← Тафсир

Тафсир · id 31076

التفسير الموضوعي 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (264 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهرقل لما كان عنده من علمه بعادة الرسل، وسنة الله فيهم أنه تارةً ينصرهم وتارةً يبتليهم، وأنهم لا يغدرون علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر، كما في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: ((والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءٌ صبَرَ فكان خيرًا له)) أخرجه مسلم من حديث صهيب بن سنان الرومي، وأخرجه أحمد في (المسند) بلفظ: ((عجبت من أمر المؤمن، إن أمره كله خير)). والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة -أي: غلبة العدو- عليهم يوم أحد من الحكمة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩) وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون﴾ (العنكبوت: ٢) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه، وحكمته التي بهرت العقول. وفي حديث ابن عباس المتقدم قال: وسألتكم عما يأمر به؟ فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، ويأمركم بالصلاة، والزكاة، والصدق، والعفاف، والصلة، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيًّا يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ولا وددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبتُ إليه، وإن يكن ما تقولون حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين. وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو حينئذٍ كافر من أشد الناس بغضًا وعداوةً للنبي ﷺ .

стр. 107

قال أبو سفيان بن حرب: "فقلت لأصحابي ونحن خروج: لقد أمِر أمْر ابن أبي كبشة" يعني: قد انتشر وذاع بين الناس، وظهرت علامات نصره وظهوره علينا، إن هرقل ليعظمه، وهرقل ملك بني الأصفر، يقول أبو سفيان: "وما زلت موقنًا بأن أمر النبي ﷺ سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام وأنا كاره". إذن هذه علامات صدق النبي ﷺ حيث شهد له من لا يؤمن بأنه رسول، ومن لا يؤمن برسالته، وهو أبو سفيان كان ما زال على الكفر، شهد له بصدقه، وهذا يدل على أنه نبي. ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور قد لا يستقل بعضها به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وشكر، وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها، لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر، وكذلك العلم بخبر من الأخبار، فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثم الآخر يقويه إلى أن ينتهي إلى العلم حتى يتزايد ويقوى، وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك، وأيضًا فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالةَ على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة كتواتر الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده. ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيًّا بعد نبي في سورة الشعراء، كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده ﵈ يقول تعالى في آخر كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء: ٦٧، ٦٨) وبالجملة فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول: إنه رسول الله وأن قومًا اتبعوه، وأن أقوامًا خالفوه، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقب أعداءهم، هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها ووضحها.

стр. 108

صدق دعوة الأنبياء، وبيان أن إنكار الرسالة طعن في الرب سبحانه دلائل صدق الأنبياء ﵈ في دعواهم، وتبليغ رسالة الله إلى الناس: من هذه الدلائل أن الرسل أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم، وخذلان أولئك -أي: الأعداء- وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كغرق فرعون، وغرق قوم نوح، وبقية أحوالهم عرف صدق الرسول وصدق الرسل أجمعين ﵈. ومن هذه الدلائل أيضًا: أن من عرف ما جاء به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم أعلم بالخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من الرحمة والمصلحة والهُدى والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم، ومنع ما يضرهم ما يبين أن ادعاء الرسالة، وأن الإتيان بالشريعة من عند الله لا يصدر إلا عن راحم بار يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. يعني: الرسل شرائعهم تدل على صدقهم في أنهم رسل من عند الله حيث إن الشريعة مصدر الخير، مصدر السعادة، مصدر الحلول لكل المشكلات، فإذن دلائل نبوة الأنبياء متنوعة وكثيرة، وأنها لا تقتصر على المعجزات فقط، نعم المعجزات إحدى الدلائل التي تدل على صدق النبي ﷺ لكن دلائل صدقهم غير محصورة في هذا المعنى.

стр. 109

بيان أن إنكار رسالة النبي ﷺ طعن في الرب ﵎: بيان ذلك أنه إذا كان سيدنا محمد ﷺ ليس بنبي صادق بل ملِك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل وهم أهل الحق، ويسبي نساءهم، ويغنم أموالهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل الحق ما يفعل من افتراء عليه لمدة ثلاث وعشرين سنة وهو مع ذلك كله يؤيده، وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر. هذا إن كان الأمر كذلك، فهذا طعن في الرب ﵎ لأنه كيف يتركه الله أن يفعل ذلك كله ولا يعاقبه، وسنة الله التي قد خلت من قبل أنه لا يترك أحدًا يفتري عليه ويكذب عليه، ولذلك يقول تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (الطور: ٣٠، ١٣). هذا والله أعلم.

стр. 110

الدرس: ١٠ تابع الإيمان بالرسل - الإيمان بالملائكة والكتب السماوية .

стр. 111

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (تابع الإيمان بالرسل - الإيمان بالملائكة والكتب السماوية) وجوب الإيمان بجميع الرسل الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: وجوب الإيمان بمَن سمى الله في كتابه من رسله وأنبيائه: يقول صاحب (العقيدة الطحاوية): وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من الرسل، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلًا سواهم، وأنبياء لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله الذي أرسلهم، فعلينا الإيمان بالرسل جملةً؛ لأنه لم يأتِ في عددهم نص، وقد قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (النساء: ١٦٤) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (غافر: ٧٨) وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميعَ ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوه بيانًا لا يسَعُ أحدًا ممن أرسلوا إليهم جهده، ولا يحل له خلاق. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِين﴾ (النحل: ٣٥)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فإنما عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِين﴾ (النحل: ٨٢) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِين﴾ (النور: ٥٤) وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فإنما عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِين﴾ (التغابن: ١٢). أولو العزم من الرسل: وأما أولو العزم من الرسل، فقد قيل فيهم أقوال، أحسنها ما نقله البغوي وغيره عن ابن عباس وقتادة أنهم -أي: أولي العزم-: نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد -صلوات الله وسلامه عليه- قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (الأحزاب: ٧). وفي قوله

стр. 112

تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه﴾ (الشورى: ١٣). الفرق بين النبي والرسول: لقد ذكر العلماء فروقًا بين النبي والرسول، وأحسنها أن من نبأه الله بخبر السماء إن أمره أن يبلغ غيره فهو نبي ورسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره فهو نبي وليس برسول، فالرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها. ويرى شيخ الإسلام في كتاب (النبوات): أن النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه﴾ (الحج: ٥٢) وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فذكر إرسالًا يعم النوعين، وقد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح ﵇. وقد ثبت في (الصحيح) أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض، وكان قبله أنبياء كشيت وإدريس ﵉ وقبلهما آدم كان نبيًّا مكلمًا، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم، كما

стр. 113

يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول. وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة، وقد يوحَى إلى أحدهم بوحي خاص في قصة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن، كما فهم الله سليمان حكم القضية التي حكم فيها هو وداود. فالأنبياء ينبئهم الله، فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره، وهم ينبئون المؤمنين به ما أنبأهم الله، إذن الأنبياء ينبئهم الله تعالى، فيخبرهم بأمره ونهيه، وهم بالتالي ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله. إرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه: إن إرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه خصوصًا سيدنا محمدًا ﷺ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين﴾ (آل عمران: ١٦٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ (الأنبياء: ١٠٧). خاتم الأنبياء: قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين﴾ (الأحزاب: ٤٠) وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: ((إن مَثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنَى بيتًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنةٍ من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هَلَّا وضعتَ هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنةُ، وأنا خاتم النبيين)) أخرجه البخاري ومسلم. ولما ثبت أنه ﷺ خاتم النبيين، عُلِمَ أن مَن ادعى بعده النبوة فهو كاذب، ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة، كيف يُقال بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا يُتصور أن يوجد، وهو من باب فَرْض المحال؛ لأن

стр. 114

الله تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين؛ فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة، ولا تظهر أمارة كذبه في دعواه، والرسول ﷺ هو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء. أما كونه مبعوثًا إلى عامة الجن، فقد قال تعالى حكايةً عن قول الجن: ﴿يَا قَوْمنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (الأحقاف: ٣١) إلى آخر الآية، وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضًا. وأما كونه مبعوثًا إلى كافة الورى، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرً ا﴾ (سبأ: ٢٨) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعً ا﴾ (الأعراف: ١٥٨). فكون النبي ﷺ مبعوثًا إلى الناس كافةً معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وأما قول بعض النصارى إنه رسول إلى العرب خاصةً، فظاهر البطلان، فإنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال: إنه رسول الله إلى الناس عامةً، والرسول لا يكذب، فلزم تصديقه حتمًا، فقد أرسل رسله وبث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس، وسائر ملوك الأطراف يدعو إلى الإسلام. الإيمان بالملائكة والكتب السماوية الإيمان بالملائكة والكتب المنزلة على المرسلين: هذه الأمور من أركان الإيمان، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه﴾ (البقرة: ٢٨٥) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين﴾ (البقرة: ١٧٧) فجعل الله الإيمان هو

стр. 115

الإيمان بهذه الجملة، وسمَّى من آمن بهذه الجملة مؤمنين، كما جعل الكافرين مَن كفَرَ بهذه الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدً ا﴾ (النساء: ١٣٦). وقال ﷺ في الحديث المتفق على صحته، حديث جبريل وسؤاله للنبي ﷺ عن الإيمان فقال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)) رواه مسلم. الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٠: ١٢) وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق:١٧، ١٨) وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه﴾ (الرعد: ١١١) وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون﴾ (الزخرف: ٨٠) وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ (الجاثية: ٥٩). وفي (زاد المسير) لابن الجوزي يقول: وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، تَستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقًا ما يعملونه. قال: والاستنساخ لا يكون إلا من أصل، قال الفَرَّاء: يرفع الملكان العمل كله، فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو. وقال الزجاج: نستنسخ ما تكتبه الحفَظَة، ويثبت عند الله . انتهى كلام ابن الجوزي في (زاد المسير). وقال تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُون﴾ (يونس: ٢١) وعن أبي هريرة ﵁-

стр. 116

قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)) أخرجه البخاري، ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إياكم والتعري! فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم)) أخرجه الترمذي وقال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. جاء في (التفسير): اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، ومَلَكان آخران يحفظانه ويحرسانِه، واحد من ورائه، وواحد من أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، حافظان وكاتبان. وقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الرعد: ١١) قال: "ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلو عنه". أخرجه الطبري. وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسولَ الله؟ قال: وإياي، ولكن أعانني الله عليه فأسلَمَ، فلا يأمرني إلا بخير)) أخرجه مسلم، وأحمد. ومعنى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قيل: حفظهم له من أمر الله؛ أي: الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ: "يحفظونه بأمر الله" رواه الطبري وفي (زاد المسير): هو قول الحسن ومجاهد وعكرمة، قال اللغويون: والباء تقوم من،

стр. 117

وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل، وكذلك النية؛ لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون﴾ (الانفطار: ١٢). ويشهد لذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((قال الله : إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئةً، وإذا هَمَّ عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنةً، فإن عملها فاكتبوها عشرًا)) أخرجه مسلم، والبخاري. الإيمان بملك الموت: ملك الموت هو الملك الموكل بقبض أرواح العالمين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون﴾ (السجدة: ١١) ولا تعارض هذه الآية قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: ٦١) وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (الزمر: ٤٢) لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ويتولونها بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره وحكمه، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه. أصناف الملائكة وتنوع أعمالهم التي كلفوا بها: لقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما

стр. 118

يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرامها وعمل آلاتها ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله، ومنهم ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (المرسلات: ١) ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْم ُلْقِيَاتِ ذِكْرً ا﴾ (المرسلات: ٣ - ٥). في تفسير ابن كثير عن أبي هريرة: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ قال: الملائكة. قال: وروي عن مسروق وأبي الضحاك ومجاهد في إحدى الروايات والسدي والربيع بن أنس مثل ذلك، وروي عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل، وفي رواية عنه: هي الملائكة، وهكذا قال أبو صالح في: العاصفات والناشرات والملقيات: إنها الملائكة. قال الثوري: عن سلمة بن كهيث عن مسلم البطين عن أبي العبيدين قال: سألت ابن مسعود عن "المرسلات عرفًا" قال: الريح، وكذا قال في "العاصفات عصفًا" و"الناشرات نشرًا": إنها الريح. وكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية عنهم. وتوقف ابن جرير في "المرسلات عرفًا" هل هي الملائكة أرسلت بالعرف أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضًا، أو هي الريح إذا هبت شيئًا فشيئًا، وقطع بأن العاصفات عصفًا هي الرياح كما قاله ابن مسعود ومن تابعه، وممن قال ذلك في العاصفات أيضًا علي بن أبي طالب والسدي، وتوقف في "الناشرات نشرًا" هل هي الملائكة أو الريح كما تقدم. وعن أبي صالح أن "الناشرات نشرًا" هي المطر، والأظهر أن المرسلات هي

стр. 119

الرياح، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (الحجر: ٢٢) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه﴾ (الأعراف: ٥٧)، وهكذا العاصفات هي الرياح، يقال: عصفت الريح إذا هبت بتصويت يعني بحدوث صوت، وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحب في آفاق السماء كما يشاء الرب . وقوله: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرً ا﴾ (المرسلات: ٥، ٦) يعني: الملائكة، قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري، ولا خلاف ها هنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل والهدى والغي والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيًا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره، انتهى. والملائكة منهم "النازعات غرقًا" و"الناشطات نشطًا والسابحات سبحًا والسابقات سبقًا" ومنهم "الصافات صفًا فالزاجرات زجرًا فالتاليات ذكرًا" ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله الفرق والطوائف والجماعات التي مفردها فرقة وطائفة وجماعة. ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السموات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله- ﵎. نأتي إلى نقطة أخرى وهي أن الملك رسول منفذ لأمر ربه: لفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره، قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٧، ٢٨) وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (النحل: ٥٠) فهم عباد له مكرمون منهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام معلوم لا يتخطاه، وهو على

стр. 120

عمل قد أمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون. رؤساؤهم الأملاك الثلاثة: جبريل، ميكائيل، إسرافيل، الموكلون بالحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر المطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم. آيات كثيرة وردت في ذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم: القرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم، فتارة يقرن الله تعالى اسمه باسمهم، وصلاته بصلاتهم، ويضيفهم إليه في مواضع التشريف، وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له، وبراءتهم من الذنوب، وتارة يصفهم بالإكرام والكرم والتقرب والعلو والطهارة والقوة والإخلاص، قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥) وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: ١٨) إلى آخر الآية، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (الأحزاب: ٤٣) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُو ا﴾ (غافر: ٧) وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (الزمر: ٧٥) وغير ذلك من الآيات. الإيمان بما سمى الله من الكتب المنزلة: هناك كتب سماها الله تعالى في كتابه: القرآن، التوارة، الإنجيل، الزبور، فنحن نؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه، ونؤمن أيضًا بأن لله سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله.

стр. 121

وأما الإيمان بالقرآن فالإقرار به واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب، فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله، وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَ ا﴾ إلى قوله ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: ١٣٦). وقال تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ (آل عمران: ١، ٢) إلى قوله ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران: ٤) وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥) إلى آخر الآية، وآيات كثيرة، كل هذا يدل على أن الإيمان بالملائكة أمر واجب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (البقرة: ٢١٣) أي على دين واحد، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت: ٤١، ٤٢). وأمثال ذلك من الآيات كثيرة في القرآن، تدل على الإيمان بالملائكة والكتب المنزلة على الرسل. هذا والله أعلم.

стр. 122

الدرس: ١١ بيان فساد عقائد المشركين والمنافقين ومذاهبهم .

стр. 123

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (بيان فساد عقائد المشركين والمنافقين ومذاهبهم) إظهار فساد عقائد المشركين الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأولًا: إظهار فساد عقائد المشركين: المشركون أشركوا مع الله آلهة أخرى في العبادة، فنهاهم الله عن ذلك، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٢). عن ابن عباس قال: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صَفاة سوداء، في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان". وفي الحديث: ((نعم القوم أنتم لولا أنكم تُنَدِّدون -أي: تجعلون لله أندادًا- تقولون: ما شاء الله وشاء فلان)) بإسناد حسن. عن الحارث الأشعري أن نبي الله ﷺ قال: ((إن الله أمر يحيى بن زكريا ﵇ بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن؛ أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبدًا مِن خالص ماله بورق -يعني بفضة- أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يَسُره أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ... )) إلى آخر الحديث. - المشركون لا يمتثلون لأوامر الله: المشركون لم يوحدوا الله في العبادة، فهذا هو ملك بابل نمروذ بن كنعان طلب من إبراهيم ﵇ دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ عندئذ قال النمروذ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ بمعنى

стр. 124

أن أوتي بالرجلين استحقا القتل، فآمر بقتل أحدهما فيُقتل وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة. والظاهر -والله أعلم- أنه ما أراد هذا؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨). ولهذا قال له إبراهيم ﵇ لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت أنك تحيي وتميت فأت بها من المغرب، فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بُهت، وأصبح لا يستطيع أن يتكلم وقامت عليه الحجة، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. بيّن الله هذا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨). المشرك إن مات على شركه لا يغفر الله له. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٤٨).

стр. 125

وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ((الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله؛ فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضًا، حتى يدين -أي: يقتص- أو يجازي لبعضهم من بعض)) - الشرك بالله دليل ضعف عقول المشركين: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٩، ١٩٠). يخبر الله تعالى أنه خلق جميع الناس من آدم ﵇ وأنه خلق منه زوجه حواء، وجعل منها زوجها ليألفها ويسكن بها، فلا ألفة بين روحين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه. يخبر الله أن ذلك الرجل لما وطئ زوجته وجامعها حملت حملًا خفيفًا، وذلك أول الحمل، لا تشعر المرأة بثقل الحمل في بدايته، فالمرأة لا تجد له ألمًا لأن ما حملته النطفة، النطفة يعني قليلة، ثم العلقة ثم المضغة. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي: استمرت به، أي: استمرت بالحمل. فلما صارت ذات ثقل، يعني: أصبح الحمل ثقيلًا دعوا الله ربهما لئن آتيتنا يا رب بشرًا سويًا لنكونن من الشاكرين. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أنكر

стр. 126

الله سبحانه على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئًا من الأمر ولا تضر ولا تنفع ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منهم -أكمل من الأصنام التي يعبدونها- بسمعهم وبصرهم وبطشهم. ولهذا قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١) أي: أتشركون به مِن المعبودات -التي هي الأصنام- ما لا يخلق شيئًا ولا يستطيع ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٧٣، ٧٤). معنى هذا: أن الله أخبر أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو أَخذت الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذ ذلك منها، فمَن هذه صفته وحاله كيف يُعبد ليرزق ويستنصر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: ٢٠) أي: بل هم مخلوقون مصنوعون، كما قال الخليل ﵇ لقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ (الصافات: ٩٥). ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم. ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٢) يعني: ولا الأصنام تستطيع أن تنصر نفسها ممن أرادهم بسوء، يعني: إذا جاء واحد يكسر هذه الأصنام لا يستطيعون أن يمنعوه ولا أن يصدوه، كما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِين ِ﴾ (الصافات: ٩٣). وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُون﴾ (الأنبياء: ٥٨).

стр. 127

وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ﵄ وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة فكانا يَعْدُوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها، ويتخذانها حطبًا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك. فكان لعمرو بن الجموح -وكان سيدًا في قومه- له صنم يعبده ويُطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صُنع به فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر، ثم يعودان إلى مثل ذلك، ويعودان إلى صنيعه أيضًا، حتى أخذاه مرة فقَرَناه -يعني: وضعاه- مع كلب ميت، ودلَّياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، ثم أسلم فحسن إسلامه وقُتل يوم أُحد شهيدًا، ﵁ وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مأواه. قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٣) يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء عندها أو لديها من دعاها ومن دحاها. كما قال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مريم: ٤٢) ثم ذكر تعالى أن الأصنام عبيد مثل عابديها، أي: مخلوقات مثلهم، بل الناس أكمل منها؛ لأن الناس يسمعون، الناس يبصرون، يبطشون، يدافعون عن أنفسهم إذا تعرضوا للأذى، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك. وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٥) استنصِروا بهؤلاء الشركاء عليَّ فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم. ﴿إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٦) أي: الله حسبي وكافي هو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي. وهذا كما قال هود ﵇ لما قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (هود: ٥٤ - ٥٦).

стр. 128

وكقول الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (الشعراء: ٧٥ - ٧٨). وكقول إبراهيم ﵇ لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: ٢٦ - ٢٨). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ (الأعراف: ١٩٧) مؤكِّد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذلك بصيغة الغيبة. ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٧). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٨) كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤). وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي: تراهم يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عامَلهم معاملة مَن يعقل؛ لأنها على صور كالإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فعبر عن الأصنام بضمير من يعقل. بطلان عقيدة تعدد الآلهة، وإنكار المشركين للبعث إنكار الإسلام لتعدد الآلهة: لقد نعى القرآن الكريم كثيرًا على من عدد الإله، فاتخذ إلهين اثنين أو اتخذ التثليث أو عبد شيئًا من الخلق، كالشمس والقمر والأصنام، وحَرَّك عقول المعددين للإله إلى النظر فيما يوجب وحده المعبود وحدة تامة كاملة، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٤٢)، وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون﴾ (الأنبياء: ٢٢)،

стр. 129

وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١، ٩٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه ِ﴾ (آل عمران: ٦٤)، وقال تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (الأنعام: ٧٩). إنكار المشركين للبعث: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ (الإسراء: ٤٩ - ٥١). ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أي: يحركونها استهزاء ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٥١، ٥٢). هكذا حال المشركين، ولقد أخبر الله عنهم في موضع آخر: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَة * أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ (النازعات: ١٠ - ١٢). وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس: ٧٨، ٧٩).

стр. 130

فساد عقيدة المنافقين والكافرين، ومذاهبهم في التحليل والتحريم - فساد عقيدة المنافقين: النفاق ظهر في المدينة وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر؛ حيث إن الإسلام في مكة لم تكن له دولة، ولم تكن له قوة، بل لم تكن له عصبية يخشاها على أهل مكة فينافقونها، على الضد من ذلك كان الإسلام مضطهدًا، وكانت الدعوة مطارَدة، وفي المدينة أصبح للإسلام قوة يَحْسِب حسابها كل أحد، ولذلك وُجد النفاق في المدينة. تحدثت الآيات عن فساد عقيدة المنافقين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ٨ - ١٤). وقال تعالى موضحًا فساد عقيدتهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء: ٦١ - ٦٣).

стр. 131

- التهكم بالمشركين: قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٣٨)، بيان سبب هذا العذاب للمنافقين بينه الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: ١٣٩). إن أول مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلسًا يسمع فيه آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها، فيسكت ويتغاضى، يُسمى ذلك تسامحًا أو نسميه دهاءً، أو نسميه سعة صدر وأفق وإيمانًا بحرية الرأي، لا شك أن هذا نفاق، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء: ١٤٠). المنافقون يمسكون العصا من النصف، يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكافرين بوجه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١). ويرسم القرآن صورة زَرِية ومحتقرة للمنافقين بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤٣،١٤٢). إن الله يتوعد المنافقين بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٤٥).

стр. 132

- بيان مذاهب المشركين والمنافقين في التحليل والتحريم: قال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٤٣، ١٤٤). وهذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حرموا من الأنعام، وجعلوها أجزاء وأنواعًا: بحيرة، سائبة، وصيلة، حام، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار، فبيّن أنه تعالى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا، ثم بيّن أصناف الأنعام إلى غنم، وهو بياض وهو الضأن، وسواد وهو المعز، ذكره وأنثاه، وإلى إبل ذكورها وإناثها وبقر كذلك، وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك ولا شيئًا من أولادها، بل كلها مخلوقة لبني آدم أكلًا وركوبًا وحمولة وحلبًا، وغير ذلك من وجوه المنافع. كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ (الزمر: ٦). وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ رد عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (الأنعام: ١٣٩). وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أخبروني عن يقين كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك. وقال العوفي عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾

стр. 133

فهذه أربعة أزواج ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يقول: لَم أحرم شيئًا من ذلك. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يعني: هل يشتمل الرحم إلا على ذكر وأنثى، فلِمَ تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا، ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يقول تعالى: كله حلال. وقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: لا أحد أظلم منه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي؛ لأنه أول من غيّر دين الأنبياء، وأول من سيب السوائب ووصل الواصلة وحمى الحامي. هذا، والله أعلم.

стр. 134

الدرس: ١٢ بيان عناد اليهود والنصارى وضلالهم، والرد عليهم .

стр. 135

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (بيان عناد اليهود والنصارى وضلالهم، والرد عليهم) مظاهر انحراف وتحلل اليهود عن منهج الله سبحانه الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: انحراف اليهود عن منهج الله: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (البقرة: ٥٨، ٥٩). تذكر بعض الروايات أن القرية المقصودة هنا هي بيت المقدس، التي أمر الله بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر أن يدخلوها، ويُخرجوا منها العمالقة التي كانوا يسكنونها، ولكنهم أَبَوا دخول هذه القرية، ومن ثم كَتب عليهم ربهم التيه أربعين سنة، حتى نشأ جيل جديد بقيادة يوشع بن نون ففتح المدينة ودخلها، ولكنهم بدلًا من أن يدخلوها سُجدًا كما أمرهم الله؛ علامة على التواضع والخشوع، ويقولوا حطة، أي: حُط عنا ذنوبنا واغفر لنا، بدلًا من أن يفعلوا ذلك دخلوها على غير الهيئة التي أُمروا بها، وقالوا قولًا آخر غير الذي أمروا به. قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ عندئذ استحقوا عذاب الله بسبب مخالفتهم وخروجهم عن منهج الله. قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. عبادة بني إسرائيل للعجل: وهذا يدل على ضلالهم وعنادهم، لقد عبد بنو إسرائيل العجل في غيبة موسى ﵇، عندما ذهب إلى ميعاد ربه على الجبل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ (البقرة: ٥١). ومع هذا فقد عفا الله

стр. 136

عنهم، وأتى نبيهم الكتاب وهو التوراة، فيه فرقان بين الحق والباطل، عسى أن يهتدوا إلى الحق البيِّن بعد الضلال. قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ٥٣). اليهود هم اليهود في عنادهم وضلالهم: لقد عفا الله عن اليهود بعد عبادتهم للعجل، ولكن اليهود هم اليهود، كثافة حس، ومادية فكر، واحتجابًا عن مسارب الغيب، فإذا هم يطلبون أن يروا الله جهرة، والذي طلب هذا هم السبعون المختارون منهم، الذين اختارهم موسى لميقات ربه، يرفضون الإيمان لموسى إلا أن يروا الله عيانًا، والقرآن يواجههم هنا بهذا التجديف الذي صدر من آبائهم، لينكشف تعنتهم القديم الذي يشابه تعنتهم الجديد مع الرسول الكريم ﷺ ، وطلبهم الخوارق منه، وتحريضهم بعض المؤمنين على طلب الخوارق للتثبت من صدقه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (البقرة: ٥٥). مظاهر التحلل من العهد عند يهود: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (البقرة: ٦٥). لقد فصل القرآن الكريم حكاية اعتدائهم في السبت. قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: ١٦٣). لقد طلب اليهود أن يكون لهم يوم راحة مقدس، فجعل الله لهم يوم السبت راحة مقدسًا لا يعملون فيه للمعاش، ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت وتختفي في غيره، وكان ابتلاءً لم تصمد له يهود، وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع، أتتركه وفاءً بعهد واستمساكًا بميثاق، إن هذا ليس من طبع يهود.

стр. 137

ومن ثم اعتدوا على طريقتهم الملتوية، راحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت، ويقطعونها عن البحر بحاجز ولا يصيدونها، حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وانتشلوا السمك المحجوز، فقال الله تعالى لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. تعمد التحريف في كتاب الله: قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٧٥)، تنبه الآية الكريمة المؤمنين الذين يطمعون في هداية بني إسرائيل، ويحاولون أن يبثوا في قلوبهم الإيمان، وأن يفيضوا عليها النور، تنبه الآية المؤمنين بسؤال يوحي باليأس من المحاولة وبالقنوط من الطمع. والفريق المشار إليه هنا هم أعلم يهود، وأعرفهم بالحقيقة المنزلة عليهم في كتابهم، هؤلاء هم الأحبار والربانيون، الذين يسمعون كلام الله المنزل على نبيهم موسى ﵇ في التوراة، ثم يحرفونه عن مواضعه، ويؤولونه التأويلات البعيدة التي تخرج به عن دائرته، لا عن جهل بحقيقة مواضعه ولكن عن تعمد للتحريف، وعِلْم بهذا التحريف، يدفعهم الهوى، وتقودهم المصلحة، ويحدوهم الغرض المريض، فمن باب أولى ينحرفون عن الحق، الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ وقد انحرفوا عن الحق الذي جاء به نبيهم موسى ﵇. الرياء والنفاق والخداع والمراوغة: قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤)، لقد كان بعض اليهود إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، أي: آمنا بأن سيدنا محمدًا ﷺ مرسَل بحكم ما عندهم في التوراة مِن البشارة

стр. 138

به، وبحكم أنهم كانوا ينتظرون بعثته، ويطلبون أن ينصرهم الله به على من عاداهم. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (البقرة: ٨٩) إلى آخر الآية، ولكن إذا خلا بعضهم إلى بعض عاتبوهم على ما أفضوا للمسلمين من صحة رسالة سيدنا محمد ﷺ ومِن معرفتهم بحقيقة بعثته ﷺ مِن كتابهم. فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم، فتكون لهم الحجة عليكم، وهنا تدركهم ضيعتهم المحجبة عن معرفة صفة الله وحقيقة علمه، فيتصورون أن الله لا يأخذ عليهم الحجة إلا أن يقولوها بأفواههم للمسلمين، أما إذا كتموا وسكتوا فلن تكون لله عليهم حجة، وأعجب العجب أن يقول بعضهم لبعض في هذا: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٧٦)، ومن ثم يعجب السياق من تصورهم هذا. قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (البقرة: ٧٧). زعم اليهود بأن المؤمنين بالرسول ﷺ ليس لهم في الآخرة نصيب، والرد عليهم: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: ٩٤ - ٩٦). هذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بسيدنا محمد ﷺ لا نصيب لهم في الآخرة، والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسوله ووعود القرآن الكريم، فأمر الله نبيه ﷺ أن يدعو اليهود إلى مباهلة؛ بأن يقف الفريقان ويدعوا الله بهلاك الكاذب منهما. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

стр. 139

ويعقب الله على هذا التحدي بتقرير أنهم لن يقبلوا المباهلة، ولن يطلبوا الموت؛ لأنهم يعلمون أنهم كاذبون ويخشون أن يستجيب الله فيأخذهم، وهم يعلمون أن ما قدموه من عمل لا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة، وعندئذ يكونون قد خسروا الدنيا بالموت الذي طلبوه، وخسروا الآخرة بالعمل السيئ الذي قدموه. ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدي، فهم أحرص الناس على حياة، وهم والمشركون في هذا سواء، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. (البقرة: ٩٥، ٩٦). حماقة من حماقات اليهود المضحكة: قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٩٧، ٩٨). لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، مبلغًا يتجاوز كل حد، وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل. لقد سمعوا أن جبريل ينزل بالوحي من عند الله على محمد ﷺ ولما كان عداؤهم لسيدنا محمد ﷺ قد بلغ مرتبة الحقد والحنق، فقد لَجَّ بهم الضغن أن يخترعوا قصة واهية وحجة فارغة، فيزعموا أن جبريل عدوهم؛ لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب، وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان والتصديق بسيدنا محمد ﷺ من جراء صاحبه جبريل، ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا؛ فميكائيل ينزل بالرخاء والمطر والخصب. ولقد رد القرآن عليهم بأن من عادى أحدًا منهم فقد عاداهم جميعًا، وعادى الله

стр. 140

سبحانه، فعاداه الله، فهو من الكافرين، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. احتيال اليهود على سب النبي ﷺ : قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٠٤). تذكر الروايات أن السبب في النهي عن كلمة ﴿رَاعِنَا﴾؛ أن سفهاء اليهود كانوا يُمِيلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ، وهم يوجهونه للنبي ﷺ حتى يؤدي معنى آخر مشتقًا من الرعونة، فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي ﷺ مواجهة، فيحتالون على سبه -صلوات الله وسلامه عليه- عن هذا الطريق الملتوي الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء، ومن ثم جاء النهي للمؤمنين من اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة، وأُمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته؛ كي يفوتوا على اليهود غرضهم الصغير السفيه. دعاوى اليهود والنصارى الكاذبة قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ١١١، ١١٢). يَدَّعي اليهود والنصارى أنهم هم المقصودون وحدهم، وأن الجنة وَقْفٌ عليهم لا يدخلها سواهم، هذه القولة كتلك، لا تستند إلى دليل سوى الادعاء العريض بأنهم هم الذين يدخلون الجنة؛ لأنهم يقولون: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا

стр. 141

أو نصارى، هذه مجرد أمنية لهم، ومن ثم يُلقن الله رسوله ﷺ أن يجيبهم وأن يَجْبَههم بالتحدي، وأن يطالبهم بالدليل، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فالجزاء من جنس العمل، بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ١١٢). زعم اليهود بأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات، والرد عليهم: اليهود يحسبون أنهم ناجون من العذاب مهما فعلوا، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات، يخرجون بعدها إلى النعيم. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (البقرة: ٨٠). علام يعتمدون في ذلك؟ علام يحددون الوقت كأنهم مستوثقون، وكأنها معاهدة محدودة الأجل معلومة الميقات. حينما قالوا ذلك لقن الله نبيه ﷺ الحجة الدامغة: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ (البقرة: ٨٠) فأين هو ذلك العهد، هل أعطى لكم الله عهدًا على أن النار لن تمسكم في الآخرة إلا أيامًا معدودة، أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟!. هذا هو الواقع، هم يقولون كلامًا عن الله لا يعلمونه، ولذلك الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٨٠) هو للتقرير، تقرير الواقع، أي: هم يقولون على الله ما لا يعلمون، ولكنه في صورة الاستفهام، يحمل كذلك معنى الإنكار والتوبيخ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٨٠). هنا يأتيهم الجواب القاطع والقول الفصل في هذه

стр. 142

الدعوى في قول الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٨١، ٨٢). ليست العملية أُمنية كما قال اليهود، لكن الحكم يوم القيامة يكون على العمل. تكذيب اليهود والنصارى فيما يَدَّعون: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (البقرة: ١٣٥). قالت اليهود: كونوا هودًا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، فرد الله عليهم أن يرجعوا إلى ملة إبراهيم أبينا وأبيكم، وأصل ملة الإسلام إبراهيم ﵇ وما كان من المشركين، بينما أنتم مشركون. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٦٧). سوء أدب اليهود في حق الله، وهذا من ادعائهم الباطل وعنادهم: قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (آل عمران: ١٨١، ١٨٢). عن ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ... ﴾ (البقرة: ٢٤٥) الآية، قال اليهود: يا محمد افتقرَ ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.

стр. 143

وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: ٦٤). غلو النصارى في عيسى ﵇: قال تعالى: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: ١٧١). الله ينهى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى ﵇ حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًّا أو باطلًا أو ضلالًا أو رشادًا أو صحيحًا أو كذبًا، ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١). لكن الله هو المعبود، وهو لم يَتخذ صاحبة ولا ولدًا، وليس المسيح ولدًا له، إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 144

الدرس: ١٣ حديث القرآن الكريم عن السحر .

стр. 145

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (حديث القرآن الكريم عن السحر) معنى السحر، وحقيقته، وضروبه عند المعتزلة، وحكم تعلمه الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: أولًا: معنى السحر: السحر في اللغة: كل ما لطف مأخذه ودق. قال الأزهري: "وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى للناس الباطل في صورة الحق، وخيل للناس الشيء على غير حقيقته، وقد سحر الشيء عن وجهه، أي: صرفه". وقال الجوهري: "كل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، وسحره أيضًا بمعنى خدعه". وقال القرطبي: "السحر أصله التمويه بالحيل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، وهو مشتق من سحرتُ الصبي أو من سحرتَ الصبي إذا خدعته". وقال الألوسي: "السحر في الأصل مصدر سحّر يسحر بفتح العين فيهما، إذا أبدى ما يدق ويخفى، وهو من المصادر الشاذة، ويستعمل بما لطف وخفي سببه، والمراد به أمر غريب يشبه الخارق". - هل للسحر حقيقة وتأثير في الواقع؟ اختلف العلماء في أمر السحر: هل له حقيقة أم شعوذة وتخييل؟ ذهب جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة إلى أن السحر له حقيقة وتأثير.
следующие страницы →