Полный текст (425 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وكذلك تنفي المفردات؛ فإذا نفت المفردات وجب تكرارها كقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ﴾ (البقرة: ٦٨) وكقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُوم * لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيم﴾ (الواقعة: ٤٣ - ٤٤) وكقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَة * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَة﴾ (الواقعة: ٣٢ - ٣٣). وكقوله تعالى: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ (النور: ٣٥).
أما إذا كانت نافية لجملة فعلية فعلها مضارع؛ فلا يجب تكرارها وتنفي مباشرة كقوله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ﴾ (النساء: ١٤٨) وكقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الأنعام: ٩٠)، هذا بالنسبة لاستخدامات "لا، ولن" في حال النفي، وهذه هي حروف النفي الستة "ما، وإن، ولا، ولن، ولما، ولم".
حرفا الشرط: "إنْ" و"لو "
ننتقل بعد ذلك لحرفي الشرط: الشّرطُ -كما تعرفون- هذا من الأشياء التي تختص بها الجملة الفعلية؛ فالشرطُ له أدوات هذه الأدوات إما حروف، وإما أسماء، فموضوعنا حول الحروف، وحروف الشرط التي اتفق على حرفيتها نص الزمخشري على أنهما حرفان: "إن" و"لو" بالطبع هناك خلاف في "إذ ما" كأداة من أدوات الشرط الجازمة.
أما الجازمة ومتفق على حرفيتها اتفاقًا فهي "إن"، و"لو" لا تجزم وهو متفق على حرفيتها، فأوجز أو اختصر الشرط في حرفين هما: "إن" و"لو" فنأتي أولًا للكلام عن الحرف إنْ باعتباره أساسًا في معنى الشرط؛ فحرف إنْ يأتي جازمًا كقوله تعالى: ﴿إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال: ٣٨) ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: ٧) ﴿وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ﴾ (الأنفال: ١٩) وآيات كثيرة في كتاب الله .
стр. 142
وكذلك إن يأتي بعدها "لا" ولا تؤثر في كونها شرطية كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ (التوبة: ٤٠) ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ (التوبة: ٣٩) ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِين﴾ (هود: ٤٧) ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ (يوسف: ٣٣) هكذا تزاد لا ولا تؤثر في كونها شرطية، وكذلك تدخل عليها ما النافية للتأكيد كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ (طه: ١٢٣).
"إنْ" تتميز بأنها تدور حول المعاني المحتملة المشكوك في كونها، فلا يقال: إن طلعت الشمس آتيك. إلا إذا كان اليوم به غيم، ويقال: إن مات فلان يحدث كذا؛ لأن الموت، وإن كان متحقق الوقوع إلا أنه غير معلوم وقته، فهذا ما ميز به النحاة أن عن غيرها بإفادتها هذا المعنى، وهو معنى الشّك، فهُنا يأتي دور من يتناول النصّ القُرآني، والآيات القرآنية؛ ليجيب عن هذه القاعدة أطلقت حول "إنْ" بأنّها تفيد الشك.
هنا يعرض ابن هشام آيتين كانتا مجالًا خصبًا لنِقاش هذه المسألة في كون "إنْ" تُفيد الشك أم لا تفيده، وهو ما يقال اعترض بكذا، عندنا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ (المائدة: ٥٧) وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (الفتح: ٢٧) هنا معنى الاحتمالية، أو معنى أنه أمر مشكوك فيه طبعًا لا يقبل، وهو فاسد مع هاتين الآيتين الكريمتين؛ فكيف تُخَرّج؟
ذهب البعض إلى أنّ "إن" هنا بمعنى إذ يعني: واتقوا الله إذ كنتم مؤمنين، إذ شاء الله دخولكم المسجد الحرام دخلتموه آمنين، هذا على رأي، وهذا على مذهب الكوفيين، أما جمهور أهل العلم يرون إن هنا في الآيتين على معناها من معنى الشرط بينما أتت في قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ أنه شرط جيء به للتهييج والإلهاب، ومثلوا بمثال جميل كما تقول لابنك: إن كنت ابني فلا تفعل كذا.
стр. 143
فهذا يحركه لأن يفعل ما تطلبه، فهذا مثال فهم به قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ أي: إن كنتم مؤمنين اتقوا الله ، على سبيل الإثارة والتهييج والإلهاب والتحريك للتقوى بدافع الإيمان.
أما آية المشيئة ﴿إِن شَاء اللهُ آمِنِين﴾ فهذه يجاب عنها بأشياء كثيرة فمنها: أن ذلك تعليمٌ للعباد كيف يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل أنه إذا أراد أن يتحدث عن المستقبل؛ فعليه أن يُقَدّم المشيئة، ويقول: إنْ شاء الله، ومنها: أن أصل ذلك الشرط، ثُمّ صَارَ يُذكر للتبرك به، أنّ ذَلكَ أصْلُه شرط، ولكنه ذُكر للتبرك بهذا القول الكريم: إن شاء الله.
أو أن المعنى لتدخلن جميعًا إن شاء الله ألا يموت منكم أحد قبل الدخول، يعني: أن ذلك خبر من الله أنّ هؤلاء الصّحب الكِرام سيدخلون المسجد الحرام، ولن يموت أحد قبل هذا الدخول، أو أن هذه العبارة من كلام الرسول الكريم ﷺ حين أخبرهم بالرؤيا التي رآها ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ (الفتح: ٢٧) هذا ما يتعلق بالكلام عن إن الشرطية.
أما "لو" فهي حرفُ شرط في المستقبل إلّا أنّها لا تَجْزِم، فهذا فرق بينها وبين "إن" في العمل وهو أن لولا تجزم وإن تجزم، قال الله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾ (النساء: ٩) أي: وليخش الذين إن شارفوا وقاربوا أن يتركوا، وهنا يلجأ إلى القول بالمشارفة على الترك، وليس بالترك الواقع؛ لأنّ الخطاب للأوصياء، وإنما يتوجه إليهم قبل الترك؛ لأنهم بعد تركهم الذرية يكونون أمواتًا؛ فلا يتوجه إليهم خطاب.
стр. 144
حرفا الاستفهام "الهمزة" و"هل "
وننتقل للحديث عن حرفي الاستفهام، وهما "الهمزةُ" و"هل":
الاستفهام كما تعلمون هو طلب الجواب؛ فالذي يستفهم يطلب جوابًا عن سؤاله، وهذا على حقيقته لا يقبل حمله على كلام الله ومن ثم يخرج الاستفهام عن حقيقته، إلى معان مجازية؛ اهتم أهل هذا الشأن ببيان معاني أداتي الاستفهام من الحروف، وهما "الهمزة" و"هل" وأفرد على سبيل المثال الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) فصلًا وتحدث فيه عن الهمزة، وكذلك اهتم أهل كتب المعاني ببيان معاني "الهمزة، وهل" في استخداماتها في كتاب الله .
فنبدأ في الكلام عن "الهمزة" لأنها أعمُّ في الاستفهام من "هل" فهي تقع مواقع الاستفهام كلها، بخلاف "هل" فيُستفهم بها عن الإيجاب، وعن النفي: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون﴾ (الأعراف: ٢٨) ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (الحُجُرات: ١٢) وهذا في الموجب وأيضًا تستخدم مع النفي: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد﴾ (الفجر: ٦) ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين﴾ (التين: ٨) ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزُّمَر: ٣٦) ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: ٢٢).
والاستفهام بـ"هل" لا يكون مع النفي، وإنما يكون مع الموجب، أما الهمزة تنفرد عن هل بهذه الميزة، وكذلك الهمزة تقع قبل الواو، قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ (البقرة: ١٠٠) وتقع قبل الفاء قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (المُلك: ٢٢) أو ثم قال تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ﴾ (يونس: ٥١).
стр. 145
ولا تقع "هل" في هذه المواقع، كذلك الهمزة تُحذف إذا دل عليها دليل، بخلاف "هل" وقد حمل بعضهم عليها على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيل﴾ (الشعراء: ٢٢) أي: أتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل، فحذفت الهمزة لدلالة عليها بسياق الكلام.
هذا ما تختلف فيه الهمزة عن هل أما معانيها التي هي موضوعنا؛ فهي تأتي لمعنى التسوية، والتسوية بمعنى أنها تسبق بكلمة سواء، أو ما يؤدي معناها، يعني ليست قاصرة على أنْ تُسبق بكلمة سواء؛ فإذا سُبقت بكلمة نحو "ما أبالي" "ما أدري" "ليت شعري" فهذه الكلمات تؤدي أيضًا معنى التسوية مع استخدام الهمزة، قال تعالى: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (المنافقون: ٦) فهذه الهمزة الداخلة على جملة يصح حلول المصدر محلها، هذه الهمزة تسمى همزة التسوية، ولا يشترط أن تسبق بكلمة سواء بعينها. فهنا المعنى سواء عليك استغفارك أو عدمه.
المعنى الثاني من معاني الهمزة: هو أنها تفيد معنى الإنكار: الإنكار نوعان: هناك إنكار إبطالي، وهناك إنكار توبيخي، فهي تفيد معنى الإنكار الإبطالي، ومعنى الإنكار الإبطالي: أنّ ما بعدها غير واقع، وأن مدعيه كاذب قال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا﴾ (الإسراء: ٤٠) وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُون﴾ (الصافات: ١٤٩) وقال سبحانه: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُون﴾ (الطور: ١٥) وقال سبحانه: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ (الزُّخرُف: ١٩) وكذلك في قوله سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (الحُجُرات: ١٢) وقوله سبحانه: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ (ق: ١٥).
стр. 146
كل ذلك إنكار إبطالي لماذا؟ لأن ما بعد الهمزة غير واقع، وأن الذي ادعى هذا الكلام هو كاذب، فهؤلاء الذين ادعوا أن الله اتخذ من الملائكة إناثًا، وأنه اصطفاهم بالبنين هؤلاء كاذبون، وكذلك كل من افترى كذبًا؛ فكُذب بهذا الاستفهام الإنكاري كقوله تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ (الزُّخرُف: ١٩) فهم لم يشهدوا خلق الملائكة، وإنما ادعوا ذلك ادعاء، وهم كاذبون فيه، هذا ما يسمى بالإنكار الإبطالي.
أما الإنكار التوبيخي فما بعد الهمزة واقع، ولكنّ فاعله ملوم أو يستحق أن يعاتب أو أن يوبخ، فقال : ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُون﴾ (الصافات: ٩٥) وقال سبحانه: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ (الأنعام: ٤٠) وقال سبحانه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُون﴾ (الصافات: ٨٦) وقال سبحانه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِين﴾ (الشعراء: ١٦٥) فهم فعلوا هذه الأشياء، ويستحقون أن يوبخوا عليها؛ فمن ثَمّ تُسمى الهمزة هنا للإنكار التوبيخي.
وقد تأتي الهمزةُ للتهكم كقول قوم شعيب له ﵇: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء﴾ (هود: ٨٧) ﴿أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ هم يتهكمون عليه ﵇.
وكذلك تُستخدم الهمزة للأمر قال : ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ (آل عمران: ٢٠) أي: أسلموا، ﴿َقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ أي: قل لهم: أسلموا؛ فإن أسلموا فقد اهتدوا. فالهمزة هنا استفهام دلالته الأمر.
стр. 147
وكذلك تُستخدم الهمزة على معنى التعجب استفهام غرضه التعجب، كقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ (الفرقان: ٤٥)
وتُستخدم أيضًا بمعنى الاستبطاء؛ فإن يستفهم بها عن أمر تباطأ المخاطب في فعله، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الحديد: ١٦).
وأخيرًا تستخدم الهمزة للتقرير، والتقرير هو: حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته أو نفيه، هنا يجب أن يليها الشيء الذي تقرره به، يعني حمل المخاطب على معنى يريده السامع؛ فتذكر الشيء الذي تريده أن يقر به كقوله : ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيم﴾ (الأنبياء: ٦٢) فهم عندما وجهوا هذا الخطاب لإبراهيم ﵇ لا يسألون عن الفاعل، فهم يعلمون أن الفاعل هو إبراهيم ﵇ ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُون﴾ (الأنبياء: ٦٠ - ٦١).
فهنا طرحوا هذا السؤال على إبراهيم ﵇ ليأخذوا منه إجابة، هذه الإجابة يستطيعون بها أن يفعلوا ما يريدون فعله معه، فهنا لو لم يعلموا الفاعل كان هذا استفهامًا حقيقيًّا، ولو كانوا يعلمون فلعلمهم أن إبراهيم ﵇ هو الذي فعل ذلك، وجهوا إليه السؤال لحمله على ما يريدون.
ومن أمثلته أيضًا في القرآن: قول الله لعيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ (المائدة: ١١٦) فالله يعلم أن عيسى ﵇ لم يقل هذا القول، وإنما هم افتروا عليه هذا الافتراء، فسأله المولى في هذا المشهد من مشاهد يوم القيامة، كي يكون على مرأى ومسمع
стр. 148
من الناس جميعًا؛ ليُجيب ﵇ بما أجاب؛ فيكون في ذلك حجة على بني إسرائيل الذين اتهموه هذا الاتهام الباطل.
هذا بالنسبة للهمزة أما "هل" فهي حرف الاستفهام الثاني، ويختلف عن الهمزة أيضًا بأشياء:
أولها: أنّ "هل" تقع بعد أم المنقطعة بخلاف الهمزة، قال الله : ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (الرعد: ١٦).
ثانيًا: أن يُراد بالاستفهام بها النفي؛ بخلاف الهمزة ومن ثم كثر نقضها بـ"إلا" فهل وإلا استفهام غرضه النفي، كقوله : ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُون﴾ (الأحقاف: ٣٥) أي: ما يهلك إلا القوم الفاسقون: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ (الأعراف: ٥٣) ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولا﴾ (الإسراء: ٩٣) وقوله سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَان﴾ (الرحمن: ٦٠) ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُور﴾ (سبأ: ١٧) فهل هنا يراد بها النفي.
وكذلك جاءت بمعنى النفي دون نقضها بـ"إلا" يعني الكثير نقضها بـ"إلا" وأتت في مواضع يراد بها النفي، إلا أنها لم تنتقض بإلا كقوله : ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظ﴾ (الحج: ١٥) ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الزُّمَر: ٩) ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ (النحل: ٧٥) فكل ذلك محمول على معنى النفي.
ولـ"هل" معان أخر في استخداماتها: فهي تأتي بمعنى الأمر أيضًا كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون﴾ (المائدة: ٩١) أي: انتهوا ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُون﴾ (هود: ١٤) أي: أسلموا ﴿قَالَ هَلْ
стр. 149
أَنتُم مُّطَّلِعُون * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم﴾ (الصافات: ٥٤ - ٥٥)
قال: اطلعوا فاطلعوا فرآه في سواء الجحيم، فالاستفهام هنا غرضه الأمر، كذلك تأتي بغرض التوبيخ قال : ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (يونس: ٣٤) هذا يُسمى بالإنكار التوبيخي الذي ذكرناه قبل مع الهمزة، وقال حكاية عن يوسف ﵇ قائلًا لإخوانه: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ (يوسف: ٨٩) فهنا يوبخهم ﵇ على فعلتهم التي علموها من فعلهم بيوسف ﵇، وهو صغير.
كذلك قوله : ﴿هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُون﴾ (الشعراء: ٩٣) وتأتي هل أيضًا للتقرير كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم﴾ (فاطر: ٣) وقوله : ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُون﴾ (المطفِّفين: ٣٦) وتأتي هل للتمني كقوله : ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾ (الأعراف: ٥٣) وتأتي للتأدب وحُسن السؤال كقوله سبحانه: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (الكهف: ٩٤).
وتأتي للنصح والإرشاد كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ (طه: ٤٠) وكقول موسى ﵇ لفرعون: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ (النازعات: ١٨) وكقول إبليس لآدم ﵇: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى﴾ (طه: ١٢٠)
стр. 150
بقي في معاني "هل" شيء، تأتي "هل" بمعنى قد، فتستخدم للتحقيق بدلًا من "قد"؟ هذه مسألة مشهورة بين المفسرين، واستدلوا لها بآيات عديدة حتى إنّ بعضهم قال: إن كل "هل أتاك" بمعنى قد أتاك ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (النازعات: ١٥) ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِين﴾ (الذاريات: ٢٤) ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾ (الغاشية: ١) أنّ هذه الآيات تحمل على معنى قد، ويُحمل كذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ (الإنسان: ١) أي: قد أتى على الإنسان حين من الدهر.
وبعضهم حمل قول يوسف ﵇: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ (يوسف: ٨٩) أي: قد علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه، إنه متحقق من أنهم يعلمون فعلتهم التي فعلوها.
وأخيرًا قد تأتي "هل" استفهامية لفظًا خبرية معنى، وهذا الذي يقال: أسلوب إنشائي لفظًا وخبري معنى، في قول الله : ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ (الصف: ١٠) فأتى المولى بالاستفهام؛ لكونه أوقع في النفس مع ما هو معلوم من أنّ الإيمان بالله، واليوم الآخر، والجهاد في سبيله، هو التجارة التي تنجي من العذاب الأليم؛ فأتى الخبر في صورة الإنشاء.
هذه بعض اللطائف التي أظهرها بعض العلماء في استخدام حرفي "الهمزة، وهل" كحرفين للاستفهام في أساليب القرآن الكريم، وفي كتاب الله وهذه هي موضوعنا الذي يهمنا، وهو أنّ حروف المعاني باستخدامها هذا وجه من وجوه
стр. 151
الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، تجعل كل من أراد أن يدخل إلى كتاب الله، وأن يتحدث في تفسيره لا بد أن يقف على هذا العلم، ويُدرك هذا الشيء، فهو مما يلزم المفسر.
وعبارة الزمخشري المشهورة: "إنّ المُفسر لو اعتلك اللغة بفكيه، وكان أنحى من سيبويه لزمه أنْ يعرف هذين العلمين علم المعاني، وعلم البيان؛ فإن هذه العلوم هي التي تمكن من فهم كلام الله ، وأساليبه".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 152
الدرس: ٩ حروف المعاني (٣) .
стр. 153
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(حروف المعاني (٣))
حروف التوكيد، وحروف الجر والقسم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وبعد:
نستكمل حديثنا عن: حروف المعاني:
حروف التوكيد، وحروف الجر:
منها ما يؤكد الجمل، ومنها ما يُؤكد الأفعالَ، ومنها ما يؤكد المُفردات، وجُملة حروف التوكيد: "إنّ وأنّ، ونون التوكيد واللام" إن" و"أن" من أدوات التوكيد التي تؤكد بها الجمل: ﴿وَالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر﴾ (العصر: ١ - ٢). ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ (البقرة: ١٤٣) ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (البقرة: ١٧٣).
هذه الآيات الكريمة تؤكد مضمون ما بعدها من جملة اسمية دخلت عليها إنّ فأكدتها، فاستخدم بها أسلوب التوكيد، وكذلك أنّ والفرقُ بينهما هو أنّ إنّ تَقَعُ في بداية القول، أو ما يَحِلُّ محله، أما "أنّ" فتَقَعُ موقِعَ المُفرد الذي يُؤول بمصدرٍ؛ بمعنى أنها لا يُؤتى بها أول الكلام، وإنّما تكون وسطًا.
ونون التوكيد يمتنع مجيئها مع الفعل الماضي، إلا ما سُمع من بعض كلامهم، ولكنّ الجمهور على امتناع توكيد الماضي، ويجوزُ مطلقًا أن تؤكد الأمر، ولها مع المضارع أحكام؛ فيؤكد بها الفعل المضارع وجوبًا بشروط كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ (الأنبياء: ٥٧) فأكد الفعل "أكيد" بنون التوكيد الثقيلة؛ لوقوعه بعد القسم، واتصاله به بلا فاصل، فأكد باللام ونون التوكيد الثقيلة.
كَذَلك يُؤَكّد الفعل المضارع بما هو قريب من الوجوب، كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (فُصِّلَت: ٣٦) فينزغنك مؤكد بالنون الثقيلة، وكذلك يؤكد جوازًا بعد الطلب وما في معناه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ
стр. 154
تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: ٤٢) هذا بالنسبة لنون التوكيد.
أما "اللام" وهي ما تُسمى بلام الابتداء، وتكون لتوكيد مضمون الجملة، وتدخل مع "إنّ" فلا تليها بل تقع بعد اسمها، وإن جاءت على الاسم لا يكون ذلك إلّا إذا تقدم الخبر على الاسم، وذلك إذا كان الخبر شبه جملة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ (النازعات: ٢٦).
وأيضًا تَقَعُ على الخبر كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (الرعد: ٦) ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِع﴾ (الطور: ٧) ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ (إبراهيم: ٣٩) وتدخل أيضًا على خبر إن إذا كان جملة فعلية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (النحل: ١٢٤) ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ (يوسف: ١٣) وتدخل أيضًا على الخبر شبه الجملة كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (القلم: ٤) ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر﴾. هذا بإيجاز الكلام عن حروف التوكيد؛ لأننا سنتعرض لها تفصيلًا.
أما حُروف الجَرّ: فهي أثرى الحروف في هذا الباب، واهتم أهل اللغة بالحديث عن معانيها، فكُلّ حرف له معنى، ويأتي بمعانٍ أخر؛ ولا ضابط في ذلك |لا السياق -كما سنتحدث بعد بإذن الله عن هذه المسألة.
من حروف الجر: "من" ولها معانٍ منها:
١ - معنى التبعيض كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٢) التبعيض أي: تكون بمعنى بعض، فالمعنى: حتى تنفقوا من بعض ما تحبون، أو حتى تنفقوا بعض ما تحبون.
стр. 155
٢ - تأتي "من" لبيان الجنس كقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ (الكهف: ٣١) من ذهب أي: جنسها من الذهب، وكقوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ﴾ (الأعراف: ١٣٢) وكقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ (البقرة: ١٠٦) وكقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ﴾ (الكهف: ٣١) وهناك خلاف بين النحاة في هذا المعنى، ولكن هذا المعنى ثابت في كتب التفسير عن حرف الجر من.
٣ - كذلك من تأتي لابتداء الغاية المكانية؛ وذلك باتفاق كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ (الإسراء: ١) فمن دلت على ابتداء الغاية المكانية، وكذلك أيضًا تدل على ابتداء الغاية الزّمانية بقوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة: ١٠٨).
٤ - كذلك تأتي "من" بمعنى التنصيص على العموم، أو تأكيد التنصيص عليه، وهذه ما تُسمى بمن الزائدة. وقضية الزيادة لنا فيها درس مستقل بإذن الله تعالى.
من هذه التي يُطلق عليها النحاة كلمة الزائدة يشترطون لها شروطًا: "أن تسبق بنفي أو نهي أو استفهام، وأن يكون مجرورها نكرة، وهذا المجرور بها إمّا أن يكون فاعلًا كقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ (الأنبياء: ٢) أي: ما يأتيهم ذكر، وكقوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾ (المائدة: ١٩) أي: ما جاءنا بشير، وكذلك إذا وقع المجرور بها مفعولًا كقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ (مريم: ٩٨) أي: أحدًا، وكقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾ (الذاريات: ٥٧) أي: رزقًا. وكقول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨) أي: إلهًا.
стр. 156
وكذلك المجرور يكون مبتدأ كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم﴾ (فاطر: ٣) فخالق هنا وقعت في محل مبتدأ، وجرت بمن الزائدة، وكقوله تعالى: ﴿هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ (الأنعام: ١٤٨).
٥ - وتأتي بمعنى البدل كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ (التوبة: ٣٨) أي: بدل الآخرة.
٦ - وتأتي من بمعنى الظرفية كقوله تعالى: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ (فاطر: ٤٠) أي: في الأرض كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (الجمعة: ٩) أي: في يوم الجمعة، وتأتي من أيضًا بمعنى التعليل كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (نوح: ٢٥) أي: بسبب خطيئاتهم أغرقوا.
من حروفِ الجَرّ التي لها أكثر من معنى أيضًا "حرف اللام" فحرف اللام يأتي بمعنى الملك كقوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (البقرة: ٢٨٤) وتأتي بمعنى شبه الملك أو التمليك، كقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (النحل: ٧٢) وتأتي أيضًا بمعنى الاختصاص كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ (يوسف: ٧٨) ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (النساء: ١١).
وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد﴾ (العاديات: ٨) والقراءة المتواترة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (السجدة: ٢٤) وقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: ٢٤) ففي هذه المواضع تأتي اللام بمعنى التعليل.
стр. 157
والخَامِس: هو أن تكون بمعنى التوكيد، وهذه ما يُسمونها بالزائدة، وحَمَل عليها بعضهم قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾ (النمل: ٧٢) أي: ردفكم؛ فالظاهر في هذه الآية -والله أعلم- أنّ المعنى بتضمين ردف اقترب، وليست زائدة.
والسادس: تقوية العامل؛ وهذا في مواضع معينة ذلك إذا دخلت على المفعول به، وتقدم المفعول على العامل كقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون﴾ (يوسف: ٤٣) فيقولون: إن الأصل إن كنتم تعبرون الرؤيا؛ فدخلت اللام على كلمة الرؤيا على سبيل تقوية العامل؛ لأنه تأخر عن المعمول، أو إذا كان العامل فرعًا في العمل، يعني اسمًا مشتقًّا يَعْمَلُ عَمَل فعله، كقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾ (البقرة: ٩١) أي: مُصدقًا ما معهم، وكقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد﴾ (هود: ١٠٧) أي: فعال ما يريد.
وتأتي اللام بمعنى انتهاء الغاية، وهذا بمعنى إلى أي توافق إلى في المعنى، كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (لقمان: ٢٩) أي: إلى أجل مسمى، وكقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (الزلزلة: ٥) أي: أوحى إليها، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ (الأنعام: ٢٨) أي: إلى ما نهوا عنه.
وتأتي اللام بمعنى توكيد النفي، وهي ما تُسمى بلام الجحود ﴿لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٣٧) ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ (الأنفال: ٣٣) أي: المسبوقة بـ"لم يكن" أو "ما كان" وهذه الفعل بعدها يكون منصوبًا بأن مضمرة، وأنْ وَمَا دخلت عليها يكون مجرورًا باللام.
والثامِنُ أن تأتي للصيرورة، أي: بمعنى المآل، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (القصص: ٨) فهم لم يلتقطوا
стр. 158
موسى ﵇ ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، وإنّما التقطوه ليكون ولدًا لهم، أو لينفعهم: ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (القصص: ٩) لكن المآل صار إلى أنه صار حزنًا وعدوًّا لفرعون وقومه.
وكذلك تأتي اللام بمعنى في بمعنى الظرفية أي: توافق في، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الأنبياء: ٤٧) أي: في يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) أي: في وقتها وأيضًا قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: ٢٤) أي: في حياتي.
وتأتي أيضًا اللام بمعنى البعدية، أي: بمعنى كلمة بعد كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (الإسراء: ٧٨) أي: بعد دلوك الشمس، وتأتي اللام بمعنى الاستعلاء، وتكون بمعنى على كقوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ (الإسراء: ١٠٧) أي: على الأذقان، وكقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾ (يونس: ١٢) أي: على جنبه، وأيضًا تأتي بمعنى على مجازًا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (الإسراء: ٧) أي: عليها.
وأخيرًا تأتي اللام بمعنى عن، وهي التي يُقال لها أنها تفيد المجاوزة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ (الأحقاف: ١١) ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قال الذين كفروا عن الذين آمنوا.
﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ (الأعراف: ٣٨) أي: عن أولاهم، ﴿وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ (هود: ٣١) ولا أقول عن الذين تزدري أعينكم، وضابط هذه اللام أنها تدخل على غير المقول له.
стр. 159
من حروف الجر التي لها معان كثيرة: حرف الجر الباء؛ فالباء تأتي بمعنى التعدية، أي: تُحول الفعل من حال إلى حال، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: ١٧) أي: أذهب الله نورهم؛ فالباء هنا أفادت تعدية الفعل اللازم ذهب بالحرف، وكذلك تأتي الباء بمعنى التبعيض كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (الإنسان: ٦) أي: منها.
وتأتي بمعنى المصاحبة ﴿وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ﴾ (المائدة: ٦١) أي: مع الكفر، وكقوله تعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلاَمٍ﴾ (هود: ٤٨) أي: اهبط مع سلام.
وكذلك تأتي بمعنى المجاوزة، وقلنا المجاوزة أن تكون بمعنى عن، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٩) أي: فاسأل عنه خبيرًا، وكذلك تأتي الباء بمعنى الظرفية، أي: بمعنى "في" كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (القصص: ٤٤) أي: في جانب الغربي.
وتأتي بمعنى الغاية أي: موافقة إلى، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ (يوسف: ١٠٠) أي: أحسن إلي. وتأتي أيضًا بمعنى البدل، وتأتي بمعنى الاستعلاء كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُون﴾ (المطفِّفين: ٣٠) أي: مروا عليهم، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ﴾ (آل عمران: ٧٥) أي: على قنطار.
وتأتي بمعنى السببية كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ﴾ (المائدة: ١٣) أي: فبسبب نقضهم، وكقوله تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ (العنكبوت: ٤٠) أي: بسبب ذنبه، وكقوله تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ (البقرة: ٥٤) أي: بسبب اتخاذكم العجل.
стр. 160
وتأتي بمعنى التأكيد، وهي أيضًا الزائدة، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥) أي: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، وكقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ٧٩) وكقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (مريم: ٢٥) وكقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ (الحج: ٢٥) أي: ومن يرد فيه إلحادًا.
وأيضًا حرف "في" وله معان منها: الظرفية، المكانية. كقوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْض﴾ (الروم: ٣) والظرفية الزمانية، كقوله تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (الروم: ٤) وتأتي "في" بمعنى الظرفية المجازية، والظرفية المجازية التي ليست على حقيقة معنى الظرف، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١) كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩). وتأتي في مرادفة إلى؛ أي: بمعنى إلى كقوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ (إبراهيم: ٩) وتأتي زائدة، وأجاز ذلك بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا﴾ (هود: ٤١) أي: اركبوها.
وتأتي "في" بمعنى السببية كقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ (النور: ١٤) أي: بسبب ما أفضتم فيه، وكقوله تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (يوسف: ٣٢) أي بسببه، وتأتي في بمعنى المصاحبة كقوله
стр. 161
تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ﴾ (الأعراف: ٣٨) أي: مع أمم، وكقوله حكاية عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (القصص: ٧٩) أي: مع ما تزين به.
وتأتي في بمعنى الاستعلاء كقوله تعالى: ﴿لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه: ٧١) أي: على جذوع النخل، وهنا للزمخشري، وغيره رأي في أن الحرف على حقيقته؛ لأنه أبلغ في النكاية وتصوير العذاب، أن يكون التصليب في الجذوع، وليس على الجذوع.
وتأتي أيضًا في بمعنى المقايسة، كقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل﴾ (التوبة: ٣٨) ومعنى المقايسة هو دخولها بين مفضول سابق، وفاضل لاحق، هذا بالنسبة لحرف الجر "في".
وأيضًا حرف الجر "على" فمعناه الأصلي أو المعنى الأساسي لاستخدامه هو الاستعلاء كقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُون﴾ (المؤمنون: ٢٢) وهذا الاستعلاء يكون حقيقة كالآية المذكورة، ويكون مجازًا كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (البقرة: ٥) وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (القلم: ٤) وكقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (البقرة: ٢٥٣).
وتأتي على بمعنى الظرفية كقوله تعالى: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ (القصص: ١٥) أي: في حين غفلة وتأتي أيضًا بمعنى المصاحبة؛ بمعنى مع في كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (الرعد: ٦) أي: مع ظلمهم، ولها معان أخر؛ فتأتي
стр. 162
بمعنى اللام، واستشهد له بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٥) أي: لما هداكم، وتأتي بمعنى عند كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾ (الشعراء: ١٤) أي: عندي وتأتي بمعنى من كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُون﴾ (المطفِّفين: ٢) أي: من الناس.
وكذلك حرف الجر "عن" له معان منها البعدية كقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَق﴾ (الانشقاق: ١٩) أي: حالًا بعد حال، ومنها: معنى الاستعلاء كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ (محمد: ٣٨) ومعنى التعليل كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ (هود: ٥٣) أي: لأجل قولك، وكذلك حرف الكاف يأتي بمعنى التشبيه، كقوله تعالى: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَان﴾ (الرحمن: ٣٧) ويأتي بمعنى التعليل، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٨) ويأتي بمعنى التوكيد، والآية المشهورة التي دار حديث العلماء عنها في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ (الشورى: ١١).
كذلك عندنا حروف الجر "إلى، وحتى" وهما يأتيان بانتهاء الغاية في المكان أو الزمان، وشاهد المكان قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ وشاهد الزمان قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (البقرة: ١٨٧) وقوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ (القدْر: ٥).
стр. 163
وكذلك عندنا حروف "الواو، والتاء" وهي حروف تستخدم للقسم، وشواهدها مشهورة ﴿وَالْعَصْر﴾ (العصر: ١) ﴿وَالْفَجْر﴾ (الفجر: ١) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (الليل: ١) ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (الشمس: ١) والتاء ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ (الأنبياء: ٥٧) ﴿تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (يوسف: ٨٥) والفَرْق أنّ الواو لمُطلق القسم، والتاء لا يُقسم بها إلّا على اللفظ الجليل .
هذا ما عرضنا له من معاني حروف الجر، وهو باب واسع، وأردت أن أعرض هذه الشواهد، وهذه النماذج لاستخدامات حروف الجر، على ما فيها من حوارات، ومن كلام بين العلماء في المعاني الذي يؤدي بنا إلى طرح مسألتين في غاية الأهمية، تناولها العلماء في هذه المعاني أولها:
هل ينوب حرف عن حرف؟ كما مثلنا وذكرنا في الأمثلة السابقة؛ نجد العلماء يقفون موقفين، هناك من يرفض أن ينوب حرف عن حرف، ويحمل جميع الحروف على معنى أصلي، وغيرها يؤوله على هذا المعنى أو يصرفه إليه، وهُناك فريق آخر يثبت هذا التناوب مطلقًا، والحقيقة أن كلا القولين بهما نظرٌ؛ لأنّ العُلماء الأجلاء الذين أنكروا، ومثلوا ببعض الأمثلة، أننا إذا فتحنا المجال لهذه القضية، ولتناوب الحروف جاز لأحد أن يقول: ذهبت إلى فلان. ثم يقول: أردت ذهبت معه، وإلى غيره ذلك< لأنه يضع حرفًا مكان حرف، على معنى يريده ويدعي أنه يريد كذا.
والأمر في الحقيقة ليس كذلك؛ لأن قضية تناوب الحروف، وقضية أن الحرف يأتي لأكثر من معنى، هذه القضية أساسها السياق، ومَجَالُها كتب التفسير التي
стр. 164
شهدت لهذه المعاني، وأقوال العلماء فيها لم تكن على إطلاق أن الحرف يأتي لأكثر من معنى، وإنما الأساس هو السياق الذي يرد فيه الحرف، وهذا وجه من وجوه الإعجاز في استخدام الحرف.
والمسألة الثانية هي: قضية حروف الزيادة، وقضية حروف الزيادة نكتفي فيها الآن بأن نقول: "إنّ الزّيادة المقصودة لا تعني زيادة في اللفظ، ولا في المعنى، وإنّما هو مصطلحٌ يَضعُه النحاة، يَدُلّ على أنّ الحرف لا يؤثر في الإعراب".
كيف كان استخدام حروف المعاني وجهًا من وجوه الإعجاز اللغوي ؟
نأتي الآن إلى القسم الثاني من الدرس وهو: الكلام عن سر الإعجاز، أو كيف كان استخدام حروف المعاني وجهًا من وجوه الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم؟
وهذا ما أشار إليه المدققون كابن الأثير في كتابه (المثل السائر) عندما عقد فصلًا في الحروف العاطفة والجارّة، وبيّن فيه: أنّ كلامه لا ينصب على الناحية النحوية، ولكنه عقد هذا الفصل؛ لأن أكثر الناس يضعون هذه الحروف في غير مواضعها، فيجعلون ما ينبغي أن يجر بـ"على" مجرورًا بـ"في"، وأن هذه الأشياء فيها دقائق وأسرار.
وبدأ ﵀ يعرض لنا نماذج من حروف العطف؛ فأتى بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِين﴾ (الشعراء: ٧٩ - ٨١) فالمولى استخدم في هذه الآيات الثلاث ثلاثة أحرف للعطف: "الواو والفاء وثم" فالأول عطفه بالواو، التي هي
стр. 165
للجمع، وتقديم الإطعام على الإسقاء، والإسقاء على الإطعام جائز؛ لأنّ الواو كما قلنا لمطلق الجمع، فتقدم سابق على لاحق، أو لاحق على سابق؛ فهذا جائز لولا مراعاة حسن النظم في الآية الكريمة.
ثم عطف الثاني بالفاء؛ لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما، فالإنسان في حياته إما أنه معافى، وإما أنه مريض، لا فترة بين العافية والمرض؛ فمن ثَمّ عُطف بالفاء. وعطف الثالث بـ"ثم" لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان، ولهذا جيء في عطفه بـ"ثم" التي هي للتراخي.
فيستدل بقوله أنه لو قال قائل في موضع الآية "الذي يطعمني، ويسقيني، ويمرضني، ويشفيني، ويميتني، ويحييني" كان كلامه كلامًا تامًّا، إلّا أنّ هذا الكلام لن يكون بهذا الوجه من العرض، ومن الأسلوب، ومن النظم لكلام الله .
واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَه * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَه * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَه﴾ (عبس: ١٧: ٢٢) يقول: ألا ترى أنه لما قال: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ كيف قال: ﴿فَقَدَّرَه﴾ ولم يقل: "ثم قدره" لأن التقدير لما كان تابعًا للخلقة، وملازمًا لها عطفه عليها بالفاء، وذلك بخلاف قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه﴾ لأن بين خلقته وتقديره في بطن أمه، وبين إخراجه منه وتسهيل سبيله مهلة وزمنًا؛ فلذلك عطفه بـ"ثم".
وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَه * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَه﴾ لأنّ بين إخراجه من بطنه أمه وبين موته تراخيًا وفُسحة، وكذلك بين موته ونشوره أيضًا؛
стр. 166
ولذلك عطفها بـ"ثم"، ولما لم يكن بين موت الإنسان، وإقباره أي: دخوله القبر تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء.
فبين ﵀ في هذين النموذجين كيف كانت الدقة في استخدام الحرف في موضوعه، ولا يجوز أن يوضع حرف آخر مكانه، وأتى بشاهد لطيف من قوله تعالى في قصة مريم ﵍: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ (مريم: ٢٢ - ٢٣) استشهد بأنّ المُفسرين اختلفوا في حمل مريم ﵍ وهل حملتْ حَمْلًا كسائر النساء أخذ مدته المعهودة، أمْ أنّ حَمْلَها كان على غير عادة النساء؛ فحملت في زمن قريب ليس بالفترة التي يعهدها النساء في حملهن.
فقال: إنّ الآية الكريمة مزيلة للخلاف؛ لأنها دلت صريحًا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور، من غير مهلة، فالمولى استخدم حرف العطف الفاء ﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فالآية حسمت الخلاف إذا نظر في استخدام الحروف العاطفة فيها.
وهناك مثال رائع، وهو مع فعل المطاوعة؛ فإن هذا الفعل لا يعطف عليه إلا بالفاء دون الواو، تقول: كسرته فانكسر، وفتحته فانفتح ... إلى آخره، فأتى بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (الكهف: ٢٨) فقوله : ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الناظر فيه لو كان هذا السياق في غير القرآن لقال: إنه يؤتى في هذا الموضع بالفاء؛ فيقال: "فاتبع هواه" ولا يقال: "واتبع هواه" لأن الفعل هنا من أفعال المطاوعة، ولكن النظم القرآني البديع بين أن هذا الفعل في
стр. 167
هذا الموضع ليس على معنى المطاوعة، وإنما هو على معنى غفل ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ أي: غفل قلبه عن ذكرنا.
ومن ثَمّ فإنّ المولى كأنه يقول: "ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه" أي: لا تطع من فعل كذا وكذا؛ فعدد أفعاله التي توجب ترك طاعته، ولعل في القراءة الشاذة: "ولا تطع من أغفلَنا قلبه" بفتح اللام في "أغفل" وبرفع قلبه على الفاعلية ما يؤيد المعنى الذي ذهب له ابن الأثير في هذا الموضع.
وبعد ذلك انتقل على استخدامات حروف الجر، وضرب مثالًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين﴾ (سبأ: ٢٤) يقول: ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود بمخالفة حرفي الجر ها هنا؛ فإنّه إنّما خُولف بينهما في الدخول على الحق والباطل؛ فمَع الحقِّ قال المولى : ﴿لَعَلَى هُدًى﴾ (الحج: ٦٧) ومع الباطل استخدم حرف الجر "في" ﴿أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين﴾ (سبأ: ٢٤).
لأنّ صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يرقد به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه لا يدري أين يتوجه، فمن ثم استخدم "على" مع الهدى والحق، واستخدم "في" مع الضلال، وهذا استخدام القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيم﴾ (يوسف: ٩٥) مع أن المتحدث لو وضع حرفًا مكان حرف لكان ذلك جائزًا، إلّا أنّ الاستخدام القرآني يرنو إلى الدقة، وإلى الفصاحة في استخدام الحروف؛ فمن الناس من يقول: "أنت على ضلالك كما أعهدك" فيأتي بـ"على" بموضع "في" وإنما الأولى أن تكون مع الضلالة حرف "في" ومع الهداية حرف "على" كما استخدمه القرآن الكريم.
стр. 168
وضرب مثالًا آخر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: ٦٠) التفرقة بين استخدام اللام ﴿لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ﴾ وبين استخدام "في" ﴿فِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فاستدل بذلك على أن الطائفة الأخيرة المذكورة "عتق الرقاب والغارمين وفي سبيل الله" أنّ هؤلاء أولى بالصدقات من غيرهم، ومِنْ ثَمّ استُخْدِم معهم حرفُ الجَرّ "في" الذي يُفيد الظّرفية، وكُرّر مرة ثانية، وفصل به بين الغارمين، وبين سبيل الله؛ ليعلم أن سبيل الله أوكد في استحقاق النفقة فيه. وهذه لطائف يتنبه إليها من ينظر في كتاب الله .
وبقي أن أشير لك إلى أن هذا الفن الذي أضاء جنباته ابن الأثير في كتابه، وضرب له أمثلة، هناك من صنف فيه كتبًا مستقلة لهذه المسألة، في الاستخدامات في القرآن الكريم بإتيانه حرف مكان حرف، أو بإتيان لفظ مكان لفظ آخر، ومن ذلك كتاب (درة التنزل وغرة التأويل) للخطيب الإسكافي المتوفى سنة أربعمائة وعشرين للهجرة، هذا الكتاب أفرد فيه الآيات التي تشابهت في مواضعها، واستُخدم فيها أداة في موضع، وأداة أخرى في موضع آخر؛ أو لفظ في موضع، ولفظ في موضع آخر.
ونضرب لك بعض الأمثلة التي عرضها لما نحن بصدده وهو: حروف المعاني: فأضرب مثالًا لما أتى به بموضع وضع فيه حرفان للعطف، والموضعان متشابهان، وهما كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: ٣٥) وجاءت في سورة الأعراف: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (الأعراف: ١٩).
стр. 169
فجاء في موضع "وكلا" وجاء في موضع آخر "فكلا" فاستخدمت الواو في الأولى، واستخدمت الفاء في الثانية، مع أن الأصل أن كل فعل عطف عليه ما يتعلق به تعلق الجواب بالابتداء، وكان الأول مع الثاني بمعنى الشرط والجزاء؛ فالأصل فيه الثاني على الأول بالفاء دون الواو، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ (البقرة: ٥٨).
يقصد الإمام هنا أن معنى الشرط إذا كان بين فعلين الثاني مترتب على الأول استخدم معه حرف الفاء؛ لاقتران الشرط بالجزاء، واستدل بهذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ (البقرة: ٥٨) أي: إنْ دخلتم "فكلوا" هذا المعنى في الآية الكريمة.
ثم يبين أن هذا الموضع الذي استشهد به أيضًا له نظير استخدمت فيه الواو، وهو قول الله في سورة الأعراف أيضًا: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ (الأعراف: ١٦١) أي: "وكلوا منها" فاستخدم الواو هنا بدلًا من الفاء، فهناك فرق بين الآيتين كيف؟
الآية الأولى معنى الشرط فيها واضح، بمعنى أن الدخول يترتب عليه الإطعام، أنه يأكل منها، أما في موضع سورة الأعراف كان بصيغة "اسكنوا" فالسكنى لا تستلزِمُ الإطعام، كما أن الدخول يستلزم الإطعام فيها، فلذلك عُطف بحرف الواو بدلًا من حرف الفاء لماذا؟ لأنه لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجواب بالابتداء، فعطف بالواو دون الفاء.
في هذه الآية التي بدأ بالحديث عنها وهي في قصة آدم ﵇ يجدُ أنّ الآيتين تعلقا بالفعل "اسكن" ولم يحدث فرق كما كان في الآية التي حمل عليها القاعدة، وهي "ادخلوا" و"اسكنوا" فالآيتان في الموضع الأول هي "اسكن" وليس فيها الفعل
стр. 170
"ادخل" فيبقى هنا السؤال كما هو ما المراد بالفاء في قوله تعالى: ﴿فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾؟
يقول: أن الفعل "اسكن" يُقال لمن دخل مكانًا، ويراد به الزم المكان الذي دخلته، ولا تنتقل منه، ويُقال أيضًا لمن لم يدخله "اسكن هذا المكان" يعني: ادخله واسكن فيه.
أي: هذا الفعل يُقال على حالين قد يقال لك بعد الدخول، وقد يقال لك قبل الدخول؛ فإذا قيل لك قبل الدخول على معنى ادخل واسكن، وإذا قيل لك بعد الدخول، فهنا قد حدث لك استقرار في المكان؛ فيطلب منك أن تأكل؛ لأنك دخلت المكان بالفعل، وحدث لك استقرار به، ومن ثم قيل: "فكلا" أي أنه في موضع كان الخطاب بعد الدخول، وفي موضع كان الخطاب قبل الدخول، ورُجّحَ أنّ الخِطَاب بعد الدخول في سورة الأعراف، ومن ثَمّ استُخْدِم معها حرف الفاء؛ لتكون مقابلة لقوله تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (الأعراف: ١٨) فيكون دخول آدم ﵇ وزوجه الجنة في مقابل خروج إبليس عليه اللعنة منها، ويكون ذلك مظهرًا من مظاهر الإبداع في استخدم الحرفين الفاء والواو في موضع متشابه.
ثم أتى بمثال آخر على حروف النفي، سبق أن ذكرنا أن لا ولن يستخدمان لنفي المستقبل مع المضارع، فيأتي هنا الشيخ، ويذكر لنا موضعين قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمين﴾ (البقرة: ٩٤ - ٩٥) وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين * وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (الجمعة: ٦ - ٧)
стр. 171
فهنا الموضعان السياق مُتشابه بين الموضعين في ظاهره، لمن لا يتأمل الكلام يظن أن الموضعين متشابهان، واستخدم في أحدهما "لن" واستخدم في الآخر "لا" فيسأل عن الفرق في استخدام "لن" واستخدام "لا" مع أنّ كليهما لنفي المستقبل.
فيقول هنا الشيخ في جواب هذه المسألة: "أن الشرط في سورة البقرة يختلف عن الشرط في سورة الجمعة، فالشرط سورة البقرة متعلق بما يفيد الانتهاء، وبما يفيد التمام؛ لأنهم ذكروا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس، وأنهم لهم الآخرة، ولا أحد يُشاركهم فيها، فمن ثم كان تأكيد وتأبيد النفي على حالهم باستخدام "لن": ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾.
أما في سورة الجمعة فهم زعموا أنهم أولياء لله، وهذه الولاية لا تستلزم خلودًا، ولا تستلزم استمرارًا في النعيم، وإنما تتطلب ما بعدها من الخلود في دار الجزاء، ودار الكرامة، وهم لم يدعوا ذلك؛ فناسب ذلك استخدام الحرف "لا" وهو أقل من "لن" في إفادة تأكيد النفي، ولا يفيد التأبيد كما أفادت لن".
وهنا مسألة نقف معها، وهي مسألة "التأبيد في حرف لن وفي استخدامه" فالناظر يجد في الآيتين استخدم معهما كلمة "أبدًا" ﴿لَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ ﴿وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ فالتأبيد هنا يستفاد من استخدام كلمة أبدًا، أما لفظ "لن" لحاله ولفظ "لا" لحاله لا فرق بينهما، وهذا الذي يرتاح إليه الرأي كما قال ابن هشام، أنّ هذا دعوة لا دليل فيها، كون أن نذكر أنّ "لا" تُفيد النفي فحسب؛ وأنّ لن تفيد تأكيد النفي؛ فهذا كلام ذكرناه قبل ذلك أنه لا دليل عليه.
فإن احتج أحد بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ (البقرة: ٢٤) وبقوله تعالى: ﴿لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (الحج: ٧٣) عروض بما ذكرنا من
стр. 172
قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (مريم: ٢٦) ومن ذكر الأبد في قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾.
كذلك حرف "لا" كيف يقال: أنه لا يفيد تأبيدًا، وفي سياق الآيات قد جاء ما يفيد فيه التأبيد كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ (البقرة: ٢٥٥) وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ وقوله تعالى: ﴿لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (فاطر: ٣٦) فإذًا الذي يرتاح إليه الرأي أن حرف "لا" وحرف "لن" لا يفيدان تأبيدًا من أنفسهما أو بلفظهما، وإنّما التأبيد وعدمه يكون بقرينة السياق، التي هي أساس البلاغة جميعها.
عَرض بعد ذلك مثالًا لاستخدام حروف الجَرّ، أعطينا مثالًا لاستخدام حروف العطف، ومثالًا آخر لاستخدام حروف النفي، ونضرب مثالًا لاستخدام حروف الجر في موضعين متشابهين: قال الله : ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (البقرة: ١٣٦) وقال : ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (آل عمران: ٨٤) إلى نهاية الآيتين فهنا السؤال استخدم في أحدهما حرف الجر "إلى" واستخدم في الأخرى حرف الجر "على" فهل هناك فرق بين استخدام الحرفين؟
هذا هو السؤال والجواب عن هذا السؤال: وجهه الشيخ بمعنى لطيف وهو: أن "إلى" و"على" يختلفان في الدلالة؛ فحرف على موضوع لكون الشيء فوق الشيء، ومجيئه من علو؛ فهي مُخْتَصّة فحرف على يختص بجهة من الجهات الست، ولا يكون على الإطلاق، فهو يأتي من مكان معين، وهذا يناسب الخطاب للنبي الكريم ﷺ : ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ "قل" فالخطاب هنا موجه للنبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فناسب أن يستخدم معه حرف الجر
стр. 173
"على" لأن هذا الذي نُزّل عليه ﷺ ونزل من جهة مولاه على شخصه الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ ليبلغ به الناس.
بخلاف الآية في سورة البقرة؛ فالخطاب لأهل الإيمان: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ (البقرة: ١٣٦) فناسب هنا أنْ يُستخدم حرف الجر "إلى" الذي هو للمنتهى، ويكون المنتهى من الجهات جميعها، فهو ما نُزّل على الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- والاختيار هنا لإلى؛ لأن الخطاب للمسلمين، فاستخدم حرف "إلى" أما في الأولى استخدم حرف "على" لأنه خطاب لنبينا الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
هذه وغيرها من اللطائف التي يراها أهل العلم في استخدامات الحروف، وهذه الاستخدامات كما قلت ليست قرآنًا؛ فهذه الآراء قد تقابل بآراء أخرى، لأنّ كل إنسان يرى ويتذوق من كتاب الله ما ينار به إليه، وما يفتح به عليه؛ فربما يوافقك ما يرى، وربما ترى وجهًا آخر، وهذا في حد ذاته من أسرار أعجاز القرآن الكريم من الناحية اللغوية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 174
الدرس: ١٠ القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز .
стр. 175
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز)
القِراءة وطرق الأداء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وبعد:
نتحدث عن القراءات القرآنية، وما بها من أوجه للإعجاز.
فنبدأ حديثنا بالكلام عن القِراءة وطرق الأداء:
القراءة وطرق الأداء ربما نتوصل إلى فهم المراد بهذا العنوان بالتمهيد له ببيان ما هي القراءات؟
القراءات هي صور نظم كلام الله تعالى من حيث وجوه الاختلافات المتواترة المنسوبة إلى أئمة معينين ناقلين لها، قد يُراد بالقراءات الصور الواردة بالتبادل على اللفظ، هذه القراءات اتفاقًا المتواترة المجمع عليها تسمى قرآنًا، ويعمل بها في التلاوة التعبدية، وهذا هو أساس كلامنا عن القراءات المتواترة المجمع عليها عند أئمة هذا الفن.
فطرق أداء القراءة: هي الطرق التي يصل بها أو تصل بها القراءة إلينا عن طريق رواة القارئ ومَن نقل عنه، فكل قارئ من القراء السبعة أو العشرة له رواة، مثلًا: كلنا نعرف قراءة حفص عن عاصم وورش عن نافع وغير ذلك، هؤلاء الرواة لهم مَن نقل عنهم، فهؤلاء الذين ينقلون عن حفص مثلًا يسمى ما ينقلونه طرق القراءة، فهذا طريق من طرق القراءة، أما الراوي فهو حفص وأما القارئ فهو عاصم. مثال: كقوله تعالى في سورة الروم: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (الروم: ٥٤) فتقرأ:
стр. 176
"مَنْ ضَعْفٍ" وتُقرأ: "مِن ضُعف" وكلا الوجهين هو قراءة حفص عن عاصم لم يخرج عنها، فهذا يسمى طريق من طرق الأداء
كذلك مثلًا في: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (الأنعام: ١٤٣) تقرأ هكذا بالمد، وتقرأ "الذكرين" بتسهيل المد والاقتصار على حركتين فقط.
كذلك يترتب في قراءة حفص حكم على مَن يمد المنفصل يختلف عمن يقصر المنفصل، فالذي يقرأ بمد المنفصل يلزمه السكتات المعروفة في مواضع معينة في القراءة: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ (القيامة: ٢٧) وكذلك في: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ (يس: ٥٢) هذه الوقفات المعينة والسكتات تترتب على مَن يمد القراءة في حفص، وهذا كله ما يسمى بطرق أداء القراءة.
القراءة وطرق الأداء أمران يتعلقان باللفظ، ويبنيان على وجوه اللغة التي قام بها هذا النظم الذي جاء عليه القرآن الكريم، فقد نزَلَ القرآن الكريم على رسول الله ﷺ بأفصح ما تَسْموا إليه لغة العرب في خصائصها العجيبة وما تقوم به، مما هو السبب في جزالتها ودقة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها من ذلك على تأليف صوتي يكاد يكون موسيقيًّا محضًا في التركيب والتناسب بين أجراس الحروف، والملائمة بين طبيعة المعنى، وطبيعة الصوت الذي يؤديه، فإذا تم هذا النظم للقرآني مع بقاء الإعجاز الذي تحدَّى به، مع اليأس من معارضته على ما يكون في نظمه من تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ما يلائم تلك الأحوال في مناطق العرب -أي: طرق نطقهم- فقد تم له التمام كله، وسار إعجازه إعجازًا للفطرة اللغوية في نفسها حيث كانت وكيف ظهرت، ومهما يكن من أمرها، ومتى كان العجز فطريًّا فقد ثبت بطبيعته.
стр. 177
أي: يقصد هنا الرافعي في تمهيده للكلام عن هذه المسألة: بأن أول أوجه بيان قيمة معرفة القراءات وطرق أدائها، أنها وجه إعجاز بين للقرآن الكريم، أنها على اختلافها وعلى اختلاف طرقها ووجوهها مع هذا الاختلاف، هي معجزة، ففي كل وجه مع ملاءمته لطبيعة العرب وفِطرتهم اللغوية، عجزوا عن معارضته وعجزوا عن الإتيان بمثله، فهذا أدعى لبيان أن الإعجاز أظهر عجزهم الفطري عن معارضة القرآن، وعن الإتيان بمثله مع هذا التنوع، وهذه الطرق التي قرئ بها القرآن الكريم. فإن القرآن لو نزل على لفظ واحد ما كان يضره شيء، وهو ما هو إحكام وإبداع، فما بالك وقد تعددت طرقه، وقد كثرت طرق نقله وروايته مما بين أثر هذا الإعجاز الواضح في تعدد طرق القراءات.
وهناك حكمة جليلة من هذا التعدد في طرق القراءة، وهذه الحكمة تتركز في تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين، لم يكن حفظ الشرائع مما عرفوه فضلًا عن أن يكون مما ألفوه، وكذلك يلحق بمعاني الإعجاز كون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنًى من معاني الشريعة، فالقراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد، وهذا المعنى انفرد به القرآن الكريم ولا يستطيع لغوي أو بياني في تصوير خيال، فضلًا عن تقرير شريعة.
وأيضًا من طرق الأداء وتنوعها يتبين لنا شيء عظيم، وهو أن الناظر في إعجاز القرآن ونظمه يحسب أن ألفاظ القرآن تنقاد لمعانيه، ثم يتعرف ويتغلغل فيه، فينتهي إلى أن معانيه منقادة بألفاظه، فإن الله خلق في العرب فطرةً لغويةً، وأنزل عليهم كتابه أعجز هذه الفطرة التي فُطِروا عليها، ووقفوا أمام أساليب القرآن وما قرئ به موقف العاجز على الإتيان أو على معارضة مثل هذا الكتاب المبارك الذي أنزله الله عليهم.
стр. 178
وهناك روايات عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في أمر طرق الأداء وفي أمر القراءات التي وصلت إليهم، وأن بعضهم كان ينكر على بعض، وأن بداية ما حدث في ذلك الأمر كان في عهد رسولنا الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- كما روى البخاري ومسلم عن عمرَ بن الخطاب قال:
"سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأها على حروف كثيرة لم يقرأنيها رسول الله ﷺ كذلك فكِدت أساوره في الصلاة، فصبرت حتى سلَّمَ، فلما سلَّمَ لببته بردائه، فقلت: مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتُك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقرأنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله ﷺ : ((اقرأ يا هشام))، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُه يقرأها، فقال: ((هكذا نزلت)) ثم قال: ((اقرأ يا عمر)) فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ فقال: ((هكذا نزلت)) ثم قال: ((إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منها)) ".
وجوه القراءة
ووجوه القراءة: هي ما قرئ به اللفظ من تنوع، بمعنى: الحرف قرئ بكذا وبكذا، مثلًا: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (المسد: ٤) قرأها الجمهور: "وامرأته حمالةُ الحطب" فإذًا الحرف هنا قرئ بوجهين بالنصب وبالرفع. و ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: ١) قرئ: "والأرحام" بالخفض، فقرئ بالنصب وبالخفض، وغير ذلك من الظواهر. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥) "واتخَذوا من مقام إبراهيم مصلى" فجاء الفعل بصورة الأمر، وجاء الفعل بصورة الماضي، وترتب على ذلك تنوع وجوه القراءة.
стр. 179
فهنا يجب أن نقف عند نقطة في غاية الأهمية، وهي مقاييس القراءة الصحيحة أو ما وضعه العلماء للحكم على هذا الوجه بالصحة، وبأنه قرآن يقرأ ويُتعبد بتلاوته. يذكر الرافعي في كتابه: أن القياس عندهم موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه، سواء كان أفصحَ أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها، والمصير إليها بالإسناد لا بالرأي، ثم يشترط في تلك القراءة أن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وأن تكون مع ذلك صحيحة الإسناد، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة موافقة العربية ورسم المصحف وصحة السند، فتلك هي القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أطلق عليها أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، وَلْتجئ بعد ذلك عن كائن مَن كان.
هذا الكلام الذي ذكره الرافعي هو فَهْمُهُ ﵀ لكلام ابن الجزري في (النشر) وما نص عليه من قوله:
وكل ما وافق وجه نحوي ... وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وهذا الكلام الذي نص عليه ابن الجزري للعلماء معه وقفة فيه، في أنه لم ينص في كلامه عن التواتر، والتواتر شرط أساسي لصحة القراءة، ولا يكتفَى بصحة السند، فإن العلماء المختصين بهذا الأمر بينوا أن هذا القول قاله مكي بن أبي طالب القيسي، وتبعه فيه ابن الجزري، وقالوا: إن هذا القول قول حادث، وأنهم ردوا هذا القول.
стр. 180
وللأسف إن هذا القول الذي ساد واشتهر بتوافر الشروط الثلاثة دون النص الصريح على مسألة التواتر، ولا أشك أن ابن الجزري يشير بصحة السند ضمنًا إلى التواتر، فإن هذا التواتر هو الميزة العظمى في نقل القرآن الكريم، أنه محفوظ في الصدور، منقول عن طريق التواتر عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، فمعروف أن التواتر هو نقل جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب كما يؤمن وقوع الكذب منهم في المنقول وقوعًا اتفاقيًّا بدون تواطؤ في كل طبقة من أول السند إلى منتهاه، فهذا التواتر ركن ركين في صحة القراءة.
وهذا الذي ذكره ابن الجزري وفهِمه مَن فهمه عنه باشتراط الشروط دون الالتفات لنقطة التواتر وخاصة في عبارته أيضًا عندما قال:
وحيثما يختل شرط أثْبِتِ ... شذوذُه لو أنه في السبعة
فهموا من هذا القول أن السبعة -أو القراءات السبعية- ربما يكون فيه ما هو شاذ وما هو مردود. وهذا الكلام لا يجوز أن نقول به في وقتنا الحالي بحال من الأحوال، وهذا ما وقع فيه بعض الأكابر، فرأينا مثلًا الدكتور صالح فاضل السامرائي في كتابه (الكلمة في التعبير القرآني) ذكر بطلان قراءة متواترة بل هي قراءة الأكثرين، عندما أراد أن يبين الفرق بين قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (الكهف: ٦٤) وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ (يوسف: ٦٥) بإثبات الياء في: ﴿نَبْغِي﴾ وحذفها في: ﴿نَبْغ﴾ مع استلزام إثباتها؛ لأن الفعل في حالة الرفع وعلامته ضمة مقدرة على الياء، فإثبات الياء في الرفع هو الأصل، فأراد أن يبين الفرق بين الإثبات والحذف، فسئل -حفظه الله- عن وجود الإثبات في التواتر في قراءة متواترة: "ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي" بإثبات الياء، فاعترض بأن ذلك يكون مخالفًا لرسم المصحف، وإذا خالف ذلك رسم المصحف ردت القراءة وإن
следующие страницы →