← Тафсир

Тафсир · id 31076

التفسير الموضوعي 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (264 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أو نصارى، هذه مجرد أمنية لهم، ومن ثم يُلقن الله رسوله ﷺ أن يجيبهم وأن يَجْبَههم بالتحدي، وأن يطالبهم بالدليل، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فالجزاء من جنس العمل، بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ١١٢). زعم اليهود بأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات، والرد عليهم: اليهود يحسبون أنهم ناجون من العذاب مهما فعلوا، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات، يخرجون بعدها إلى النعيم. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (البقرة: ٨٠). علام يعتمدون في ذلك؟ علام يحددون الوقت كأنهم مستوثقون، وكأنها معاهدة محدودة الأجل معلومة الميقات. حينما قالوا ذلك لقن الله نبيه ﷺ الحجة الدامغة: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ (البقرة: ٨٠) فأين هو ذلك العهد، هل أعطى لكم الله عهدًا على أن النار لن تمسكم في الآخرة إلا أيامًا معدودة، أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟!. هذا هو الواقع، هم يقولون كلامًا عن الله لا يعلمونه، ولذلك الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٨٠) هو للتقرير، تقرير الواقع، أي: هم يقولون على الله ما لا يعلمون، ولكنه في صورة الاستفهام، يحمل كذلك معنى الإنكار والتوبيخ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٨٠). هنا يأتيهم الجواب القاطع والقول الفصل في هذه

стр. 142

الدعوى في قول الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٨١، ٨٢). ليست العملية أُمنية كما قال اليهود، لكن الحكم يوم القيامة يكون على العمل. تكذيب اليهود والنصارى فيما يَدَّعون: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (البقرة: ١٣٥). قالت اليهود: كونوا هودًا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، فرد الله عليهم أن يرجعوا إلى ملة إبراهيم أبينا وأبيكم، وأصل ملة الإسلام إبراهيم ﵇ وما كان من المشركين، بينما أنتم مشركون. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٦٧). سوء أدب اليهود في حق الله، وهذا من ادعائهم الباطل وعنادهم: قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (آل عمران: ١٨١، ١٨٢). عن ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ... ﴾ (البقرة: ٢٤٥) الآية، قال اليهود: يا محمد افتقرَ ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.

стр. 143

وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: ٦٤). غلو النصارى في عيسى ﵇: قال تعالى: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: ١٧١). الله ينهى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى ﵇ حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًّا أو باطلًا أو ضلالًا أو رشادًا أو صحيحًا أو كذبًا، ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١). لكن الله هو المعبود، وهو لم يَتخذ صاحبة ولا ولدًا، وليس المسيح ولدًا له، إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 144

الدرس: ١٣ حديث القرآن الكريم عن السحر .

стр. 145

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (حديث القرآن الكريم عن السحر) معنى السحر، وحقيقته، وضروبه عند المعتزلة، وحكم تعلمه الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: أولًا: معنى السحر: السحر في اللغة: كل ما لطف مأخذه ودق. قال الأزهري: "وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى للناس الباطل في صورة الحق، وخيل للناس الشيء على غير حقيقته، وقد سحر الشيء عن وجهه، أي: صرفه". وقال الجوهري: "كل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، وسحره أيضًا بمعنى خدعه". وقال القرطبي: "السحر أصله التمويه بالحيل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، وهو مشتق من سحرتُ الصبي أو من سحرتَ الصبي إذا خدعته". وقال الألوسي: "السحر في الأصل مصدر سحّر يسحر بفتح العين فيهما، إذا أبدى ما يدق ويخفى، وهو من المصادر الشاذة، ويستعمل بما لطف وخفي سببه، والمراد به أمر غريب يشبه الخارق". - هل للسحر حقيقة وتأثير في الواقع؟ اختلف العلماء في أمر السحر: هل له حقيقة أم شعوذة وتخييل؟ ذهب جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة إلى أن السحر له حقيقة وتأثير.

стр. 146

وذهب المعتزلة وبعض أهل السنة إلى أن السحر ليس له حقيقة في الواقع، وإنما هو خداع وتمويه وتضليل، وأنه باب من أبواب الشعوذة وأنه عندهم على ضروب. - ضروب السحر عند المعتزلة: أولًا: التخييل والخداع، وذلك كما يفعله بعض المشعوذين حيث يريك أنه ذبح عصفورًا، ثم يريك العصفور بعد ذبحه قد طار، وذلك لخفة حركته، والمذبوح غير الذي طار لأنه يكون معه اثنان، قد خبأ أحدهما وهو المذبوح وأظهر الآخر. قالوا: وقد كان سحر سحرة فرعون من هذا النوع، فقد كانت العصي مجوفة قد ملئت زئبقًا، وقد حفروا تحت المواضع أسرابًا وملئوها نارًا، فلما طرحت عليها الحبال والعصي وحمى الزئبق تحركت الحبال والعصي؛ لأن من شأن الزئبق إذا أصابته الحرارة أن يتمدد، فتخيل الناس أن هذه الحبال والعصي حيات تتحرك وتسير. من ضروب السحر عند المعتزلة: الكهانة والعرافة بطريق التواطؤ، وذلك كما يفعله بعض العرافين والكهان، حيث يوكلون أناسًا بالاطلاع على أسرار الناس، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها، ويزعمون أنها من حديث الجن والشيطان لهم، وأنهم يتصلون بهم ويطيعونهم بواسطة الرقى والعزائم، وأن الشياطين تخبرهم بالمغيبات، فيصدقهم الناس، وما هي إلا مواطأة مع أشخاص قد أَعَدّوهم لذلك. قال الجصاص في كتابه (أحكام القرآن): "كانت أكثر مخاريق الحلاج بالمواطأة، فكان يتفق مع جماعة فيضعون له خبزًا ولحمًا وفاكهة في مواضع يعينها لهم، ثم

стр. 147

يمشي مع أصحابه في البرية في الصحراء، ثم يأمرهم بحفر هذه المواضع فيخرج ما خبئ من الخبز واللحم والفاكهة، فيعدونها من الكرامات". (روائع البيان في آيات الأحكام) للصابوني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ (البقرة: ١٠٢) إلى آخر الآية. النوع الثالث: من ضروب السحر عند المعتزلة، ضرب آخر من السحر عن طريق النميمة والوشاية والإفساد من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك أمر عام شائع في كثير من الناس. وقد حكي أن امرأة أرادت إفساد ما بين زوجين، فجاءت إلى الزوجة فقالت لها: إن زوجك معرض عنك وهو يريد أن يتزوج عليك، وسأسحره لك حتى لا يرغب عنك ولا يريد سواك، ولكن لا بد أن تأخذي من شعرٍ حلَقه بالموس ثلاث شعرات إذا نام، وتعطينها إياي حتى يتم سحره، فاغترت المرأة بقولها وصدقتها. ثم ذهبت إلى الرجل وقالت له: إن امرأتك قد أحبت رجلًا وقد عزمت على أن تذبحك بالموس، وقد أشفقتُ عليك، ولزمني نصحك فتيقظ لها هذه الليلة، وتظاهر بالنوم فستعرف صدق كلامي، فلما جاء الليل تناوم الرجل في بيته، فجاءت زوجته بالموس، ليحلق بعض شعرات من حلقه، ففتح الرجل عينيه فرآها وقد أهوت بالموس إلى حلقه، فلم يشك في أنها أرادت قتله فقام إليها فقتلها، فبلغ الخبر إلى أهلها فجاءوا فقتلوه، وهكذا كان الفساد بسبب الوشاية والنميمة. رابعًا: من ضروب السحر عند المعتزلة: الاحتيال، وذلك بإطعام الإنسان بعض الأدوية المؤثرة في العقل، أو إعطائه بعض الأغذية التي لها تأثير على الفكر والذكاء، كإطعامه دماغ الحمار الذي إذا أطعمه إنسان تبلد عقله وقلت فطنته،

стр. 148

مع أدوية أخرى معروفة في كتب الطب، فإذا أكله الإنسان تصرف تصرفًا غير سليم، فيقول الناس: به مس أو إنه مسحور. قال أبو بكر الجصاص -وحكمة كافية تبين لك أن هذا كله مخاريق وحيل-: "لا حقيقة لما يَدَّعون لها أن الساحر والمعزي لو قدر على ما يدعي به من النفع والضرر، وأمكنهما الطيران والعلم بالغيوب، وأخبار البلدان النائية والخبيئات والسرق، والإضرار بالناس، لقدروا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان بقتل الملوك، بحيث لا ينالهم مكروه، ولاستغنوا عن الطلب لما في أيدي الناس، فإن لم يكن كذلك، وكان المُدّعون لذلك أسوأ الناس أحوالًا، وأكثرهم طمعًا واحتيالًا، وتوصلًا لأخذ دراهم الناس، وأظهرهم فقرًا وإملاقًا، علمتَ أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك". المعتزلة لهم أدلة على كلامهم: استدل المعتزلة على أن السحر ليس بحقيقة بعدة أدلة؛ من أهمها: أ- قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ (الأعراف: ١١٦). وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦). فالآية الأولى تدل على أن السحر إنما كان للأعين فحسب، والثانية أن هذا السحر كان تخييلًا لا حقيقة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (طه: ٦٩). فهذا يثبت أن الساحر لا يمكن أن يكون على حق لنفي الفلاح عنه. وقالوا: لو قدر الساحر أن يمشي على الماء أو يطير في الهواء أو يقلب التراب إلى ذَهب على الحقيقة، لبطل التصديق بمعجزات الأنبياء، والتبس الحق بالباطل، فلم ي عد يُعرف النبي من الساحر؛ لأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأنه جميعه من نوع واحد.

стр. 149

أدلة الجمهور: استدل الجمهور من العلماء على أن السحر له حقيقة وله تأثير بعدة أدلة؛ من أهمها: أ- قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: ١١٦). وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (البقرة: ١٠٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٠٢). وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (الفلق: ٤). فالآية الأولى دلت على إثبات حقيقة السحر بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. والآية الثانية أثبتت أن السحر كان حقيقيًا، حيث أمكنهم بواسطته أن يفرقوا بين الرجل وزوجه، وأن يوقعوا العداوة والبغضاء بين الزوجين، فدلت على أثره وحقيقته. والآية الثالثة أثبتت الضرر للسحر، لكنه متعلق بمشيئة الله. والآية الرابعة تدل على عظيم أثر السحر، حتى أمرنا أن نتعوذ بالله من شر السحرة الذين ينفثون في العقد. واستدلوا بما روي أن يهوديًّا سحر النبي ﷺ فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: ((إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل ﷺ فاستخرجها فحلها، فقام كأنما نشط من عقال)). رواه النسائي عن زيد بن أرقم، وفي الصحيحين عن عائشة: "أن الذي سحره من اليهود يسمى لبيد بن الأعصم". يقول الصابوني: "مِن استعراض الأدلة نرى أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلًا؛ فإن السحر له حقيقة وله تأثير على النفس، فإن إحداث التنافر بين الزوجين، والتفريق بين المرء وأهله، الذي أثبته القرآن الكريم، ليس إلا أثرًا من آثار السحر، ولو لم يكن للسحر تأثير لما أمر القرآن بالتعوذ من شر النفاثات في

стр. 150

العقد، ولكن كثيرًا ما يكون هذا السحر بالاستعانة بأرواح شيطانية، فالسحر له أثره وضرره، ولكن أثره وضرره لا يصل إلى الشخص إلا بإذن الله، فهو سبب من الأسباب الظاهرة التي تتوقف على مشيئة مسبب الأسباب رب العالمين جل وعلا. وأما استدلالهم بأنه يلتبس الأمر بين المعجزة والسحر إذا أثبتنا للسحر حقيقة، فنقول: إن الفرق بينهما واضح، فإن معجزات الأنبياء ﵈ هي على حقائقها، وظاهرها كباطنها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، وأما السحر فظاهره غير باطنه، وصورته غير حقيقته، يُعرف ذلك بالتأمل والبحث، ولهذا أثبت القرآن الكريم للسحرة أنهم استرهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم، مع إثبات أن ما جاءوا به إنما كان عن طريق التمويه والتخييل. قال العلامة القرطبي: "لا ينكر أحد أن يظهر على يد الساحر خرقًا للعادات، بما ليس في مقدور البشر، من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو، إلى غير ذلك، مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات البشر. قال: ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يلج في الكوات والكوخات، والانتصاب على رأس قصبته، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب وغير ذلك، ومع ذلك فلا يكون السحر موجبًا لذلك ولا علة لوقوعه، ولا سببًا مولدًا ولا يكون الساحر مستقلًا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء، ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند شرب الماء. ثم قال: قد أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده، من إنزال الجراد والقمل والضفادع، وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق

стр. 151

العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل ﵈ فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله عند إرادة الساحر". وقال أبو حيان: "واختلف في حقيقة السحر على أقوال: الأول: أنه قلب الأعيان واختراعها بما يشبه المعجزات والكرامات، كالطيران وقطع المسافات في ليلة. الثاني: أنه خدع وتمويهات وشعوذة لا حقيقة لها، وهو قول المعتزلة. الثالث: أنه أمر بأخذ العين على جهة الحيلة، كما كان فعل سحرة فرعون، حيث كانت حبالهم وعصيهم مملوءة زئبقًا، فجروا تحتها نارًا فحميت الحبال والعصي فتحركت وشقت. الرابع: أنه نوع من خدمة الجن والاستعانة بهم، وهم الذين استخرجوه من جنس لطيف فلطف ودق وخفي. الخامس: أنه مركب من أجسام تُجمع وتُحرق، ويُتلى عليها أسماء وعزائم، ثم تستعمل في أمور السحر. السادس: أن أصله طلسمات تُبنى على تأثير خصائص الكوكب، أو استخدام الشياطين لتسهيل ما عسر. السابع: أنه مركب من كلمات ممزوجة بالكفر، وقد ضم إليها أنواع من الشعوذة والنارنجينات والعزائم، وما يجري مجرى ذلك. ثم قال: وأما في زماننا الآن فكل ما وقفنا عليه في الكتب فهو كذب وافتراء، ولا يترتب علي شيء ولا يصح منه شيء ألبتة، وكذلك العزائم وضرب المندل، والناس يصدقون بهذه الأشياء ويصغون إلى سماعها.

стр. 152

هل يباح تعلم السحر وتعليمه؟ ذهب بعض العلماء إلى أن تعلم السحر مباح؛ بدليل تعليم الملائكة السحر للناس، كما حكاه القرآن الكريم عنهم، وذهب الجمهور إلى حرمة تعلم السحر أو تعليمه؛ لأن القرآن الكريم قد ذكره في معرض الذم، وبيّن أنه كفر فكيف يكون حلالًا. كما أن الرسول ﷺ عده من الكبائر الموبقات، كما في الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) الحديث من رواية البخاري ومسلم. اليهود والسحر قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٠١ - ١٠٣).

стр. 153

قال ابن الجوزي ﵀: "في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: أن اليهود كانوا لا يسألون النبي ﷺ عن شيء من التوراة إلا أجابهم، فسألوه عن السحر وخاصموه به، فنزلت هذه الآية. قاله أبو العالية. والثاني: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد، يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا، فنزلت هذه الآية". قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (البقرة: ١٠٢) ذكره ابن إسحاق. يخبر المولى -جل ثناؤه- أن أحبار اليهود وعلماءهم نبذوا كتابه، الذي أنزل على عبده ورسوله موسى ﵇ وهو التوراة، كما نبذ أحفادهم الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ وهو القرآن، مع أن الرسول جاء مصدقًا لما بين أيديهم من التوراة، فلا عجب أن يكون الأحفاد مثل الأجداد في الاستكبار والعناد، فهؤلاء ورثوا عن أسلافهم البغي والإفساد والعناد. والتعبير بالنبذ وراء الظهور فيه زيادة وتشنيع وتقبيح على اليهود؛ حيث تركوا العمل بكتاب الله، وأعرضوا عنه بالكلية، شأن المستخف بالشيء المستهزئ به، وتمسكوا بأساطير من فنون السحر والشعوذة. يقول سيد قطب ﵀ في (ظلال القرآن): "والذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والمقصود طبعًا أنهم جحدوه وتركوا العمل به، ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس، ويمثل عملهم بحركة مادية يتخيله بصورة مادية متخيلة، تُصور هذا التصرف تصويرًا بشعًا زريًا ينضح بالكنود والجحود، ويتسم بالغلظة والحماقة ويفيض بسوء الأدب والقُحة، ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة، حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور".

стр. 154

لقد نبذ أولئك كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله المنزل على نبيه ﷺ واتبعوا طرق السحر والشعوذة، التي كانت تحدثهم بها الشياطين في عهد مُلك سليمان، وما كان سليمان ﵇ ساحرًا ولا كفر بتعلمه السحر، ولكن الشياطين هم الذين وسوسوا إلى الإنس، وأوهموهم أنهم يعلمون الغيب، وعلموهم السحر حتى فشا أمره بين الناس، والسحر لم يُعرف إلا عند اليهود، فتاريخه مشتهر بظهورهم، فهم الذين نبذوا كتاب الله وسلكوا طريق السحر، وعملوا على إفساد عقول الناس وعقائدهم بطريق السحر والشعوذة والتضليل. وهذا يدل على أن اليهود أصل كل شر ومصدر كل فتنة، وقد صور القرآن الكريم نفسية اليهود بهذا التصوير الدقيق في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: ٦٤). ووجه المقارنة بين ذكر الشياطين والسحر في الآية الكريمة هو أن السحر فيه استعانة بأرواح خبيثة شريرة من الجن والشياطين، تزعم أنها تعلم الغيب وتوهم الناس بذلك، وقد كان بعض الناس يُصَدِّقون فيما يزعمون، ويلجئون إليهم عند الكرب، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦)، ولهذا اشتهر السحر عن طريق الاتصال بهذه الأرواح الخبيثة. أخرج ابن جرير والحاكم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة كذب عليها ألف كذبة، فأشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين، فأطلع الله على ذلك سليمان بن داود، فأخذها وقذفها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام الشيطانبالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع. قالوا: نعم،

стр. 155

فأخرجوه فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم، فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا من السحر". أخرجه الحاكم وصححه، وذكره الطبري عن السدي. ولقد عبر القرآن الكريم عن السحر بالكفر فقال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وسياق اللفظ يدل على أن المراد منه السحر، أي: وما سَحر سليمان، وإنما عبر عنه بالكفر تقبيحًا وتشنيعًا، كما قال تعالى فيمن ترك الحج مع القدرة عليه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٧). وفي هذا التعبير تنفير للناس من السحر ودلالة على أنه من الكبائر الموبقات، بل هو قرين الكفر والإشراك بالله، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وكما اتبع رؤساء اليهود السحر والشعوذة كذلك اتبعوا ما أنزل على الرجلين الصالحين، أو الملكين هاروت وماروت بمملكة بابل، فقد أنزلهما الله تعالى إلى الأرض لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وما يُعلِّمان السحر من أجل السحر، وإنما من أجل إبطاله؛ ليظهر للناس الفرق بين المعجزة والسحر، ولله أن يبتلي عباده بما شاء، كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وقد كثر السحر في ذلك الزمان، وأظهر السحرة أمورًا غريبة وقع بسببها الشك في النبوة، فبعث الله تعالى الملكين لتعليم أبواب السحر؛ حتى يزيلا التشبيه للمعجزة ويميطا الأذى عن الطريق، ومع ذلك فقد كانا يحذران الناس من تعلم السحر، واستخدامه في الأذى والضرر. فمن تعلمه ليتوقى ضرره ويدفع أذاه عن الناس، فقد نجا وثبت على الإيمان، ومن تعلمه معتقدًا صحته ليلحق الأذى بالناس فقد ضل وكفر، فكان الناس فريقين؛ فريق تعلمه عن نية صالحة ليدفع ضرره عن الناس، وفريق تعلمه عن نية خبيثة؛ ليفرق بين الرجل وأهله، وبين الصديق وصديقه، ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وهؤلاء قد خسروا دنياهم وآخرتهم؛ لأنهم عرفوا أن من

стр. 156

تجرد لهذه الأمور المؤذية ما له في الآخرة من نصيب، ولبئس ما باعوا به أنفسهم لو كان عندهم فَهم وإدراك. ولو أن هؤلاء الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله، وخافوا عذابه لأثابهم الله جزاء أعمالهم مثوبة أفضل مما شغلوا به أنفسهم من هذه الأمور الضارة، التي لا تعود عليهم إلا بالويل والخسار والدمار. وهكذا علّم الملكان الناس السحر ليفرقوا بين المعجزة والسحر، وهذا ما فهمه سحرة فرعون، وآمنوا برب العالمين، رب موسى وهارونـ، قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٠٤ - ١٢٦).

стр. 157

إن آيتي موسى ﵇ العصى واليد ليستا من السحر المعروف، الذي كان منتشرًا في ذلك الوقت في مصر، إنما هما آيتان تدلان على صدق موسى بأنه رسول من عند الله. يقول تعالى في سورة "طه": ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى * قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: ٥٧ - ٧٣). ولقد أمرنا الله سبحانه بالاستعاذة من شر السواحر الساعيات بالأذى، وهن يعقدن العقد في نحو خيط أو منديل وينفثن فيها، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (الفلق: ١ - ٥). هذا والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 158

الدرس: ١٤ أنواع الأحكام في القرآن، وبيان حكم بعض علل التشريع .

стр. 159

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (أنواع الأحكام في القرآن، وبيان حِكم بعض علل التشريع) أحكام العبادات والمعاملات الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأولًا: أنواع الأحكام في القرآن الكريم: النوع الأول: أحكام العبادات: مِن طهارة، وصلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ونذر، ويمين ... ونحو ذلك مما يُقصد به تنظيم علاقة الإنسان بربه، وقد ورد في القرآن الكريم عن العبادات بأنواعها نحو مائة وأربعين آية. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (البقرة: ٨٣، ٨٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: ١١٠). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٥٨)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٢)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣).

стр. 160

النوع الثاني من أنواع الأحكام في القرآن الكريم: أحكام المعاملات: مِن عقود، وتصرفات، وعقوبات، وجنايات، وضمانات ... وغيرها، مما يُقصد به تنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفرادًا أم جماعات، وهذه الأحكام تتفرع إلى ما يلي: أ- الأحكام التي تسمى حديثًا بالأحوال الشخصية، وهي أحكام الأسرة من بدء تكوينها إلى نهايتها، من زواج، وطلاق، ونسب، ونفقة، وميراث، ويُقصد بها تنظيم علاقة الزوجين والأقارب بعضهم ببعض. من ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم﴾ (البقرة: ٢١٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ

стр. 161

فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ * لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا

стр. 162

لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٢١ - ٢٣٩) إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٠ - ٢٤١). ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ * تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (النساء: ١١ - ١٣).

стр. 163

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النساء: ١٧٦). الأحكام المدنية النوع الثالث من الأحكام: الأحكام المدنية: وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم، مِن بيع، وإجارة، ورهن، وكفالة، وشركة، ومداينة، ووفاء بالالتزام، ويقصد بها تنظيم علاقات الأفراد المالية، وحفظ حق المستحق، وقد ورد في المجموعة المدنية في القرآن نحو سبعين آية. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: ٢٧٥، ٢٧٦)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ

стр. 164

الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٨٢). ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء: ٢٩، ٣٠). - الأحكام الجنائية: وهي التي تتعلق بما يصدر من المكلف من جرائم، وما يستحقه عليها من عقوبات، ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم وتحديد علاقة المجني عليه بالجاني وبالأمة، وضبط الأمن، وقد ورد في المجموعة الجنائية في القرآن نحو ثلاثين آية. من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٨، ١٧٩).

стр. 165

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إلى أن قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٣ - ٣٩). وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٢). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٤، ٥). - أحكام المرافعات أو الإجراءات المدنية أو الجنائية: وهي التي تتعلق بالقضاء والدعوى، وطرق الإثبات بالشهادة واليمين والقرائن وغيرها، ويُقصد بها تنظيم الإجراءات لإقامة العدالة بين الناس، وقد ورد في القضاء والشهادة، وما يتعلق بها في القرآن نحو عشرين آية؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: ١٣٥).

стр. 166

- الأحكام الدستورية: وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، ويقصد بها تحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتقرير ما للأفراد والجماعات من حقوق، وما عليهم من واجبات. ورد في القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: ٤٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٤٧). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩). - الأحكام الدولية: وهي التي تتعلق بتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم والحرب، وعلاقة غير المسلمين المواطنين بالدولة، وتشمل الجهاد والمعاهدات، ويقصد بها تحديد نوع العلاقة والتعاون والاحترام المتبادل بين الدول؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: ٥٥ - ٦٢).

стр. 167

وأيضًا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ٧). وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: ٨، ٩). - الأحكام الاقتصادية والمالية: وهي التي تتعلق بحقوق الأفراد المالية، والتزامهم في نظام المال، وحقوق الدولة وواجباتها المالية، وتنظيم موارد الخزينة ونفقاتها، ويقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الأغنياء والفقراء، وبين الدولة والأفراد، وهذه تشمل أموال الدولة العامة والخاصة؛ كالغنائم والأنفال والعشور، ومنها الجمارك والخراج، أي: ضريبة الأرض، والمعادن الجامدة والسائلة، والموارد الطبيعية المخلوقة، وأموال المجتمع؛ كالزكاة والصدقات والنذور والفرائض، وأموال الأسرة؛ كالنفقات والمواريث والوصايا، وأموال الأفراد؛ كأرباح التجارة والإجارة والشركات، وكل مرافق الاستغلال المشروعة والإنتاج، والعقوبات المالية؛ كالكفارات والدية والفدية. بيان حِكم بعض علل التشريع في القرآن الكريم أولًا: استحقاق المرأة المطلقة المتعة: ونقصد بالمرأة المطلقة المرأة البائن بينونة صغرى، أو التي لها رجعة، قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٣٦).

стр. 168

حكمة التشريع في أن المطلقة تأخذ نفقة المتعة: شرع الباري -جل وعلا- المتعة للمطلقة، وجعلها على قدر حال الرجل يسارًا وعسارًا، وهذه المتعة واجبة للمطلقات قبل الدخول التي لم يسمى لها مهر، ومستحبة لسائر المطلقات، والحكمة في شرعها أن في الطلاق قبل الدخول امتهانًا للمرأة، وسوء سمعة لها، وفيه إيهام للناس بأن الزوج ما طلقها إلا وقد رابه شيء منها، في سلوكها وأخلاقها، فإذا هو متعها متاعًا حسنًا تزول هذه الشكوك، ويكون ذلك شهادة لها بأن سبب الطلاق كان من قِبله لا مِن قِبلها، ولا علة فيها، فتحفظ بما كان لها من صيت وشهرة، ويتسامع الناس فيقولون: إن فلانًا أعطى فلانة كذا وكذا، فهو لم يطلقها إلا لعذر، وهو معترف بفضلها ومقر بجميلها، فيكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها، ويكون أيضًا كالمرهم لجرح القلب، وجبر وحشة الطلاق. وقد أمرنا الإسلام أن نحافظ على الأعراض بقدر الطاقة، وأن نصون كرامة الناس عن القيل والقال، ولهذا أمرنا الله في حالة الطلاق -الذي يسبب في الغالب النزاع والبغضاء- بألا ننسى الجميل والمودة والإحسان. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: ٢٣٧). فإن الروابط في النكاح والمصاهرة روابط مقدسة، فينبغي لمن تزوج من أُسرة ثم طلق ألا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصِلتهم، فأين نحن المسلمين من هَدي هذا الكتاب المبين، وأين نحن من إرشاداته الحكيمة وآدابه الفاضلة؟!

стр. 169

- تحريم الخمر والميسر: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: ٩٠ - ٩٢). حكمة التشريع: شدد المولى -جل وعلا- في الآيات الكريمات النكير على أمر الخمر والميسر تشديدًا بالغًا، يصرف النفوس عنهما إلى غير عودة، وقرنهما بالأنصاب والأزلام، وهما من أشنع المنكرات وأقبح الفواحش في نظر الإسلام؛ ليشير إلى ما في الخمر والميسر من ضرر بالغ، وخطورة عظيمة، تهدد الأمة والمجتمع، وتُقَوِّض دعائم الحياة. أما الخمر فإنها تُذهب العقل وتُنهك الصحة وتُضيع المال، ومتى ذهب العقل جاء الإجرام، وكانت العربدة وأفعال الطيش والجنون، وحسب السكران ألا يفرق بين النافع والضار، ولا يميز بين الجواهر والأقذار؛ لفقدان العقل. وأما الميسر والقمار فإنه يُفقد الإنسان الإحساس والشعور حال انشغاله باللعب، حتى لا يبالي بالمال يَخرج من يده إلى غير رجعة؛ طمعًا في أن ينال أكثر منه، فإذا رجع خاسرًا أكل قلبه الحسد، وامتلأت نفسه حقدًا وغيظًا على من سلبه المال، وربما أداه ذلك إلى قتل مَن كان سببًا في خسارته، أو عَزَم على قتل نفسه بطريق الانتحار.

стр. 170

وكم مِن أُسرة تهدمت، وكم مِن عائلة تشردت بسبب القمار، وأصبحت في ذلك وفاقة، بعد أن كانت في عز ورفاهية، والحوادث التي نسمعها كل يوم، أصدق شاهد على ما يجره القمار من ويلات ونكبات على الأشخاص والأسر، التي بُليت في بعض أفرادها بأناس مقامرين. أيضًا دع ما يتخذه المقامرون من وسائل خسيسة، وأيمان كاذبة، يستعملونها في سبيل تحقيق أطماعهم. وصدق الله حيث يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩١). - حد السرقة وقطع الطريق: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إلى أن قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٣ - ٣٨). حكمة التشريع: صان الإسلام بتشريعه الخالد كرامة الإنسان، وجعل الاعتداء على النفس أو المال أو العرض جريمة خطيرة، تستوجب أشد أنواع العقوبات. فالبغي في الأرض بالقتل والسلب، والاعتداء على الآمنين، بسرقة الأموال، كل هذه جرائم ينبغي معالجتها بشدة وصرامة، حتى لا يعيث المجرمون في الأرض فسادًا، ولا يكون هناك ما يُخل بأمن الأفراد والمجتمعات.

стр. 171

وقد وضع الإسلام للمحارِب الباغي أنواعًا من العقوبات: القتل، الصلب، تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، النفي من الأرض. كما وضع للسارق عقوبة قطع اليد، وهذه العقوبات تعتبر بحق رادعة زاجرة، تقتلع الشر من جذوره، وتقضي على الجريمة في مهدها، وتجعل الناس في أمن وطمأنينة واستقرار. وأعداء الإنسانية يستعظمون قتل القاتل، وقطع يد السارق، ويزعمون أن هؤلاء المجرمين ينبغي أن يحظوا بعطف المجتمع؛ لأنهم مرضى بمرض نفساني، وأن هذه العقوبات الصارمة لا تليق بمجتمع متحضر، يسعى لحياة سعيدة كريمة. إنهم يرحمون المجرم من المجتمع، ولا يرحمون المجتمع من المجرم، هذا المجرم الأثيم الذي سلب الناس أمنهم واستقرارهم، وأقلق مضاجعهم، وجعلهم مهددين بين كل لحظة ولحظة في الأنفس والأموال والأرواح، ولقد كان من أثر هذه النظريات التي لا تستند على عقل ولا منطق سليم، أن أصبح في كثير من البلاد عصابات للقتل وسفك الدماء، وسلب الأموال، وزادت الجرائم واختل الأمن، وفسد المجتمع، وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطاع الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 172

الدرس: ١٥ الطهارة والصلاة في القرآن الكريم .

стр. 173

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (الطهارة والصلاة في القرآن الكريم) الطهارة: أقسامها، حكمها الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. ودين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة، وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، التي خلق الخلق لها. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ (الذاريات: ٥٦). وبهذا أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: ﴿يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٥٩). وكذلك قال هود وصالح وشعيب ﵈ وغيرهم من الأنبياء لأقوامهم، وبما أن المخلوقين كلهم عباد الله، الأبرار منهم والفجار، والمؤمنون والكفار، وأهل الجنة وأهل النار، فإن عبوديتهم الحقة تستلزم عبادة الله الواحد القهار، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: ٥٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ٢١).

стр. 174

- الطهارة: معنى الطهارة: الطهارة لغة: النظافة والخلوص من الأوساخ والأدناس الحسية، كالأنجاس من بول وغيره، والمعنوية، يعني الطهارة أيضًا تشمل الخلوص من الأدناس المعنوية، كالعيوب والمعاصي، والتطهير: التنظيف، وهو إثبات النظافة في المحل. والطهارة شرعًا: النظافة عن النجاسة حقيقة كانت وهي الخَبَث، أو حُكمية وهي الحدث، والخبث في الحقيقة: عين مستقذرة شرعًا، والحدث: وصف شرعي يحل في الأعضاء ويزيل الطهارة. وعرف النووي الشافعي الطهارة بأنها: رفع حدث أو إزالة نجس، أو ما في معناهما وعلى صورتهما. أنواع الطهارة الحسية: يتبين من تعريف الطهارة أنها نوعان: طهارة حدث وتختص بالبدن، وطهارة خبث وتكون في البدن والثوب والمكان، وطهارة الحدث ثلاث؛ كبرى وهي الغسل، وصغرى وهي الوضوء، وبدل منهما عند تعذرهما وهو التيمم. وطهارة الخبث ثلاث: غُسل، ومسح، ونضح بالماء. والوضوء في اللغة بضم الواو، وهو اسم للفعل، أي: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحُسن والنظافة. يقال: وضؤ الرجل، أي: صار وضيئًا. وأما بفتح الواو الوضوء، فيطلق على الماء الذي يُتوضأ به.

стр. 175

والوضوء شرعًا: نظافة مخصوصة أو هو أفعال مخصوصة، مفتتحة بالنية، وهو غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس. وأوضح تعريف للوضوء أنه هو استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة: الوجه، اليدان، الرجلان، ومسح الرأس على صفة مخصوصة في الشرع، وهو مقصود لأداء الصلاة، لكن حكمه الفرضية، فرض؛ لأنه شرط لصحة الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة: ٦). ويقول الرسول ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، عن أبي هريرة. والحكمة من غَسل هذه الأعضاء هو كثرة تعرضها للأقذار والغبار، والوضوء كما هو شرط لأداء الصلاة، فإنه يطفئ الغضب. روى أحمد في سنده أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا غضب أحدكم فليتوضأ)). وكذلك الوضوء يمحو السيئات ويرفع الدرجات، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط)). رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه عن أبي هريرة، ورواه ابن ماجه أيضًا وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري. الغُسل: الغسل شرعًا: إفاضة الماء الطهور على جميع البدن، على وجه مخصوص. والأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وهو أمر

стр. 176

بتطهير جميع البدن، والقصد منه التنظيف، وتجديد الحيوية وإثارة النشاط؛ لأن عملية الجنابة تؤثر في جميع أجزاء الجسد، فتزال آثارها بالاغتسال. والحكمة في الاغتسال: حِل ما كان ممتنعًا قبله، والثواب بفعله تقربًا إلى الله تعالى. إزالة النجاسة: النجاسة ضد الطهارة، وتنقسم النجاسة إلى قسمين: حقيقية، وحكمية، فالنجاسة الحقيقية هي: مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخِّص، والنجاسة الحقيقية أنواع؛ إما مغلظة أو مخففة، وإما جامدة أو مائعة، وإما مرئية وغير مرئية. وأما حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها، عن الثوب والبدن والمكان للمصلي فواجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: ٤). والنجاسة الحكمية هي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص، ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء، والحدث الأكبر الذي يزول بالغُسل. الطهارة القلبية: قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، طهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخُلق والفعل، وكذلك طهارة الذات التي تحتويها الثياب، وكل ما يُلم بها أو يمسها. حكمة مشروعية الطهارة: للطهارة أهمية كبرى في الإسلام سواء أكانت حقيقية، وهي طهارة الثوب والبدن ومكان الصلاة من النجاسة، أم طهارة حكمية، وهي طهارة أعضاء الوضوء من

стр. 177

الحدث، وطهارة جميع الأعضاء الظاهرة من الجنابة؛ لأنها شرط دائم لصحة الصلاة التي تتكرر خمس مرات يوميًا، وبما أن الصلاة قيام بين يدي الله تعالى، فأداؤها بالطهارة تعظيم لله، والحدث والجنابة وإن لم يكونا نجاسة مرئية فهي نجاسة معنوية، توجب استقذار ما حل بها، فوجودها يُخل بالتعظيم، وينافي مبدأ النظافة التي تتحقق بالغسل المتكرر، فبالطهارة تطهر الروح والجسد معًا. واهتمام الإسلام بجعل المسلم دائمًا طاهرًا -من الناحيتين المادية والمعنوية- أكمل وأوفى دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، فلا تنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة الباطنة بالإخلاص لله، والنزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد، وتطهير القلب عما سوى الله في الكون، فيعبده لذاته مفتقرًا إليه لا لسبب نفعي. فاهتمام الإسلام بجعل المسلم دائمًا طاهرًا -من الناحيتين المادية والمعنوية- أكمل وأوفى دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، وعلى أن الإسلام مثل أعلى للزينة والنظافة، والحفاظ على الصحة الخاصة والعامة، وبناء البنية الجسدية في أصح قوام وأجمل مظهر، وأقوى عماد، ولصون البيئة والمجتمع من انتشار المرض والضعف والهزال؛ لأن غسل الأعضاء الظاهرة، المتعرضة للغبار والأتربة والجراثيم، وغسل الجسم في أحيان متكررة عقب كل جنابة، كفيل بحماية الإنسان من أي تلوث، وقد ثبت طبيًا أن أنجع علاج وقائي للأمراض الوبائية وغيرها هو النظافة، والوقاية خير من العلاج. وقد امتدح الله المتطهرين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: ٢٢٢). وأثنى سبحانه على مسجد قباء بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: ١٠٨)، وعلى المسلم أن يكون بين الناس مثالًا متميزًا بارزًا في نظافته، وطهره الظاهر والباطن.

стр. 178

قال ﷺ لجماعة من صحبه: ((إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)) رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم والبيهقي عن سهل بن الحنظلية، وهو حديث صحيح. الصلاة، وخطورة التهاون فيها، وحكم تاركها - الصلاة: حقيقة الصلاة: الصلاة لغة: الدعاء، أو الدعاء بخير. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣)، أي: ادع لهم. والصلاة شرعًا: هي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. مشروعية الصلاة: الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥)، وقوله سبحانه: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: ٧٨)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣). وأما مشروعية الصلاة بالسنة فأحاديث متعددة؛ منها: حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا)) متفق عليه.

стр. 179

فالصلاة عبادة بدنية، فرضها الله على المسلم في اليوم والليلة خمس مرات، في أوقات محددة يقف فيها مستقبلًا بوجهه أينما كان جهة المسجد الحرام الكائن بمكة. وفرضت الصلاة ليلة الإسراء قبل الهجرة بنحو خمس سنين على المشهور بين أهل السير؛ لحديث أنس قال: ((فُرضت على النبي ﷺ الصلوات ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جُعلت خمسًا، ثم نودي: يا محمد إنه لا يُبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمسة خمسين)) رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي. وهي فرض عين على كل مكلف بالغ عاقل، ولكن تؤمر بها الأولاد لسبع سنين، وتضرب عليها لعشر، الضرب يكون باليد لا بخشبة؛ لقوله ﷺ : ((مروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي والدارقطني عن شعيب عن أبيه عن جده. الصلاة أقدم عبادة بدنية عُرفت في الرسالات الإلهية: الصلاة أقدم عبادة عرفت مع الإيمان، ولم تخلُ منها شريعة من الشرائع، وقد حكيت عن الأنبياء والمرسلين، فإبراهيم ﵇ يُسكن ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم ويقول: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: ٣٧). وتجيء الصلاة في عهد الله إلى إبراهيم وإلى ولده إسماعيل في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: ١٢٥). وتنادي الملائكة أم عيسى ﵇: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمرن: ٤٢، ٤٣).

стр. 180

وعيسى ﵇ يُحدِّث بنعمة الله عليه فيقول: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣١). وينوه الله بشأن إسماعيل ﵇ فيقول: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (مريم: ٥٥). ولقمان يعظ ابنه بالإيمان والإحسان إلى الوالدين، وبمراقبة الله في السر والعلن، ثم يوصيه بالصلاة فيقول: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧). ويأخذ الله الميثاق على بني إسرائيل، فتكون إقامة الصلاة من أهم مواده وعناصره. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٨٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: ١٢). وهكذا نجد مكانة الصلاة عند الله وفي دينه عنصرًا تاليًا لعنصر الإيمان في جميع الرسالات، وعلى ألسنة جميع الرسل، وقد جاء الإسلام فنسج على منوال الرسالات المتقدمة، وجعلها ركنًا من أركان الدين، وأفاض في ذكر فوائدها ما أفاض بالمحافظة عليها، والقيام فيها لله، مع القنوت والخشوع، وكمال التوجه إليه، والتفرغ له. قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: ٢٣٨).
следующие страницы →