إن تحديت الناس بما لا يعقلون ولا يدركون يؤدي إلى نتائج سيئة منها:
١ -أن يفهم السامع الكلام على غير وجهه فيفتن بأحد أمرين:
أ - التكذيب بالحق.
ب - العمل بالباطل.
قال ابن وهب ﵀ في الكلام عن قول ابن مسعود السابق ". . . إلا كان لبعضهم فتنة "، وذلك أن يتأولوه غير تأويله، ويحملوه على غير وجهه " (١) .
وقال الإمام الذهبي: " ينبغي للمحدث ألا يِشهر الأحاديث التي يتشبث بها أعداء السنة من الجهمية. . وأهل الأهواء والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت، فإنك لن تحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليِك أو الذيِن يفهمون منه ما يضرهم" (٢) .
وهذه المسألة تتعلق بحالات لأنها الأصل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " أما أن يكون الكتاب والسنة نهى عن
стр. 72
معرفة المسائل التي يِدخل فيما يستحق أن يكون من أصول الدين فهذا لا يكون اللهم إلا أن ننهى عن بعض ذلك في بعض الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عنه فهمه فيضل " (١) وذكر قول ابن مسعود، وقول علي ﵄.
٢ - ألا يِفهم السامع شيئًا من المتكلم، وهذا وإن كان أسلم من الأول إلا أنه ينافي مقصود الخطبة بتعليم الناس ما ينفعهم وفهمهم لذلك، فهو لم يعط الحكمة حقها من الصون، ولم يؤد الأمانة والبلاغ (٢) .
والخطيِب العالم الرباني يبدأ بالتدرج مع الناس فيربيهم على صغار العلم قبل كباره، ويبدأهم بالأهم قبل المهم، فعن ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسير قول الله ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٣) وكونوا ربانيين حكماء فقهاء (٤) .
стр. 73
وقال البخاري ﵀: " ويقال الرباني الذي يِربي الناس بصغار العلم قبل كباره "، وقال الحافظ بن حجر ﵀: والمراد بصغار العلم: ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزيئاته قبل كليِاته، أو فروعه قبل أصوله أو مقدماته قبل مقاصده " (١) .
وأختم بذكر كلام نفيسِ للإمام الشاطبي ﵀ متعلق بهذا الموضوع حيِث يقول في بيِان ضابط ما ينشر وما لا ينشر " أنك تعرض مسألتك على الشريِعة فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبله العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية " (٢) .
стр. 74
[المطلب السادس مراعاة الأحوال]
المطلب السادس
مراعاة الأحوال إن من الحكمة المأمور بها في قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) . مراعاة الحال والمقام.
والأحوال التي يِحسن بالخطيب مراعاتها كثيرة، ولكني أذكر ضربين دالين على ما عداهما.
١ - مراعاة أحوال الأمة العامة: إن الأمة تمر بأحوال مختلفة كل حال تستدعى من الخطابة ما يناسبها، فإن حالة الحرب تستدَعي من التركيز على موضوعات معينة ما لا يستدعيه حال السلم، فيركز الخطيبِ على الصبر، وجمع الكلمة، والجهاد، والتوكل على الله، وعدم الركون للكافرين.
كما أن حال الأمن والرغد تستدعي التذكير بالنعم والأمر بالشكر والتحذير من كفران النعم، وبيان قصص السابقين الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.
٢ - مراعاة حال المصلين في المسجد: إن المساجد يختلف روادها باعتبارات كثيرة وعليه فإن المسجد الذي يرتاده مدرسو الجامعات غير الذي يرتاده طلابها،
стр. 75
والمسجد الذي يرتاده العمال غير المثقفين غير الذي يرتاده المتعلمون، والمسجد الذي يرتاده الزراع غير المسجد الذي يرتاده الصناع.
فمن الحكمة أن يِختار الخطيبِ من الموضوعات ما يتناسب مع المصلين، بل قد يكون موضوع واحد يُعالج من أوجه عدة بحسب حال المصلين، فالزكاة يركز فيها عند المزارعين على زكاة الزروع والثمار، وعند التجار على زكاة الأثمان وعروض التجارة وهكذا.
[المطلب السابع حسن النقد وجمال النصح]
المطلب السابع
حسن النقد وجمال النصح إن الناس تقع منهم أخطاء، ويقع بعضهم في منكرات يراها الخطيب، فينصح عن طريق المنبر ويبين الحق، وهنا يجب أن ينبه إلى جملة ضوابط حتى يِؤدى النصح ثمرته ولا المنصوص إلى التمادي على الخطأ فمن تلك الضوابط:
الضابط الأول: الإخلاص لله ، وأن يكون هدف الناصح الإصلاح فالنية أصل جميع الأعمال، وبحسبها يكون ثواب
стр. 76
الناصح يقول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ) (١) .
ويقول الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى» " (٢) .
ويكون قدوة الخطيِب الداعية إلى الله في ذلك الأنبياء والرسل الذين كانوا مخلصين في دعوتهم للإصلاح كما , قال شعيب ﵊ فيما حكاه الله عنه: ( ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ) (٣) .
وعلى الخطيب أن يجاهد نفسه بإصلاح النية، لأن في النصح العلني ما فيه من أغراض النفس، والموفق من وفق للتجرد لله .
الضابط الثاني: أن لا يجرح ذوات الأشخاص ولا يِفتري عليِهم فيذكر خبرًا غير صادق نقله من أفواه الناس، وهذا الضابط أثرٌ
стр. 77
من آثَار الضابط السابق فإن من صلحت نيته لم يِجرح أحدًا من الخلق، بل هدفه الإصلاح.
الضابط الثالث: البعد عن تصيد الأخطاء أو الإلزام بلوازم الأقوال والأفعال أو محاولة لي النصوص لتكون وسائل إدانة للمنصوحين.
الضابط الرابع: أن يكون الناصح لطيفًا في نصحه مبتعدًا عما يثير في المنصوح العناد أو التمادي على الباطل، وأن يهتدي بهدي سيد المرسلين نبينا محمد ﷺ الذي كان يوجه ويِنصح في الخطب فيقول في نصحه: (ما بال أقوام) , وقد ورد عنه هذا كثيرًا فمن ذلك قول عائشة رضى الله عنها: «صنع النبي ﷺ شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (١) . بل صار ذلك منهجًا له فعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي صلى الله عليه
стр. 78
سلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول ولكن يقول: " ما بال أقَوام يقولون كذا وكذا» (١) .
الضابط الخامس: أن يِكون عالمًا بما يِنصح به: فلا ينصح عن فعل أمر هو غير متأكد من حرمته ولا يِنصح بفعل أمر هو غير متأكد من مشروعيته. ويفيد علمه بما ينصح فيه إقامة الحجج والبراهين وإقناع الناس بما يِريِد لأن كلامه إذا لم يكن مقنعًا ربما كان فتنة للآخرين , بل ربما كان في قلوب بعض المنصوحين من الشبهة ما يمنعهم من قبول النصح إلا إذا كان بإسلوب مقنع وحجة ظاهرة.
[المطلب الثامن الموازنة بين المتقابلات]
المطلب الثامن
الموازنة بين المتقابلات الموازنة بين البشارة والنذارة: إن بعض الناس يكون ذا طبيعة نفسية مائلة إلى جانب التبشير أو جانب التخويِف، فيؤثر ذلك على خطبه، فيميل مثلا إلى جانب الإنذار والتخويف دوما، فنراه يشيع في الناس - على سبيل
стр. 79
المثال - الكلام عن فساد الناس وضياع الدين واندراس السنن، وإن مستقبل الناس يِزداد شرًا وأن الأعداء يملكون زمام العالم. . . إلخ.
وهذا الاقتصار يبعث اليأس في النفوس ويحطم حيوتيها ونشاطها للعمل الإسلامي، والحكمة أن يوازن الإنسان بين البشارة والنذارة، ولذلك جمع الله للرسول بين هذين العملين فقال: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] (١) ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] (٢) . فهم يِبشرون في مواضع البشارة، وينذرون في مواضع النذارة، ويجمعون بيِنهما في مواضع الجمع.
إن حالات الإنذار يحتاجها الناس عندما يركنون إلى الدنيا وحظوظها ويرضون عن دين الله فهو أسلوب تخويف مع من لم يرفع بدين الله رأسًا، والرسل عليهم الصلاة والسلام فعلوا ذلك، فقد كانوا ينذرون أقوامهم، ويخوفونه لما يرونه من إعراضهم عن دين الله فكان الواحد منه يقول لقومه: ( ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١٥] ) (٣) .
ويحتَاج الناس للتبشير وبعث الأمل في النفوس حين الاضطراب والضعف والخوف والبلاء، ولذلك لما كان النبي ﷺ مضطربا بعد نزول الوحي عليه بشرته أم المؤمنين خديجة ﵂ بما يزيِل عنه دواعي الاضطراب وأسباب الخوف فقالت: «كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إليك لتصل الرحم، وتصدق الحديث وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق» (١) .
وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بالرفعة والظهور على الأديِان، وهم في أشد حالات الضعف، وأعداؤهم متسلطون عليهم، ففي المسند: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض» (٢) .
إن الموازنة بين البشارة والنذارة من الحكمة في الدعوة التي أمر الله بها، ومن اتباع سنة سيد المرسلين ﷺ ، وفيه مراعاة لأحوال الناس ونفوسهم.
وهنا يجب التنبيه إلى أمر، وهو أن بعض الناس يذكر في سياق الترهيب من جرم أو ذنب بعض آيات الوعيِد، ثم يعقب في خطبته
стр. 82
ببيان أن ذلك الوعيد ليس محمولًا على معناه المتبادر، وإنما لا بد له من تأويل , مثال ذلك:
قد يذكر الخطيبِ حديثَ: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فيذكر قول السلف في معنى الحديث، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة، وهذا حق، ولكنه يِضعف أثر الحديث في النفوس، ولذلك لو فرق بيِن حال التعليم وحال الوعظ وأنه حين الوعظ تذُكر نصوص الوعيد كما جاءت، وأما في حالة التعليم وبيان الحكم فلا بد من البيان (١) .
ثانيا: الموازنة بين المصالح والمفاسد: إن الخطيب بحاجة إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد ومعرفة رتب المصالح والمفاسد حتى يِوازن بين مصلحة كلامه وما قد يترتب عليه من المفاسد، وذلك أن قَيام الشريعة إنما هو على جلب المصالح ودرء المفاسد، يقول العز بن عبد السلام ﵀: " معظم مقاصد القرآن: الأمر باكتساب المصالح وأسبابها والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها " (٢) .
стр. 83
ويقول ﵀: " الشريعة كلها مصالح إما أن تدرًا مفاسد أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فتأمل وصيته بعد ندائه فلا تجد إلا خيراَ يحثك عليه أو شرًا يزجرك عنه أو جمعا بين الحث والزجر، وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثا على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثًا على إتيان المصالح " (١) .
وهذه المصالح والمفاسد فد تختلط فيكون الفعل الواحد أو القول الواحد مصلحة من وجه ومفسدة من وجه آخر، أو مصلحة مشوبة بشيء من المفاسد أو العكس أو هي مصالح أو مفاسد في حال دون حال، قال الإمام الشاطبي: المنافع والمضار عامتها أن تكون إضافية لا حقيقة، ومعنى كونها إضافية أي أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة لشخص دون شخص ووقت دون وقت " (٢) .
وتعارض المصالح والمفاسد وحسنات الفعل وسيئاته " باب واسع جدا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيِها آثار
стр. 84
النبوة وخلافة النبوة فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل ووجود ذلك من أسباب الفتنة بيِن الأمة فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذي ينظرون الأمرين " (١) .
وتعارض المصالح والمفاسد عالجه الشارع فأمر:
١ - بارتكاب أدنى الفسادين للسلامة من أعلهما.
٢ - وبإهدار إحدى المصلحتين لتحصيل أعلاهما.
٣ - وبتقديم درء المفاسد على جلب المصالح.
٤ - وبالنظر في مآلات الأمور وعواقبها وعدم الاقتصار على النصر الآني، ولذلك فإنه يجب على الخطيب ألا يدفع الفساد بمفسدة أعظم , إذ لا يجوز رفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا يدفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكَميلها وتعطيِل المفاسد وتقليلها
стр. 85
بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيريِن إذا لم يمكن أن يُجمعا جمعًا، ودفع شر الشرين إذا لم يِندفعا جميعا " (١) .
إن موضوعًا من الموضوعات قد لا يصلح أن يعرضه الخطيب في وقت أو حال لما يترتب على عرضه من مفاسد، بينما لو عرضه في وقت آخر أو حال أخرى كان مصلحة خالصة.
والفقيه من وازن بين المصالح والمفاسد، فقال حين يِحسن القول، وكف حين يحسن الكف، ومما يوضح ذلك «أن أبا هريرة ﵁ قال: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» (٢) .
فبين أبو هريرة أنه امتنع عن التحديث بجزء من أحاديث آخر الزمان خوف حصول المفسدة الاجتماعيِة العامة، قال ابن حجر ﵀: " حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وكان أبو هريِرة يُكني بعضهم ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم " ابن حجر، (٣) .
стр. 86
ولعله خشي أن يكون إخباره الناس بأسماء هؤلاء الأمراء سببا للخروج عليهم فتكون فتنة، ويوضح ذلك أيضًا حديِث معاذ بن جبل ﵁: «كنت رديف النبي صلى الله عيه وسلم، فقال: هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال: قالت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم، قال: قلت: يا رسول الله، ألا أبشر الناس قال: دعهم يعملون» وفى رواية " إذا يتكلوا " (١) .
فاعترض الرسول ﷺ على معاذ ﵁ وبين له مفسدة تَحديت الناس بهذا الحديث.
وقد احتج الإمام البخاري بهذا الحديث على جواز أن يخص العالم بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا (٢) .
стр. 87
وقد حدث معاذ بهذا الحديث قبل موته خشيِة الإثم ولكن الاعتراض الذي ذكره معاذ من قول النبي ﷺ (إذًا يتكلوا) صار مقترنًا بالحديث إلى يومنا هذا ليمنع سوء الفهم.
ثالثًا: الموازنة بين الجانب العاطفي والجانب العقلي
إن بعض الخطباء تصطبغ خطبتهم بالصبغة العاطفية البحتة، فلا تراه يجتهد لإقناع الناس بما يقول، وبعضه تصطبغ خطبه بالصبغة العقليِة البحتة فلا يثير عواطف الناس (١) . وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
إن إشعال عواطف الناس دون أن يكون هناك شيء من الإقناع والأدلة واستخدام الأسلوب العلمي مؤد إلى سلبيات كثيرة منها:
١ - إن ما جاء عن طريق العاطفة فقط سرعان ما ينسى إذا انطفأت جذوة تلك العاطفة.
٢ - إن عواطف الناس إذا محتاجون بدون بيان العلم الرشيد الصحيِح انطلق الناس، فلابد إذًا من لجام هو العلم، يلجم العواطف أن تجعل أصحابها يِتعدون حدود الله، والناس بطبيِعتهم محتاجون إلى حاد يحدو بهم إلى العمل، ومرغب
стр. 88
يُرغبهم فيه، كما هم محتاجون عند النهي إلى ما يرهبهم من إتيانه.
ولذلك كان المجمع بين الأسلوب العلمي والأسلوب العاطفي هو الحق والصواب.
[المطلب التاسع التثبيت]
المطلب التاسع
التثبيت إن خطبة الجمعة يحضرها أناس تختلف أقدارهم العلمية والعقلية وكلهم في الغالب - يقف موقف المتلقي من الخطيبِ فكان واجبًا على الخطيب أن يتثبت مما يقول، وسأركز الكلام عن التثبيت في جملة نقاط:
أولًا: التثبت من صحة النص الشرعي: إن من المتقرر أن القرآن قطعي الثبوت، فهو منقول بالتواتر ولا يتطرق إلى شيء منه احتمال عدم ثبوت وصحة، ولكن السنة النبوية في جملتها ظنية الثبوت ولذلك وجب على ناقل النص من السنة التثبيت من صحته، لأن الخبر عن رسول الله ﷺ خبر عن الله، وليس كذبًا على الله ورسوله ﷺ ككذب أحد على من سواهما، والأحاديث متضافرة على تقرير هذا، والتحذير من النقل الكاذب، فمن ذلك:
стр. 89
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي صلى اللَه علبه وسلم: «لا تكذبوا عليّ فإنه من كذب عليّ متعمدًا فليلج النار» " (١) .
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعدة من النار» (٢) .
وعن سلمة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يِقول: «من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٣) .
والتثبت هو بطلب أسانيد تلك الأحاديث والنظر في رجال السند والتوثق من عدالتهم واتصال السند، فإنّ الإسناد هو المرقاة التي يِصعد بها إلى الحديث قال علي - رضى الله عنه -: " انظروا عمن تأخذون هذا العلم فإنما هو الدين " (٤) .
стр. 90
وقال ابن سيرين ﵀: " إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم " (١) .
فعلى الخطيب إذا أراد أن يخطب أن يتثبت من صحة الأحاديث وذلك بمعرفة مخرجيِها، فإن كانت في البخاري ومسلم أو أحدهما كان ذلك دليَلا على صحتها وإن كانت في غيرهما اجتهد في البحث عن أقوال أهل العلم في الكلام عن الحديث، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان قاعدة التمييز بين الصدق والكذب في المنقولات: " المقصود هنا أن نذكر قاعدة فنقول: المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب. . والمرجع في التميِيز، بيِن هذا وهذا إلى علم الحديث، كما نرجع إلى النجاة في الفرق بين نحو العرب ونحو غير العرب، ونرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة، وما ليسِ من اللغة وكذلك علماء الشعر والطب وغيِر ذلك، فلكل علم رجال يعرفون به والعلماء في الحديث أجل هؤلاء قدرًا وأعظمهم تفضلا، وأعلاهم منزلة وأكثرهم ديِنًا " (٢) .
стр. 91
ولقد أتى كثير من الخطباء الذين ينقلون نصوصًا غير صحيحة من اعتَمادهم على المجاميع المعروفة باحتوائها على الصحيح والضعيف بل وما دونه، ككنز العمال والترغبِ والتَرهيب، وما انتشار كثير من الأحاديث الموضوعة المحفوظة في أذهان الناس إلا بسبب تساهل بعض الخطباء والوعاظ ونقلهم لها دون تثبت وتبين.
ثانيا: التثبت في الفهم ووجه الاستدلال: إن النص قد يكون صحيحًا من جهة النقل ولكن الفهم المقلوب لذلك النص يحيل المراد، فإن كثيرًا (من الناقلين ليس كصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس ويتعذر على بعضهم) (١) . قال السبكي (فكثيراٌ ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره واستن لسننه. . مع أن المؤلف لم يرد ذلك الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل) (٢) .
فقد يعيب المرء القول وهو غير معيب:
стр. 92
فكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم
وقد يأخذ من النص دلالة وهو غير مصيب، ولو راجع أقوال المفسرين وشروح العلماء لكتب الحديث لوقع على خبير بما يِؤخذ من النص وما يستفاد منه.
وأما الاعتماد على ما يتبادر إلى الذهن من النص، فذلك موقع في الخطأ إذ القرآن يصدق بعضه بعضا، ويحتاج الذي يريد فهم نص إلى الرجوع للنصوص الأخرى وأقوال أهل العلم.
ثالثا: التثبت من سلامة نقل النص: ينقل الخطيب في موضع الاستشهاد شيئًا من الآيات القرآنية والأحاديثِ النبويةَ، ومن الواجب على الخطيبِ ألا يعتمد على حفظه فيما يتعلق بالآيِات والأحاديث بل يراجعها لينقلها بلفظها إن كانتَ من القرآن وأما إن كانتَ من السنة فبلفظها إن أمكن أو بمعناها.
ومن الملاحظ هنا: أن من الخطباء من يستشهد بنص قرآني فينقله نقلا غير صحيح فيحرف آيات التنزيل أو يلحن في تلاوة النص أو نحو ذلك، وقَد يِتلقى منه الناس ذلك الخطأ ويأخذونه مأخذ التسليم، وقد ينقل نصًا من السنة من حفظه فيخطئ بتقديم
стр. 93
أو تأخير يؤثر في المعنى أو لحن يحيله، ولو راجع النص لسلم من ذلك.
ومما ذكر هنا أن خطيبا نقل عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب جملا فيها بيان حقوق الرسول محمد ﷺ منها قوله: " وألا يعبد الله إلا بما شرع "، وكان يذكر النص من حفظه ويكرره ثلاثا لتأكيده في أذهان الناس ولكنه قال: " وألا يعبد إلا بما شرع الله "، فأثار شيئا من سوء الفهم في أذهان بعض الناس، ولعجل بعضهم في الرد عليِه، ولو راجع النص وكتبه لسلم.
رابعا: التثبت من الأحكام الشرعية: إن من مهام الخطيب أن يبيِن للناس الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين من حل وحرمة ووجوب وندب وكراهة، وتزداد أهمية ذلك في بعض المواسم، كمواسم رمضان والحج ونحو ذلك، ولا يصح لخطيب أن يذكر تلك الأحكام دون تثبت منها، فإن ذلك قول على الله بغير علم ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] (١) .
стр. 94
وحق على الخطيب أن يراجع في كل موسم ما يناسب من أبواب الفقه، ففي رمضان أو قبله بقليل يراجع كتاب الصيام وكتاب الزكاة من كتب الفقه، وقبل موسم الحج يراجع كتاب الحج ويراجع أحكام العشر من ذي الحجة وأيام التشَريقَ وهكذا.
هذا إن كان أهلا وقادرًا على الفهم، وأما إن لم يكن كذلك لك فعليِه أن يقرأ فتاوى أهل العلم إذا أراد بيان شيء للناس من على المنبر، ويحيل إلى تلك الفتاوى الموثقة مسندة إلى مراجعها.
خامسًا: التثبت من الأخبار: قد ينقل الخطيب في أثَناء خطبته للناس حدثًا من الأحداث يريد أن يكون مدخلا للموضوع، وهذا الأسلوب أسلوب حسن لأنه يشد الناس ويلفت أنظارهم للموضع، لأن من طبيِعة غالب البشر حب القصص وتأثرهم بها، ثم تكون تلك القصة وسيِلة للفهم لأنها تُجسد المعاني في أشياء واقعية ولكن تلك القصص والأخبار تحتاج إلى جملة ضوابط منها - فيما نحن بصدده - التثبتَ، وهو خلق نبيل دعا إليه الإسلام، يقول اللَه :
стр. 95
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (١) .
يقول ابن جرير ﵀: أمهلوا حتى تعرفوا صحته ولا تَعجلوا بقبوله. . . لئلا تصيبوا قومًا براء مما قذفوا به بجهالة منكم ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] يقول: فتندموا على إصابتَكم إياهم بالجنايةَ التي تصيبونهم بها (٢) .
والعاقل لا يعتمد على نقول الناس وأقوالهم، فإن تناقل القول ليس دليلا على صحته، قال الدكتور مصطفى السباعي - رحمة اللَه: " والجماهير دائمًا أسرع إلى إساءة الظن من إحسانه. . . فلا تصدق كل ما يقال ولو سمعته من ألف فم حتَى تسمعه ممن شاهده بعينه، ولا تصدق من شاهد الأمر بعينه حتى تتأكد من تثبته فيما يشاهد، ولا تصدق من تثبت فيما يشاهد حتىَ تتأكد من خلوه من الغرض والهوى (٣) .
стр. 96
وفوق أن التثبت فضيِلة والنقل من الناس بدونه رذيِلة، قد يكون حديث الخطيب عن خبر لا يصدق ولا يثبتَ سببا لفقدان مصداقيتَه عند الناس، قال يأخذون قوله، ولا يتقبلونه إلا بنوع من الريب والشك.
وتزداد أهمية التثبيت بشكل عام حين وقوع الفتن واضطراب الأحوال، وتبلبل الأذهان فإن ذلك إذا وقع في زمان ما أوجب التثبتَ والتبيين لما يستَدعيه زمن الفتن والشرور من كثرة الكذب والافتراء.
فلقد كان ازدياد الشرور والفتن من أعظم أسباب تثبتَ السلف واهتمامهم بالأسانيد بعد أن لم يكن ذلك من شأنهم، فعن طاووس بن كيسان أن رجلا جاء إلى ابن عباس - رضى الله عنهما - فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: " عد لحديثِ كذا وكذا "، فعاد له ثم حدثه، فقال له: عد لحديث كذا وكذا فعاد له، فقال له: ما أدري أعرفت حديثَي كله، وأنكرت هذا؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: " إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى اللَه
стр. 97
عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه (١) .
ومما يدل على ذلك قول الإمام محمد بن سيرين ﵀ لم يكونوا يِسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم " (٢) .
[المطلب العاشر معالجة مشكلات الأمة]
المطلب العاشر
معالجة مشكلات الأمة إن الناظر في المجتمعات المسلمةَ اليوم يجد أنها تزخر بألوان من المشكلات فمنها المشكلات العقدية كالحكم بغيِر ما أنزل الله، وعبادة القبور والنذر لأصحابها، ومنها المشكلات الاجتماعية كغلاء المهور والعنوسة.
стр. 98
ومنها المشكلات الاقتصادية والرشوة , ومنها المشكلات المتعلقة بقضايا الأمة العامة كتفشي الظلم والمنكرات العامة وغير ذلك، ومنها المشكلات النفسية كمشكلات القلق والإحساس بالضيق النفسي ونحو ذلك.
والخطيبِ كالطبيب فهو يعالج هذه بل حقيق به أن يتلمس مشكلات الناس ليساعد في حلها، ولكن يحسن التنبيِه إلى جملة ملاحظ تتعلق بهذا الموضوع.
١ - أنه يجب على الخطيبِ أن تكون معالجتَه للمشكلات على المنبر منضبطة بالضوابط الشرعيةَ المعلومة في إنكار المنكر ومن ذلك.
أ - الإخلاص لله .
ب - مراعاة المصالح والمفاسد.
ج - العلم بأن ما يريد النهي عنه منكر أو ما يريد الأمر به معروف.
د - المعالجةَ للأمر بالحكمة والموعظة الحسنة.
٢ - أن يتوجه إلى الناس بما يستطيعون القيام به، فلا يخاطب العوام بما يخرج عن قدرتهم، أو بمنكر ليسواهم القائمين عليه، أو يخاطبهم عن المنكر العام الذي فعله غيرهم من
стр. 99
الجهة التي تدخل تحت قدرتهم فإن الناس من يتكلم عن منكر من المنكرات ولا يذكر ما يمكن للناس عمله تجاه ذلك المنكر فيؤجج مشاعرهم فيقفون موقف المحتار الذي لا يدري ما يعمل، وقد يصير بعض الناس إلى أعمال غير شرعية في تغيير ذلك المنكر.
٣ - ألا يركز الخطيب السلبي فقط، وهو جانب الإنكار بل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإن مشكلات الناس إما ترك لمعروف أو فعل لمنكر، بل مع فشو المنكرات لا بد أن يكون ثَمة ألوانا من المعروف مهجورة، وأنواعا من الخيرات مهملة. وأن الناس لو شغلوا بأعمال الخير والمشاريع الخيرية النافعةَ لم يكن عندهم فضل وقت لغيرها.
فالمعالجات للوقائع الحادثة تنقسم إلى قسمين:
أ - معالجة المنكرات، ولا سيما ما كان منها قريبِ العهد، وهو حديث الناس، ويراعى في معالجة هذه المنكرات أكبرها ضرراَ وأسوأها أثرًا، وعند تحذير الناس من ذلك المنكر يدلل على حرمته وخطره من القرآن والسنة، ويِحصر أضراره ومساوِئَه في جميع
стр. 100
الجوانب، ويِحض على تركه والنوبة منه، مبينا الموقف من ذلك المنكر وسبل معالجته.
ب - الحض على أعمال صالحة ومشاريع نافعة ويذكر أدلة فضل تَلك الأعمال وما في القرآن والسنة من بيان أجر عاملها ومزايا هذا العمل ونتائجه وخطورة تَركه والإعراض عنه، وأن هذا الإعراض من مشكلات الأمةَ الحادثة التي يجب علاجها.
٤ - ألا يركز الخطيب على لون من ألوان المشكلات، فإن المجتمع فيه مشكلات كثيِرة تحتاج إلى علاج، وبعضها إذا عولج فبالتبع ستتم معالجة مشكلات كثيرة، وقد تكون هناك مشكلة متعبة لأناس كثر وهم يبحثون عن علاجها، والخطباء أو بعضهم عنها غافلون.
ومن ذلك: أن خطيبا خطب عن القلق وطرق دفعه ومعالجته إذا وقع فوقعت الخطبةَ موقعا عظيما من الناس وطلب صورتَها ليقرأها طوائف كثيرة منهم، وذلك لأنهم يعانون من المشكلة، والقلق حقيقته عرض مشكلات أخرى، والساعي في علاج نفسه من القلق علاجَاَ شرعيًا سيعالج تلك المشكلات.
стр. 101
٥ - أن صلاة الجمعة صلاة يشهدها جماعات من الناس مختلفة المشارب متنوعة من كل وجه، فمنها البر والفاجر والصالح والفاسق، وضعيف النفس والجاهل، فعلى خطيب الجمعة عند الحديث عن المنكرات والمعاصي ألا يوغل في وصف تلك المنكرات، وبيان أماكنها وطريقة أهل الشر، فإن ذلك الوصف مدعاة إلى عكس كما أراده الخطيب.
وفي التحذير عن المنكر والنهي عنه وبيان أضراره وآثاره غنيِة عن وصفه.
٦ - أن الكلام عن حدث من الأحداث أو منكر من المنكراتَ العامةَ قد يعالج بطريقَ يسبب ضررا أكبر كأن يتحدث الإنسان عن ذلك المنكر والقائمين عليه، ويصف أحوالهم وأعمالهم، بينما يمكن أن يعالج الموضوع بطريقة حكيمة كأن يتحدث الخطيب عن موضوع مناسب لما وقع، يفهم الناس عن طريقه الموقف الشرعي الرشيد من القضيِة.
وأذكر مثلين على ذلك:
الأول: في بلد مسلم كرم رجل لا يستحق التكريم لأمور أعظمها أنه غير مسلم، وأنه لم يفعل شيئاَ يستحق التكريم، فضج أحدُ الخطباء يخطب وأوغل في ذكر ما جرى من تكريم للرجل بما هو
стр. 102
ليس من أهله. ولكن خطيبا خطب خطبة عن موازين رفع الناس وخفضهم، ولم يتطرق للحدث، ولكن الظرف الزماني ساعد الناس على الفهم، وأصل الرجل الموضوع تأصيلا شرعيِا لا يقِتصر على مجرد ما وقع ولكنه يشمله ويشمل نظائره من الأحداث.
الثاني: تحدث في بلد تجاوزات بسبب فرح بأمر كفوز فريقَ أو نحو ذلك، فتصدر الجهات الرسمية بيانات ويتكلم بعض الخطباء عن ما حدث ولكن الأفضل من ذلك بالنسبة للخطيبِ أن يِضع للناس موازين شرعية في الفرح والسرور ومتى يكون ذلك وبم يكون؟ ، والذين يِفعلون ذلك يجعلون للمنبر حرمة ومكانة مع أنهم قد أعذروا إلى الله ببيان الحكم الشرعي فيما حدث.
стр. 103
[الخاتمة]
[الخطب المنبرية]
الخاتمة وتشمل هذه الخاتمة على دراسة تطبيقية على ثلاث مجاميع خطب لفضيلة الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله تعالى - تبدأ بسرد فهرست مجاميع خطبه وتحليل عام للموضوعات ثم أثني بذكر نموذج من خطبه ﵀ وتحليل لذلك النموذج.
أولًا: فهرست الخطب الخطب المنبرية - إيضاح:
١ - خطبة: في الاعتصام بالله من الشيطان.
٢ - خطبة: بعد نزول الغيث.
٣ - خطبة: في الحث على تكميل الصلاة.
٤ - خطبة: في التعرف إلى الله بالأعمال الصالحة.
٥ - خطبة: في التحذير من المدارس الأجنبية المنحرفة.
٦ - خطبة: في وجوب ملاحظة الأولاد.
٧ - خطبة: في معنى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]
стр. 104
٨ - خطبة: في ختام العام.
٩ - خطبة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ١٠ - خطبة: في حفظ اللسان.
١١ - خطبة: في آداب الأكل واللباس.
١٢ - في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]
١٣ - خطبة: في تَزكية النفس.
١٤ - خطبة: في الحث على إكرام البهائم والنهي عن أذيتها.
١٥ - خطبة: لرمضان وفضله.
١٦ - خطبة: حين حل الجراد على الناس.
١٧ - خطبة: في وجوب الاستعداد بالفنون الحربية.
١٨ - خطبة: في الفرق بين العلم النافع والعلم الضار.
١٩ - خطبة: في الحث على أسباب الرحمة.
٢٠ - خطبة: في الاعتدال باستعمال العلاجات.
٢١ - خطبة: في صفة السابقين إلى الخيرات.
٢٢ - خطبة: بعد نزول الغيث.
٢٣ - خطبة: في رسالة محمد ﷺ .
٢٤ - خطبة: في شعب الإيمان.
٢٥ - خطبة: في سير الشريعة.
٢٦ - خطبة: في أصول الدين.
стр. 105
٢٧ - خطبة: حين زادت الأمطار.
٢٨ - خطبة: حين وضع مكبر الصوت في المسجد واستنكره بعض الناس.
٢٩ - خطبة: في الحث على لزوم الصراط المستقيم.
٣٠ - خطبة: في بعثة النبي الكريم.
[الفواكه الشهية في الخطب المنبرية]
الفواكه الشهية في الخطب المنبرية ا - في الحث على التقوى وبيان حدها وفوائدها.
١٣ - في قوله ﷺ : احرص على ما ينفعك.
٢ - في الحث على الإحسان.
١٤ - في انتظار الفرج وقت الشدة.
٣ - في بيان لطفه بالعباد عند المكاره.
١٥ - في الزجر عن إضاعة الصلاةَ.
٤ - في تذكير الناس بنعم الدين.
١٦ - في النار وصفتها وأهلها.
٥ - في أن الجزاء من جنس العمل، وأسباب شرح الصدر.
١٧ - في ذكر صفة الجنة وأهلها.
١٨ - في تيسير الله المعايش لعباده.
٦ - في وجوب العناية بحقوق الله.
١٩ - في فضيلة الذكر.
٧ - في التوكل.
٢٠ - في التوكل على الله والاستعانة به.
٨ - في الحياة الطيبة.
٢١ - في النهي عن الإسراف في النفقات.
٩ - في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] إلخ.
٢٢ - واعظة.
٢٣ - في سؤال العبد عن النعم.
١٠ - في إنما الأعمال بالنيات.
٢٤ - في وجوب معرفة الله وتوحيده.
١١ - في الحث على الدعاء.
٢٥ - في بعض حقوق النبي ﷺ .
١٢ - في التوسل إلى الله بالوسائل النافعة.
стр. 106
٢٦ - فى حديِث: «إني حرمت الظلم» .
٢٧ - في التحذير من حلق اللحى.
٢٨ - في كل معروف صدقة.
٢٩ - في العقل.
٣٠ - في قوله ﷺ : «قد أفلح من هدى للإسلام. . .» إلخ.
٣١ - في نصائح نبوية.
٣٢ - في الاهتمام بصلاح القلب.
٣٣ - عن الآيات المخوفة والتحذير من الذنوب.
٣٤ - في التوحيد.
٣٥ - في نعم البرزخ وعذابه.
٣٦ - في فضل الإسلام.
٣٧ - في عمل اليوم والليلة.
٣٨ - في النصيحة.
٣٩ - في سنن الفطرة.
٤٠ - في البداءة باليمين.
٤١ - في آداب الشرع في السلام والتحية وغيرها.
٤٢ - في حسن الخلق.
٤٣ - في مفاتيح الخير والشر.
٤٤ - في الحث على مؤنة الأقارب وغيرهم.
٤٥ - في الحث على تدبر القرآن.
٤٦ - في وجوب العدل في كل شيء.
٤٧ - في معرفة الله وتوحيده.
٤٨ - في أحكام فقهية.
٤٩ - الجزاء من جنس العمل.
٥٠ - في الصدق.
٥١ - في الاستقامة.
٥٢ - في التعرف إلى الله.
٥٣ - في وجوب دفع الأذية عن الناس.
٥٤ - في الوتر وغيره.
٥٥ - في الصلاة على النبي ﷺ .
٥٦ - في تيسير طريق الجنة والنجاة من النار.
٥٧ - في الرضى بالقدر.
٥٨ - في التقوى.
٥٩ - في المنجيات والمهلكات.
٦٠ - واعظة.
٦١ - في معرفة الله.
٦٢ - في التوحيد.
٦٣ - في فضل الدين الإسلامي.
٦٤ - في فضل ليلة القدر.
٦٥ - في إصلاح التعليم.
٦٦ - في الحث على العلم.
٦٧ - التعلم بالله دون غيره.
٦٨ - في الحج.
٦٩ - في الحث على المساهمة في عمارة المساجد.
٧٥ - لشهر صفر.
٧١ - في الحث على التوبة.
٧٢ - بيان.
٧٣ - إيضاح.
стр. 107
[مجموعة خطب الشيخ عبد الرحمن السعدي]
مقدمة ١ - خطبة تحتوي على شرح بعض الأسماء الحسنى.
١١ - خطبة فيما يشرح الله به الصدر.
٢ - خطبة في الإشارةَ إلى التوحيد ووجوب الشكر.
١٢ - خطبة فيما يتبع الميت.
١٣ - خطبة في أن الجنة حفت بالمكاره والنار بالشهوات.
٣ - خطبة في بعض شمائل النبي ﷺ .
١٤ - خطبة في الحث على الجمعة والجماعة.
٤ - خطبة في الحث على التوبة.
٥ - خطبة في وجوب النصح في المعاملة والترهيب من البخس والغش.
١٥ - خطبة في الترغيب في كسب الحلال.
١٦ - خطبة في بر الوالدين وصلة الأرحام.
٦ - خطبة في عقائد وأخلاق وأعمال نافعة.
١٧ - خطبة في الجمع بين الخوف والرجاء.
٧ - خطبة حث الأغنياء على الإحسان والفقراء على الصبر.
١٨ - خطبة مقدمة الاستسقاء.
١٩ - خطبة الاستسقاء.
٨ - خطبة في العفو والإعراض عن الجاهلين.
٢٠ - خطبة بعد نزول الغيث والرحمة.
٩ - خطبة في الحث على القناعة.
٢١ - خطبة في الحث على العلم.
١٠ - خطبة في التعاون على البر.
٢٢ - خطبة في العلم أيضا.
стр. 108
٢٣ - خطبة في القيام بالحقوق.
٢٤ - خطبة في استقبال رمضان بما يناسبه.
٢٥ - خطبة لرمضان أيضا.
٢٦ -خطبة في فضل العشر الأخيرة من رمضان.
٢٧ - خطبة في الحث على صدقة الفطر.
٢٨ - خطبة لعيد الفطر.
٢٩ - خطبة في الحج.
٣٠ - خطبة في الحج.
٣١ - خطبة في الحج أيضا.
٣٢ - خطبة في الحج أيضا.
٣٣ - خطبة في الحج أيضا.
٣٤ - خطبة في فضل الصحابة.
٣٥ - خطبة في صلة الرحم والأقارب.
٣٧ - خطبة في معنى الكيس.
٣٨ - خطبة في الحض على الزكاة.
٣٩ - خطبة في الحث على تربية الأولاد.
٤٠ - خطبة في بعض جزاء المحسنين والمسيئين.
٤١ - خطبة في مقارنة الأخبار.
٤٢ - خطبة في الحث على أداء الديون عنك وعن والديك.
٤٣ - خطبة في الأمانة ورعايتها.
٤٤ - خطبة في الحث على الإصلاح.
٤٥ - خطبة في أمراض القلوب وأدويتها.
٤٦ - خطبة في تيسير الجمع بين أمور الدين والدنيا.
٤٧ - خطبة في نعمة الله برفع الجراد.
٤٨ - خطبة في الزجر عن البخس والمعاملات المحرمة.
٤٩ - خطبة في التحذير عن فاحشة الزنا.
٥٠ - خطبة في فضل غرس النخل.
٥١ - خطبة في أيام جذاذ الثمار.
٥٢ -خطبة في تقوى الله وبيان علاماتها.
٥٣ - خطبة في حقوق الزوجية.
٥٤ - خطبة في الإشارة إلى هجرة النبي ووفاته.
٥٥ - خطبة وعظية.
٥٦ - خطبة في الحث على تحقيق الإيمان وتكميله.
٥٧ - خطبة في التذكير بنعم الله وآثار الغيث.
٥٨ - خطبة في الحث على الصبر.
٥٩ - خطبة في تربية البنات تربية نافعة.
فهرس المجموع السادس (الخطب) .
стр. 109
من خلال عرض هذه الفهرست لخطب الشيخ ـ رحمة الله تتبدي لنا السمات التالية:
١ - التركيز على القضايا الكلية وأصول الاعتقاد والعمل والأخلاق، ويوضح ذلك ما يلي:
أ - بلغت الخطب التي بين فيها الشيخ أصول التوحيد ومنزلته وأهميته ثنتي عشرة خطبة.
ب - بلغت الخطب التَي بين فيها الشيِخ حقوق المصطفى ﷺ وشيئًا من شمائله وسيرته خمس خطب.
ج - بلغت الخطب التي تحدث فيها الشيخ عن التقوى وثمارها وعلاماتها، خمس خطب.
د - بلغت الخطب التي تحدث فيها الشيِخ عن نعم الله على خلقه سبع خطب.
هـ - بلغت الخطب التي تحدث فيها الشيخ عن القلوب صلاحها وفسادها وأسباب انشراحها وطمأنينتها أربع خطب.
هذا على سبيِل المثال، والاطلاع على هذه الأرقام في هذه الموضوعاتَ الكلية الأصلية دال على مدى عناية الشيخ
стр. 110
بالأصول، فاثنتا عشرة خطبة في التَوحيِد من أصل (١٦٠) خطبة دال على عنايتَه بالتَوحيد، علما أني لم أدخل في الأثنتيى عشر خطبة خطبا في موضوعاتَ تتعلق بالعقيدة مثل التوكل الذي بلغت الخطب فيه أربع خطب.
٢ - مراعاة الظرف الزماني المناسب، وتأتي خطب الشيخ التي راعى فيها الظروف الزمنية على قسمين:
القسم الأول: الخطب الدورية: وهي التي يراعي فيها الشيخ المناسبات مثل: خطبة عن الحج، وخطبة عن رمضان، وعن شهر صفر، وفي أيام جذاذ التمر.
القسم الثاني: الخطب الطارئة: وهي التَي يعالج فيها الشيخ أمورا طرأت على المجتمع الذي يِعيش فيه ومن ذلك: خطبته بعد نزول الغيث وحين زادت الأمطار، وحين حل الجراد بالناس , وخطبته حين وضع مكبر الصوت في المسجد فاستنكر وبعض الناس.
٣ - معالجته لقضايا الأمة العامة ومشكلاتها الكبرى.
فقد خطب عن وجوب الاستعداد بالفنون الحربية وخطب في الجانب الاقتصادي عن الزجر عن البخس والمعاملات