة، أو أساسيات الإيمان، ثم أخبره بأهم ما يبدأ به في دعوة هؤلاء.
قال البخاري ﵀ : باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله (٢) وتأمل قول علي ﵁: أتحبون أن يكذب الله ورسوله، فإن من لا يحسن خطاب الناس بما يفهمونه ويعونه، كأنما يدفعهم بأسلوبه إلى تكذيب الله تعالى، وتكذيب رسوله ﷺ ، وهو يظن أنه يقيم عليهم الحجة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 128
قال الحافظ ابن حجر في شرح كلام علي ﵁: " بما يعرفون " أي: يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له: "ودعوا ما ينكرون " أي: يشتبه عليهم فهمه، وكذا رواه أبو نعيم في المستخرج (١) .
وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" رواه مسلم (٢) .
قال: وممن كره التحديث ببعض دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي بدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. اهـ (٣) .
وعن عروة بن الزبير: " ما حدثت أحدا بشيء من العلم قط لم يبلغه عقله إلا كان ضلالا عليه "، وعن أبي قلابة: "لا تحدث بحديث من لا يعرفه، فإن من لا يعرفه يضره ولا ينفعه " (٤) .
وقد قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]
قال ابن جرير: وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التي نضربها للناس منهم الصواب والحق فيما ضربت له مثلا إلا العالمون بالله وآياته (٥) .
стр. 129
ومن هنا فإنه ليس كل ما يعلم يصلح أن يقال في أي حال، فلكل مقام مقال، وما يخاطب به فئة العوام غير ما يخاطب به المثقفون، وما يخاطب به الشباب غير ما يخاطب به الكهول، وما يتكلم به في مناسبة الجهاد، غير ما يتكلم به في مناسبة العرس والزواج، فعلى الخطيب أن يكون ذا نظرة ثاقبة للأمور، يحسن تقدير الظروف، وقياس المؤثرات والطبائع.
وفي الصحيح عن معاذ أن النبي ﷺ قال له: «تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ . .» . الحديث إلى أن قال: «قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا» . ونحوه قد وقع لعمر ﵁ مع أبي هريرة ﵁.
إذا فقد أخبر الرسول ﷺ بهذا الحديث بعض خاصته، ونهى معاذا أن يخبر به عامة الأصحاب لئلا يتكلوا فيتركوا العمل، ولم يخش هذا على معاذ، وأبي هريرة.
فلا بد من مراعاة نوعية الخطاب، ونوعية المخاطب، أو نوعية العلم، ونوعية المتلقي لهذا العلم.
قال الشاطبي: " ومنه أن لا يذكر للمبتدي من العلم ما هو حظ المنتهي، بل يربي بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها إن كانت صحيحة في نظر الفقه ".
قال: " ومن ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه، وحكم التشريعات، إن كان لها علل صحيحة، وحكم مستقيمة، ولذلك أنكرت عائشة ﵂ على من قالت: لم تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ وقالت لها: أحرورية أنت؟ وقد ضرب عمر بن الخطاب ﵁ صبيغا وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خبالا وفتنة، وإن كان صحيحا. . . وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلما ما تكلم فيها، ولا حدث بها ".
стр. 130
وقال: " وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على الحقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية (١) .
وكلام الشاطبي ﵀ وإن كان بالنسبة للكلام على الفرق فهو يصلح أن يكون قاعدة للواعظ، والخطيب، والمعلم وغيرهم. وقد قال: ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره. . . فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص " (٢) .
وقال أيضا في كتاب الاعتصام: " ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه، فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها، وهو الغالب، وهو فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، والعمل بالباطل، وإما ألا يفهم منها شيئا وهو أسلم، ولكن المتحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله (٣) .
وينبغي أن يدرك الخطيب أن جمهور خطبة الجمعة جمهور متنوع الثقافة، متعدد العادات والطبائع، مختلف الأعمار بين الشاب المتوقد الحماس، والكهل الذي عركته الحياة، وصقلته التجارب ".
فلا يجعل خطبته لفئة دون أخرى، ولا يوجه اهتمامه بفئة من فئات الحضور دون أخرى، كأن يجعل الحديث موجها في جملته لرجال الأعمال مثلا، أو لفئة الأطباء مثلا دون غيرهم، أو لفئة التجار دون غيرهم، وكما أن جمهوره متنوع الثقافة فإن خطبته ينبغي أن تكون متنوعة المستوى والخطاب.
стр. 131
[المبحث الثاني معرفة أمراضهم ومشكلاتهم الاجتماعية ومعالجتها]
المبحث الثاني
٢ - معرفة أمراضهم ومشكلاتهم الاجتماعية ومعالجتها معظم الحضور لخطبة الجمعة هم غالبا من أهل الحي، وهم الذين يترددون على المسجد لصلاة الجمعة، فينبغي أن تتوثق بهم صلة الخطيب، حيث إن دور الخطيب لا يبدأ بصعود المنبر، وينتهي بنزوله عنه، بل عليه أن يتغلغل في معرفة الوسط الذي يعيش فيه، ويتعمق في فهم مشكلاته، وأمراضه الاجتماعية وقضاياه المحلية، وذلك لا يتأتى إلا بالتواضع للمصلين الذين يؤمون مسجده، ويقطنون حيه، وبخفض الجناح لهم، والسؤال عن أحوالهم، ومتابعة مشكلاتهم الفردية، والجماعية، والمشاركة في مشاريعهم المتعلقة بتحسين البيئة، وتطوير الحي، وبناء المجتمع.
إن بناء الثقة بين الخطيب وبين الناس لا يتأتى بالخطب البليغة فقط، بل لا بد أن يراه الناس سباقا في المجالات الاجتماعية، مؤديا للحقوق إلى أهلها.
والحقوق التي ينبغي أن يؤديها نوعان:
١ - حقوق عامة: وهي حقوق المسلم على إخوانه المسلمين، فعليه أن يكون من أحرص الناس على أدائها، ومن أشدهم محافظة عليها.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (١) .
وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٢) .
стр. 132
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: «أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار القسم، ونصر المظلوم. . .» الحديث (١) .
ومن الحقوق العامة: التواد والتراحم والتعاطف، قال رسول الله ﷺ : «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه (٢) .
وقال ﷺ : «المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله» (٣) .
ومن الحقوق العامة أيضا: الشفاعة وإيصال حاجة ذي الحاجة إلى من يقضيها له.
فقد كان رسول الله ﷺ إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء» (٤) .
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» (٥) .
والحقوق العامة للمسلم على أخيه كثيرة.
٢ - الحقوق الخاصة، كأن يكون رحما له، أو يكون جاره في السكن، ونحو ذلك، فيكون له حق الإسلام ثم حق الصلة، وحق الجوار، فعلى الخطيب أن
стр. 133
يكون من المسارعين لأداء هذه الحقوق، فيراه الناس في أفراحهم، وفي عزائهم، وفي تشييع جنائزهم، وفي عيادة مرضاهم، وفي مناسباتهم المختلفة، فتتعمق الصلة به، وتعظم الثقة به، فيحله الناس في قلوبهم قبل أن يحلوه مجالسهم، وتتسع له الصدور قبل أن تفسح له المجالس.
ومن دراسة الخطيب لمشكلات الحي تلمسه لذوي الحاجة من الأسر الفقيرة المتعففة، وذوي الكربات، وأصحاب الآفات من المعاقين والمرضى، فيسعى بواسطة أهل الخير إلى سد خلتهم، وقضاء حاجتهم، والتخفيف من معاناتهم، وإن كان الخطيب مشتغلا بأمور أخرى لا يجد من الوقت ما يكفي لمتابعتهم، فيمكن أن يعهد بذلك لأهل الثقة من معارفه الذين ينوبون عنه في مواساة المحتاجين، وتضميد جراحهم.
إن دور المسجد في الحي دور عظيم، ففيه يلتقي خيرة أهل الحي خمس مرات يوميا، فيبعد أن يكون هناك مشكلة لا تنمي إلى أسماعهم، وهنا تأتي مهمة الإمام والخطيب في تفعيل دور المسجد، وإقامة الصلة ولو بصورة غير مباشرة بين الغني والفقير، وبين الموسر والمحتاج، يحثهم على الإحسان للمحتاجين، وأن هناك أسرا لا يكادون يجدون قوت يومهم، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، فعون هؤلاء وإغاثتهم أولى من زخرفة المساجد، والإسراف في تنويرها بالثريات الضخمة، وتزيينها بالمنابر العالية، والرخام الثمين، بل أولى من كثرة المساجد في الحي الواحد، فإن تقليل المساجد مع تقليل الفقراء والمعوزين في الحي، أولى من تكثير المساجد مع تكثير الفقراء فيه.
وقد شغف كثير من الأغنياء ببناء المساجد، وإنفاق الأموال الطائلة على زخرفتها، وتزيينها، ورفع مناراتها، وجلب الرخام والسجاد الثمين والثريات من بلدان مختلفة لفرشها وإنارتها، حتى أصبح كثير من المساجد فنادق من الدرجة الأولى، ولكن هؤلاء الأغنياء- إلا من رحم الله- لا يبذلون معشار هذه
стр. 134
المبالغ في تجفيف دموع الأيتام، والأرامل، والمرضى، والمعاقين، وذوي العاهات، وربما كان بعضهم ليس له علم بهؤلاء المحتاجين، ولا يستطيع الوصول إلى مساكنهم، وأماكن وجودهم، فتبرز مهمة الخطيب هنا في تجلية الصورة لهؤلاء الأغنياء، وتوضيح مدى الحاجة، ليقوم كل مسجد بأغنيائه على توفير الاكتفاء الذاتي للحي الذي هو فيه، فيتحقق بهذا خير كبير للحي ثم للمجتمع، وتتجلى صورة التعاون، وسمة التكافل التي هي من خصائص هذه الشريعة العظيمة.
[أمراض القلوب وعلاجها]
أمراض القلوب وعلاجها: من مهمة الخطيب من خلال معايشته للمصلين ومخالطته لهم بالإضافة إلى التعرف على أمراضهم الاجتماعية معرفة أمراضهم النفسية، أي أمراض القلوب، فإن أمراض النفس أفتك، وأدواؤها أخطر.
ولا يصعب على الخطيب أن يستقرئ نفوس من يخالطهم، بما يبدو من معاملتهم، وطريقة مخاطبتهم، ومعاشرتهم للآخرين، فيدرك من يكون منهم لين الجانب متواضعا، ممن عنده قدر من العجب، أو الإعجاب بالنفس، ومن عنده شيء من الغلظة والفظاظة، ومن عنده أريحية للبذل والعطاء، ومن يتمتع بالرفق وحسن الأدب في معاملة الغير، وهكذا فإنه يستطيع أن يصل إلى التشخيص الصحيح لنفوس المخاطبين ليسعى في إيجاد العلاج المناسب لأمراض نفوسهم.
وليعلم الخطيب أن مهمته الأولى من خطبه هي علاج هذه النفوس، وشفاء تلك القلوب من أمراضها، وشحذ الهمم، والارتقاء بها عن الإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى والشهوات، ولذا عليه أن يتخير من الموضوعات ما يكون علاجا ناجعا لنفوس المخاطبين، وبلسما شافيا لأدوائهم.
ثم ليعلم أيضا أن خطبة الجمعة ليست مبتوتة مقطوعة الصلة عما قبلها، وما
стр. 135
بعدها، فلحسن معاملته مع الناس، وتواضعه لهم، وتجنب ما يحرجهم ويسوؤهم في الألفاظ والمواقف، أثر كبير في إقبال القلوب إليه، وتأثرهم بكلامه، وتغيير أحوالهم لمواعظه، وتوجيهاته.
وهل يعقل أن يعايش الخطيب هؤلاء الناس زمنا طويلا، ولا يأبه بأمراضهم، ولا يقلق ولا يتوجع لما يرى من انحرافهم عن الجادة، وتنكب للصراط المستقيم. إذا فقد أصبح تاجر كلام بضاعته الجعجعة، وسلعته الصراخ على المنبر.
لقد كانت خطب النبي ﷺ ومواعظه ودعواته ووصاياه تشتمل على علاج القلوب وشفائها من أمراضها، لأن هذا هو منطلق الصلاح والإصلاح، وكذلك كان كثير من خطب ومواعظ الخلفاء الراشدين، ومن سلك مسلكهم من خطباء التابعين ووعاظهم، ومن جاء من بعدهم من علماء هذه الأمة، وكانت حياة النبي ﷺ مثالا في الرحمة والحلم، والرفق، وترك الكبر.
ومن توجيهات النبي ﷺ لعلاج القلوب ما روى حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مرباد كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض» (١) .
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه الله في النار» (٢) .
فهو يعطي الرجل وغيره أحق منه وأولى بالعطاء وأحب إلى النبي ﷺ ، لكن يعطيه خوفا على قلبه أن ينتكس.
стр. 136
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي ﷺ ، فقيل له: ما شأنك تكلم رسول الله ﷺ ولا يكلمك، فرأينا أنه ينزل عليه، قال: فمسح عنه الرحضاء، فقال أين السائل؟ وكأنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر. . .» الحديث (١) .
وكان الصحابة ﵃ يتعاهدون قلوبهم، ويتعاهد بعضهم بعضا بالموعظة، ويسأله عن إيمانه، وعن تغيير قلبه أو ثباته.
عن أنس ﵁ قال: «قال أصحاب النبي ﷺ : يا رسول الله، إنا إذا كنا عندك رأينا في أنفسنا ما نحب، وإذا رجعنا إلى أهلينا فخالطناهم، أنكرنا أنفسنا، فقال النبي ﷺ " لو تدومون على ما تكونون عندي في الخلاء لصافحتكم الملائكة حتى تظلكم بأجنحتها عيانا، ولكن ساعة وساعة» (٢) .
وعن حنظلة الأسيدي ﵁ وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال: «لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكر بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله إنا
стр. 137
لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا، فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات» (١) .
وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: «لا أقول في رجل خيرا ولا شرا حتى أنظر ما يختم له- يعني- بعد شيء سمعته من النبي ﷺ ، قيل: وما سمعت؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لقلب ابن آدم أشد انقلابا من القدر إذا اجتمعت غليانا» (٢) .
وأورد البخاري تعليقا عن معاذ بن جبل ﵁ قال: اجلس بنا نؤمن ساعة (٣) .
ووصله أحمد بسند صحيح إلى الأسود بن هلال قال: قال لي معاذ بن جبل: أجلس بنا نؤمن ساعة، وفي رواية: كان معاذ بن جبل يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله تعالى ويحمدانه.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: لا يحمل على أصل الإيمان لكونه كان مؤمنا، وأي مؤمن، وإنما يحمل على إرادة أنه يزداد إيمانا بذكر الله تعالى، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لا تعلق فيه للزيادة،
стр. 138
لأن معاذا إنما أراد تجديد الإيمان، لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضا، ثم يكون أبدا مجددا كلما نظر أو فكر.
قال الحافظ: وما نهاه أولا أثبته آخرا، لأن تجديد الإيمان إيمان (١) .
وفي الحديث أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم» (٢) .
فعلى الخطيب أن لا يغفل علاج القلوب، والتذكير الدائم به إما بالعودة إليه بين الحين والحين، أو بالتذكير به في خطبه مهما كان موضوعها، فإنه لا يصعب عليه أن يقيم علاقة بين موضوعه الأساسي وبين التذكير بما يوقظ القلوب وينبه المشاعر، ويجدد الإيمان، فإن هذا هدف في حد ذاته فإن القلوب هي التي تتلقى عنه، فإذا تهيأت وتأثرت وعمرت بالإيمان سهل عليه الإصلاح والتغيير، وإذا صلحت الأعمال صلحت الأحوال، كما قال رسول الله ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٣) .
قال ابن حجر: وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرا في ذلك. اهـ (٤) .
تقويم انفعالات المخاطبين: وعلى الخطيب متابعة تقويم الانفعالات عند المخاطبين، وتلمس أثر الخطب في تغيير سلوكهم، إقامة علاقاتهم، وحل مشكلاتهم، ومدى التغير الذي وقع في عاداتهم، ومعاملاتهم، ومدى الحماسة التي سرت في نفوسهم، ودرجة الإقبال على الطاعات، والغيرة على الحرمات، وتعظيم شعائر الله تعالى، ودرجة الابتعاد
стр. 139
عن المعاصي، والنفور عن المنهيات والمحدثات والمبتدعات، وبذا يكون الخطيب وثيق الصلة بمجتمعه متفاعلا بأحداثه، مؤثرا في مجرياته وتغيراته، فإن مما يؤخذ على كثير من الدعاة والخطباء انزواءهم عن العامة، وعدم مخالطتهم في مناسباتهم، وعدم القرب منهم فيما يهمهم من شؤون حياتهم المختلفة، بل إن بعضهم يتهمون بالكبر، والتعالي على العامة، والترفع عن مجالس الفقراء والبسطاء، وهذا من شأنه أن يوسع المسافة بين العالم والمتعلم، والداعية والمدعو، وأن يوجد فجوة مفتعلة في ذلك تكبر مع الأيام.
стр. 140
[الفصل الرابع أثر خطبة الجمعة]
[المبحث الأول خصائص خطبة الجمعة]
الفصل الرابع
أثر خطبة الجمعة
стр. 141
المبحث الأول
خصائص خطبة الجمعة تعد خطبة الجمعة من أهم - إن لم تكن أهم - وسائل الاتصال بالناس، وأعظمها أثرا، فهي تتميز عن غيرها من الوسائل كالتلفاز، والإذاعة، والهاتف، وغيرها من وسائل الاتصال الجماهيري بعدة مزايا، منها:
١ - الجو الروحاني الذي تتم فيه الخطبة، فهي تتم في بيت من بيوت الله تعالى تعمره السكينة، وتغشاه الرحمة، ويغمره الخشوع، وتحفه الملائكة الأطهار، ففي الحديث الثابت عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١) .
وهذا ينطبق على خطبة الجمعة، فالحضور في بيت من بيوت الله، إما يتلون كتاب الله تعالى قبل الخطبة، أو يستمعون إلى الخطيب يدارسهم القرآن بتفسير بعض الآيات، أو بيان بعض الأحكام، أو توضيح بعض الهدايات، فتتنزل السكينة عليهم، وتعمهم رحمة الله تعالى، وتحيط بهم الملائكة، ويذكرهم الله تعالى في ملأ خير من ملئهم، تباهيا بهم، وتشريفا لقدرهم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. . .» الحديث (٢) .
стр. 142
وعن أبي هريرة ﵁ في فضل التبكير إلى الجمعة أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة. . .» الحديث، وفيه: «فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (١) والمراد بقوله: إذا خرج الإمام، أي خرج للناس وصعد المنبر، بدليل قوله: يستمعون الذكر، وحسبك باجتماع تشارك الحضور فيه ملائكة الرحمن يستمعون الخطبة فيه مع المصلين.
فمثل هذا الجو الروحاني الخاشع الذي بيت الله مكانه، وأفضل الأيام زمانه، وأكرم الحضور حضوره، لا يتأتى في وسيلة اتصال أخرى.
٢ - وجوب الإنصات الذي يميز الحاضرين في خطبة الجمعة، فقد أمر الحاضر للخطبة بالإنصات للخطيب، بحيث إنه نُهي أن يتكلم مع جليسه بكلمة ولو كانت خيرا، فلا يقول له: أنصت، وعدم جواز تشميت العاطس، ورد السلام على الأرجح، ولا يمس الحصى، أي لا يأتي بأي قول أو فعل يقدح في تمام الإنصات والاستماع حتى يكون كامل الاستعداد للتلقي والإفادة مما يسمع، فإن الاستماع سلم الوعي والفهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]
وقال جل وعلا في شأن موسى ﵇: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣]
قال وهب بن منبه: أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع لما يحب الله (٢) .
стр. 143
وقد كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخطب الجمع أمر من يستنصت له الناس.
قال البخاري ﵀ : (باب الإنصات للعلماء) ثم روى حديث جرير ابن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ قال له في حجة الوداع: " استنصت الناس "، فقال: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) .
أما في خصوص الجمعة، فقد قال ﷺ : «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (٢) .
قال ابن القيم ﵀ : الخاصة التاسعة- أي: من خصائص الجمعة- الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين، فإن تركه كان لاغيا، ومن لغا فلا جمعة له (٣) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت، ليست له جمعة» (٤) .
فأين خطبة الجمعة التي يجب الإنصات فيها من غيرها من الخطب والمحاضرات، والندوات التي قد يعم اللغط والتهامس أوساط الحاضرين فيها.
стр. 144
٣ - الاتصال المباشر بين الخطيب والمخاطبين، الأمر الذي يفتقد في كثير من الوسائل الأخرى، ولا ريب أن هذا الاتصال المباشر أعظم تأثيرا في النفوس لقراءة الإنسان من قريب الانفعالات العاطفية والوجدانية التي تحدث لدى الخطيب فيكون أكثر تأثرا بها، ولما تحدثه المباشرة من المشافهة، والسؤال، والحياء، والمخاطبة.
٤ - شعور المرء وهو يستمع إلى الخطبة أنه في عبادة، وطاعة لله ، بل الشعور بأنه يقوم بأداء فريضة من الفرائض وإظهار شعيرة من الشعائر الإسلامية، مما يميزها عن أي محاضرة، أو ندوة ونحوها، وهذا الشعور يضفي على المرء قدرا من المهابة والخشوع، ويحدث في نفسه قدرا من الطمأنينة والسكينة، ومزيدا من الرضى والسعادة.
٥ - وجوب حضور المسلمين إليها " فالمسلمون على اختلاف طبقاتهم، ومستوياتهم التعليمية يحضرون هذه الخطبة، ويشهدون الصلاة، فيحضرها المثقف والجاهل، والمتوسط الثقافة، والعالم، ويحضرها الكبير والصغير، ومن جانب آخر فحضورها ليس مقصورا على الأخيار وحدهم، فكثير ممن لا يشهد صلاة الجماعة يحضر الجمعة، وهذا يتيح للخطيب أن يخاطب الجميع، وأن يتحدث إلى الكثير ممن لا يحضرون المحاضرات والندوات، ودروس المساجد، فهي تعد من المجالات القليلة جدا التي يتاح للدعاة من خلالها أن يتحدثوا مع الجميع (١) .
٦ - استمرارية التواصل، فخطبة الجمعة تتكرر كل أسبوع، ففي العام الواحد يستمع المصلي لثنتين وخمسين (٥٢) خطبة، وحين يعتني بها الخطيب، ويرتب موضوعاتها يقدم للمستمع مادة متكاملة، إنها تمثل دورة مكثفة مستمرة (٢) وهذا التكرار والاستمرار في كل الظروف، وفي جميع الفصول
стр. 145
والمواسم، له دور كبير في إرساء المفاهيم الإسلامية، وتقليل الشر والفساد، ورفع مستوى الخير والصلاح، والحث على الفضائل، فإن تنوع الموضوعات لخطبة الجمعة يجعلها تستوعب متطلبات الوعي لدى المسلم المواظب على حضور هذه الخطبة، فهناك الموضوعات السياسية التي تبصر المسلم بواقع أمته، وهموم مجتمعه، وحقوق إخوانه المسلمين، وواقع الأقليات المسلمة في البلاد الأخرى، وهناك الموضوعات الاجتماعية التي تتناول حياة المسلم في جوانبها الاجتماعية المتنوعة، وعلاقات المسلم المختلفة، وهناك الموضوعات الأخلاقية التي تسمو بخلق المسلم وتزكي سلوكه، وهناك الموضوعات المتعلقة بتصحيح العقيدة، وتجنب الشرك بأنواعه وألوانه، وما يصون إيمانه، ويحمي جناب التوحيد عنده، وهناك الموضوعات التي تبصر المسلم بفقه دينه، ومعرفة الأحكام الشرعية في شؤون حياته المختلفة، وما يجنبه من الوقوع في الحرام، وما يسخط الله تعالى.