يكون منفصلا عن هموم الأمة، ولا مبتوتا عن نبضها، وما يصلحها في عقيدتها، وأخلاقها، وما يرفع من همتها، ويعيدها للاعتزاز بدينها قولا وعملا، حكما وتحاكما.
وعلى ذلك فإن الخطبة الجامعة المستوفية لخصال النجاح هي الخطبة التي تجمع بين التعليم والوعظ، بين الإجابة عن أسئلة الحاضر والواقع، وما يطرح على الساحة العلمية والإسلامية، وتلبية الواجبات الشرعية في ترسيخ العقيدة، وأساسيات الفقه الإسلامي، والفهم الواعي السلفي النهج للكتاب والسنة، والتحذير من الانحرافات العقدية، والسلوكية إلى جانب التحذير من مكايد العدو، وأساليب الدس والمكر التي يسلكها في تدمير الأخلاق والأسرة، والوحدة الإسلامية.
ومع كل ما يقوم به الخطيب من تنبيه وتحذير وتبصير، فإنه ينبغي أن لا يهمل دور خطبة الجمعة الأساسي من الوعظ والتذكير.
[أهمية الوعظ وأدلته من الكتاب والسنة]
وحتى يتبين لك مدى أهمية الوعظ فإنني أسوق هذه الأدلة من الكتاب والسنة:
(أ) وصف الله تعالى القرآن بأنه موعظة: ١ - قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]
٢ - وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]
٣ - وقال جل ذكره: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤]
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] يعني
стр. 72
ذكرى تذكركم عقاب الله تعالى، وتخوفكم وعيده، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] يقول: من عند ربكم لم يختلقها محمد ﷺ ، ولم يفتعلها أحد فتقولوا لا نأمن أن تكون لا صحة لها، إنما يعني بذلك جل ثناؤه القرآن، وهو الموعظة من الله (١) .
(ب) أمر النبي ﷺ بأن يعظ: ١ - قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]
قال الطبري: يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحل بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله ﷺ (٢) .
٢ - وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]
وقد امتثل رسول الله ﷺ أمر ربه فوعظ وذكر، فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب» (٣) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٤) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: «أشهد على النبي ﷺ أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس - أن رسول الله ﷺ خرج ومعه بلال، فظن
стр. 73
أنه لم يسمع فوعظهن (أي: النساء) وأمرهن بالصدقة. . .» الحديث (١) .
(ج) أمر الله تعالى بالدعوة إليه بالحكمة " والموعظة الحسنة " والجدال بالتي هي أحسن: قال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] فالدعوة المكتملة في أسلوبها ووسائلها لا تستغني عن الموعظة الحسنة، لما للموعظة من تأثير على النفوس، وتحريك للقلوب والمشاعر، فلا يكفي إخبار الناس بالحق مجرد إخبار وإعلام، بل لا بد من دفعهم إلى التزامه واتباعه، والاقتناع به، وأجدى سبيل إلى ذلك أن تكون الدعوة إليه بهذه الأمور الأساسية الثلاثة:
١ - الحكمة: وهي مراعاة الحق والاعتدال في الخطاب.
٢ - الموعظة الحسنة: وهي التي تنفذ إلى شغاف القلوب ترغيبا وترهيبا.
٣ - المجادلة بالتي هي أحسن: أي دون تعسف ولا عنف أو تحامل.
وقال ابن جرير: ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: بوحي الله الذي يوحيه إليك، وكتابه الذي نزله عليك ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه وذكرهم بها في تنزيله.
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أي تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك (٢) .
وقال صاحب الظلال: إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أن يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
стр. 74
والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي بينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها.
والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة، فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
والموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية.
وبالجدال بالتي هي أحسن، بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، والنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة (١) .
إذا مهما كان موضوع خطبة الجمعة الذي يختاره الخطيب فإنه لن يستغني أبدا عن تضمينها الوعظ والتذكير، فبذلك ينفذ الخطيب بإذن الله تعالى إلى قلوب المخاطبين، فيوقظ مشاعرهم ويبصرهم بخطورة ما هم عليه من غفلة أو انحراف.
[الوعظ بالقرآن]
الوعظ بالقرآن: لما كان القرآن موعظة من ربنا جل وعلا، فهو خير ما يعظ به، ويذكر به الخطيب، وقد كان رسول الله ﷺ ربما جعل معظم خطبته قراءة آيات من القرآن، أو قراءة سورة، أو بعض سورة.
وقد تقدم أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة " ق " على المنبر إذا خطب الناس. قال النووي: قال العلماء: سبب اختيار " ق " أنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة (٢) .
стр. 75
قلت: هذه السورة العظيمة اشتملت على أمور كثيرة، فابتدأت بذكر القرآن ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ثم ذكر البعث، ومصائر المكذبين، وما استحقوا من وعيد الله جل وعلا، ثم خلق الإنسان، وعدم خفاء شيء من وساوسه، وأقواله وأفعاله على الله تعالى، ثم ذكر مشاهد من القيامة والجنة والنار، واختتمت السورة بالأمر بالتذكير بهذا القرآن ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وأي وعظ أعظم نفاذا إلى القلب من الوعظ بالقرآن.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس» (١) .
قال الطبري ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] يقول تعالى ذكره: فذكر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلته إليك من خاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخاف أمري.
وساق بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قالوا: «يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] » ، وعن عمرو بن قيس الملائي ﵁ قال: قالوا: «يا رسول الله لو ذكرتنا، فذكر مثله» (٢) .
ومما تقدم يتبين لنا أهمية اشتمال خطبة الجمعة على الموعظة والتذكير، واشتمالها على آيات من القرآن العظيم، خاصة الآيات التي تتضمن التذكير بلقاء الله جل وعلا، والتخويف من عقابه، والترغيب فيما عنده.
وإن لتلاوة الآيات أثرها في لمس القلوب، وجلاء الصدأ أو الرين الذي تراكم عليها، وفي هتك حجب الغفلة، وإقاظ الفطرة النقية لدى الإنسان.
ثم إن ما يورده الخطيب من آيات في خطبته ينبغي أن يكون في موضوع الخطبة، لتكون مدعمة لخطبته، مؤيدة لفكرته، إلى جانب ما تشتمل عليه من مواعظ وزواجر.
стр. 76
قال في توضيح الأحكام من بلوغ المرام: ينبغي أن تكون الآيات التي يقرؤها الخطيب آيات تناسب موضوع الخطبة، وتكون دليلا على ما قال، وتأييدا لخطبته، ولتكون خطبته تفسيرا لها، ومشيرة إلى معانيها، ولئلا يشتت على السامعين أذهانهم باختلاف مواضيع الخطبة (١) .
ومما يؤسف له أن بعض الناس يصنف الخطب إلى خطبة فكرية، وخطبة وعظية، مقللا من قيمة الوعظ، كما يصنف الخطباء إلى خطيب مفكر، وخطيب واعظ، مشيرا إلى أن الأول هو الذي يجدر البحث عنه، والاستماع إليه، وهذا تقسيم عقيم، فإن كل خطبة مهما كان الطابع العام الذي يميزها، سواء في ذلك الفكرية، والفقهية، والسياسية. والاجتماعية إذا خلت من الموعظة، والتذكير بأيام الله وآلائه، والتخويف من جزائه وعقابه، فإنها لا تعدو أن تكون معلومات، وقد تكون معلومات قيمة، لكنها ميتة لا تدفع إلى العمل، ولا تخطو بحماسة نحو التغيير والتجديد.
وتأمل أسلوب القرآن العظيم، والسنة المطهرة في الترغيب والترهيب، والتبشير، والتحذير، يتبين لك وجه الحق واضحا جليا.
[البدع الميتة]
البدع الميتة: البدعة تشوه جمال الإسلام، وتطمس معالمه، وتذهب بضيائه، ولذا فإن موقف الإسلام حاسم واضح صريح من البدع.
قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) .
أي: مردود على صاحبه.
والخطيب ينبغي أن يكون له دور في إماتة البدعة، وفي هتك سترها ومحاربة المنكر، ولو أطبق على ذلك الناس، أو معظمهم في حيه وفي غير حيه، لكن مما
стр. 77
ينبغي أن يتنبه له الحذر من أن يحيي بدعة ميتة دون أن يشعر، وذلك بأن تكون البدعة لا أتباع لها، أو لا تكاد تعرف بين الناس، فيكرر الخطب بالتحذير منها، أو يركز الخطبة بالكلام عليها، وقد كانت نائمة فأيقظها، مغمورة فشهرها، ميتة فأحياها، وجعل الناس يسأل بعضهم بعضا عنها، وبعضهم يسعى للتعرف عليها، وبعضهم يدفعهم الفضول لأن يقرأ حولها، ويجادل عن فكرتها، وهكذا تصبح حديث المجالس، ويغدو الناس بين مؤيد لها، ومنظر لفكرتها، ومعارض لأصلها.
إن المنهج الصحيح في التعامل مع مثل هذه البدع والمحدثات، والمنكرات هو دفنها بتركها، وعدم التحدث عنها.
وليس المقصود بهذا أن نتركها ونهملها حتى تحيا وتنتشر، بل لا بد من الإنكار على صاحبها في السر لمن علم به، وزجره، وردعه، وتخويفه، فإن ارتدع وإلا فيرفع أمره إلى ولاة الأمر ليأخذوا على يده، ويميتوا فتنته في مهدها.
وليس في دفن البدعة، وعدم التحدث عنها ستر على المبتدع، بل طمس على البدعة، وتضييق عليها لئلا تنتشر، ومن التضييق على البدعة أيضا أن نقوم بنشر السنة، وبيان الحق، والأدلة على الاتباع وفضله، والتحذير من مخالفة السنة.
أما إذا كانت البدعة قد انتشرت، أو اغتر بها فئات من الناس، وضل بها آخرون، فلا تهاون أبدا في إنكارها وإبطالها، وحشد أهل العلم للرد عليها ومحاربتها، ولا يصلح السكوت عنها.
قال في نهاية المبتدئين: ويجب إنكار البدع المتصلة، وإقامة الحجة على إبطالها، سواء قبلها قائلها أو ردها، ومن قدر على إنهاء المنكر إلى السلطان أنهاه، وإن خاف موته قبل إنهائه أنكره هو. . . وقال المروزي: قلت
стр. 78
لأبي عبد الله: ترى للرجل يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع. فكلح في وجهه، وقال: إذا هو صام وصلى واعتزل الناس أليس هو إنما لنفسه؟
قلت: بلى، قال: فإذا تكلم كان له ولغيره. . . يتكلم أفضل (١) .
وقال ابن عقيل ﵀: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، وضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر في مواطأتهم أعداء الشريعة (٢) .
ومما يحذر منه في هذا المجال الإخبار عن كتاب مغمور محدود النشر يحتوي على آراء ضالة وأفكار هدامة، بقصد الرد عليه فيحصل بذلك إشهاره وتوجيه الأنظار إليه دون قصد من الخطيب، ومن هذا القبيل أيضا ذكر رأي أو فتوى شاذة لعالم مشهور من أجل الرد عليها، فتكون النتيجة عكس ما قصد إليه الخطيب، وكأنه يقول للناس: إن هذا العالم الكبير يقول بمثل هذا الرأي فلا حرج على من ذهب إلى مثل ما ذهب إليه.
فعلى الخطيب أن يكون ذا بصيرة في الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقويم النتائج المترتبة على كلامه، فرب خطبة أيقظت فتنه.
стр. 79
[الفصل الثاني مقومات الخطيب المؤثر]
الفصل الثاني
مقومات الخطيب المؤثر
стр. 80
الخطيب قدوة لأهل مسجده، وأهل حيه، فعليه أن يزن كلامه، وسلوكه وطريقة تعامله مع الناس، كما أن عليه أن يقدر الظروف والمناسبات التي تلابس الخطبة، فلكل مقام مقال، والبلاء موكل بالمنطق، وما يقال في مقام النصر والإنعام لا يقال في مناسبة الهزيمة، وما يخطب به في حال الخصومات والمنازعات لا يخطب به في حال الصلح، وما يقال في زمن الأمن غير ما يقال في زمن الفتنة، حيث يكون للسان فيها مثل وقع السيف أو أشد، وما كل ما يعلم يقال، وقد ذكر العلماء أن للكلام شروطا متى أخل بها أوهن فضيلة كلامه، وأذهب جمال نصحه، ومنها:
١ - أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.
٢ - أن يقتصر منه على قدر حاجته، ولا يكن مهذارا في غير حاجة.
٣ - أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.
٤ - أن يتوخى به الفائدة من جلب نفع أو دفع ضر.
وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عيوب ذوي العيوب المنطق (١)
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: وكلت الفتنة بثلاث: بالجاد النحرير الذي لا يريد أن يرتفع له منها شيء إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليه الأمور، وبالشريف المذكور، فأما الجاد النحرير فتصرعه، وأما هذان: الخطيب والشريف فتحثهما حتى تبلو ما عندهما (٢) .
ولذا ينبغي أن يكون هناك مقياس دقيق لاختيار الخطباء، وأن يكون بعد فحص وتمحيص، وتقويم لأدائهم فإن الخطباء أئمة الناس إلى الحق أو إلى الباطل، ولا يكفي أن يكون الخطيب حامل شهادة شرعية، أو في اللغة العربية، بل ينبغي أن يعقد لهم دورات للارتقاء بمستواهم، وتحسين أدائهم وعطائهم في هذا المجال.
стр. 81
قال العلامة جمال الدين القاسمي ﵀ في إصلاح المساجد من البدع والعوائد:
يشترط في الخطيب أن يكون: ١ - عالما بالعقيدة الصحيحة، متمسكا بها لكيلا يضل الناس.
٢ - عالما بالفقه ليصحح عبادته، ويجيب السائلين على علم.
٣ - عالما باللغة العربية، وخصوصا الإنشاء ليأخذ بقلوب سامعيه.
٤ - نبيها ليستخرج درر الشريعة.
٥ - لسنا ليعبر عما يجيش في صدره.
٦ - وجيها ليهابه الناس، ويتقبلوا توجيهاته.
٧ - صالحا لا يرتكب المعاصي (١) .
إذا فليس كل من صعد المنبر خطيبا، وما كل دام جبينه عابد.
الخطيب المؤثر: حتى يكون الخطيب مؤثرا ينفذ إلى قلوب السامعين لا بد أن يتصف بصفات كريمة، ويتحلى بخصال من الخير حميدة، ليسمع كلامه، ويقبل قوله، ومن هذه الصفات ما يوضح في المباحث الآتية.
стр. 82
[المبحث الأول الإخلاص والصدق]
المبحث الأول
الإخلاص والصدق المقصود به أن يكون الخطيب لا دافع له إلى الخطبة إلا ابتغاء مرضاة الله ، فلا يحسن الخطبة لأن فلانا سيصلي معه، أو أن فلانا يحب أن يسمعه، أو لكثرة الحضور ونحو ذلك، وإنما يجرد نيته من أي غرض، وأية غاية إلا طمعه فيما عند الله سبحانه وحده.
والإخلاص ليس أمرا هينا، بل يتطلب منه مجاهدة ومجالدة لنفسه حتى يستخلص النية الخالصة من بين الأغراض والحظوظ الأخرى، فتصفو صفاء اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين.
وللإخلاص ثمرته وبركاته الكثيرة على الخطيب وعلى سامعيه.
ومن ثمرات الإخلاص:
١ - تحقيق طاعة الله تعالى، وامتثال أمره جل وعلا بأن تكون العبادات والطاعات والتقرب له وحده، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
٢ - تحقيق القبول، فإن شروط قبول العمل ثلاثة، وهي: الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والإخلاص لله وحده، ومتابعة الرسول ﷺ .
٣ - صدق اللهجة، والصدع بالحق وعدم المداهنة فيه، ومراقبة الله تعالى في كلامه، ولا يتأتى هذا إلا بأن يكون المرء مخلصا لله تعالى.
٤ - ثقته بنفسه، فالخطيب الذي يخلص لله تعالى يكون عظيم الثقة بنفسه لأنه لا يرهب سخط الناس، ولا يرغب فيما عندهم.
٥ - اكتساب ثقة الناس واحترامهم له، ووقوع كلامه في قلوبهم.
قال سفيان بن عيينة ﵀: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهذه الكلمات، أي: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح
стр. 83
ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس (١) .
فالإخلاص عظيم البركة والنفع للإنسان، وعلى الخطيب أن يجاهد نفسه عليه، فإن موقعه مخوف، ومنزلته محفوفة بخطر الرياء والسمعة، حيث إنه يخطب على مرأى ومسمع من الناس، ومن مجاهدته لتحصيل الإخلاص في هذا:
(أ) أن يراقب نيته قبل العمل، أي عند إعداد الخطبة وتحضيرها ينظر إلى نيته، فإذا رأى اعوجاجا في القصد قومه وأصلحه، وألزم نفسه الصدق مع الله تعالى والإخلاص في طاعته، فإن أحس أنه يضيف بعض العبارات، أو يحذف بعض الجمل من أجل إرضاء فلان، أو من أجل إسخاط فلان، أو أنه يتكلم في موضوع معين لحظ من حظوظ نفسه، أو لمطمع من مطامع الدنيا، فليقبل على نفسه فيذكرها الله تعالى، ويخوفها من الرياء والعجب، وليكن صادقا حازما في محاسبتها ولا يداهنها ولا يلاينها في هذا الأمر.
(ب) أن يراقب قلبه، ويحاسب نفسه في أثناء العمل، حتى يضمن أنه على الطريق المستقيم، فإن لمس في نفسه تطلعا إلى غير ثواب الله تعالى، والتفاتا إلى غير مولاه، تذكر فاستغفر وأبصر ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]
وإذا شعر أنه إنما يرفع من صوته، أو يغير من نبرته، أو يكرر العبارة، أو غير ذلك من أجل إرضاء الحضور أو بعضهم بادر إلى تصحيح نيته، وتقويم قصده.
(ج) محاسبة نفسه وتقويمها بعد الخطبة، فإن وجد خيرا حمد الله تعالى على توفيقه، وإن وجد غير ذلك عزم على تدارك أمره، وإصلاح خطئه.
"وورود الرياء بعد الفراغ من العمل لا يحبطه، لأنه قد تم على نعت الإخلاص فلا ينعطف ما طرأ عليه بعده، لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره والتحدث به، فأما إن تحدث به بعد فراغه وأظهره فهذا مخوف، والغالب عليه
стр. 84
أنه كان في قلبه وقت مباشرة العمل نوع رياء، فإن لم يسلم من الرياء نقص أجره، فإن بين عمل السر والعلانية سبعين درجة، ووجود الرياء قبل الفراغ من العبادة إن كان مجرد سرور لم يؤثر في العمل، وإن كان باعثا على العمل. . . فهذا يحبط الأجر (١) .
عن أبي ذر ﵁ قال: «قيل: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن» (٢) .
لكن ينبغي أن يكون فرحه بتوفيق الله تعالى له، وبإظهار الجميل من أحواله لا بحمد الناس له، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير، ويكرموه عليه فهذا رياء (٣) .
الخطيب من أولى الناس مطالبة بالإخلاص لله تعالى، لأنه ربما رأى مقامه وهو يخطب المئات، ويعلمهم ويذكرهم فيرى أن له فضلا عليهم، وتقدما دونهم، فتحمله نفسه على العجب، والتعالي، والغض من قدر غيره ونسبتهم إلى الجهل، فالإخلاص لله تعالى يعرفه قدر نفسه، ويقيه شرها، ومن هدي رسول الله ﷺ في خطبة الحاجة أنه كان يبتدئ الخطبة بقوله: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» . . . الحديث " (٤) .
وهي كلمات عظيمة، وافتتاحية جليلة، يبتدئ بها الخطبة، فليتدبر الخطيب هذه الكلمات، ولا يجريها على لسانه دون وعي لمضمونها، فإن فيها نسبة الحمد
стр. 85
لله تعالى استحقاقا وأنه يستعين به جل وعلا في شأنه ويستغفره لذنبه وتقصيره، ويستعيذ به سبحانه من شر نفسه، فهو لا يزكيها في هذا المقام، بل يحذرها ويستعين بالله تعالى عليها، ويحتمي به من غدراتها ووساوسها، وما تزينه له.
ومن قبح الرياء أن علاماته تلوح على صاحبه، فتنفر الناس منه، وتفقدهم الثقة فيه، وقل ما أخفي فساد السريرة ولم تفضحه لوائح الظاهر والعلانية.
قال عثمان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه (١) .
وقال ابن عقيل: للإيمان روائح ولوائح لا تخفى على اطلاع كلف بالتلمح متفرس، وقل أن يضمر مضمر شيئا إلا ظهر مع الزمان على فلتات لسانه، وصفحات وجهه. اهـ (٢) .
قال زهير:
ومهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فويل للكاتم من الفاضح (٣) .
فصلاح القلب مستلزم لصلاح سائر الجسد، وفساده مستلزم لفساده، فإذا رئي ظاهر الجسد فاسدا غير صالح علم أن القلب ليس بصالح بل فاسد، ويمتنع فساد الظاهر مع صلاح الباطن (٤) ومن هنا فإنه يحسن بالخطيب قبل أن يصعد المنبر أن يتذكر الأمور التالية:
١ - فضل الله تعالى عليه ونعمته، وعظيم إحسانه إليه، وأنه لولا الله تعالى ما وقف هذا الموقف.
٢ - الأجر الجزيل، والثواب الجميل على الإخلاص، وصدق النية لله تعالى.
٣ - الوعيد الشديد للمرائين، ومن سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به.
стр. 86
٤ - أن أعمال المرائين محبطة، لا يقبلها الله تعالى، وليتذكر خبر الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة، نعوذ بالله من الخذلان.
٥ - أن الناس كلهم لا يملكون له من الله تعالى شيئا، وأن رضاهم أو سخطهم لا يقدم ولا يؤخر، ومن أرضى الناس بسخط الله تعالى سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخطهم في رضا الله تعالى ﵁ وأرضى عنه الناس.
قال ابن الجوزي ﵀: من لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر على الإنكار: أحدهما من لطف ينالونه به، والثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه، وقال: من راءى الخلق عبدهم وهو لا يعلم (١) .
стр. 87
[المبحث الثاني سيرة الخطيب وحسن أخلاقه]
المبحث الثاني
سيرة الخطيب وحسن أخلاقه سيرة الخطيب وما يتحلى به من مكارم الأخلاق لها دور كبير في قبول كلامه، واحترام توجيهاته، سواء أكانت هذه السيرة مع أصحابه، وجيرانه، ومن يعاملهم في موقع عمله، أم كانت في بيته، ومع أهله وأسرته، فإن ذلك هو مقياس صدق الخطيب، ومدى احترامه لآرائه ونصائحه.
وليس في مخالفة الخطيب لما يأمر به وينهى عنه مسوغ للآخرين بارتكاب ما حرم الله تعالى، أو تعدي حدوده، لكن ضعاف الإيمان يتخذون ذلك أسوة لهم، ويجعلونه حجة يحتجون بها على من ينصح لهم، فيكون بذلك إثمه مضاعفا، حيث إنه خالف إلى ما نهى عنه، وترك ما كان يأمر به، ثم إنه سهل فعل الحرام وارتكاب المنهيات على ذوي النفوس المريضة، فافتتنوا به حين جعلوه قدوة لهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]
وقال جل وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]
ومن المقت الذي يصيب من يقول ما لا يفعل، ويأتي ما ينهى عنه، ما وصفه الرسول ﷺ من جزائه في الآخرة.
عن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر
стр. 88
وآتيه» (١) وفي رواية: وسمعته يقول: «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون» ، وفي رواية أخرى، قال: «خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون» (٢) .
ولما كانت الخطابة من المهام القيادية في الأمة، وجب أن تكون مضبوطة بضوابط الشرع حتى لا يكون إفسادها أكثر من إصلاحها.
وكذلك لما كان الخطيب آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر فإنه ينبغي أن تتوفر فيه شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ومن أهم هذه الشروط أن يكون:
١ - متواضعا.
٢ - رفيقا فيما يدعو إليه شفيقا رحيما، غير فظ ولا غليظ القلب ولا متعنت.
٣ - عدلا صائنا نفسه عن أسباب الفسق، وما يجرح عدالته.
٤ - فقيها عالما بالمأمورات والمنهيات شرعا.
٥ - دينا نزيها عفيفا.
٦ - ذا رأي، وصرامة، وشدة في الدين.
٧ - قاصدا بذلك وجه الله وإقامة دينه، ونصرة شرعه، وامتثال أمره، وإحياء سننه، بلا رياء، ولا منافقة، ولا مداهنة.
٨ - غير متنافس في الدنيا ولا متفاخر.
٩ - ممن لا يخالف قوله فعله.
١٠ - حسن الخلق (٣) .
стр. 89
وسيرة الخطيب سرعان ما تنتشر بين الناس، والشائعات قد لا تقف عند حد، والناس ينظرون إلى العلماء والخطباء والآمرين بالمعروف بعيون بصيرة، والناقد بصير، وأعمال هؤلاء موضوعة تحت المجهر المكبر، فصغيرتهم تضخم إلى كبيرة، وكسرهم ليس له جبيرة، ومن الأمثال السائرة: زلة الجاهل يغطيها الجهل، وزلة العالم يضرب بها الطبل (١) .
ومن الأبيات السائرة:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم (٢)
وعلى الخطيب أن يحذر مراقبة الله تعالى له قبل أن يحذر رقابة الناس عليه. عن مسروق ﵀ قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود ﵁ فقالت: تنهى عن الواصلة؟ قال: نعم، قالت: فعله بعض نسائك؟ فقال: ما حفظت وصية العبد الصالح إذا: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] (٣) .
فانظر كيف احتجت هذه المرأة بفعل بعض نساء ابن مسعود ﵁ وحاججته في ذلك.
وهكذا فالناس شديدو الرقابة للعلماء والخطباء، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ورقابتهم لا تنحصر في العالم والخطيب نفسه، بل يرقبون نساءه، وأولاده، وأحفاده، ويتعلقون بأفعالهم، ويستدلون بسيرتهم وسلوكهم، والناس- إلا من رحم الله- يغلب عليهم الميل إلى التسويغ والترخص بأدنى الشبهات.
ولا يكفي أن يكون الخطيب واقفا عند حد الكف عن المنكر الذي ينهى عنه، أو فعل الواجب الذي يأمر به، أو الالتزام به، أو الالتزام بالخلق الحميد الذي يحض عليه، بل ينبغي أن يكون متميزا عن غيره ممن يقتدي به: بفعل النوافل، والمسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى الطاعات، والتشمير والمبادرة إلى
стр. 90
كل خصلة كريمة، مع زيادة الورع، وقوة الشخصية، وصلابة الإيمان، فهو قبل أن يأمر الناس بخير ينبغي أن يكون أسبقهم إلى فعله.
وليعلم الخطيب أنه مهما بلغت فصاحته، وتجلى بيانه، ومهما بلغ من قوة الإلقاء، ونصاعة الأسلوب فإنه لن يستطيع أن يقنع أحدا بفكره، أو أن يستميل القلوب لدعوته ما لم يكن مخلصا في دعوته، نقيا في سيرته.
بل إنه مع ذلك لا يستطيع أن يسلم من غمز الناس به في سلوكه، فليوطن نفسه على ذلك، وكم رأينا وسمعنا من خطيب مصقع، لكن الناس يجلسون في خطبته جلوس المحكومين ظلما وكأنهم يستمعون إلى قاض ظالم يتلو عليهم قرار الحكم، وكم رأينا كذلك من خطباء يتمنى الحضور لو أن خطبة أحدهم تمتد ساعات، وهذا شيء مشاهد معلوم، فليس الأسلوب وحده أو البلاغة والفصاحة وحدها هي التي تجذب قلوب الناس وتحببهم في الخطيب أو الداعية.
ولن يستطيع الخطيب أن يقف صادعا بالحق، واثقا مما يقول، وهو يعلم أن العيون تغمزه، والقلوب تمقته، وأنه ملوث السيرة، غير نقي الذيل.
فكأن الناس وهم ينغضون إليه رؤوسهم، ويرمون إليه بأبصارهم يقولون بلسان حالهم:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عقيم (١)
قال السبكي ﵀: وعليه- أي: الواعظ- نحو ما على الخطيب، فليذكر بأيام الله، وليخف القوم في الله تعالى، وينبئهم بأخبار السلف الصالحين، وما كانوا عليه، وأهم ما ينبغي له وللخطيب أن يتلو على نفسه قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]
стр. 91
ويتذكر قول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
واعلم أن الكلام إذا لم يخرج من القلب لم يصل إلى القلب، فكل خطيب وواعظ لا يكون عليه سيما الصلاح قل أن ينفع الله به (١) .
القدوة الصالحة: قد جعل الله تعالى الأنبياء هم القدوة للبشر في الخير، فهم الكمل في سيرتهم، المصطفون في أخلاقهم، ولو أن المشركين باختلاف عصورهم وأممهم وجدوا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مأخذا في سلوكهم لطاروا به، ولأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، ولجعلوه من أقوى حججهم في رد دعوتهم، ولكن أنى لهم ذلك.
وها هم مشركو العرب يطأطئون رؤوسهم أمام عظمة خلق النبي ﷺ ، وكريم صفاته وخلاله، ولطالما كانوا يتمنون لو وجدوا مغمزا عليه ﷺ في سيرته في شبابه أو في كهولته ليرموه به في كل مجلس، أو يطعنوا به كلما دعاهم إلى الله جل وعلا، لكنهم لم يجدوا بدا من أن يقروا له بالفضل، ويصفوه بأنه الصادق الأمين، وكفى بهاتين الصفتين برهانا في إقامة الحجة عليهم.
ولقد حاولوا الطعن فيه، والتشكيك في دعوته، من خلال بشريته، وأنه كسائر البشر، ينكح، ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، وما علموا أن مكمن العظمة، وسر الكمال هو في كونه بشرا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] وقال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] وما فطن هؤلاء إلى عظيم غبائهم، وعمى قلوبهم حيث يجلون الرسول المرسل من الله تعالى للبشر أن يكون بشرا، ولا يجلون الإله أن يكون حجرا.
إن التربية بالقدوة من أهم وسائل التربية لاكتساب مكارم الأخلاق، وذلك لأن الناس يتأثرون بالأفعال أكثر من تأثرهم
стр. 92
بالأقوال، وتبرز خصوصية القدوة العملية في عدة مزايا:
الأولى: أن الفعل لا يرد عليه شبهة التطبيق، أما القول فممكن ورودها عليه، فمهما كان علم المدرس، أو الخطيب، أو العالم، ومهما بلغ في وعظه فإنه قد يعتمل في أذهان الكثير ممن يسمعه، هل يعمل هذا بما يعلم؟ وهل يطبق ما يقول؟ بينما لا يرد مثل هذا على العالم العامل إذا رأوا عمله، وأبصروا سيرته.
الثانية: أن القدوة العملية تترجم القول إلى فعل، والعلم إلى عمل، والعمل ظاهر للجميع، مفهوم للجميع، في حين أن القول قد يخفى على بعض الناس مراميه ومقاصده.
الثالثة: أن القدوة العملية تقطع عن العمل شبهه المثالية، أو الخيالية، وأنه يستحيل تحقيقه، أو يصعب جدا، وهذه شبهة يتعلق بها كثير من الناس في زماننا، فإنهم إذا دعوا إلى مكارم الأخلاق ومعاليها، قالوا: هذه مثاليات وأمور خيالية تعيش في الذهن ولا تحيا في الواقع، وهي شبهة ليست بجديدة، ونعوذ بالله تعالى من الخذلان.
إذا فليحرص الخطيب على أن يكون قدوة صالحة لحيه، وأهل مسجده ومن يعرفه، فيدعوهم بفعله قبل قوله، وبعمله قبل علمه، ولا يبعد المسافة بين القول والعمل، فكم فيهم من عدو شامت.
قال الطغرائي في لاميته:
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل (١)
. وقال أبو الفتح البستي:
يا أيها العالم المرضي سيرته ... أبشر فأنت بغير الماء ريان (٢)
وهذه بعض الآثار والحكم والأشعار الواعظة في هذا الباب:
عن الشعبي قال: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون: ما أدخلكم النار وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ قالوا:
стр. 93
إنا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله.
* وقال ابن عمر ابن عبد البر: قدم ذم الله في كتابه قوما كانوا يأمرون الناس بأعمال البر، ولا يعملون بها ذما، ووبخهم الله توبيخا يتلى في طول الدهر إلى يوم القيامة , فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] (١) .
* ويروى عن أبي جعفر محمد بن علي (٢) في قول الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤] قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره.
* قال أبو العتاهية (٣) .
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى ... وريح الخطايا من ثيابك تسطع
* وقال سلم بن عمرو المعروف بالخاسر (٤) .
ما أقبح التزهيد من واعظ ... يزهد الناس ولا يزهد
* وقال أبو العتاهية أيضا:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيهما
كملبس الثوب من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها
وأعظم الذنب بعد الشرك نعمله ... في كل نفس عماها عن مساويها
عرفانها بعيوب الناس تبصرها ... منهم ولا تبصر العيب الذي فيها
* وقال:
قد بين الرحمن مقت الذي ... يأمر بالحق ولا يفعل
من كان لا تشبه أفعاله ... أقواله فصمته أجمل
стр. 94
[المبحث الثالث ثقافة الخطيب وعلمه]
المبحث الثالث
ثقافة الخطيب وعلمه الخطيب داعية، فيلزمه ما يلزم الداعية إلى الله تعالى من العلم والثقافة، ومن المعلوم بالمشاهدة أن الخطيب أو الداعية إلى الله كلما كان أوسع علما، وأشمل ثقافة كان أكثر تأثيرا، وأشد جذبا للسامعين.
وثقافة الخطيب عنصر مهم من عناصر نجاحه في مهمته، فالخطيب ذو الثقافة يعرف كيف يطرح موضوعه، وأي الموضوعات يطرح، وكيف يناقشه، ويعرف من يخاطب من الناس، وكيف يخاطبهم، ويعرف واقعه، وكيف يتعامل مع هذا الواقع، ويصوره للناس أدق تصوير ليبين مدى انسجامه مع الإسلام أو عدم انسجامه، ويجيد الربط بين ماضي أمته وحاضرها، وانطلاقتها إلى مستقبل واعد عزيز.
فعلى الخطيب أن لا يهمل هذا الجانب أو يتهاون فيه، فيكتفي بأن يعمد يوم الجمعة وقبل الخطبة ببضع ساعات إلى كتاب في الوعظ، أو في الحديث، أو إلى تفسير آية فيجمل الكلام في شرح حديث أو تفسير آية، في دقائق معدودة، حتى يصبح ذلك متكررا منه إلى درجة الرتابة المملة، وهيهات أن تكون الطريق إلى القلوب عبر ثقافة ركيكة، أو معلومات ضحلة، أو أسلوب متكرر معاد.
والخطيب الناجح لا يخرج عن كونه أحد الرجلين:
الأول: واع حافظ يقوم بتبليغ ما وعى وما حفظ بأسلوب حكيم، وموعظة حسنة، فينطبق عليه حديث رسول الله بمدحه المشهور: «نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (١)
стр. 95
فهو وعاء للعلم حافظ له، ثم مبلغ مؤد له بأمانة.
الثاني: واع فقيه لهذا العلم يقوم بتبليغه ونشره وهو أعظم درجة من الأول، فهو في هذه الحال ليس وعاء للعلم فقط، بل هو يفقه ما يحفظ، ثم يدعو إلى الله تعالى على بصيرة ونور، قال جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]
والبصيرة كلمة عامة واسعة تتناول معاني عديدة، ومن معانيها: عقيدة القلب، والفطنة والفراسة، والحجة واليقين والاستبصار في الأمور (١) .
قال ابن كثير في تفسير الآية: أي طريقته، ومسلكه، وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها، على بصيرة وبرهان عقلي وشرعي (٢) . ولذلك فإن أنواعا متعددة من الثقافة التي تلزم الخطيب لإنجاح مهمته، وتحقيق الهدف المقصود منها لا يبعد أن تنضوي تحت مفهوم البصيرة، ومن هذه الثقافات اللازمة للخطيب:
[الثقافة اللغوية]
الثقافة اللغوية، وأدنى الكمال فيها أن يكون كلام الخطيب سليما من الخطأ، صحيحا فصيحا، فلا يقبل من الخطيب أن يرفع المفعول به، وينصب الفاعل، ويقدم ما حقه التأخير، أو يؤخر ما حقه التقديم في خطبته، فإن اللغة وعاء الفكرة، فإذا كانت لغة الخطيب ركيكة، وأسلوبه غير صحيح ولا فصيح فربما لا يلتفت إلى فكرته، ولو كانت في غاية الأهمية، وقد غلب على كثير من الخطباء هذا الضعف اللغوي- مع الأسف- حتى أصبح ظاهرة مؤلمة، وحتى أصبح المرء يسمع من على المنبر " إن المسلمون اليوم " ويسمع " كان المسلمون عزيزون بهذا الدين " بل غدا المرء يسمع ما هو أفحش وأقبح، مما ينبغي أن تنزه عنه المنابر، ومما لا يعد من أخطاء الخاصة، بل من أخطاء العامة التي لا يليق بحال من الأحوال وقوع الخطيب فيها.
стр. 96
قال ابن حبان: الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل، وأحسن إزار يتزر به العاقل. . . ولا يكون سيان عند ذوي الحجا رجلان: أحدهما يلحن والآخر لا يلحن.
وقال ابن هبيرة (١) في الذي لا يلحن: إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزل، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه. وقال عبد الرحمن بن مهدي (٢) ما ندمت على شيء ندامتي أني لم أنظر في العربية.
قال ابن حبان: وأحوج الناس إلى لزوم الأدب، وتعلم الفصاحة أهل العلم (٣) ومن الثقافة اللغوية المطلوبة من الخطيب أن يكون أسلوبه رصينا يتمتع بقدر من البلاغة التي تعني قدرته على أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه (٤) بفصاحة، وجلاء عبارة، مع الاقتباس والتمثيل من القرآن الكريم، ومن الحديث والشعر، والمثل، وغير ذلك، ولن يحصل للخطيب هذا الرصيد اللغوي والأدبي إلا أن يكون له صلة وثيقة بكتب الأدب واللغة، وما تضم من أساليب البيان، والحوارات الأدبية، وما تشتمل عليه من رجاحة الأحلام، وصحة العقول، وبلاغة الألسنة، وآداب الخطباء، وآداب الخطب، ومدح الفصاحة وشدة العارضة، وظهور الحجة، وثبات الجنان، وجودة القريحة، وما تذكره من نماذج رائعة للخطب القصار، والطوال، وخطب المناسبات، ومواعظ النساك، وتأدب العلماء، وغير ذلك مما يعظم أثره، ويطول ذكره.
وكذلك ما تشتمل عليه هذه الكتب من ذم للتشدق المتكلف، والتقعر، والعي، وكثرة الحركة، والنحنحة، وعيوب اللسان والأساليب، وغير ذلك.
стр. 97
فلا يستغني الخطيب عن النظر في أمهات كتب الأدب، وعلى رأسها أربعة، وهي كما قال ابن خلدون: " سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها، وفروع عنها " (١) .
وهناك كتب أخرى لا تقل عن هذه الأربعة يحسن بالخطيب أن يكرر النظر إليها بين الحين والآخر، منها: عيون الأخبار لابن قتيبة، وروضة العقلاء لابن حبان، وأدب الدنيا والدين للماوردي، وغير ذلك من أشعار الحكمة، والأخلاق، كأشعار علي بن أبي طالب ﵁، وشعر الإمام الشافعي، وديوان الحماسة، ومختارات البارودي، وأشعار العلماء المبثوثة في تراجمهم وسيرهم، فإن كتب التراجم من أعظم مصادر الإمداد الثقافي والخلقي التي لا ينبغي إغفالها.
ومن المؤلفات المعاصرة سلسلة: صور من حياة الصحابة، وصور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا ﵀، وسلسلة شعراء الدعوة الإسلامية، وغير ذلك.
وينبغي الحذر عند مطالعة كتب الأدب ونحوها من الأمور التالية:
(أ) ما تشتمل عليه من الأحاديث الواهية، والموضوعة، فمثل هذه الكتب لا تصلح أن تكون مصدرا للأحاديث النبوية لما تتسم به من تساهل في إيرادها، وذلك لعدم علم مؤلفيها بالحديث وعلومه، وعدم تحرزهم من ذكر الأخبار المكذوبة على رسول الله ﷺ ، لأن اهتمامهم ينصب على الناحية البيانية البلاغية، فليحذر الخطيب من الاستشهاد بحديث يكون عمدته فيه كتابا من كتب الأدب، إلا أن يكون حديثا صحيحا قد بين أهل العلم صحته، وكذلك الحال بالنسبة لآثار الصحابة والتابعين، فإن كتب الأدب واللغة ليست من مظان مثل هذه الآثار.
стр. 98
(ب) ما فيها من سقطات تتنافى مع أدب الإسلام، مثل مدح الخمرة، ووصف المردان، والنساء، وآلات اللهو والغناء، والقيان، وغير ذلك.
(ج) عدم اعتماد الوقائع التاريخية، والأحداث الكبيرة التي مرت بالأمة الإسلامية، وسير الخلفاء، والسلاطين، فإن إثبات مثل هذه الوقائع ينبغي أن يرجع فيه إلى كتب الحديث المعتمدة، وكتب التاريخ والطبقات، وليس كتب الأدب.
(د) ما فيها من هجاء مقذع، وألفاظ بذيئة فاحشة، ومن تعرض للأعراض والحرم، وهتك ما أمر الله تعالى بستره من ذلك.
(هـ) الإكثار من قراءتها، فإن المقصود من قراءة هذه الكتب والنظر فيها إصلاح المنطق، وتقويم اللسان، وتجويد اللغة، ونحو ذلك مما يعد من الوسائل، لا من المقاصد، فلا تعطى أكثر مما تستحق من الوقت والجهد.
قال ابن الجوزي ﵀: معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان، وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب، وهو أمر لازم، وما عدا ذلك فضلة لا يحتاج إليها، وإنفاق الزمان في تحصيل هذه الفضلة مع كونها ليست بمهمة، ومع ترك المهم غلط، وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن، ولو اتسع العمر لمعرفة الكل لكان حسنا، ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل (١) .
[الثقافة الشرعية]
الثقافة الشرعية: وتتنوع إلى أنواع، فمنها ما هو ألزم كفقه العقيدة، وأصول الإيمان، والتوحيد بأنواعه الثلاثة، ومنها ما هو لازم للخطب وهو الأنواع التالية:
١ - فقه ما يتعلق بصلاة الجمعة، وأحكام الجمعة، والخطبة.
٢ - فقه ما يرتبط بالمناسبة، فإذا خطب عن الحج لمناسبته، أو عن الصوم بمناسبة حلول شهر رمضان، فينبغي أن يكون فقيها بأهم أحكام الحج، وأهم أحكام الصيام، وإذا تكلم عن الربا، أو الرشوة، أو تكلم عن المخدرات، وغير ذلك فينبغي أن يكون ملما بأطراف موضوعه، فقيها بأهم أحكامه، فإنه ربما سئل عن بعض مسائله.
стр. 99
٣ - فقه عام، وهدا يعتمد على دراسة الخطيب الشرعية وعلمه، واطلاعه في هذا الجانب.
وأنبه هنا إلى ناحيتين:
الأولى: تتعلق بالخطيب، فعليه أن يتقي الله تعالى، ولا يفتي فيما لا يفقه ولا يدخل فيما لا يعلم، وما لا يحسن، ولا تحملنه إجادة القول على الإعجاب بنفسه، والإسراع إلى الفتوى، ولا سيما إذا لم يكن من طلبة العلم، أو دارسي العلم الشرعي، والتقوى تقتضي أن يكون شجاعا فيرد الأمر إلى عالمه، أو يقول لا أدري فتسلم مقالته.
الثانية: تتعلق بالمصلين والمخاطبين، عليهم أن يعلموا بأنه ليس كل من يحسن الخطابة يحسن الفتوى، ولا يفترض في الخطيب أن يكون فقيها مفتيا، وليس نقصا في الخطيب أن لا يكودن مفتيا أو مجتهدا، فلكل علم رجال، وقد يجيد المرء جانبا من جوانب العلم، ولا يجيد آخر، فعلى المصلين أن لا يحرجوا الخطيب، ولا ينزلوه فوق منزلته.
٤ - ومن ذلك فقه ما يرقق القلوب، وينعش النفوس من الزهد والرقائق، ولطائف السير، وأخبار الصالحين، فإنها منشطة للنفوس، باعثة للعمل والتأسي.
قال ابن الجوزي: "رأيت الاشتغال بالفقه، وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا أن يمزج بالرقائق، والنظر في سير السلف الصالحين، فأما مجرد العلم بالحلال فليس له كبير عمل في رقة القلب، وإنما يرق القلب بذكر رقائق الأحاديث، وأخبار السلف الصالحين. . . وما أخبرتك بهذه إلا بعد معالجة وذوق فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف الزهاد في الدنيا ليكون سببا في رقة قلبك (١) .
وقال في ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء: "ومن ذلك أنهم جعلوا النظر جل اشتغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن، وسماع الحديث، وسيرة الرسول ﷺ وأصحابه، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة، والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة. . . ومن
стр. 100
لم يطلع على أسرار سير السلف وحال الذي تمذهب له لم يمكنه سلوك طريق!! (١) .
إن من المفيد للخطيب في هذا أن يقتني بعض الكتب في الرقائق، والوعظ، والزهد، ومنها:
كتاب الزهد والرقائق لا بن المبارك، كتاب الزهد للإمام أحمد، والزهد لوكيع، والزهد للبيهقي، كتب ابن الجوزي الوعظية مثل صيد الخاطر، والمقلق، والمدهش، وغيرها، مدارج السالكين لا بن القيم، منهاج القاصدين، موعظة المؤمنين، وكلاهما مختصر لإحياء علوم الدين، أبواب الزهد والرقائق في كتب الحديث.
[الثقافة العامة]
الثقافة العامة: تعتمد الثقافة العامة للخطيب على شخصيته العلمية، وسعة اطلاعه، وحبه للقراءة، وكذلك على مخالطته للناس، وانخراطه في الحياة الاجتماعية، وعلي أسفاره وتجاربه الخاصة.
والثقافة العامة المقصودة هنا تتناول جوانب عديدة: ١ - الاطلاع على وقائع الأمة، وحاضر العالم الإسلامي، من النواحي العامة، والاقتصادية، والأخلاقية، والسياسية، وما يحاك له من مؤامرات، وأبعاد الكيد والعداوة للإسلام والمسلمين، وجوانب الغزو الفكري، والثقافي والعلمي، وما يدبر للمرأة المسلمة، وللشاب المسلم، وللطفل المسلم، من مكايد ودسائس، وليس مطلوبا من الخطيب الإحاطة الكلية بما يجري في العالم الإسلامي، ولكن أن يكون على اطلاع بأهم أمراضه، وهمومه، وعلاج أدوائه.
٢ - الاطلاع على واقع المخاطبين في مسجده، وحيه، وفي مجتمعه، فإذا تكلم محذرا من بدعه من البدع مثلا فينبغي أن يكون عالما بتعريف البدعة،
стр. 101
وأقسامها ومخاطرها على الأمة، مستشهدا بالأدلة من الكتاب والسنة، وبأقوال السلف الصالحين، مع الالتزام بأدب النصح، " فإن المؤمن يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعير ويفشي ويفضح " (١) .
٣ - الاطلاع على واقع الدعوة، والدعاة في العالم الإسلامي، وواقع الحركات الإسلامية ودورها في إيقاف المد الثقافي الغربي، وما ينقصها من وعي وتخطيط وتآزر وتعاون وتناصح، مع الالتزام بالأدب واللطف، وسعة الصدر، والحرص الشديد على اتفاق القلوب على الحق، وعدم اختلافها وتنازعها، فإنه لا يسع الخطيب جهل ساحة العمل الإسلامي، وجهل العاملين في هذه الساحة.
٤ - فقه الحدث، أي ما يطرأ من أحداث، وكيفية التعامل معها وفق الضوابط الشرعية، فعلى الخطيب أن يحسن التعامل مع هذا الحدث لئلا يكون مزلقا من المزالق التي تسقط الثقة به، وحتى لا يكون لطريقة معالجته الخاطئة آثار نفسية أو عقدية تنعكس على العامة، وعلى الخطيب أن لا ينساق وراء التحليلات الصحفية، أو الشائعات الشعبية في الحكم على هذا الحدث، والأحداث منها ما يكون من الكوارث الطبيعية، من زلازل وبراكين، أو أمراض فتاكة، ونحو ذلك. فلا يغفل الخطيب عن ربط ذلك بالسنن الإلهية، وعن التذكير بانتقام الله تعالى، وبآثار الذنوب والمعاصي على تغير الأحوال، ومن الأحداث ما يكون حدثا علميا تدوي أصداؤه في أرجاء العالم، مثل حدث الصعود على القمر، أو حدث الاستنساخ الجيني, أو التلاعب في الخصائص الوراثية، فعلى الخطيب أن يكون حذرا في طرح مثل هذه الموضوعات إذ لا يحسن به أن يتغافلها كليا، ولا يحسن به المسارعة إلى طرحها دون الإلمام بجوانبها، ولا المسارعة إلى الفتوى بشأنها قبل صدور فتوى شرعية من مصدر معتمد من مصادر الفتوى، مثل المجامع الفقهية ونحوها من الهيئات العلمية التي تصدر الفتاوى في النوازل بعد دراسة وتمحيص من عدد من العلماء والفقهاء.
стр. 102
ومن الأحداث ما يكون من قبيل الفتن التي يجب أن يكون الخطيب شديد الحذر والاحتراس في الكلام بشأنها، فإن الفتنة تقبل بشبهة، وتدبر ببيان، وليكن فيها كما قال حذيفة ﵁: كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا در فيحلب (١) .
والمقصود أن يحترس من الفتوى فيها، أو التحريض، أو الكلام إلا في الدعوة إلى خير أو إصلاح بين الناس، في فرب قول أنفذ من صول، بل رب حرف قاد إلى حتف، وجر إلى بلاء، وليحذر كل الحذر أن يكون من خطباء الفتنة، وليقل خيرا أو ليصمت.
стр. 103
[المبحث الرابع لغة الخطيب وفصاحته]
المبحث الرابع
لغة الخطيب وفصاحته تقدم الكلام على ما ينبغي أن يكون عليه الخطيب من ثقافة لغوية، وأنبه هنا على بعض الأمور التي تجعل لغة الخطبة أكثر جلاء، وأشد قبولا لدى المستمعين، وهي:
١ - تجنب الألفاظ العامية الساقطة، والكلمات المرذوله، فإن مقام المنبر ينبغي أن ينزه عن كلام السوقة، والأسواق.
٢ - إعادة الكلام إذا رأى الحاجة لذلك، كأن يكودن معظم الحضور من العامة، أو بعض الأفكار تحتاج إلى إعادة لعدم وضوحها، أو لأهميتها.
عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا» (١) .
فربما احتاج الخطيب أن يعيد بعض كلامه مرتين، أو ثلاثا حيث يرى المقام يقتضي ذلك، قال الجاحظ: وجملة القول في الترداد أنه ليس فيه حد ينتهي إليه، ولا يؤتى إلى وصفه، وإنما ذلك على قدر المستمعين له، ومن يحضره من العوام والخواص، وقد رأينا الله ذكر الجنة والنار مرات كثيرة، لأنه خاطب جميع الأم من العرب، وأصناف العجم، وأكثرهم غافل، أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب، وأما حديث القصص والرقة، فإني لم أر أحدا يعيب ذلك، وما سمعنا بأحد من الخطباء كان يرى إعادة بعض الألفاظ وترداد المعاني عيا (٢) .
стр. 104
٣ - أن يحضر الخطبة، ويبذل جهده في تحضيرها، ويضبطها بالشكل إذا كان يقرؤها قراءة، أو يقرؤها مسبقا بحضرة من هو أعلم منه، ليقوم بتصحيحها وضبطها، ولا عيب في هذا ولا غضاضة، بل هو من تمام النصح وكمال العمل.
٤ - أن يضبط الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية ضبطا دقيقا حتى لا يقع الغلط والتصحيف.
٥ - أن يتجنب السجع المتكلف، فإنه إذا كثر وكان عن تكلف كان ثقيلا على الأسماع مانعا من حسن الاستماع.
٦ - أن يختار الأسلوب السهل الواضح ما أمكن مع القوة والجزالة، وذلك لأن أكثر مستمعيه هم من العامة، أو من متوسطي الثقافة غالبا، لذلك قالوا: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير اللفظ " (١) .
стр. 105
[المبحث الخامس نبرة الصوت والحركة]
المبحث الخامس
نبرة الصوت والحركة ومما يساعد على قوة لغة الخطيب، ووضوح موضوعه، وجلاء عرضه لفكرته نبرة صوته وحركة يده، فعلى الخطيب أن يراعي لذلك الأمور التالية بالنسبة للصوت:
١ - وضوح الصوت، وعلوه في اعتدال. عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. . .» الحديث (١) .
فعلى الخطيب مراعاة الاعتدال في علو صوته، ومراعاة حاجة المكان والجمع مع عدم الإسراع في إلقائه.
وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يخطب: أنذركم النار، أنذركم النار. . .» الحديث، وفي رواية: «سمع أهل السوق صوته» (٢) .
٢ - تغيير نبرة الصوت من وقت لآخر فإن في هذا تنشيطا لنفسه ولسامعيه، وإعطاء للجمل حقها من الاهتمام، ولا شك أن إلقاء الخطبة على نبرة واحدة طوال الوقت يحمل المستمعين على الملل والكسل، فعلى الخطيب أن ينوع من نبرة صوته حسب المعاني والجمل ونوعها.
٣ - أن يتهيأ قبل الخطبة فيبعد عما يؤثر على صوته، فلا يأكل طعاما أو يشرب شرابا يذهب بقوة صوته، أو يجعله يحشرج إذا تكلم.
٤ - الإقلال من التنحنح في أثناء الخطبة، أو بلع الريق، أو انقطاع النفس، فإنها تشغل المتكلم والسامع معا.
стр. 106
٥ - حسن الوقوف في موطن الوقوف والبدء في موقع البدء، ولا يحسن بالخطيب أن يتوقف في وسط الجملة التي لم تتم، أو يجعل جزءا منها في صفحة، والجزء الآخر. في الصفحة الأخرى، فحسن الوقوف والابتداء يدل على فصاحة الخطيب وفهمه لما يلقي.
٦ - تجنب عيوب اللسان ما استطاع كالفأفأة، واللثغة، والصفير، والتعتعة، ونحو ذلك مما يوجه الأسماع إلى متابعة هذه العيوب ويصرفها عن تدبر المعاني والأفكار، فإذا لمس من نفسه شيئا من ذلك فليتجنب الألفاظ، والكلمات التي توقعه فيه.
٧ - ثبات الصوت بحيث لا يبدو للأسماع مرتجا متلجلجا شأن الخائف أو القلق والمضطرب، أو يبدو عليه الارتباك والخجل.
٨ - التسليم على المصلين إذا صعد المنبر، وهذا مروي عن النبي ﷺ ، حيث «كان إذا صعد على المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم» (١) .
أما بالنسبة لحركة الخطيب على المنبر، فيراعى فيها الأمور التالية:
١ - أن يكون وقوف الخطيب ثابتا، يظهر عليه سيما الرزانة والمهابة، والوقار، والشعور بالثقة، والجد، فلا يحسن أن يبدو بمظهر الهازل على المنبر، ويكون رابط الجأش وقور الحركة.
٢ - ألا يكثر من الالتفات أو حركة اليد، أو الرأس، أو الجسم.
٣ - تناسب حركة اليد، والإشارة مع الألفاظ والكلمات، قال الحجاج لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم، لولا أنك تكثر الرد، وتشير باليد، أي: تكثر من ذلك.
стр. 107
قال الجاحظ: وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان (١) .
وأما القول بأن الخطيب يقف ساكنا لا يحرك يديه، ولا منكبيه، ولا يقلب عينيه، ولا يحرك رأسه، فهذا غير سديد، وإنما يناسب بين الحركة والنطق، والإشارة والعبارة، ويراعى أن لا يشعر المتحدث أنه ملزم بالجمود في بقعة محددة، أو أن أعضاء جسمه ممنوعة من الحركة، فالمهم أن لا ننفر من استخدام الإيماءات ونوظفها بنجاح (٢) .
٤ - إذا كان الخطيب يقرأ الخطبة فينبغي أن يحسن الانتقال ببصره بين الورقة والمستمعين، فلا يطيل النظر في الورقة بحيث لا يرفع بصره منها، ولا يطيل الابتعاد عنها، بحيث يصعب عليه وصل الكلام بعضه ببعض، أو يذهل نظره عن الوضع الذي انتهى إليه، فيرتبك أو يطيل السكوت.
٥ - تجنب اشتغال يده في طرف عباءته، أو (غترته) ، أو العبث في لحيته، أو في تقليب الأوراق التي أمامه، أو في ضرب السماعة، أو تحريكها، أو في غير ذلك من الحركات التي تشغل المصلين، ولا تليق بهذا المقام.
٦ - أن يخطب واقفا متوكئا على عصا أو قوس، فإن ذلك من السنة، ولعل الحكمة من ذلك إضفاء المهابة على الخطيب، والتقليل من حركة يده.
عن الحكم بن حزن ﵁ قال: «شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكئا على عصا أو قوس» (٣) .
стр. 108
[المبحث السادس حسن مظهر الخطيب]
المبحث السادس
حسن مظهر الخطيب ومما يضفي على الخطيب الهيبة والوقار نظافته، وحسن سمته، وحسن مظهره، ولذلك فإنه يشرع الاغتسال يوم الجمعة، وأن يمس من الطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويزيد في حسن هيئته. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]
إن تأثير حسن الهيئة، وجمال المظهر على نفوس الحاضرين، لا ينكر، فلا يحسن بالخطيب الاستهانة بجمال ظاهره، من نظافة ثيابه، وبياض أسنانه، وترجل لحيته، وكي ملابسه، وغير ذلك.
وقد «سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: " إن الله جميل يحب الجمال» (١) .
فالجمال وحسن المظهر يكون في الجسد بالغسل، والترجيل للحية، واستعمال السواك ونحوه للأسنان، وقص الشارب، وقص الأظافر ونحو ذلك.
ويكون اللباس بالاعتدال فيه، والنظافة الظاهرة، وتجنب الحرام فيه، كالتشبه والزيادة على الكعبين، وتجنب لباس الشهرة، ولباس المذلة، لذلك قال بعض الحكماء: البس من الثياب ما لا يزدريك فيه العظماء، ولا يعيبك عليه الحكماء، وعن عمر ﵁: إياكم ولبستين: لبسة مشهورة، ولبسة محقورة. فلا يبالغ في التأنق، وشدة التكلف في اللباس، فإن الجمال الحقيقي للمرء جمال الباطن.
وترى سفيه القوم يدنس عرضه ... سفها وبمسح نعله وشراكها (٢)
стр. 109
وقال عمرو بن معدي كرب:
ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا
إن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجدا
وقال حبيب بن أبي ثابت: أن تعز في خصفة خير لك من أن تذل في مطرف (١) أي: أن تعز وأنت تلبس غليظ الثياب، خير من أن تذل وأنت تلبس مطارف الخز، وكما أنه لا يبالغ في التأنق فلا يبالغ في الرثاثة وإظهار الخشونة، وليتجمل للوفد والمناسبات، وعلى رأس هذه المناسبات الجمعة.
لذلك يسن أن يكون ثوب الجمعة سوى ثوب المهنة.
عن عبد الله بن سلام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما على أحدكم إن وجد، أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (٢) .
وعن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا استجد ثوبا لبسه يوم الجمعة» (٣) .
وجمال المظهر هو المروءة الظاهرة للإنسان كما قيل: المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة (٤) .
بل إن السمت الحسن والمظهر الحسن ربما كان أنطق عند الناس، وأهدى إلى العمل من القول المجرد.
قال البخاري ﵀ في كتاب الأدب المفرد: باب الهدي والسمت الحسن، وروى بإسناد لا بأس به عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سؤاله، كثير معطوه، العمل
стр. 110
فيه قائد للهوى، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد للعمل، اعلموا أن حسن الهدي- في آخر الزمان- خير من بعض العمل (١) .
فعلى الخطيب أن يكون شامة في جمال مظهره، وحسن منظره، فتأنس العيون بظاهرة، قبل أن تؤخذ النفوس بمنطقه وحجته.
ومما يحسن مراعاته في هذا المجال عرف البلد الذي يعيش فيه، والناس الذين يستمعون إليه، على ألا يكون في الملبوس شيء من حرام، كلباس الكفار أو النساء، ولا يكون من الألبسة الشفافة، والسراويلات القصيرة أو الضيقة، أو يلبس حريرا، أو يتختم بالذهب، وغير ذلك من المحرمات.