← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31077

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (425 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الألفاظ ترجع في تجريدها لثلاثي ورباعي، أما كونها خماسية الأصول فلا تجد شيئًا قد ورد من ذلك في القرآن؛ لأنه مما لا وجه للعذوبة فيه، إلا الأسماء الأعجمية أو المعرّبة، وسنتعرض بعد ذلك -إن شاء الله- لقضية "التعريب والألفاظ المعربة في القرآن الكريم" لماذا؟ لأنك لو نظرت في هذه الكلمات التي تجدها خماسية أو سباعية كإبراهيم وإسماعيل، وغير ذلك من الخماسي كطالوت وجالوت، هذه الألفاظ لو نظرت إليها تجدها من مقطعين؛ فكأنها كلمتان وليست كلمة واحدة، وذلك يجعلها سهلة في النطق إبرا/هيم، إسما/عيل، طا/لوت، جا/لوت، إسرا/ئيل، جبرا/ئيل، هذه الكلمات تجدها من السهولة بمكان؛ لأنها تعد كلمتين؛ فلذلك ورد استخدامها فيما فوق الثلاثي والرباعي. وكذلك مظهر آخر من مظاهر النسق الصوتي في القران الكريم: وهو أن تأتي كلمة تعد عند البلاغيين غريبة؛ غريبة لعدم توارد استخدامها أو كثرة استخدامها في كلام العرب، ولثقل النطق بها، فتشمل نوعًا من الغرابة، فيستشهد بذلك بكلمة "ضِيزَى" في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (النجم: ٢٢)، هذه الكلمة خارج النص القرآني تشعرك بأنها غريبة، وتسأل عن معناها ولماذا لم تستخدم جائرة؟ أو الجور بدلا من هذه اللفظة، أما لو نظرت للنص القرآني ستجد أن هذه اللفظة جاءت مع أسرار الفصاحة جميعًا، في النطق بها. تأمل المتأملون وأخرجوا مظاهر لفصاحتها، وأنبهك أيها الابن الحبيب أن هذا الكلام وهذه الاجتهادات في إبراز مظاهر الفصاحة كما سنذكر في نهاية درسنا -إن شاء الله- إنما هو اجتهاد من العلماء، وفي النهاية يقال: الله أعلم بمراده، فهذا تذوق يعرض عليك، ولك أن تتذوقه وأن ترى ما فيه، فمثلا في كلمة ﴿ضِيزَى﴾

стр. 107

يعني تُعطى من أسباب الفصاحة أنها جاءت على الفاصلة "فاصلة السورة" سورة النجم تنتهي بالألف المقصورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم: ١ - ٩). إلى أن قال الله في إنكاره على من يدعون له البنات وينسبون لأنفسهم الأولاد، فيدعون أن الملائكة إناثًا وهو بنات الله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فيقول الله لهم موبخا: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (النجم: ٢١، ٢٢) فما ادعوه غريب، فيقال بلفظ غريب؛ هم ادعوا لله البنات ولأنفسهم الأولاد ادعوا لأنفسهم كمالا لم ينسبوه إلى خالقهم!! هذا أمر وشأن عجيب من هؤلاء الجاحدين الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله رب العالمين، فقابل ذلك غرابة في اللفظ، فهي تلائم لغرابة هذه القسمة العجيبة التي ذكروها، وهذا الكلام الباهت الجائر الذي تقولوه، والذي نطقوا به، هذا مظهر آخر في جمال اللفظة؛ فأولا تناسب الفاصلة وثانيا تناسب الكلام الذي قالوه في غرابته وفي المبالغة في الإنكار عليه، كذلك تجد أنها تتألف من حروف تعطي معنى حسيّا يؤثر في نفسك؛ يعني أمر صعب ﴿ضِيزَى﴾ يعني أنت عندما تنطقها تستعد لإخراج الضاد من مخرجها والنطق بها؛ فهي تؤثر فيك حسيّا قبل أن تتلفظ بها، كذلك تجدها من مقطعين أحدهما مد ثقيل والآخر مد خفيف، وجاءت عقب غنتين: إِذًا/ قِسْمَةٌ/ أيضًا الغنتان إحداهما خفيفة والأخرى ثقيلة، فتجد أنها جمعت لك في هذا النطق وبهذا الشكل تلاؤمًا تواؤمًا في مخارج اللفظ ونطق الكلمة ﴿ضِيزَى﴾، فهذا ما أشير إليه في هذه اللفظة الكريمة في كتاب الله .

стр. 108

لونٌ آخر من بيان النسق الصوتي في القرآن الكريم: وهو ما يُسميه بعض اللغويين بـ "حروف الزيادة"، هذه الحروف الزائدة أو جود زيادة أو حرف زائد- هذه المسألة ننبه إليها الآن تنبيهًا بسيطًا، وسنأتي إليها تفصيلًا -إن شاء الله- فيقال: أولًا: هذا الادعاء الزائد إن أريد به زيادة في اللفظ والمعنى فهذا كفر والعياذ بالله، لا يقوله أحد من أهل العلم ولا من أهل الجهل حتى، لا يقوله إلا جاحد منكر والعياذ بالله، أما المقصود باللفظ الزائد عند العلماء والذي يذكرونه، حتى إن كثيرًا منهم يحرص على تسميته بحرف صلة، يعني: ولا يقول حرف زائد، حرف صلة يتوصل به إلى معنى معين، وكثير منهم يصرف المعنى للتوكيد في وجود الزيادة وغيرها، وهذه القضية -إن شاء الله- سنتعرض لها، إنما نعرف الآن أنهم لا يقصدون بالزائد أنه زيادة في المعنى، حاشا لله، وإنا يقصد به بالمصطلح ما يريدونه في علمهم؛ يعني أهل النحو عندما يقولون: زائد، يريدون به أنه لا يؤثر في الإعراب، أن ما بعده يُعرب حسب موقعه في الكلام، لا يريدون به أنه زيادة في المعنى، أو أنه يستغنى عنه، حاشا لله. المهم أننا ندعوك الآن لأن تنظر لبعض الحروف التي هي في عرف اللغويين من حروف الزيادة، بمعنى أنها جاءت في موضع ذكرت فيه وما بعدها أعرب حسب موقعه في الكلام، فضرب الشيخ هنا مثالين، قال في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (يوسف: ٩٦) يقول الشيخ: فإن النحاة يقولون ما في الآية الأولى وأن في الثانية زائدتان أي في الإعراب، فيظن من لا بصر له أنهما كذلك في النظم، ويقيس عليه، مع أن في هذه الزيادة لونًا من التصوير لو هو حُذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته.

стр. 109

هذه المسألة أيها الابن الحبيب تذكرنا بما قاله المنتجب صاحب (الفريد في إعراب القرآن المجيد) عندما تعرض لقضية الحرف الزائد فقال كلامًا بديعًا مؤداه: أنه لا يشعر بقيمة هذا الحرف في سياق الكلام إلا من يشعر بقيمة الوزن في سماع الشعر، بمعنى أن الذي يسمع الشعر وفطرته وسجيته شاعرية عندما يأتيه بيتٌ فيه كسر يقول: هنا كسر وربما لا يعرف سبب الكسر بطبيعته وبسجيته، فكذلك مستمع القرآن لو حُذف هذا الحرف الذي ادُعي زيادته أو أطلق عليه بالزائد- تجد أن المستمع الذي يطرب لسماع القرآن وأذنه ألفت سماع كلام الله تجده في هذا الموضع يشعر بخلل قد حدث، فإذا ما وُجد هذا الحرف وجدت الانسياب والجمال الذي يسير عليه النسق القرآني، هكذا مثّل الرجل ﵀. نرجع لكلام الشيخ يقول: فإن المراد بالآية الأولى تصوير لين النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- لقومه، وإن ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد في "ما" ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ جاء وصفًا لفظيّا يؤكد معنى اللين ويفخمه، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية، لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق، ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها وهو لفظ ﴿رَحْمَةٍ﴾ مما يلفت النفس إلى تدبر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه، وذلك كله طبعي في بلاغة الآية كما ترى. الآية الثانية: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف ﵇ وبين مجيئه هذا؛ "أَنْ" التي وقعت بين "لَمَّا وجَاءَ" تصور لنا الفصل الزمني بين مجيء البشير ليعقوب ﵇ بقميص يوسف ﵇ للبعد بين مكان يوسف ﵇ ومكان أبيه، هذا في مصر والآخر في فلسطين؛ فهذا المجيء بحرف أَنْ يصور لنا البعد بين المكانين وأن ذلك كأنه كان منتظرًا بقلق واضطراب، تؤكدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره غنة هذه

стр. 110

النون في الكلمة الفاصلة وهي أن في قوله: "أن جاء" ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ﴾ تفصل معك في السمع بين فَلَمَّا جَاء، هذا الفاصل بأن مع الغنة في النون يشعر لك بشيئين: بعد المسافة هذا شيء، وإشارة إلى البعد المكان بين يوسف ويعقوب ﵉ والإشارة الثانية في الغنة لطرب يعقوب ﵇ بمجيء البشير بقميص يوسف؛ لأنه كما هو معلوم من سياق الآيات يعلم أن ابنه حي وأنه يجد ريحه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (يوسف: ٩٤). وعلى هذا يجري كل ما ظُن أنه في القرآن مزيد؛ فإن اعتبار الزيادة فيه وإقرارها بمعناها إنما هو نقص يَجل القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلا رجل يعتسف الكلام، ويقضي فيه بغير علمه ولا بعلم غيره، الذي يدعي هذا الكلام يرد عليه القول بالزيادة كما قلت: أنه لا يقصد بالطبع زيادة في المعنى، حاشا لله. فهذا مظهر أيضًا من مظاهر النسق الصوتي. مظهر آخر جميل ذُكر في النسق الصوتي: وهو في استخدام الأسماء الجامدة داخل الجمل، أسماء ترتبها، أي فصاحة وبيان وبلاغة وروعة تجدها مثل الذي تجدها في تنسيق القرآن وترتيب الكلمات، كلمات تأتي إثر بعضها، وبها من البلاغة والروعة ما يتأمله ويتنبه إليه من تنبه، كما ذكر الإمام ابن تيمية ﵀، هذا الترتيب وهذا النسق العجيب يُضرب له مثال بقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (الأعراف: ١٣٣). خمسة أسماء؛ "طوفان جراد قمل ضفادع دم" لو نظرت فيها تجد أن فيها الثقيل وفيها الضعيف، فيها الخفيف وفيها الثقيل، الخفيف مثل الطوفان الجراد

стр. 111

الدم، والثقيل إما لوجود حرف مضعّف مثل القمل أو لوجود حرف من مخارج ثقيلة مثل الضفادع- فتجد أن الكلمات لو رتبت على عكس هذا الترتيب أو قدم وأخر اسم مكان آخر لوجدت خللًا ظاهرًا في الترتيب، فهذا من بديع ما ينظر إليه في النسق الصوتي وفي تركيب الكلمات في القرآن الكريم؛ فإن أخفها في اللفظ الطوفان والجراد والدم وأثقلها القمل والضفادع، فقدم الطوفان لمكان المدّين فيه الطوفان طو/فا، وقدم كذلك حتى يأنس اللسان بخفتها، ثم الجراد وفيها كذلك مد، ثم جاء باللفظين الشديدين مبتدئًا بأخفهما في اللسان وأبعدهما في الصوت، لمكان تلك الغنة ﴿الْقُمَّلَ﴾، ثم جيء بلفظة "الدم" آخرًا وهي أخف الخمسة وأقلها حروفًا؛ ليسرع اللسان فيها ويستقيم لها ذوق النظم ويتم بها هذا الإعجاز في التركيب. هذا مثالٌ ذكره الرافعي، ولك أن تقيس عليه فيما ورد في القرآن من ترتيب كقوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (الواقعة: ١٨) تقديم الأكواب لاشتمالها على المد وصرفها والإتيان الوسط بأباريق ممنوعة من الصرف والختام بالكأس لخفته، كذلك: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٤٠) لو نظرت في هذه الآيات وتأملت تتابع الكلمات تجد سرّا لا يدركه إلا من يتذوق جمال اللغة في هذه الألفاظ. أيضًا لو نظرت في كلامهم على الآية الكريمة: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ (القصص: ٣٨) تجد أيضًا مسألة النسق الصوتي تظهر ظهورًا بيّنًا غير ما أشار إليه علماؤنا الأجلاء من الشعور النفسي بفرعون وتصويره بهذه العبارة وبيان خفة عقله وسذاجته، وغير ذلك مما تخلصوا أو مما توصلوا إليه من مظاهر جمال في الآية- نستطيع أن نضيف وجهًا آخر في مسألة النسق الصوتي في الآية، وهو تأملك لقوله: لِي/يَا/هَامَا/ .. انظر: لِي/يَا/هَا/مَا/ هذا التركيب لا تجده في

стр. 112

أشعار العرب جميعها؛ أن تجد متحركًا ساكنًا متحركًا ساكنًا متحركًا ساكنًا متحركًا ساكنًا، الأسباب والأوتاد بما يحدث فيها لا يوفّر لك هذا التركيب، متحرك ساكن، هو الذي يطلق عليه السبب الخفيف لي/يا/ها/ما متحرك ساكن متحرك ساكن متحرك ساكن متحرك ساكن، انظر إلى وقعها ونسقها الصوتي وسط الآية، وهذا تفرّد أيضًا في إبراز النسق الصوتي في القرآن الكريم، وربما يأتي من يذكر وجهًا آخر في الآية نفسها؛ وهكذا. لماذا أيها الابن الحبيب هذا الذي نصل به في نهاية كلامنا عن الحروف وأصواتها اللغوية، هذا الذي لابد أن ننوه عليه بأن كل كلمة في القرآن ما دامت في موضعها فهي من بعض إعجازه؛ لذلك نختم هذا الباب أو هذا الموضوع بعبارات جميلة من كلام شيخنا دراز ﵀ وذلك تصديره لكلام عن هذه المسألة. انظر -رحمك الله- لكلام الرجل هذا الرجل الذي بهر الناس بكتابه (النبأ العظيم) كأنه لوحة فنية رائعة أدبية تعرض بيان القرآن وقيمته وإعجازه، عندما بدأ الحديث عن هذه المسألة وهي الحروف والأصوات اللغوية أو ما سماه بالقشرة السطحية للقرآن الكريم، التي تتركز في جمال الإيقاع وفي جمال التنسيق -تنسيق بين الألفاظ والإيقاع في الحروف- وما أشار إليه ﵀، عندما بدأ يتحدث عن هذه المسألة يقول هذه العبارات التي أقرأها عليك لتنظر قيمة العلم يا بُني، وتنظر أهمية النظر لجهود السابقين، يقول الرجل ﵀: أما الآن، فقد والله طلبتَ مني جسيمًا وكلفتنا مرامًا بعيدًا، لمثله انتدب العلماء والأدباء من قبلنا وفي عصرنا، فحفيت من دونه أقلامهم، ولم يزيدوا إلا أن ضربوا له الأمثال واعترفوا بأن ما خفي عليهم منه أكثر مما فطنوا له، وأن الذي وصفوه مما أدركوه أقل مما ضاقت به عباراتهم، ولم تقف به إشاراتهم. تأمل هذه العبارة، يشير إلى أن العلماء في هذه المسائل التي نطرحها من أوجه الإعجاز، إنما تنبهوا إلى قليل من كثير، وتنبهوا لما فتح الله به عليهم، فرأوه

стр. 113

وعبّروا عنه وأشاروا إليه، وفي القرآن من الأسرار أكثر مما قالوا بكثير، ولا يعلم مدى ذلك إلا الله ، فهو أعلم بمراد كتابه -جل في علاه- ويبسط من العلم من قربه وشرفه بمُدارسة القرآن وبالنظر فيه، يبسط له ما شاء، وكله يندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٥)، هذا بعض ما ظهر لنا في هذه المسألة. وننتقل إلى مسألة أخرى، تتعلق بالحروف أيضًا ولكنها من نوع آخر، بمعنى أن الحروف إذا نظرت إليها -أيها الابن الحبيب- تقسم عند العلماء إلى نوعين: حروف مباني: وهي ما يتكون منها الكلمات، وهي التي تناولنها في الدرس هذا وفي درسنا السابق، ومن بناء الكلمات والألفاظ، وحروف معاني: وهي الحروف التي جاء بها لمعنى وهي الحروف التي يهتم بها النحاة أكثر من اللغويين؛ لأنها تؤدي إلى معان وتؤثر في الإعراب، ولها دخل بالعوامل النحوية، فحروف المعاني كحروف الجر وحروف العطف وحروف النداء وإن وأخواتها وجوازم المضارع ونواصب المضارع كل ذلك يندرج تحت ما يسمى بحروف المعاني، هذه الحروف لها وظيفتان؛ وظيفة نحوية كما قلت لكم: ما بعدها منصوب أو مجرور أو مجزوم، وظيفة أخرى هي أسمى وأعلى وأدق وهي الوظيفة البلاغية التي يظهر من خلالها إعجاز القرآن الكريم وروعة البيان، وهذا الموضوع لنا فيه وقفة في درسنا القادم -إن شاء الله- بالحديث عن حروف المعاني. وجزاكم الله خيرا.

стр. 114

الدرس: ٧ حروف المعاني (١) .

стр. 115

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (حروف المعاني (١)) حروف العطف (الواو والفاء) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبعد: انتهينا إلى الحديث عن حروف المعاني، فمهدنا لها، وذكرنا الفرق بينها وبين حروف المباني؛ بأن حروف المباني هي التي يتكون منها الكلام، أما حروف المعاني فهي الحروف التي يؤتى بها لمعنى، وتكون رابطًا بين أجزاء الكلام، فهي تربط بين الأسماء والأفعال، ويجاء بها لمعنى. هذه الحروف هي مناط كبير من أساليب الفصاحة التي جاء القرآن الكريم بأبرع الأساليب في استخدامها، فإن هذه الحروف شغلت كثيرًا من العلماء، وصنفت فيها التصانيف؛ فصنف أبو الحسن الرماني كتابه في الحروف، وصنف كذلك المرادي كتابه (الجنى الداني) وصنف كذلك المالقي كتابه (رصف المباني) وصنف كذلك ابن هشام كتابه المشهور (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) وأفرد لحروف المعاني بابًا واسعًا في كتابه هذا، فهذه الحروف التي شغلت من اهتم باللغة وأبانوا وجوه الإعجاز في استخدامها في القرآن الكريم. وحروف العطف -كما تعرف- هي الحروف التي يطلق عليها النحاة عطف النسق؛ أي العطف بواسطة أداة تربط بين الكلمتين أو بين الجملتين، هذه الحروف يسمونها حروفًا عاطفة؛ أي تعطف بين ما قبلها وما بعدها في الحكم الإعرابي وفي المحل الإعرابي، هذه الحروف يقسّمها النحاة إلى نوعين: نوع يقتضي التشريك في اللفظ والمعنى، ونوع آخر يقتضي التشريك في اللفظ دون المعنى، أما ما يقتضي التشريك في اللفظ والمعنى فينقسم قسمين؛ قسم: يقتضي التشريك مطلقًا وهو الواو والفاء وثم وحتى، وقسم آخر: يقتضي التشريك بالقيد؛ بأنه

стр. 116

لا يقتضي إضرابًا، وهو أو وأم، فإذا خرج إلى الإضراب خرج عن العطف، والقسم الثاني هو الذي يقتضي التشريك في اللفظ دون المعنى، فيثبت لما بعده ما انتفى عما قبله، وذلك بل ولكن، أو يثبت لما قبله ما انتفى عما بعده، وذلك لا وليس. الخلاصة أنهم يذكرون في عد هذه الحروف أنها عشرة أحرف يؤتى بها للعطف. أكد المفسرون أن المفسر لابد أن يكون عالمًا بمعاني هذه الأدوات وبمعاني الحروف، قبل أن يتحدث في كتاب الله . الواو يقولون: إنها لمطلق الجمع، فتعطف لاحقًا على سابق كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ (الحديد: ٢٦) فإبراهيم ﵇ لاحق لنوح ﵇ أو تعطف سابقًا على لاحق كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٣) فالنبي ﷺ لاحق للأنبياء الذين أرسلوا قبله -صلوات الله وسلامه عليه- ومن بديع اجتماع الشيئين قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (الأحزاب: ٧)، فبدأ المولى بذكر النبي ﷺ ثم أتى بنوح ﵇ وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ﵈ فاجتمع عطف اللاحق على السابق وعطف السابق على اللاحق. و"أو" أنها تعطف متصاحبين؛ أي ليس فيهما سابق ولا لاحق، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ (العنكبوت: ١٥) أهم ما يميز هذه الواو أنها لا تقتضي الترتيب بين المتعاطفين قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران: ٤٣) ويستدل أهل الفصاحة والبلاغة بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (الأعراف: ١٦١) وجاء في موضع: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (البقرة: ٥٨) فلا يصلح إلا الواو في هذا الوضع دون أحرف العطف، فلا يقال: فادخلوا أو فقولوا أو ثم ادخلوا أو ثم قولوا، إنما عطف بالواو دون غيرها في الموضعين.

стр. 117

كذلك الواو من الحروف التي تعطف مشتركين، لا يُكتفى بالكلام على أحدهما يمثل لها بقولهم: اختصم محمد وعلي، أو اشترك علي وأخوه؛ فإن الاشتراك والاختصام لا يكون إلا بين اثنين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ (التوبة: ١٠٢) فالخلط كان بين العملين؛ لذلك خطّأ الأصمعي امرأ القيس عندما قال: "بين الدخول فحومل" فقال: "الصواب أن يقول: "وحومل". ولكنه رد عليه بأشياء من تناوب هذه الحروف ومن التأويل، أو التضمين الذي يسوغ لمن يستخدم الحرف أن يأتي بحرف يؤدي أداء أخيه مما ينتسب إلى فصيلة واحدة من الأدوات. كذلك الواو تعطف بين المترادفين: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)، ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يوسف: ٨٦)، ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (طه: ١٠٧) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (البقرة: ١٥٧) فالعطف هنا لا يكون إلا بالواو، كذلك تعطف عاملًا محذوفًا، مع بقاء معموله هذه قضية نحوية يستشهد لها بآيتين بقول الله : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ (الحشر: ٩) فالدار تُتبوأ، أما الإيمان لا يُتبوأ، فيقولون: التقدير تبوءوا الدار واعتقدوا الإيمان، وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (يونس: ٧١) فلا يقال: أجمِعوا شركاءكم، إنما يقال: اجمعوا شركاءكم، فالتقدير: أجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم، هذا أيضا يكون بالعطف بالواو، كذلك جواز العطف بها على الجوار، وذلك في القراءة المشهورة المتواترة "وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ" بجر الأرجل، وكذلك في القراءة الأخرى المتواترة ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (الواقعة: ١٨) .... ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (الواقعة: ٢٢) فهذا دليل على جواز العطف على الجوار وإن اعترضه بعض النحاة ورفضوه، إلا أنه مخرج سهل لهاتين القراءتين المتواترتين.

стр. 118

كذلك الواو يفصل بين المتعاطفين بها بالظرف كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (يس: ٩)، وكذلك تقع إما بينها وبين معطوفها، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: ٣)، كذلك تقع لا بينها وبين المعطوف بها: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: ١٩٧)، ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (المائدة: ٢)، كذلك تعطف الخاص على العام ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (الأحزاب: ٧) فالنبي ﷺ ونوح ﵇ من النبيين، فعطفت الخاص على العام، والمقابل تعطف العام على الخاص، كقوله تعالى في دعاء نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (نوح: ٢٨). كذلك هذه الواو تأتي بمعنى "ثم" ويستدل على ذلك حكاية عن فرعون ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الشعراء: ٤٩) وفي موضع الأعراف: ﴿لأقطعن أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٤) ومن اللطائف التي تنبه إليها أهل البلاغة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد: ٣) يقول الزمخشري: "الأولى التي وقعت أي التي وقعت بين الأول والآخر، الأولى للجمع بين الأولية والآخرية، والثالثة الجمع بين الظهور والخفاء، أما الثانية الواو الوسطى التي وقعت بين الآخر والظاهر- فأتت للجمع بين مجموع الصفتين الأوليين والأخريين، وهذا من بديع استخدام الواو كأداة للعطف أو من حروف العطف". هل تقع الواو زائدة؟ فاستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (الصافات: ١٠٤،١٠٣) قال: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ،

стр. 119

فالواو هنا أتت زائدة وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ (البقرة: ٢٥٩) قالوا: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، هذا القول الذي قيل في زيادة الواو هو محل أخذ ورد، والأولى رده لأن القول بالزيادة هنا ليس كالقول بالزيادة في المواضع التي سنتطرق إليها في قضية التأكيد بالحرف الزائد. حرف الفاء: الأساس أنها تدل على الترتيب، بمعنى أن ما بعدها يأتي بعد ما قبلها، وهذا الترتيب يكون للتعقيب، بمعنى السرعة، يعني يليه مباشرة، ليس هناك فترة زمنية بين المتعاطفين: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (عبس: ٢١) فإن الإقبار يكون بعد الموت مباشرة، كذلك تفيد الفاء التسبب؛ أي أن ما قبلها يكون سببًا لما بعدها، ويستدل له بقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (القصص: ١٥) فإن هذا الوكز كان سببًا في موت الرجل، وكذلك قول الله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (الأعلى: ٦)، وقوله تعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ (الصافات: ١٤٨)، وقوله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (الحجر: ٣٤)، وقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: ٣٧)، فهذه الكلمات كانت سبب التوبة، والخروج كان بسبب أنه -لعنه الله- رجيم. وكذلك الإيمان كان سببا في تمتيعهم وإقراء المولى لرسوله الكريم عن طريق جبريل ﵇ كان سببا في عدم نسيانه -صلوات الله وسلامه عليه- بأنه لا ينسى ما يُتلى عليه وما يُوحى إليه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. هذان المعنيان هما الأكثران والغالبان في استخدام الفاء، أما باستقراء أو بالنظر في كتاب الله توجد معان أخرى للفاء، استنبطها العلماء وحاولوا تعريفها وتبيينها؛ ليتضح من خلالها أن الفاء لا يُشترط أن تكون بمعنى الترتيب والتعقيب أو بمعنى التسبب دون غيرهما من المعاني، فقالوا: هناك عندنا ما تُسمى بالفاء

стр. 120

الفصيحة، الفاء الفصيحة -كما ذكر الزمخشري- لا تقع إلا في الكلام البليغ، وعرّفت بأنها التي تكون جوابًا لشرط مقدر مع الأداة؛ بمعنى أنك تجد في الكلام حذفًا، هذا الحذف عبارة عن شرط مقدر حُذف هو وأداته وبقي الجواب، وبالمثال يتضح المقال، قال الله : ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ (الروم: ٥٦) أي: إن كنتم منكرين للبعث فهذا يوم البعث، كذلك قول الله : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (الماعون: ١، ٢)، فإذا أردت ربطًا بين الآيتين ستجد تقديرًا وهو: إن أردت معرفته ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. والصورة الأخرى للفاء الفصيحة هي: أن تعطف على محذوف، أي هناك حذف بينها وبين ما قبلها، كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ٥٤) أي ففعلتم ذلك فتاب عليكم، وكقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (البقرة: ٦٠) أي فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، وقوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا﴾ (البقرة: ٧١) أي فحصّلوا البقرة فذبحوها. صورة أخرى من صور الفصيحة وهي وقوعها بعد أمر أو نهي مقدر كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (المائدة: ١٩) أي لا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير. النوع الثاني من الفاء هو "الفاء التفريعية": التي تدل على التفريع كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ (يس: ٧٢)، كذلك الفاء التفسيرية، وهي التي تفسّر ما قبلها: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (الأعراف: ١٣٦)، ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾

стр. 121

(النساء: ١٥٣)، كذلك الآية التي اعتُرض بها على أن الفاء تفيد الترتيب في قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ (الأعراف: ٤) قالوا: مجيء البأس يكون قبل الإهلاك، والبأس هو الذي يؤدي إلى الهلاك، فليس هنا ترتيب، وكذلك قالوا في آية: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ فإن هذا الإغراق هو الانتقام، وتُحمل هذه الآيات على أن الفاء فيها تفسيرية؛ أي فسرت صورة الإهلاك وصورة الانتقام، وربما يرى البعض أن الفاء في هذا الموضع تكون على معنى الإرادة، أي في قوله سبحانه: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، ومنهم من ذهب إلى أن الفاء فيها للترتيب الذكري، فالمذكور بعدها مرتب على ما قبلها. كذلك قالوا بزيادة الفاء في قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (ص: ٥٧)، وهو مما لا داعي له لصحة تخريج الآية على غير الزيادة، ولعدم الفائدة التي تترتب على القول بالزيادة، كما سنرى في حروف الجر مثلا أنها تؤدي إلى فائدة عظيمة في المعنى. وكذلك من معاني الفاء " الترتيب الذكري" كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (هود: ٤٥)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (النحل: ٩٨)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ (الواقعة: ٣٥، ٣٦) فدلت على الترتيب الذكري بمعنى أن المذكور بعدها مرتب على ما قبلها؛ أي ترتب على نداء نوح ﵇ أنه يدعو ربه بأن ابنه من أهله، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ (هود: ٤٥) فإنه يسأل ربه نجاةَ ابنه بعاطفة الأبوة.

стр. 122

وأخيرًا، قالوا: الفاء تأتي بمعنى ثم: أرباب الفصاحة والبلاغة يقرون أن الفاء فيها مهلة، ولكنها ليست كـ ثم، يعني الفاء ترتيب وثم ترتيب، ويفرقون بينهما بأن الفاء للتعقيب وثم للتراخي، أي هناك مهلة وفترة. والتدقيق أن الفاء أيضا فيها مهلة وفيها فترة، ولكنها ليست كثم، فبحد عبارة الزمخشري: "وتنفرد ثم بالمهلة وقد يكون مع الفاء مهلة"، الآية قول الله : ﴿ثُمّ إِلَى رَبِّكِمْ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الزمر: ٧)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٦٠) ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾ فتعاورت الفاء وثم على الموضعين، ويستدل بوقوع الفاء محل ثم، بقوله تعالى أيضا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (المؤمنون: ١٤) ومعلوم أن هناك فرقا زمنيا بين هذه المراحل في تكوين الجنين. حروف العطف (ثم، أو، أم، بل، لكن، لا) ننتقل الآن للحرف الثالث وهو "ثم": "ثم" اشتهر أنها للترتيب والتراخي، فتأتي للزمان المتراخي أي فيه مهلة بينه وبين ما قبله كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (عبس: ٢٢)، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزمر: ٤٤)، ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (البقرة: ٩٢)، ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (الشعراء: ٨١)، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ (البقرة: ٣١) فهنا دلالة في أن "ثم" تستخدم للتراخي.

стр. 123

فـ "ثم" تأتي أيضا للترتيب الذكري: فلا تفيد التراخي والمهلة ولا تفيد أن الثاني بعد الأول، بل ربما يكون قبلها، ويُستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (النساء: ١٥٣)، وكذلك قوله : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (هود: ١)، وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ (الأنعام: ٢) فقضاء الآجال قبل الخلق، كما صح في الحديث القدسي، وكذلك قوله : ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر: ٧، ٨) فالسؤال عن النعيم قبل الرؤية، وكذلك ثم تستخدم بمعنى الواو، قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (هود: ٣)، وقال : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهٌَ﴾ (البقرة: ١٩٩)، وقال : ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ (السجدة: ٨، ٩) وقد تكون على أصلها معطوفة على قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ (السجدة: ٧ - ٩) فخُرجت على قولين أن ثم بمعنى الواو أي وسواه ونفخ فيه من روحه أو أنها معطوفة على قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾. كذلك ثم تأتي لمعنى الاستبعاد: أي استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها، وعدم مناسبته لها ويعبر عنها بتفاوت المرتبة بينهما، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: ٨٥)، ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (هود: ٣) فبين التوبة وطلب المغفرة بون بعيد. كذلك تأتي للتراخي في الرتبة لا في الزمان؛ يعني لا يُشترط أن تكون "ثم" تدل على التراخي في الزمن فقد يكون التراخي تراخيًا في الرتبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *

стр. 124

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية: ٢٥، ٢٦)، وقال : ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ (الأعلى: ١٢، ١٣) فالترجح بين الموت والحياة أفظع من إصلاء الجحيم - والعياذ بالله. حتى: و"حتى" لم ترد عاطفةً في كتاب الله ومن الجميل أن فريقًا من النحاة لا يثبتون حتى من الحروف العاطفة. بعد ذلك نأتي لـ "أو وأم"؛ "أو": إما أن تقع بعد الطلب أو تقع بعد الخبر؛ فإن وقعت بعد الطلب تفيد إما التخيير أو الإباحة، وإن وقعت بعد الخبر تفيد الشك ومعان أخرى، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (التوبة:٨٠)، وقوله : ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (النساء: ٨٦)، وقوله : ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء: ٧١) لو نظرت في الآيات الكريمة تجد امتناع الجمع بين الشيئين؛ بين الاستغفار وعدمه وبين التحية بأحسن أو مجرد الرد وبين النفور: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء: ٧١) متفرقين أو مجتمعين. فهناك فرق بين التجمع والافتراق؛ فلذلك قالوا: تدل على التخيير إذا امتنع الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ومثّلوا له بقولهم: تزوج زينب أو أختها، فلا يجوز أن تجمع بين الأختين، وقالوا: إذا جاز الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، فهي تدل على الإباحة، ويمثّلون له بقولهم: جالس العلماء أو الزهاد،

стр. 125

فإنه يجوز أن تجالس الفريقين، ومما يحتمل ذلك في كتاب الله قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: ٣) فيجوز لك أن تقتصر على الواحدة أو على ما ملكت اليمين، أو أن تجمع بينهما؛ أن تتزوج واحدة وما معك من ملك اليمين، فكان ذلك دليلًا على أنها تفيد الإباحة، هذا بالنسبة لـ "أو" في وقوعها بعد الطلب. أما إذا وقعت بعد الخبر لها معانٍ، تفيد الشك كقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (الكهف: ١٩)، وكذلك تفيد الإبهام كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤) وذلك إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى، فهذه الآية الكريمة يستشهد بها على ذلك فإن رسولنا ﷺ يعلم من هو الذي على هدى، ولكن استخدمت "أو" هنا للإبهام على السامع. كذلك تعطي معنى التفصيل، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ (البقرة: ١٣٥) ﴿قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (الذاريات: ٥٢) فتفصيل الأقوال التي قيلت: ﴿قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ بعضهم قال: ساحر، وبعضهم قال: مجنون، وهم قالوا القولين؛ قالوا بأنه ساحر وقالوا بأنه مجنون، فأفادت تفصيل قولهم. كذلك تفيد "أو" التقسيم أو التنويع، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ (يونس: ١٢)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: ١٨٤). كذلك تفيد الإضراب كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: ١٤٧) أي بل يزيدون، الإضراب أي أن تكون بمعنى بل، وكقوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: ٢٠٠) أي بل أشد ذكرا، وقوله تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (النحل: ٧٧) بل هو أقرب.

стр. 126

وكذلك تكون بمعنى الواو، إذا عطفت ما لابد منه ويحتملها، كقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤)، ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ (آل عمران: ١٦٧)، ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (الذاريات: ٣٩) قال: ساحر ومجنون، بدليل قوله تعالى حكاية عنه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: ١٠٩)، وقوله كذلك: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (الشعراء: ٢٧) فهنا يقولون: إن "أو" بمعنى الواو، ويمثّل أيضًا له بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ (العلق: ١١، ١٢) أي وأمر بالتقوى. لعلك -أيها الابن الحبيب- لاحظت مما ذكرت لك من معاني "أو" أن الحرف قد يكون له أكثر من معنى، فهذا هو في الحقيقة سر الإعجاز في استخدام هذه الحروف؛ أن الحرف يأتي في موضع واحد يحتمل كذا وكذا وكذا، مما يؤدي إلى توفير المعاني مع اتحاد اللفظ، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز اللغوي، وأمثّل لك بهاتين الآيتين قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (البقرة: ٢٣٥) "أو" هنا تحتمل التفصيل وتحتمل التخيير وتحتمل الإباحة وتحتمل الإبهام على المخاطب، كذلك في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: ٢٠٠) فتحتمل التخيير أو الإباحة أو الإضراب. كذلك من اللطائف أن هذا الاستخدام يؤدي إلى ما ينبني عليه من أحكام، استخدام هذا الحرف هل هو للتخيير أم للإباحة أو للتقسيم، هذا يؤدي إلى ثمرة نعرفها في الخلافات الفقهية بين الفقهاء: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (البقرة: ١٩٦) فهنا الذي يقع في محظور من محظورات الإحرام أيكون الأمر بالنسبة له على التخيير بين أي كفارة من الثلاث إما أن يصوم أو يتصدق أو يذبح، وهذا

стр. 127

المقصود بالنسك، كذلك قول الله : ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (المائدة: ٨٩)، وكذلك كفارة اليمين كما أخبر المولى . بعد ذلك الحرف "أم": "أم" تأتي إما متصلة أو منقطعة، والمتصلة هي التي تسبقها همزة التسوية، قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (المنافقون: ٦)، وقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (إبراهيم: ٢١)، وكذلك التي يتقدم عليها همزة يُطلب بها وبـ أم التعيين؛ أي يراد بها الإجابة عن شيء معين، وتسمى المعادلة؛ لأنها تعادل الهمزة في إفادة التسوية، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ (النازعات: ٢٧)، وكقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (الواقعة: ٥٩)، وهناك فرق بين التي يتقدمها همزة التسوية والتي يتقدمها همزة يطلب بها وبـ أم التعيين، هو أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا كما ذكرنا من الآيات، والواقعة بعد همزة التسوية لا تقع إلا بين جملتين؛ أما التي يُراد بها التعيين فقد تقع بين مفردين وتستحق الجواب؛ لأنه يُطلب بها الجواب. أما "أم" المنقطعة فهي تأتي على ثلاثة أنواع: إما أن تكون مسبوقة بخبر كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (السجدة: ٢، ٣). أو أن تكون مسبوقة بهمزة لغير استفهام كقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٩٥)،

стр. 128

أو أن تكون مسبوقة باستفهام بغير الهمزة، قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (الرعد: ١٦). ومعنى أم المنقطعة الذي لا يفارقها هو الإضراب، فهي تفيد الإضراب، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ (الرعد: ١٦) فإذا تأملت الآية الكريمة تجد في قوله تعالى: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ في معنى: بل هل تستوي الظلمات والنور و ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ بل جعلوا لله شركاء لأنهم اعتقدوا هذا الاعتقاد الباطل، والله يخبرهم عن تصوير الإيمان والكفر بالظلمات والنور والأعمى والبصير، أو أن تكون متضمنة لمعنى الاستفهام الإنكاري، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (الطور: ٣٩) فالتقدير: بل أله البنات ولكم البنون؟ هذا بالنسبة لـ "أم" ويشار إلى أنها قد ترد محتملة للاتصال والانقطاع، ويُستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٨٠) فيجوز في "أم" أن تكون معادلة، بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقرير لحصول العلم بكون أحدهما، ويجوز أن تكون منقطعة كذلك. بعد ذلك عندنا الحرف "بل": و"بل" من الحروف التي لا يجزم باستخدامها عاطفة في كتاب الله فابن مالك يرى أنها وقعت في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (الأعلى: ١٤ - ١٦)، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ (المؤمنون: ٦٢، ٦٣) وأنكر ابن هشام

стр. 129

ذلك؛ لأنها فيما ذكر حرف ابتداء وليست عاطفة، فالتقدير: بَلْ أنتم تؤثرون الحياة الدنيا، وكذلك ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ فالعاطفة لابد أن يليها مفردٌ، سواء سبقت بنفي أو نهي أو لم تسبق، وعلى ذلك الصحيح أنها لم تقع عاطفة في كتاب الله . كذلك حرف "لكن" الذي يأتي لعطف المفردات بشرطين: أن يتقدمها نفي أو نهي، وألا تقترن بالواو فلا تكون ولكن، وعلى ذلك ففي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (يوسف: ١١١)، وفي ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠) الصحيح أن المنصوب بعد لكن هو خبر لكان المحذوفة، ولكن كان رسول الله، ولكن كان تصديق الذي بين يديه. وأخيرًا نأتي لحرف "لا": وهذا الحرف أيضًا استخدامه كحرف عطف له شروط: أن يتقدمها إثبات وألا تقترن بعاطف وأن يتعاند متعاطفاها، أي يختلف ما قبلها عما بعدها، فلا يقال: جاءني رجل لا زيد، وعلى هذا فالصحيح أيضا أنها بهذه الشروط لم تستخدم عاطفة في كتاب الله وكذلك الحرف حتى. ولك لتبين سر الإعجاز أن تلمح شيئين؛ أولًا: تنوع المعاني في استخدامها؛ فتارة تكون بمعنى كذا وبمعنى كذا وتارة يحتمل الموقف أو الموضع الواحد أكثر من معنى.

стр. 130

وثانيًا: القاعدة التي ذكرناها آنفا أنك إذا قلت بأن الفاء بمعنى ثم أو ثم بمعنى الواو؛ فإنك لا يسعك أن تضع ما هي بمعناها، وهذا سر من أسرار الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم؛ أن هذا الحرف إن كان بمعنى كذا فلا يستطيع ما هو بمعناه أن يؤدي الغرض أو أن يؤدي الوظيفة التي أداها هذا الحرف في نسقه، وهذا ما كان مبنيّا على ما ذكرناه من التنسيق الصوتي ومن الإطار -الشكل- الذي خرج في صورته كلام الله . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 131

الدرس: ٨ حروف المعاني (٢) .

стр. 132

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (حروف المعاني (٢)) حروف النداء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وآله وصحبه وسلم، وبعد: ننتقل بعد ذلك إلى حروف النداء: حروف النداء عند العرب ستة: "أيا" و"هيا" وينادى بها البعيد، والهمزة و"أي" وينادى بها القريب، و"يا" للبعيد والقريب، و"وا" للندبة، هذا المشهور في تقسيم حروف النداء، ولكن الناظر في كتاب الله لا يجد حرفًا استخدم للنداء سوى حرف يا، ولذلك كان القول: بأنه إذا كان حرف النداء محذوفًا لا يقدر سوى يا، فلا يصح تقدير أي حرف سوى يا، أما الحرف الآخر الذي ذهب البعض إلى أنه وقع في كتاب الله وهو النداء بالهمزة، وذلك على قراءة الكسائي: "أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ" "أمَنْ هُوَ قَانِتٌ" قالوا: نداء يا من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما، وقالوا: إن الهمزة للاستفهام، فكان ذلك احتمال بأن تكون للنداء أو للاستفهام. حرف النداء "يا" استخدم في كتاب الله دون سائر حروف النداء، وكان له بعض السمات التي أحصاها شَيْخُنا محمد عبد الخالق عضيمة، في كتابه (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) من ذلك: أنّ جميع الأنبياء ﵈ ناداهم الله بأسمائهم عدا رسولنا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- فقد نودي بوصفه تشريفا وتكريمًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (الأحزاب: ١) ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ (المائدة: ٤١) ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾ (المدثر: ١)، ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ (المزمل: ١). كذلك إن لفظ "رب" يكثر في ندائه حذف حرف النداء، فلم تثبت "يا" مع لفظ "رب" إلا في موضعين وهما: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: ٣٠) وقوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُون﴾ (الزُّخرُف: ٨٨).

стр. 133

كذلك استُخْدم حرف النداء مع غير العاقل كثيرا في القرآن الكريم إما على سبيل المجاز، وإما على أن الله يخلق في هذه المخلوقات ما يجعلها تفهم خطابه ، كقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (سبأ: ١٠) ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾ (الأنبياء: ٦٩) ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي﴾ (هود: ٤٤). كذلك يكثر حذف حرف النداء بدلالة السياق كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (يوسف: ٢٩) وقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَن﴾ (الرحمن: ٣١) وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (النور: ٣١) وقد اجتمع الحذف مع أيها ومع العلم، في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ (يوسف: ٤٦) ومما أشار إليه أيضًا أن حرف "يا" إذا وليه "ليت" أو وليه فعل كقراءة: "ألا يا اسجدوا" في سورة النمل أن حرف "يا" في هذه الحالة يكون للتنبيه على الصحيح، وليس للنداء. يشير ﵀ إلى الخلاف الواقع في هذه المسألة في نحو قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُون﴾ (يس: ٢٦) ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: ٢٤) وقراءة "ألا يا اسجدوا" فهنا للنحاة مذهبان أو لأهل التوجيه الآية مذهبان: المذهب الأول: أن هناك نداء محذوف، ودخل عليه حرف النداء؛ لأن حرف النداء يختص بالاسم. المذهب الثاني: أن "يا" هنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه. وهو المذهب الذي اختاره الشيخ وعليه المحققون من المتأخرين. بقي أن يُشار أو أن نتحدث في النداء على أشياء يستشفها المرء من استخدامات حرف النداء مثال:

стр. 134

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (البقرة: ١٠٤) هذه الآية الكريمة تجد أنها دائمًا تقع في أول السور،، ولم تقع وسط الآيات، إلا في آية واحدة في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥٦). كأن ذلك اختصاص للنبي ﷺ فبندائه صلوات الله وسلامه عليه. وكما قلت لكم: إن مثل هذا من اللطائف التي كما قيل عنها تُشَمّ ولا تؤكل، فهي لطيفة يشار بها. ويشار كذلك من لطائف استخدامات النداء، أنّ اقتصار كتاب الله على الحرف يا فيه إشعار بأنّ هذا الحرف يُستخدم في سائر الاستخدامات دون غيره، فكأنّك به تجده للقريب محل، أي والهمزة، ولتنظر مثلًا هذا الحوار بين إبراهيم ﵇ وأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (مريم: ٤٥) ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ (مريم: ٤٣) إلى آخر سياق الآيات فهذا النداء به من الشفقة والحنان، والمودة من إبراهيم ﵇ مع أبيه ما تراه. وترى المقابلة في الاستخدام: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ (مريم: ٤٦) فنداه باسمه، ولم يناده بـ"يا بني" مثلًا مقابلة لما نادى به إبراهيم ﵇. كذلك تجد هذا الحرف يستخدم للبعيد كما استخدم للقريب: ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين﴾ (القصص: ٢٠) فكأنك تراه ينادي على قومه فيما يذكره المولى في هذه الآية، ويصيح بهم ويطلب منهم أن يتبعوا من أرسلهم الله وكذلك: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين﴾ (القصص: ٢٠).

стр. 135

إذا رأيت سياق الآيات في سورة القصص يتبين لك أن الرجل ينادي على موسى ﵇، ويُرشده إلى الخروج قبل أن يصيبه الضرر من فرعون وقومه. هذا بالإضافة إلى النظر لاستخدامات هذا الحرف في القرآن الكريم، تبين لك أنه حرف يسد مسد سائر حروف النداء؛ حتى الخلاف المعلوم في وضع الندبة أنها تختص بها "وا" دون غيرها كقولنا: "وا عمراه" "وا أسفاه" "وا حسرتاه" إلى آخره تجد أنها جاءت في القرآن الكريم: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ (الزُّمَر: ٥٦) فهذا الاستخدام أيضًا يرجح من ذهب إلى استخدام غير "وا" في الندبة بدلالة السياق؛ فهو يتحسر على نفسه. نكتفي بهذا المقدار في الكلام عن حروف النداء. حروف النفي وننتقل إلى حروف النفي: حروف النفي ستة: يشترك اثنان في نفي الحال، وهما: "ما، وإن" واثنان في نفي المستقبل وهما: "لا، ولن"، واثنان في نفي الماضي وهما: "لم ولما"، هذا التقسيم الذي اختاره صاحب التخمير، أو شارح المفصل للزمخشري، وكما معلوم أن تقسيم هذه الحروف إلى أبوابها هو يعتبر ما تفرد به الزمخشري في تقسيمه في (المفصل) لحروف المعاني؛ بخلاف ما قَسّم أصحاب كتب الحروف عندما وزعوها تبعًا لحروفها وتركيبها: أحادية، وثنائية، وثلاثية، ورباعية. أو تبعًا لحروف المعجم: الهمزة المفردة، ثم الهمزة مع حرف آخر، ثم الباء هكذا إلى نهاية حروف المعجم. فما قسم أحد هذا التقسيم تبعًا للأبواب إلا الزمخشري في مفصله، مما يدل على حاسته البلاغية، وحِسّه اللغوي في تقسيم الحروف بأنها تنسب لبابها؛ فاختار

стр. 136

هذا التقسيم، وكان لمن بعده آراء مع هذا التقسيم؛ لكن أولًا نقف مع الفروق بين هذه الحروف التي تشترك في معنى، أي: "لم، ولما" يشتركان معًا في نفي الفعل المضارع، وقلب زمنه إلى الماضي. فعندما نقول: "لم يحضر" فقد نفينا حضوره، و"لما يحضر" كذلك ننفي حضوره، فما الفرق إذًا بين لم ولما؟ يوجز الفرق بينهما في هذه العبارة الدقيقة: أن لم لنفي فعل، ولما لنفي قد فعل. أي: عندما يقال لك: هل حضر محمد؟ تقول: لم يحضر. وإذا قيل لك: قد حضر محمد وأردت النفي قلت: لما يحضر محمد. أي: لما يحضر بعد محمد، فهذا ما فرق به بإيجاز بين لم ولما. وتفصيل ذلك ذكرها البعض بأن بينها فروق تتركز في الآتي: - أنّ "لم" تقترن بأداة الشرط، و"لما" لا تقترن بأداة الشرط، قال تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ (المائدة: ٧٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧) ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ فاقترنت لم بإن، ولا تقترن لما بإن فلا يقال: إن لما، كذلك هذا الفرق الأول. الفرقُ الثاني: أنّ لم تَحْتَمِلُ الاتصال والاستمرار إلى زمن التكلم، وتحتمل الانقطاع قبل زمن التكلم، قال تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (مريم: ٤) فهذا مستمرٌ إلى حال دعائه ﵇ ربّه، والانقطاع كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ (الإنسان: ١) أما "لما" فمنفيها مستمر بها إلى الحال، أي: إلى زمن التكلم.

стр. 137

وقال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحُجُرات: ١٤) فنفى الله عنهم دعوى الإيمان: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ وأثبت لهم الإسلام: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ﴾ أي: إلى أن يدخل الإيمان قلوبكم عند ذلك يصح إيمانكم، فهذا فرق أيضًا بين "لم" و"لما". الفرق الثالث: هو أنّ منفي "لما" متوقع ثبوته بخلاف منفي "لم" قال تعالى ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَاب﴾ (ص: ٨) فهم لم يذوقوه إلا أنه متوقع، وقال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ (البقرة: ٢١٤) وقال سبحانه: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فذلك فيه دلالة على إيمانهم فيما بعد. وأنّ إيمانهم كان متوقعًا، أمّا منفي "لم" فلا توقع فيه؛ فهو ثابت ومستمر، قال : ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (الإسراء: ١١١) وقال سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد﴾ (الإخلاص: ٣) وعاقب ابن هشام بأنهما في نفي المستقبل قد يكون هذا متوقعًا، أي: ما بعد "لما" بخلاف "لم" أما إذا نفي الماضي فهما سيان في نفي التوقع؛ فإذا كان الزمن الذي نُفي هو زمن مضى بقرينة السياق وبقرينة المعنى؛ فإنّ ذلك يشترك فيه لم ولما دون توقع بينهما. نأتي للحرفين التاليين اللذين هما لنفي الحال، وهما "ما" و"إن" فـ"ما" تعمل بوظيفة نحوية معروفة؛ فتعل عمل ليس مع الجملة الاسمية، وهي لغة الحجاز، هي لغة قريش، وجاء بها قوله تعالى: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢) بكسر التاء في أمهاتهم على أنها منصوبة لكونها خبر "ما" العاملة عمل ليس، وفي قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١) كذلك نصبت "بشرًا" على أنها خبر لـ"ما" العاملة عمل

стр. 138

"ليس" ولذلك شروط ولعملها، شروط متوفرة في كتب النحو وليست من موضوعنا. ولا تعمل "ما" مع الجملة الفعلية قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللهِ﴾ (البقرة: ٢٧٢) فيظل ما بعدها مرفوعا، ولا أثر لما عليه. أما وظيفتها من حيث المعنى؛ فإنّها إذا نفت المضارع تجعله خالصًا للحال، عند جمهور العلماء كقوله تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ (النساء: ١٤٧) وكقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (المجادلة: ٧) البعض اعترض ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي﴾ (يونس: ١٥) فإن الزمن هنا لم يخلص للحال بل هو مستمر، وهذا النفي مستمر بعده. أما "إن" النافية فهي تدخل على الجملة الاسمية، وعلى الجملة الفعلية، واجتمع ذلك في قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُون﴾ (يونس: ٦٦) فإن "إن" تكون بمعنى "ما" وجاءت مع الجملتين في قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ (النجم: ٢٣) هي جملة فعلية: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُون﴾ جملة اسمية. وأمثلة ذلك كثيرة فمثال دخولها على الجملة الاسمية: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُور﴾ (المُلك: ٢٠) ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾ (المجادلة: ٢) وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (النساء: ١٥٩) أي: وما

стр. 139

أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ (مريم: ٧١) فالجملة اسمية. ومثال دخولها على الجملة الفعلية قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى﴾ (التوبة: ١٠٧) ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ (النساء: ١١٧) ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا﴾ (الإسراء: ٥٢) ﴿إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ (الكهف: ٥) أي: ما يقولون إلا كذبًا. أما قول بعض أهل العلم بأن "إن" النافية لا تأتي إلا وبعدها "إلا" فذلك قول غير دقيق رده ابن هشام وحجته واضحة بكلام الله بقوله تعالى: ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ (يونس: ٦٨) أي: ما عندكم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ (الجن: ٢٥) أي: ما أدري. وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾ (الأنبياء: ١١١) أي: وما أدري لعله فتنة لكم، فجاءت بمعنى ما، أي: نافية مثل "ما" ومع ذلك لما يتبعها "إلا" كما اشترط من اشترط ذلك، وآخر حرفين للنفي هما: "لا" و"لن" لا لنفي المستقبل، و"لن" لنفي المستقبل، إلّا أن "لن" تُفيد تأكيد النفي، واعتُرض على ذلك ولكن ذلك هو السائد عند أهل هذا الفن، في أن "لن" تُفيد تأكيد النفي، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (الكهف: ٦٠) وقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ (يوسف: ٨٠) فجاءت "لا أبرح" وجاءت "لن أبرح" وكلاهما لنفي المستقبل إلّا أنّ لن أشد توكيدًا في نفيها. واختلف في كونها تفيد التأبيد، فكون "لن" تفيد التأبيد هذا قول مرجوح ومردود بأدلة قوية؛ لأن "لن" تتبعها حتى، وحتى تفيد الغاية فلو كانت تفيد التأبيد ما

стр. 140

تبعها حتى كما مثلنا بقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ كذلك لفظ "لم" جاء معه الزمان محدودًا قال : ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (مريم: ٢٦) فخصص باليوم، ولو كانت للتأبيد ما كان هناك تخصيص، وكذلك أنها تقترن بكلمة "أبدًا"؛ فكونها للتأبيد وتقترن بكلمة "أبدًا" ذلك تكرار لا مسوغ له أو لا داعي له. قال تعالى: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (البقرة: ٩٥) فوجود أبدًا يدل على أنّ "لن" لا تُفيد التأبيد كما زعم من زعم ذلك. بقي أن نذكر أنّ بعضَهُم ذَهَب إلى أنّ لنْ تُفيد الدُّعاء، واستدل بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِين﴾ (القصص: ١٧) على معنى "فلا تجعلني ظهيرًا للمجرمين" وهذا القول أيضًا يُنظر فيه، ولكنه ذُكر في استخدام لن بمعنى الدُّعاء بدلًا من النفي. هذا الفرق بين "لا" و"لن" في الاستخدام أما "لا" فتستعمل كثيرًا للنفي، وتأتي بصور شتى فتأتي عاملة عمل "إنّ" فيكون لها اسم وخبر، واسمها يكون منصوبًا وخبرها مرفوعًا، ولم ترد في القرآن ناصبة، وإنما أتى اسمها مبنيًّا في محل نصب كقوله تعالى: ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (يوسف: ٩٢) ﴿قَالُوا لاَ ضَيْرَ﴾ (الشعراء: ٥٠) وكقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ (الأحزاب: ١٣). كذلك تكون عاملة عمل ليس، وهذا له شروط معروفة في كتب النحو، وتأتي أيضًا للنفي على غير هذا؛ فيكون ما بعدها جملة اسمية أو فعلية، وإذا كانت جملة اسمية قد يأتي صدرها معرفة كقوله تعالى: ﴿لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ (يس: ٤٠) ويكون اسمها نكرة كقوله تعالى: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُون﴾ (الصافات: ٤٧) وتأتي نافية لجملة فعلية فعلها ماض كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى﴾ (القيامة: ٣١).

стр. 141

وكذلك تنفي المفردات؛ فإذا نفت المفردات وجب تكرارها كقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ﴾ (البقرة: ٦٨) وكقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُوم * لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيم﴾ (الواقعة: ٤٣ - ٤٤) وكقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَة * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَة﴾ (الواقعة: ٣٢ - ٣٣). وكقوله تعالى: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ (النور: ٣٥). أما إذا كانت نافية لجملة فعلية فعلها مضارع؛ فلا يجب تكرارها وتنفي مباشرة كقوله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ﴾ (النساء: ١٤٨) وكقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الأنعام: ٩٠)، هذا بالنسبة لاستخدامات "لا، ولن" في حال النفي، وهذه هي حروف النفي الستة "ما، وإن، ولا، ولن، ولما، ولم". حرفا الشرط: "إنْ" و"لو " ننتقل بعد ذلك لحرفي الشرط: الشّرطُ -كما تعرفون- هذا من الأشياء التي تختص بها الجملة الفعلية؛ فالشرطُ له أدوات هذه الأدوات إما حروف، وإما أسماء، فموضوعنا حول الحروف، وحروف الشرط التي اتفق على حرفيتها نص الزمخشري على أنهما حرفان: "إن" و"لو" بالطبع هناك خلاف في "إذ ما" كأداة من أدوات الشرط الجازمة. أما الجازمة ومتفق على حرفيتها اتفاقًا فهي "إن"، و"لو" لا تجزم وهو متفق على حرفيتها، فأوجز أو اختصر الشرط في حرفين هما: "إن" و"لو" فنأتي أولًا للكلام عن الحرف إنْ باعتباره أساسًا في معنى الشرط؛ فحرف إنْ يأتي جازمًا كقوله تعالى: ﴿إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال: ٣٨) ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: ٧) ﴿وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ﴾ (الأنفال: ١٩) وآيات كثيرة في كتاب الله .

стр. 142

وكذلك إن يأتي بعدها "لا" ولا تؤثر في كونها شرطية كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ (التوبة: ٤٠) ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ (التوبة: ٣٩) ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِين﴾ (هود: ٤٧) ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ (يوسف: ٣٣) هكذا تزاد لا ولا تؤثر في كونها شرطية، وكذلك تدخل عليها ما النافية للتأكيد كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ (طه: ١٢٣). "إنْ" تتميز بأنها تدور حول المعاني المحتملة المشكوك في كونها، فلا يقال: إن طلعت الشمس آتيك. إلا إذا كان اليوم به غيم، ويقال: إن مات فلان يحدث كذا؛ لأن الموت، وإن كان متحقق الوقوع إلا أنه غير معلوم وقته، فهذا ما ميز به النحاة أن عن غيرها بإفادتها هذا المعنى، وهو معنى الشّك، فهُنا يأتي دور من يتناول النصّ القُرآني، والآيات القرآنية؛ ليجيب عن هذه القاعدة أطلقت حول "إنْ" بأنّها تفيد الشك. هنا يعرض ابن هشام آيتين كانتا مجالًا خصبًا لنِقاش هذه المسألة في كون "إنْ" تُفيد الشك أم لا تفيده، وهو ما يقال اعترض بكذا، عندنا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ (المائدة: ٥٧) وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (الفتح: ٢٧) هنا معنى الاحتمالية، أو معنى أنه أمر مشكوك فيه طبعًا لا يقبل، وهو فاسد مع هاتين الآيتين الكريمتين؛ فكيف تُخَرّج؟ ذهب البعض إلى أنّ "إن" هنا بمعنى إذ يعني: واتقوا الله إذ كنتم مؤمنين، إذ شاء الله دخولكم المسجد الحرام دخلتموه آمنين، هذا على رأي، وهذا على مذهب الكوفيين، أما جمهور أهل العلم يرون إن هنا في الآيتين على معناها من معنى الشرط بينما أتت في قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ أنه شرط جيء به للتهييج والإلهاب، ومثلوا بمثال جميل كما تقول لابنك: إن كنت ابني فلا تفعل كذا.

стр. 143

فهذا يحركه لأن يفعل ما تطلبه، فهذا مثال فهم به قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ أي: إن كنتم مؤمنين اتقوا الله ، على سبيل الإثارة والتهييج والإلهاب والتحريك للتقوى بدافع الإيمان. أما آية المشيئة ﴿إِن شَاء اللهُ آمِنِين﴾ فهذه يجاب عنها بأشياء كثيرة فمنها: أن ذلك تعليمٌ للعباد كيف يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل أنه إذا أراد أن يتحدث عن المستقبل؛ فعليه أن يُقَدّم المشيئة، ويقول: إنْ شاء الله، ومنها: أن أصل ذلك الشرط، ثُمّ صَارَ يُذكر للتبرك به، أنّ ذَلكَ أصْلُه شرط، ولكنه ذُكر للتبرك بهذا القول الكريم: إن شاء الله. أو أن المعنى لتدخلن جميعًا إن شاء الله ألا يموت منكم أحد قبل الدخول، يعني: أن ذلك خبر من الله أنّ هؤلاء الصّحب الكِرام سيدخلون المسجد الحرام، ولن يموت أحد قبل هذا الدخول، أو أن هذه العبارة من كلام الرسول الكريم ﷺ حين أخبرهم بالرؤيا التي رآها ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ (الفتح: ٢٧) هذا ما يتعلق بالكلام عن إن الشرطية. أما "لو" فهي حرفُ شرط في المستقبل إلّا أنّها لا تَجْزِم، فهذا فرق بينها وبين "إن" في العمل وهو أن لولا تجزم وإن تجزم، قال الله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾ (النساء: ٩) أي: وليخش الذين إن شارفوا وقاربوا أن يتركوا، وهنا يلجأ إلى القول بالمشارفة على الترك، وليس بالترك الواقع؛ لأنّ الخطاب للأوصياء، وإنما يتوجه إليهم قبل الترك؛ لأنهم بعد تركهم الذرية يكونون أمواتًا؛ فلا يتوجه إليهم خطاب.

стр. 144

حرفا الاستفهام "الهمزة" و"هل " وننتقل للحديث عن حرفي الاستفهام، وهما "الهمزةُ" و"هل": الاستفهام كما تعلمون هو طلب الجواب؛ فالذي يستفهم يطلب جوابًا عن سؤاله، وهذا على حقيقته لا يقبل حمله على كلام الله ومن ثم يخرج الاستفهام عن حقيقته، إلى معان مجازية؛ اهتم أهل هذا الشأن ببيان معاني أداتي الاستفهام من الحروف، وهما "الهمزة" و"هل" وأفرد على سبيل المثال الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) فصلًا وتحدث فيه عن الهمزة، وكذلك اهتم أهل كتب المعاني ببيان معاني "الهمزة، وهل" في استخداماتها في كتاب الله . فنبدأ في الكلام عن "الهمزة" لأنها أعمُّ في الاستفهام من "هل" فهي تقع مواقع الاستفهام كلها، بخلاف "هل" فيُستفهم بها عن الإيجاب، وعن النفي: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون﴾ (الأعراف: ٢٨) ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (الحُجُرات: ١٢) وهذا في الموجب وأيضًا تستخدم مع النفي: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد﴾ (الفجر: ٦) ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين﴾ (التين: ٨) ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزُّمَر: ٣٦) ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: ٢٢). والاستفهام بـ"هل" لا يكون مع النفي، وإنما يكون مع الموجب، أما الهمزة تنفرد عن هل بهذه الميزة، وكذلك الهمزة تقع قبل الواو، قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ (البقرة: ١٠٠) وتقع قبل الفاء قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (المُلك: ٢٢) أو ثم قال تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ﴾ (يونس: ٥١).

стр. 145

ولا تقع "هل" في هذه المواقع، كذلك الهمزة تُحذف إذا دل عليها دليل، بخلاف "هل" وقد حمل بعضهم عليها على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيل﴾ (الشعراء: ٢٢) أي: أتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل، فحذفت الهمزة لدلالة عليها بسياق الكلام. هذا ما تختلف فيه الهمزة عن هل أما معانيها التي هي موضوعنا؛ فهي تأتي لمعنى التسوية، والتسوية بمعنى أنها تسبق بكلمة سواء، أو ما يؤدي معناها، يعني ليست قاصرة على أنْ تُسبق بكلمة سواء؛ فإذا سُبقت بكلمة نحو "ما أبالي" "ما أدري" "ليت شعري" فهذه الكلمات تؤدي أيضًا معنى التسوية مع استخدام الهمزة، قال تعالى: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (المنافقون: ٦) فهذه الهمزة الداخلة على جملة يصح حلول المصدر محلها، هذه الهمزة تسمى همزة التسوية، ولا يشترط أن تسبق بكلمة سواء بعينها. فهنا المعنى سواء عليك استغفارك أو عدمه. المعنى الثاني من معاني الهمزة: هو أنها تفيد معنى الإنكار: الإنكار نوعان: هناك إنكار إبطالي، وهناك إنكار توبيخي، فهي تفيد معنى الإنكار الإبطالي، ومعنى الإنكار الإبطالي: أنّ ما بعدها غير واقع، وأن مدعيه كاذب قال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا﴾ (الإسراء: ٤٠) وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُون﴾ (الصافات: ١٤٩) وقال سبحانه: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُون﴾ (الطور: ١٥) وقال سبحانه: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ (الزُّخرُف: ١٩) وكذلك في قوله سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (الحُجُرات: ١٢) وقوله سبحانه: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ (ق: ١٥).
следующие страницы →