← Тафсир

Тафсир · id 31076

التفسير الموضوعي 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (264 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بتطهير جميع البدن، والقصد منه التنظيف، وتجديد الحيوية وإثارة النشاط؛ لأن عملية الجنابة تؤثر في جميع أجزاء الجسد، فتزال آثارها بالاغتسال. والحكمة في الاغتسال: حِل ما كان ممتنعًا قبله، والثواب بفعله تقربًا إلى الله تعالى. إزالة النجاسة: النجاسة ضد الطهارة، وتنقسم النجاسة إلى قسمين: حقيقية، وحكمية، فالنجاسة الحقيقية هي: مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخِّص، والنجاسة الحقيقية أنواع؛ إما مغلظة أو مخففة، وإما جامدة أو مائعة، وإما مرئية وغير مرئية. وأما حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها، عن الثوب والبدن والمكان للمصلي فواجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: ٤). والنجاسة الحكمية هي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص، ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء، والحدث الأكبر الذي يزول بالغُسل. الطهارة القلبية: قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، طهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخُلق والفعل، وكذلك طهارة الذات التي تحتويها الثياب، وكل ما يُلم بها أو يمسها. حكمة مشروعية الطهارة: للطهارة أهمية كبرى في الإسلام سواء أكانت حقيقية، وهي طهارة الثوب والبدن ومكان الصلاة من النجاسة، أم طهارة حكمية، وهي طهارة أعضاء الوضوء من

стр. 177

الحدث، وطهارة جميع الأعضاء الظاهرة من الجنابة؛ لأنها شرط دائم لصحة الصلاة التي تتكرر خمس مرات يوميًا، وبما أن الصلاة قيام بين يدي الله تعالى، فأداؤها بالطهارة تعظيم لله، والحدث والجنابة وإن لم يكونا نجاسة مرئية فهي نجاسة معنوية، توجب استقذار ما حل بها، فوجودها يُخل بالتعظيم، وينافي مبدأ النظافة التي تتحقق بالغسل المتكرر، فبالطهارة تطهر الروح والجسد معًا. واهتمام الإسلام بجعل المسلم دائمًا طاهرًا -من الناحيتين المادية والمعنوية- أكمل وأوفى دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، فلا تنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة الباطنة بالإخلاص لله، والنزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد، وتطهير القلب عما سوى الله في الكون، فيعبده لذاته مفتقرًا إليه لا لسبب نفعي. فاهتمام الإسلام بجعل المسلم دائمًا طاهرًا -من الناحيتين المادية والمعنوية- أكمل وأوفى دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، وعلى أن الإسلام مثل أعلى للزينة والنظافة، والحفاظ على الصحة الخاصة والعامة، وبناء البنية الجسدية في أصح قوام وأجمل مظهر، وأقوى عماد، ولصون البيئة والمجتمع من انتشار المرض والضعف والهزال؛ لأن غسل الأعضاء الظاهرة، المتعرضة للغبار والأتربة والجراثيم، وغسل الجسم في أحيان متكررة عقب كل جنابة، كفيل بحماية الإنسان من أي تلوث، وقد ثبت طبيًا أن أنجع علاج وقائي للأمراض الوبائية وغيرها هو النظافة، والوقاية خير من العلاج. وقد امتدح الله المتطهرين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: ٢٢٢). وأثنى سبحانه على مسجد قباء بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: ١٠٨)، وعلى المسلم أن يكون بين الناس مثالًا متميزًا بارزًا في نظافته، وطهره الظاهر والباطن.

стр. 178

قال ﷺ لجماعة من صحبه: ((إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)) رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم والبيهقي عن سهل بن الحنظلية، وهو حديث صحيح. الصلاة، وخطورة التهاون فيها، وحكم تاركها - الصلاة: حقيقة الصلاة: الصلاة لغة: الدعاء، أو الدعاء بخير. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣)، أي: ادع لهم. والصلاة شرعًا: هي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. مشروعية الصلاة: الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥)، وقوله سبحانه: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: ٧٨)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣). وأما مشروعية الصلاة بالسنة فأحاديث متعددة؛ منها: حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا)) متفق عليه.

стр. 179

فالصلاة عبادة بدنية، فرضها الله على المسلم في اليوم والليلة خمس مرات، في أوقات محددة يقف فيها مستقبلًا بوجهه أينما كان جهة المسجد الحرام الكائن بمكة. وفرضت الصلاة ليلة الإسراء قبل الهجرة بنحو خمس سنين على المشهور بين أهل السير؛ لحديث أنس قال: ((فُرضت على النبي ﷺ الصلوات ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جُعلت خمسًا، ثم نودي: يا محمد إنه لا يُبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمسة خمسين)) رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي. وهي فرض عين على كل مكلف بالغ عاقل، ولكن تؤمر بها الأولاد لسبع سنين، وتضرب عليها لعشر، الضرب يكون باليد لا بخشبة؛ لقوله ﷺ : ((مروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي والدارقطني عن شعيب عن أبيه عن جده. الصلاة أقدم عبادة بدنية عُرفت في الرسالات الإلهية: الصلاة أقدم عبادة عرفت مع الإيمان، ولم تخلُ منها شريعة من الشرائع، وقد حكيت عن الأنبياء والمرسلين، فإبراهيم ﵇ يُسكن ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم ويقول: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: ٣٧). وتجيء الصلاة في عهد الله إلى إبراهيم وإلى ولده إسماعيل في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: ١٢٥). وتنادي الملائكة أم عيسى ﵇: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمرن: ٤٢، ٤٣).

стр. 180

وعيسى ﵇ يُحدِّث بنعمة الله عليه فيقول: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣١). وينوه الله بشأن إسماعيل ﵇ فيقول: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (مريم: ٥٥). ولقمان يعظ ابنه بالإيمان والإحسان إلى الوالدين، وبمراقبة الله في السر والعلن، ثم يوصيه بالصلاة فيقول: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧). ويأخذ الله الميثاق على بني إسرائيل، فتكون إقامة الصلاة من أهم مواده وعناصره. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٨٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: ١٢). وهكذا نجد مكانة الصلاة عند الله وفي دينه عنصرًا تاليًا لعنصر الإيمان في جميع الرسالات، وعلى ألسنة جميع الرسل، وقد جاء الإسلام فنسج على منوال الرسالات المتقدمة، وجعلها ركنًا من أركان الدين، وأفاض في ذكر فوائدها ما أفاض بالمحافظة عليها، والقيام فيها لله، مع القنوت والخشوع، وكمال التوجه إليه، والتفرغ له. قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: ٢٣٨).

стр. 181

أثر الصلاة في تهذيب النفوس: لقد بيّن القرآن الكريم أثر الصلاة في تهذيب النفوس، ووقايتها من الفحشاء والمنكر، وتطهيرها من غرائز الشر التي تفسد على الإنسان حياته. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: ١٩ - ٢٣). وفي مقابلة هذا كله جعل تركها عنوانًا للانغماس في الشهوات، وسبيل الوقوع في الغي والضلال، وسببًا من أسباب الخلود في النار. قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: ٥٩). وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (المدثر: ٣٨ - ٤٧). كما جعل الغفلة عنها، وعن معناها وروحها آية من آيات التكذيب بيوم الدين. قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ١ - ٧). فالسهو عن روح الصلاة يجعلها صورة جافة، لا يُؤدَى حق الله فيها من خشوع ومراقبة، واستشعار عظمة الله سبب قوي في التكذيب بيوم الدين، وإهانة اليتيم وإهمال حق المسكين، كما هو سبب في غرس شجرة الرياء في القلوب، وانصراف الإنسان عن فضيلة التعاون، وعن البر بأخيه الإنسان. وقد قرن الله الصلاة بعد هذا كله بالصبر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: ١٥٣).

стр. 182

اشتمال الصلاة على جميع أساليب التعظيم: شرع الله الصلاة اعترافًا بنعمته وعظمته، وجمع في كيفيتها جميع ما تفرق عند الناس من أساليب التعظيم، فجعل افتتاحها بإعلان أن الله أكبر من كل ما يرون تعظيمه، مصحوبًا ذلك برفع اليدين معًا، على وجه يُمثل فيه وضعهما المعنوي الذي استقر في القلب، حينما ينطلق اللسان بكلمة التكبير. ثم جَعل مِن أركانها القيام المصحوب بتلاوة آيات من كتابه، وأوجب في كل صلاة وعلى كل مصلي قراءة "الفاتحة"، التي تعتبر أم الكتاب، وقد جَمعت كل ما تفرق في القرآن نصًّا وإشارة. ثم الانحناء المعروف باسم الركوع، مصحوبًا بالتكبير في الانخفاض والرفع، ثم يجيء السجود نهاية لما يتصوره من وجوه التعظيم، وبذلك يكون العبد قد وقف من ربه في موضع العبودية الحقة، وكأن الله بأسلوب تعظيمه على هذا الوجه يلفت نظر المؤمنين، إلى أن تعظيمه يجب بمقتضى الإيمان بربوبيته وألوهيته، أن يكون فوق كل تعظيم عرفه الناس في تعظيم بعضهم لبعض. وأن هذه الصورة من التعظيم التي رسمها الله لنفسه لا يصح أن يُعظم بها غيره، كما لا يصح أن ينتقصها المؤمن، أو أن يُغير شيئًا من أوضاعها أو أن يزيد فيها، فهو سبحانه المعبود وهو المعظم، وقد شرع لنا طريق عبادته وأسلوب تعظيمه، وليس لأحد من خلقه أن يفكر أو يستظهر شيئًا غير ما رسمه في تعظيمه بزيادة أو نقص. ولعل هذا هو الأساس الذي بني عليه حظر الابتداع في الدين، وفي سبيله كثرت الأحاديث الصحيحة في التحذير من البدع، التي ينساق إليها الناس، بناء على ما يتصورون من الزيادة في معنى العبودية.

стр. 183

حكم تارك الصلاة: اتفق المسلمون على أن الصلاة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل، طاهر، أي: غير ذي حيض أو نفاس، ولا ذي جنون أو إغماء، وهي عبادة بدنية محضة لا تقبل النيابة أصلًا، فلا يصح أن يصلي أحد عن أحد كما لا يصح أن يصوم أحد عن أحد. وأجمع المسلمون على أن من جحد وجوب الصلاة فهو كافر مرتد؛ لثبوت فرضيتها بالأدلة القطعية من القرآن والسنة والإجماع، ومَن تركها تكاسلًا وتهاونًا فهو فاسق عاص، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة. وترْك الصلاة موجب للعقوبة الأخروية والدنيوية، أما الأخروية فلقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. وقال ﷺ : ((من ترك الصلاة متعمدًا فقد برأت منه ذمة الله ورسوله)) رواه أحمد بإسناده عن مكحول وهو مرسل جيد. والإنسان إذا تركها جاحدًا وجوبها فهو كافر؛ لقول الرسول ﷺ : ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)). هذا، والله أعلم.

стр. 184

الدرس: ١٦ الصوم والزكاة والحج في القرآن الكريم .

стр. 185

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (الصوم والزكاة والحج في القرآن الكريم) الصوم في القرآن الكريم، وأثره في النفوس والأبدان الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: أولا: الصوم في القرآن الكريم وأثره في النفوس والأبدان: الصوم هو العبادة الدينية الثانية، وهو الامتناع عن الأكل والشرب والملابسة الجنسية طول النهار، من الفجر إلى غروب الشمس، بقصد امتثال أمر الله، وقد فرضه الله فرضًا عامًّا على جميع القادرين في شهر رمضان من كل عام. آيات الصوم في القرآن الكريم: لقد جمع القرآن آيات الصوم في مكان واحد، وفي إطار واحد، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣ - ١٨٥). الصوم الذي يريده الله ما هو؟ لقد جرى على ألسنة الناس أن الصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب والملابسة الجنسية، وبهذا يظن كثير من المسلمين أن الإنسان متى أمسك عن هذه الأمور الثلاثة طوال يومه فقد صام، وخرج عن عهدة التكليف، وأدى ما فرضه

стр. 186

الله عليه، والواقع أن هذا بيان للصوم بالنسبة إلى مظهره، وإلى الجانبالسلبي منه فقط، وكلا الأمرين -المظهر والجانب السلبي- لا يُكونان حقيقة الصوم، الذي كلف الله به عباده وفرضه عليهم، فإن الله سبحانه بدأ آية الصوم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وختمها بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وبقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وفيما بين البدء والختام أمر بالصوم ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. وليس من ريب في أن النداء بوصف الإيمان أولًا، وهو أساس الخير، ومنبع الفضائل، وفي ذكر التقوى آخرًا -وهي روح الإيمان وسر الفلاح- إرشاد قوي، ودلالة واضحة على أن الصوم المطلوب ليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، وإنما هو الإمساك عن كل ما ينافي الإيمان، ولا يتفق وفضيلة التقوى والمراقبة. وإذًا فالذي يتجه إلى غير الله بالقصد والرجاء لا صوم له، والذي يفكر في الخطايا ويشغل نفسه بتدبير الفتن والمكائد ويحارب الله ورسوله في جماعة المؤمنين لا صوم له، والذي يطوي قلبه على الحقد والحسد والبغض لجمع كلمة الموحدين، والعمل على تفريقهم وإضعاف سلطانهم -لا صوم له، والذي يحابي الظالمين ويجامل السفهاء، ويعاون المفسدين لا صوم له، والذي يستغل مصالح المسلمين العامة، ويستعين بمال الله على مصالحه الشخصية، ورغباته وشهواته، لا صوم له، وكذلك من يمد يده أو لسانه، أو جارحة من جوارحه بالإيذاء لعباد الله، أو إلى انتهاك حرمات الله لا صوم له. فالصائم ملاك في صورة إنسان، لا يكذب ولا يرتاب ولا يرشي، ولا يدبر في اغتيال أو سوء، ولا يخادع، ولا يأكل أموال الناس بالباطل، هذا هو معنى

стр. 187

الصوم الذي يجمع صورته، وهي الإمساك عن المفطرات ومعناه، وهو تقوية روح الإيمان بالمراقبة، وبهذا جمع الصائم بصومه بين تخلية نفسه، وتطهيرها من المدنسات، وتحليتها وتزكيتها بالطيبات. - أثر الصيام في النفوس والأبدان: الصوم طاعة لله تعالى، يثاب عليها المؤمن ثوابًا مفتوحًا لا حدود له؛ لأنه لله سبحانه، وكرم الله واسع، وينال بها رضوان الله، واستحقاق دخول الجنة من باب خاص، أُعد للصائمين يقال له الريان. روى البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: ((إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخله منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد)). والصائم بصومه هذا يبعد نفسه عن عذاب الله؛ بسبب ما قد يرتكبه من معاصي، فهو كفارة للذنوب من عام لآخر، وبالطاعة يستقيم أمر المؤمن على الحق، الذي شرعه الله وذلك لأن الصوم يُحقق التقوى، التي هي امتثال الأوامر الإلهية واجتناب النواهي، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣). والصوم مدرسة خُلقية كبرى، يتدرب فيها المؤمن على خصال كثيرة، فهو جهاد للنفس، ومقاومة للأهواء ونزغات الشيطان التي قد تلوح له، ويتعود به الإنسان خلق الصبر على ما قد يُحْرَم منه، وعلى الأهوال والشدائد التي قد يتعرض لها، إذ يجد الطعام الشهي يُطبخ أمامه، والروائح تُهيِّج عصارات معدته، والماء العذب البارد يترقرق في ناظريه، فيمتنع منه، منتظرًا وقت الإذن الرباني بتناوله.

стр. 188

والصوم يُعلِّم الأمانة ومراقبة الله تعالى في السر والعلن؛ إذ لا رقيب على الصائم في امتناعه عن الطيبات إلا الله وحده، والصوم يقوِّي الإرادة، ويشحذ العزيمة ويعلم الصبر، ويساعد على صفاء الذهن واتقاد الفكر، وإلهام الآراء الثاقبة، إذ تخطى الصائم مرحلة الاسترخاء، وتناسى ما قد يطرأ له من عوارض الارتخاء والفتور أحيانًا. قال لقمان لابنه: "يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة". والصوم يعلم النظام والانضباط؛ لأنه يجبر الصائم على تناول الطعام والشراب في وقت محدد، وموعد معين. والصوم يُشعِر بوحدة المسلمين الحسية في المشارق والمغارب، فهم جميعًا يصومون ويفطرون في وقت واحد؛ لأن ربهم واحد وعبادتهم موحدة. وينمي الصوم في الإنسان عاطفة الرحمة والأخوة، والشعور برابطة التضامن والتعاون، التي تربط المسلمين فيما بينهم، فيدفعه إحساسه بالجوع والحاجة إلى صلة الآخرين، والمساهمة في القضاء على غائلة الفقر والجوع والمرض، فتتقوى أواصر الروابط الاجتماعية بين الناس، ويتعاون الكل في معالجة الحالات المرضية في المجتمع، والصوم فعلًا يجدد حياة الإنسان بتجدد الخلايا، وطرح ما شاخ منها، ويعمل الصوم على إراحة المعدة وجهاز الهضم، وحِمْية الجسد، والتخلص من الفضلات المترسبة والأطعمة غير المهضومة والعفونات، أو الرطوبات التي تتركها الأطعمة والأشربة. قال النبي ﷺ : ((صوموا تصحوا)) رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة، وهو حديث حسن. وقال طبيب العرب الحرث بن كلدة: "المعدة بيت الداء، والحِمْية رأس كل دواء".

стр. 189

والصيام جهاد للنفس، وتخليصها مما علق بها من شوائب الدنيا وآثارها وآثامها، وكسر حدة الشهوة والأهواء، وتهذيبها وضبطها في طعامها وشرابها، بدليل قول النبي ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) رواه الجماعة عن ابن مسعود. وقال الكمال بن الهمام: "الصوم ثالث أركان الإسلام بعد لا إله إلا الله محمد رسول الله والصلاة، شرعه سبحانه لفوائد؛ أعظمها: كونه موجبًا أشياء؛ منها: سكون النفس الأمارة، وكسر سَوْرتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح، مِن العين واللسان والأذى والفرج، فإن بالصيام تَضعف حركة النفس في محسوساتها، ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت النفس جاعت الأعضاء كلها. والصوم أيضًا موجب للرحمة والعطف على المساكين، فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات، ذَكر مَن هذا حاله في عموم الأوقات، فتسارع إليه الرقة عليه والرحمة به، فينال بذلك ما عند الله تعالى من حسن الجزاء. وأيضًا الصوم يفيد في الرحمة بالفقراء، ويفيد موافقة الغني للفقير، بتحمل ما يتحمل أحيانًا؛ لأنه يجوع في الصيام فيتحمل ما يتحمله الفقراء". وقال في (الإيضاح): "اعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين، وأوثق قوانين الشرع المتين، به قهر النفس الأمارة بالسوء، وأنه مركب من أعمال القلب، ومِن المنع عن الأكل والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس".

стр. 190

الزكاة وأهميتها وحكم تاركها الزكاة عبادة مالية، عُني بها الإسلام لكي يمد الغني يده إلى الفقير بما يسد حاجته، وإلى المصالح العامة بما يحققها، وهي واجبة على الغني فيما يَفْضُل عن حاجته، وحاجة من ينفق عليهم من ماله النقدي، وقِيَم أعيانه التجارية ومواشيه وثمار زرعه، بنسب معروفة عند المسلمين، يَقُوم مجموعها بحاجة الفقير ومصالحه، ولا ترهق أربابها، وزكاة النقود والتجارة تؤدى في كل عام مرة، وزكاة الزرع تؤدى في كل زرعة. حكم الزكاة: الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وفرض من فروضه، وفرضت في المدينة في شوال السنة الثانية من الهجرة، بعد فرض صيام رمضان وزكاة الفطر، ولكن لا تجب على الأنبياء إجماعًا؛ لأن الزكاة طهرة لمن عساه أن يتدنس، والأنبياء مبرءون منه، ولأن ما في أيديهم ودائع لله، ولأنهم لا ملك لهم ولا يورثون أيضًا، وقرنت الزكاة بالصلاة في القرآن الكريم في اثنين وثمانين موضعًا، مما يدل على كمال الاتصال بينهما، وهي واجبة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٨٣). وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣). وقوله سبحانه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ (الأنعام: ١٤١). وآي في القرآن الكريم سوى ذلك.

стр. 191

وأما وجوب الزكاة بالسنة: فقوله ﷺ : ((بني الإسلام على خمس)) منها: إيتاء الزكاة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسًا، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم شهر رمضان)) أخرجه البخاري ومسلم. وبعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن فقال: ((أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) رواه الجماعة عن ابن عباس. وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوب الزكاة، واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعيها، فمن أنكر فرضيتها كَفر وارتد إن كان مسلمًا، ناشئًا ببلاد الإسلام بين أهل العلم، وتجري عليه أحكام المرتدين، ويستتاب ثلاثًا، فإن تاب، وإلا قُتل. ومن أنكر وجوبها جهلًا بها، إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية بعيدة عن الأمصار عُرِّف وجوبها، ولا يُحْكَم بكفره لأنه معذور. الزكاة بين الإطلاق والتقييد: لقد ظل القرآن الكريم -في عهديه المكي والمدني- يدفع المؤمنين بأساليب قوية إلى الإنفاق في سبيل الله؛ لسد حاجة الفقير وإقامة المصالح، دون أن يحدد لهم الأنواع المالية التي منها ينفقون، والمقادير التي لها ينفقون، تاركًا ذلك إلى ما تخلقه دعوته السامية في قلوبهم مِن الشعور الإيماني الحي، والأريحية الكريمة التي تقتضيها الأخوة الدينية، وتتحقق بها المسئولية العامة المشتركة، وقد جاء في القرآن الكريم أنهم سألوا حين نزوله مرتين عن ما ينفقون، وكان الجواب في

стр. 192

المرتين يصرفهم عن تحديد ما ينفقون، ويَكِلهم إلى أريحيتهم وشعورهم، أو يأخذ بهم إلى بيان موضع الإنفاق والبذل. واقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: ٢١٩). واقرأ منها مرة أخرى قول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢١٥). ظل القرآن الكريم هكذا يأمر بالإنفاق دون تحديد لما ينفق منه، حتى إذا ما تركز المسلمون، واتسعت نطاق حياتهم بالهجرة إلى المدينة، وصاروا جماعة متميزة لها منهجها الخاص في الحياة، ولها هدفها الذي تعمل له، وتهيأت في ظل ذلك نفوسهم لقبول التحديد -أُعلنت فريضة الزكاة، وقرنت بالصلاة وشهادة التوحيد، وكانت ثلاثتها عنوان الدخول في الإسلام، وعنوان الأخوة الدينية. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: ١١). الجهات التي تصرف الزكاة لها: وفيها نزلت آية كريمة حددت دائرة الزكاة، ومنعت أن يصرف شيء من الزكاة خارجها، وهي قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠). وبالنظر في الآية يتضح أن دائرة الاستحقاق في الصرف إليها من الزكاة تتألف من حلقتين؛ إحداهما: أفراد الزكاة، فينفقونها على الوجه الذي يرونه، وهذه الحلقة هي التي أضيفت الصدقات إليها في الآية الكريمة بكلمة "اللام" للفقراء

стр. 193

والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وابن السبيل، والحلقة الأخرى: مصالح عامة تنتفع بها الأمة كلها، وهذه الحلقة هي التي أضيفت إليها الصدقات بكلمة: في الرقاب وفي سبيل الله. أهمية الزكاة: التفاوت بين الناس في الأرزاق والمواهب وتحصيل المكاسب أمر واقع طارئ، يحتاج في شرع الله إلى علاج، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (النحل: ٧١)، أي: أن الله تعالى فضل بعضنا على بعض في الرزق، فأوجب على الغني أن يعطي الفقير حقًا واجبًا مفروضًا، لا تطوعًا ولا منة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٤، ٢٥). وفريضة الزكاة أَولى الوسائل لعلاج ذلك التفاوت، وتحقيق التكافل أو الضمان الاجتماعي في الإسلام، فهي أولًا تصون المال، وتحصنه من تطلع الأعين وامتداد أيدي الآثمين والمجرمين. قال رسول الله ﷺ : "حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء" رواه الطبري وأبو نعيم في (الحلية) عن ابن مسعود، ورواه أبو داود مرسلًا عن الحسن وهو ضعيف. وأهمية الزكاة أنها عون للفقراء والمحتاجين، تأخذ بأيديهم لاستئناف العمل والنشاط إن كانوا قادرين، وتساعدهم على ظروف العيش الكريم إن كانوا عاجزين، فتحمي المجتمع من مرض الفقر، والدولة من الإرهاق والضعف، والجماعة مسئولة بالتضامن عن الفقراء وكفايتهم. ومن أهمية الزكاة أيضًا أنها تطهر النفس من داء الشح والبخل، وتُعوِّد المؤمن البذل والسخاء؛ كي لا يقتصر على الزكاة، وإنما يساهم بواجبه الاجتماعي في

стр. 194

تنمية ومساعدة الدولة بالعطاء عند الحاجة، وتجهيز الجيوش وصد العدوان، وفي إمداد الفقراء إلى حد الكفاية، إذ عليه أيضًا الوفاء بالنذور وأداء الكفارات المالية، بسبب الحنث في اليمين والظهار والقتل الخطأ، وانتهاك حرمة شهر رمضان، وهناك وصايا الخير والأوقاف والأضاحي، وصدقات الفطر وصدقات التطوع، والهبات ونحوها. ومن أهمية الزكاة أنها تجب شكرًا لنعمة الله، حيث أنعم عليه بنعمة المال، إذ أنها تضاف إليه فيقال زكاة المال، والإضافة للسببية كصلاة الظهر وصوم الشهر وحج البيت. عقاب مانع الزكاة: لمانع الزكاة عقاب في الآخرة وعقاب في الدنيا، أما عقاب الآخرة فهو العذاب الأليم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: ٣٤، ٣٥). ولقوله ﷺ : ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مُثل له شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يُطَوِّقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٨١))). رواه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة. وأما العقاب الدنيوي للفرد بسبب الإهمال والتقصير فهو أخذها منه، والتعزير

стр. 195

والتغريم المالي، وأَخْذ الحاكم شطر المال قهرًا عنه. قال رسول الله ﷺ : ((من أعطاها -أي: الزكاة- مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله؛ عزمة من عزمات ربنا ﵎، لا يحل لآل محمد منها شيء)). مِن حديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده. رواه أحمد والنسائي وأبو داود وقال: وشطر ماله، وهو حجة في أخذها من الممتنع ووقوعها موقعها. فإن كان مانع الزكاة جاحدًا لوجوبها فقد كفر وقُتل، كما يقتل المرتد؛ لأن وجوب الزكاة معلوم من دين الله ضرورة، فمن جحد وجوبها فقد كذَّب اللهَ تعالى، وكذَّب رسولَه ﷺ فحُكِم بكفره. وتقاتَل الجماعة مانعة الزكاة جحودًا، كما فعل الصحابة في عهد الخليفة الأول أبي بكر ﵃ قال أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها". رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة. وفي لفظ مسلم والترمذي وأبي داود: "لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه". وبناء عليه قال العلماء بالاتفاق: إذا منع واحد أو جمعٌ الزكاة، وامتنعوا بالقتال، وجب على الإمام قتالهم، وإن منعها جهلًا بوجوبها أو بخلًا بها لم يكفر. الحج في القرآن الكريم الحج عبادة معروفة، تنتظم من الإنسان قلبه وبدنه وماله، وليس ذلك لغيرها من العبادات، يقوم بها المستطيع من المسلمين في زمن معلوم، وأمكنة معلومة؛ امتثالًا لأمر الله، وابتغاء مرضاته، وتَبتدئ تلك العبادة بنية الحج خالصًا لله، مع التجرد من الثياب المخيطة، ومن صنوف الزينة والترف، وتنتهي بالطواف حول بيت الله الحرام.

стр. 196

الحج قبل الإسلام: الحج بمعنى زيارة أمكنة مخصوصة ابتغاء التقرب للإله المعبود صورة قديمة من صور العبادات، اتخذتها الشعوب والقبائل رمزًا لإجلال معبوداتهم وتقديسها، قام بها المصريون واليونانيون واليابانيون وغيرهم من الأمم القديمة إلى الهياكل المقدسة عندهم، وكانت كل أمة تتخذ في حجها ما يناسب تخيلها لعظمة معبودها، واستمرت الحال على هذا حتى هيأ الله الأمر لإبراهيم ﵇ وأمره ببناء البيت الحرام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٧). وأمر الناس باتباع ملة إبراهيم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (البقرة: ١٣٠). جاء الإسلام هكذا مجددًا لدين إبراهيم ﵇، وهو الدين عند الله، فوجد القوم يحجون إلى الكعبة بما أحدثوا وغيّروا، فتركهم يحجون كما اعتادوا، وقصر الرسول ﷺ على الدعوة إلى إقرار التوحيد في القلوب، وإفراد الله بالعبادة والاستقامة، حتى أُخْرِج هو وصحبه من مكة موقع بيت الله الحرام، وحيل بينهم وبين القيام بفريضة الحج، وظلوا يكافحون في سبيل الله حتى تجلت منهم آثار التضحية الخالدة، وعُرف فيهم الشوق المُبَرِّح لزيارة بيت الله الحرام، الذي حُرموا النظر إليه والطواف به، فجاءتهم البشرى بأنهم سيدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، محلقين رءوسهم ومقصرين. وفي حرارة هذا الشوق وضوء هذه التضحية، أعاد الله عليهم ذكرى الحج، وأنزل آيات كثيرة، شرح بها أحكامه وبيّن أوقاته وآدابه، وأصح ما أفسد القوم فيه، ورده إلى عهده الأول مهد إبراهيم وإسماعيل ﵉ ومِن ذلك الحين قام المسلمون بتنفيذ فريضة الحج، الذي فرضه الله على الناس من عهد إبراهيم ﵇. وقد تم على أيديهم تطهير البيت من هذه الأصنام، وأمر أصحاب العظمة الزائفة

стр. 197

أن يقفوا مع الناس في عرفات، وأن يفيضوا من حيث أفاض الناس؛ تقريرًا لمبدأ المساواة الذي جعله الله بين عباده. زمن الحج وحكمة اختياره: عين الإسلام لأداء فريضة الحج أشهرًا معلومة من السنة العربية: شوال، ذو القعدة، ذو الحج، وشوال هو الشهر الذي يعقب رمضان، له في الوضع الإسلامي اعتباران قويان جديران بالتقدير والرعاية، وذلك لما لهما من أثر في استدامة التقويم الخُلقي، والتصفية الروحية، التي حصل عليها المسلم بالصيام والقيام في شهر رمضان، وأول هذين الاعتبارين أن شوال أول شهر من أشهر الحج، وثانيهما: أنه بشير بالأشهر الحرم: ذي القعدة، ذي الحجة، والمحرم. وقد عُني القرآن الكريم بأشهر الحج عنايته بالحج، كما عني بالأشهر الحرم عنايته بتطهير النفس من المظالم، وكف العدوان والبغي، ولفت أنظار المؤمنين إلى ما لهذه الأشهر كلها من بواعث البر والتقوى، وبواعث الترفع بالنفس. ففي أشهر الحج يقول الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٩٧). حكمة الحج: بيَّن القرآن الكريم حكمة الحج في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٧: ٢٩). وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 198

الدرس: ١٧ الجهاد في القرآن الكريم .

стр. 199

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (الجهاد في القرآن الكريم) تعريف الجهاد، وبيان أقسامه، وحكمه، والحكمة منه الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد: أولًا: تعريف الجهاد: الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو. أقسام الجهاد: قال ابن القيم ﵀: أقسام الجهاد أربعة: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين. وجهاد النفس هو الجهاد الأكمل، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (النازعات: ٤٠) ويقع جهاد المرء نفسه بمنع النفس عن المعاصي، وبمنعها من الشبهات، وبمنعها من الإكثار من الشهوات المباحة؛ لتتوفّر لها في الآخرة، ولئلَّا يعتاد الإكثار فيألفه، فيجرّه إلى الشبهات، فلا يأمَنُ أن يقع في الحرام. جهاد شيطان: لما كان الشيطان عدوًّا مبينًا للإنسان منذ خلق الله هذا الإنسان، فقد أمرنا الله أن نتخذه عدوًّا، يقول الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّ ا﴾ (فاطر: ٦)، ومن ثَمَّ وجبت مجاهدته؛ لأن ذلك يمهّد السبيل أمام الإنسان لكي يجاهد نفسه، وهي عدوه الداخل، ويجاهد الكفار والمنافقين وهذه عداوة الخارج، ولا يمكن جهادهما إلّا بمجاهدة الشيطان والتصدي له، وتعني هذه المجاهدة دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات. ولجهاد الشيطان كما يقول ابن القيم مرتبتان: الأولى: على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك. المرتبة الثانية: جهاده على ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات.

стр. 200

فالمرتبة الأولى يكون بعدها اليقين، والثانية يكون بعدها الصبر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤) فأخبر الله أن إمامة الدين إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات. وأمَّا جهاد الكفار والمنافقين فمراتبه أربعة: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخصّ باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان، وأمّا جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فعلى ثلاث مراتب: باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه. حكم الجهاد: الجهاد فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور، والتحقيق أنّ جنس الجهاد فرض عين؛ إمّا بالقلب، وإمّا باللسان، وإمّا باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوعٍ من هذه الأنواع، أمّا الجهاد بالنفس ففرضُ كفايةٍ إذا لم يهجم العدو على المسلمين، فإن هجم ودخل أرضنا فهو فرض عين على كل مسلم، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (التوبة: ٤١)، أمّا الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٤١). كما عَلَّقَ القرآن النجاةَ من النار به ومغفرة الذنب ودخول الجنة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (الصف: ١٠: ١٢).

стр. 201

حكمة تشريع الجهاد: الصراع بين الحق والباطل قديمٌ قِدمَ هذه الحياة لا يهدأ ولا ينتهي ولا يزول إلى أن يرث الله الأرضَ ومَن عليها، وإليه يرجعون، ولا بُدَّ لكل أمة من أمم الأرض تريد أن تحيا حياةَ العزة والكرامة من أن تستعد الاستعداد الكامل لمجابهة عدوها بكل ما تملك من قوة، وأن تأخذ بأسباب النصر، فتهيئ شبابها للجهاد والقتال؛ لأنه لا عيش في هذه الدنيا إلا للأقوياء، ولا منطق إلا للقوة، وقديمًا قال شاعرنا العربي: ومن لا يظلم الناس يظلم ... ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه يهدَّم والإسلام دين الله إلى الإنسانية يهتم بدعوة الناس إلى الدخول في هدايته، والانضواء تحت رايته؛ لينعموا بحياة الأمن والاستقرار، ويعيشوا العيشة الكريمة التي أرادها الله لبني الإنسان، وإن الأمة الإسلامية هي الأمة التي اختارها الله لإعلان دينه، وتبليغ وحيه، وإيصال هذا الهُدى والنور إلى أمم الأرض، فإذا وقف أحد في طريق الدعوة، وأراد أن يصدها عن المضي في طريقها، فلا بد من دحره وتطهير الأرض من شره؛ لتصل هداية الله إلى النفوس، وتعلو كلمة الحق، ويأمن الناسُ على حريتهم الدينية في الإيمان بالله الواحد القهار. ولذلك شرع الله القتال لدفع عدوان الظالمين، ولتحطيم كل قوة تعترض طريق الدعوة وإيصالها للناس في حرية واطمئنان، وصدق الله حيث قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٣) ولا يقاتل إلّا الباغي المعتدي، الذي يريد أن يفرض إرادته على الأمة بالقهر والسلطان، وأن يصد الناس عن دين الله بقوة الحديد والنار، ويفتن المؤمن بوسائل الفتنة والإغراء، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ (البقرة: ١٩٠).

стр. 202

تاريخ تشريع الجهاد، وأول الآيات نزولًا فيه متى فرض الجهاد على المسلمين: لم يختلف العلماء في أن القتال قبل الهجرة كان محظورًا على المسلمين بنصوص كثيرة في كتاب الله، منها قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ (المائدة: ١٣) وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: ٣٤) وقولهتعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِين﴾ (النحل: ٨٢) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامً ا﴾ (الفرقان: ٦٣). وأمثال هذه الآيات كثيرة، تدل على أن المؤمنين كانوا منهيّين عن قتال أعدائهم، وهناك نصٌّ صريح بالكفِّ عن القتال، هو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلً ا﴾ (النساء: ٧٧). وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس أنه قال: ((إنّ عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلةً، فقال ﵇: إني أمرتُ بالعفو، فلا تقاتلوا، فلمّا حوله الله إلى المدينة أُمِرَ بالقتال، فكفّوا عن القتال، فأنزل الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ..... ﴾)). والحكمة في الكف عن القتال في بدء الدعوة يمكن أن نلخص أسبابها فيما يلي: أ- إنّ المسلمين كانوا في مكة قلة، وهم محصورون فيها، لا حول لهم ولا قوة

стр. 203

إلا بالله، ولو وقع بينهم وبين المشركين حرب أو قتال لأبادوهم عن بكرة أبيهم، فشاء الله أن يكثروا، وأن يكون لهم أنصار وأعوان، وأن يرتكزوا على قاعدة آمنة تحميها الدولة، فلما هاجروا إلى المدينة المنورة أُذِنَ لهم بالقتال، بعد أن قويت شوكتهم وكثر عددهم، فهنا كانت الغاية تدريب نفوس المؤمنين على الصبر؛ امتثالًا للأمر، وخضوعًا للقيادة، وانتظارًا للإذن. ب- وقد كان العرب في الجاهلية شديدو الحماسة، لا يصبرون على الضيم، وقد تعودوا الاندفاع والحماسة والخفة للقتال عند أول داعٍ، فكان لا بد من تمرينهم على تحمُّل الأذى، والصبر على المكاره، والخضوع لأمر القيادة العليا؛ حتى يقع التوازن بين الاندفاع والترويّ، والحمية والطاعة، في جماعة هيأتهم إرادةُ الله لأمر عظيم. ج- البيئة العربية كانت بيئة نخوة ونجدة، وكان صبر المسلمين على الأذى، وفيهم الأبطال الشجعان الذين يستطيعون أن يردوا الصاع صاعين، مما يثير النخوة، ويحرك القلوب نحو الإسلام، حصل بالفعل في المحاصرة في الشِّعب عندما أجمعت قريش على مقاطعة بني هاشم؛ لكي يتخلّوا عن حماية الرسول ﷺ واشتد الاضطهاد على بني هاشم؛ لمّا حصل ذلك ثارت نفوس لم تؤمن بالإسلام، أخذتها النخوة والنجدة حتى مزقوا الصحيفة التي تعاهد فيها المشركون على المقاطعة، وانتهى ذلك الحصار المشئوم. د- كان المسلمون في مكة يعيشون مع آبائهم وأهليهم في بيوت، وكان أهلوهم المشركون يعذبونهم؛ ليفتنوهم عن دينهم، ويردوهم إلى الشرك والضلال، فلو أُذِنَ للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم يوم ذاك؛ لكان معنى هذا أن تقوم معركة في كل بيت، وأن يقع دم في كل أسرة، وليس من مصلحة الدعوة أن تثار حرب دموية داخل البيوت، فلما حدثت الهجرة، وانعزلت الجماعة، أبيح لهم القتال.

стр. 204

أول الآيات في تشريع القتال: اختلف السّلف في أول آية نزلت في القتال، فرُوي عن الربيع بن أنس وغيره، أنّ أول آية نزلت هي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٠) نزلت بالمدينة، فكان رسول الله ﷺ يقاتل مَن قاتله، ويكفّ عمن كفّ عنه، وروي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق، وابن عباس، وسعيد بن جُبَيْر: أنّ أول آية نزلت في القتال هي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير﴾ (الحج: ٣٩). قال أبو بكر بن العربي: "والصحيح أن أول آية نزلت آية الحج، قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ...... ﴾ إلى آخر الآية، ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فكان القتال إذنًا، ثم أصبح بعد ذلك فرضًا؛ لأن آية الإذن في القتال مكيّة، وهذه آية مدنية متأخرة. حالات مشروعية الجهاد، وبيان أن الجهاد وسيلة لدفع العدوان متى يشرُع الجهاد في الإسلام: إنّ الإسلام هو دين السلام، يرغّب في السلام ويؤثره على الحرب، فإنه لا يقدم على الحرب مع وجود وسيلة لحلّ المشكلة أو القضية، فإذا لم يكن بدٌّ من الحرب للإبقاء على العقيدة، أو على الحياة، فالحرب شرّ لا مندوحة عنه، وقد دعا الإسلام إلى السلام فلم يستجب خصومه، وأبوا إلّا الحربَ، وصبر المسلمون على أذاهم، فلم يزدادوا -المشركون- إلا عتوًّا وفسادًا في الأرض، فلم يكن بدٌّ من حربهم؛ لأن الإسلام يدعو أتباعَه إلى القُوة؛ مادية ونفسية؛ ليحموا أنفسهم ودينهم، كما يدعوهم إلى المسالمة والأناة.

стр. 205

ولا يجوز الحرب في الإسلام إلّا في أحد حالين: الحالة الأولى: حالة الدفاع عن النفس والعرض والمال والأرض عند الاعتداء؛ لقول الحق ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ (البقرة: ١٩٠) وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٣٩: ٤٠). ففي هذه الآية تعليل للإذن بالقتال بأمور ثلاثة: ١ - أنهم ظلموا بالاعتداء عليهم وإخراجهم من ديارهم بغير إلّا أن يدينوا دين الحق، ويقولون: ربنا الله. ٢ - أنّه لولا إذن الله للناس بمثل هذا الدفاع؛ لهدِّمت جميع المعابد التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا بسبب ظلم الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ٣ - أنّ غاية النصر والتمكين في الأرض والحكم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الحق -جلّ وعَلَا-: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (البقرة: ٢٤٦).

стр. 206

وأيضًا الاستشهاد بما أخرجه أبو داود وصحّحه والترمذي عن النبي ﷺ قال: ((من قُتل دون دينه فهو شهيدٌ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد)). الحالة الثانية -التي يُسمح للمسلمين فيها بالقتال-: حالة الدفاع عن الدين، عن الدعوة إلى الله تعالى، فمتى وُجِدَ من يحول بين الناس والدخول في الإسلام، أو قام بتعذيب من اعتنق الإسلام، أو وقف في طريق الدعوة بأنْ مَنَع الداعية من الدعوة، وما شابه ذلك، ففي هذه الحالة شرّع الله الدفاع عن الدعوة، وذلك في قول الله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٩٠: ١٩٣) من هنا يتبين أنّ الحروب التي خاضها المسلمون مع أعداء الإسلام كانت كلها دفاعًا، ليس فيها شيء من العدوان كما يصوّر أعداء الدين الإسلامَ في غير صورته الحقيقية، بأنه شقّ طريقه بالقسوة، ولم ينتشر إلّا بالسيف، وأنه استقر في البلاد المفتوحة بالإجبار على الناس. ولا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال أو الجهاد إلّا وهو مقرون بعبارة: في سبيل الله، وذلك يدل على أنّ الغاية من القتال غاية مقدسة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا للسيطرة أو المغنم، أو إظهار الشجاعة أو الاستعلاء في الأرض. القتال في الإسلام وسيلة لدفع العدوان: عندما نقلّب صفحات التاريخ، فإنه يتأكد لنا أنّ جميع حروب المسلمين عبارة عن الدفاع لا غير، أو بعبارة أوضح: يمكن القول بأن المسلمين كانوا مضّطرين إلى الحرب.

стр. 207

وبيان ذلك كالآتي: لمّا جاء النبي ﷺ بالدين الجديد من عند الله تعالى؛ لينقذ البشرية الضالة، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد الواحد الأحد، فآمن به من آمَنَ من أهل مكة، فمكث رسول الله ﷺ عشرة أعوام يدعو إلى دين الله من غير قتال، فلقد صبر ﵇ هو وأصحابه على أذى مشركي مكة في هذه الأعوام، فلما رأت قريش أنّ الدين الجديد يزداد معتنقوه يومًا بعد يوم اعتدوا على من أسلم، واتبع رسول الله ﷺ من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على مَنْ فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش برمضاء مكة إذ اشتد الحر، على مَن استضعفوا منهم، يحاولون أن يفتنوهم عن دينهم، فمنهم مَن يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه. ولمّا أشتد أذى المشركين لرسول الله ﷺ وأصحابِه، حتى بلغ بهم الأمر أنّهم أجمعوا أمرَهم على اغتيال رسول الله ﷺ فعلّمه الله بما دبّروا له، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠) فأذن الله لرسوله ﷺ بالهجرة إلى المدينة المنورة؛ ليلتحق بأصحابه هناك، فبايعه أهلُ المدينة على الطاعة والنصرةِ، ولقد صبر النبي ﷺ وأصحابُه على كلّ اعتداءات المشركين، حتى أنّ بعض أصحابه قتل من جراء العذاب؛ منهم سمية أمّ عمار بن ياسر، التي عذّبها آل المغيرة مع زوجها على إسلامهما؛ ليرجعَا عنه فلم يرجعا، وماتت أم عمّار تحت العذاب. وصبر النبي ﷺ وأصحابه إلى أن نزلت الآيات بالإذن بالقتال، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: ٣٩) وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: ٧٥).

стр. 208

دلّت هذه الآية الكريمة على سببين من أسباب الحرب: أولهما: القتال في سبيل الله، وهو مقصودُ الدين، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، ولو كره المشركون. وثانيهما: القتال لحماية المستضعفين الذين أقاموا بمكة؛ حيث لم يقدروا على الهجرة لأسباب ما، فعذبتهم قريش، وفتنتهم حتى طلبوا من الله الخلاصَ، فهؤلاء المستضعفون في أمسِّ الحاجة إلى دَفْع أذى وعدوان المشركين عنهم؛ ليتمكنوا من ممارسة عبادتهم في حرية مطلقة. كما بيّن القرآن الكريم أنّه يجب على المسلمين أن يقاتلوا المشركين كافّةً؛ لأنهم يقاتلونهم كافّة، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التوبة: ٣٦) فالكاف هنا تعليلية، بمعنى: لأنهم يقاتلونكم كافة. فضل الجهاد وثوابه، والآثار المترتبة على تركه فضل الجهاد: وردت آيات كثيرة تبين ثواب المجاهدين، من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٧٤). وورد عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبرك برأس الأمر كله وعمودِه وذِروة وسنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهادُ)). الترمذي الحديث رقم ٢٦١٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 209

ولقد بين القرآن الكريم أنّ جهاد الأعداء سبب البقاء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤). وكذلك بيّن القرآن الكريم أنّ الجهاد دليل على صدق الإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من طلب الشهادة صادقًا أعطيها وإن لم تصبه)). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق)) رواه مسلم. ولقد بيّن القرآن الكريم أن الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون َ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٦٩: ١٧١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون َ﴾ قال: ((أما إنّا قد سألنا عن ذلك، قال: أرواحهم في جَوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل)) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّ النبي ﷺ قال: ((يُغفر للشهيد كلُّ ذنب إلا الدين)) رواه مسلم.

стр. 210

آثار ترك الجهاد: لقد أمر الله بالجهاد للتمكين لأهل دينه ورد اعتداء المعتدين ونصرة المستضعفين قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٧٤: ٧٦). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: ٧٢). في هذه الآية الكريمة نجد أن الله قسّم المؤمنين أقسامًا ثلاثة: القسم الأول: المهاجرون الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم، جاءوا لنصر الله ورسوله ﷺ وإقامة دينه. القسم الثاني: الأنصار، وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوا في أموالهم، ونصروا الله ورسوله ﷺ بالقتال معه. القسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا، فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة، وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة، فوجب أن يكون حكمهم حكمًا

стр. 211

متوسطًا بين الإجلال والإذلال، وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول تكون منفيةً عن هذا القسم، إلّا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم. إن واجب المسلمين اليوم أن يهبوا لنصرة إخوانهم المستضعفين، فهذا أمر واجب لا يحل لهم تركه، فإن نصرة المستضعفين أمر واجب على إخوانهم، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٨، ٣٩). هذا والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 212

الدرس: ١٨ الجريمة في القرآن الكريم: أنواعها، وعلاجها .

стр. 213

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (الجريمة في القرآن الكريم: أنواعها، وعلاجها) تعريف الجريمة، وبيان أصلها، وأنواعها، وطرق إثباتها الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فلا ريبَ أن الجريمة شر مستطير، ومعصية لله ورسوله، وإثم بَيِّن، وخطيئة وانحراف عن الطريق المستقيم، وهذه عبارات ورد أكثرها في القرآن الكريم، نرى من الفائدة التمييز بينها في الاستعمال، وكيف يقتلع الإسلام الشر من نفوس الناس، وكيف يفرَّق بينه وبين الضرر، وبين الخير والنفع، وإن كانت هذه التعبيرات تتلاقى في معانيها الشرعية مع المعاني اللغوية التي استمر عليها العُرف اللغوي، فلا يكاد الناس يختلفون في أنَّ معنى الجريمة: الفعل الذي يستوجب عقابًا أو يوجب مَلامًا. ولكن يجب أن نبيّن معنى ذلك، وأصل الاشتقاق اللغوي، وارتباطه بالمعنى الشرعي في هذه الكلمات: أصل كلمة جريمة: من جرم بمعنى: كَسَب وقطَعَ، ويظهر أنّ هذه الكلمة خُصِّصَت منذ القديم للكسب المكروه غير المستحسن، ولذلك كانت كلمة جَرَم، ويراد منها الحمل على الفعل حملًا آثمًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: ٨٩) أي: لا يحملنَّكم حملًا آثمًا شقاقي في منازعتكم لي، على أن ينزل بكم عذاب شديد، مثل ما نزل بمَنْ سبقوكم ممن شاقوا وخالفوا أنبياءهم. ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) أي: لا يحملنَّكم حملًا آثمًا بغضكم لقوم على ألّا تعدلوا معهم، ولذلك يصح أن نطلق كلمة الجريمة على ارتكاب كلِّ ما هو

стр. 214

مخالف للحق والعدل والطريق المستقيم. واشتُقَّ من ذلك المعنى: إجرام وأجرموا، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ (المطففين: ٢٩) وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُون﴾ (المرسلات: ٤٦) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُر﴾ (القمر: ٤٧). ومن هذا البيان يتبيّن أنّ الجريمة في معناها اللغوي تنتهي إلى أنها فِعْل الأمر الذي لا يستحسن ويُستهجن فيه، لا يحاول تركه مَن لا يرضَى بتركه، وذلك ليتحقق معنى الوصف؛ إذ أنّ معنى الوصف يقتضي الاستمرارَ، وإذا كانت كل أوامر الشريعة في ذاتها مستحسنة بمقتضى حكم الشارع، وبمقتضى اتفاقها مع العقل السليم، فعصيان الله تعالى يعدّ جريمةً، وكذلك ارتكاب ما نهى الله ﵎ عنه يُعدّ جريمة، وذلك أنه غير مستحسن بمقتضى حكم الشارع للنهي، وبمقتضى حكم العقل؛ لأنّ العقل السليم تتفق قضاياه مع قضايا الشرع الإسلامي. وعلى ذلك نستطيع أن نقول: إنّ الجريمة فِعْل ما نهى الله عنه، وعصيان ما أمر الله به، أو بعبارة أعم: عصيان ما أمر الله به بحكم الشرع الشريف، والكسب الخبيث جريمة؛ إذ هو من معانيها، وإن تعريف الجريمة على هذا النحو يكون مرادفًا لتعريف الفقهاء لها؛ لأنها محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍّ أو تعزير. أنواع الجرائم الخلقية: الجرائم الخلقية نوعان: ١ - جرائم يجري عليها الإثبات، وفي شأنها أن تفسد الجماعات، وهذه الجرائم وضعت لها العقوبات الزاجرة الرادعة في الدنيا، وهي التي يطبقها القضاء؛ كجريمة السرقة.

стр. 215

٢ - جرائم أخرى خلقية لا يجري عليها الإثبات: كالغيبة والنميمة والنفاق والحسد، وغير ذلك من الجرائم الخلقية التي لا يمكن أن تثبت بين يدي القضاء، فإنّ لها عقوبتها الأخروية. ومن هذه النواحي وغيرها من النواحي، تتصل الشريعة بالضمير الإنساني المتدين، والمسلم المتدين يحس بأنه في رقابة من الله سبحانه، وأنه محاسب على ما يفعل، والله مراقبه على ما ينوي أن يفعل، كما قال ﷺ : ((إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نَوَى)) رواه مسلم ورواه البخاري. طرق إثبات الجريمة: الجرائم تختلف طرق إثباتها نظرًا لحساستها، فهي مثلًا في الحدود: تشترط الشريعة لكل جريمة شروطًا معينةً، تعظَّم بعِظمها، والمهم هنا الحديث عن طريق الإثبات، وهي عديدة منها: الاعتراف: قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: ١١). وللاعتراف شروط: أ- أن يكون من نفس المتهم. ب- أن يكون صريحًا. جـ- أن يكون المتهم مميزًا غير مكرَه. د- أن يكون الاعتراف أمام القاضي. والآية السابقة تُشير لهذه الشروط، فالمعترضون هم المتهمون، والاعتراف صراحةً، وهم في سن التمييز؛ لأنهم أدركوا تمييزهم في الدنيا، فقالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: ١٠)، واعترافهم أمام جهة قضائية وهو الله.
следующие страницы →