Полный текст (425 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
"مَنْ ضَعْفٍ" وتُقرأ: "مِن ضُعف" وكلا الوجهين هو قراءة حفص عن عاصم لم يخرج عنها، فهذا يسمى طريق من طرق الأداء
كذلك مثلًا في: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (الأنعام: ١٤٣) تقرأ هكذا بالمد، وتقرأ "الذكرين" بتسهيل المد والاقتصار على حركتين فقط.
كذلك يترتب في قراءة حفص حكم على مَن يمد المنفصل يختلف عمن يقصر المنفصل، فالذي يقرأ بمد المنفصل يلزمه السكتات المعروفة في مواضع معينة في القراءة: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ (القيامة: ٢٧) وكذلك في: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ (يس: ٥٢) هذه الوقفات المعينة والسكتات تترتب على مَن يمد القراءة في حفص، وهذا كله ما يسمى بطرق أداء القراءة.
القراءة وطرق الأداء أمران يتعلقان باللفظ، ويبنيان على وجوه اللغة التي قام بها هذا النظم الذي جاء عليه القرآن الكريم، فقد نزَلَ القرآن الكريم على رسول الله ﷺ بأفصح ما تَسْموا إليه لغة العرب في خصائصها العجيبة وما تقوم به، مما هو السبب في جزالتها ودقة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها من ذلك على تأليف صوتي يكاد يكون موسيقيًّا محضًا في التركيب والتناسب بين أجراس الحروف، والملائمة بين طبيعة المعنى، وطبيعة الصوت الذي يؤديه، فإذا تم هذا النظم للقرآني مع بقاء الإعجاز الذي تحدَّى به، مع اليأس من معارضته على ما يكون في نظمه من تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ما يلائم تلك الأحوال في مناطق العرب -أي: طرق نطقهم- فقد تم له التمام كله، وسار إعجازه إعجازًا للفطرة اللغوية في نفسها حيث كانت وكيف ظهرت، ومهما يكن من أمرها، ومتى كان العجز فطريًّا فقد ثبت بطبيعته.
стр. 177
أي: يقصد هنا الرافعي في تمهيده للكلام عن هذه المسألة: بأن أول أوجه بيان قيمة معرفة القراءات وطرق أدائها، أنها وجه إعجاز بين للقرآن الكريم، أنها على اختلافها وعلى اختلاف طرقها ووجوهها مع هذا الاختلاف، هي معجزة، ففي كل وجه مع ملاءمته لطبيعة العرب وفِطرتهم اللغوية، عجزوا عن معارضته وعجزوا عن الإتيان بمثله، فهذا أدعى لبيان أن الإعجاز أظهر عجزهم الفطري عن معارضة القرآن، وعن الإتيان بمثله مع هذا التنوع، وهذه الطرق التي قرئ بها القرآن الكريم. فإن القرآن لو نزل على لفظ واحد ما كان يضره شيء، وهو ما هو إحكام وإبداع، فما بالك وقد تعددت طرقه، وقد كثرت طرق نقله وروايته مما بين أثر هذا الإعجاز الواضح في تعدد طرق القراءات.
وهناك حكمة جليلة من هذا التعدد في طرق القراءة، وهذه الحكمة تتركز في تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين، لم يكن حفظ الشرائع مما عرفوه فضلًا عن أن يكون مما ألفوه، وكذلك يلحق بمعاني الإعجاز كون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنًى من معاني الشريعة، فالقراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد، وهذا المعنى انفرد به القرآن الكريم ولا يستطيع لغوي أو بياني في تصوير خيال، فضلًا عن تقرير شريعة.
وأيضًا من طرق الأداء وتنوعها يتبين لنا شيء عظيم، وهو أن الناظر في إعجاز القرآن ونظمه يحسب أن ألفاظ القرآن تنقاد لمعانيه، ثم يتعرف ويتغلغل فيه، فينتهي إلى أن معانيه منقادة بألفاظه، فإن الله خلق في العرب فطرةً لغويةً، وأنزل عليهم كتابه أعجز هذه الفطرة التي فُطِروا عليها، ووقفوا أمام أساليب القرآن وما قرئ به موقف العاجز على الإتيان أو على معارضة مثل هذا الكتاب المبارك الذي أنزله الله عليهم.
стр. 178
وهناك روايات عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في أمر طرق الأداء وفي أمر القراءات التي وصلت إليهم، وأن بعضهم كان ينكر على بعض، وأن بداية ما حدث في ذلك الأمر كان في عهد رسولنا الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- كما روى البخاري ومسلم عن عمرَ بن الخطاب قال:
"سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأها على حروف كثيرة لم يقرأنيها رسول الله ﷺ كذلك فكِدت أساوره في الصلاة، فصبرت حتى سلَّمَ، فلما سلَّمَ لببته بردائه، فقلت: مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتُك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقرأنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله ﷺ : ((اقرأ يا هشام))، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُه يقرأها، فقال: ((هكذا نزلت)) ثم قال: ((اقرأ يا عمر)) فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ فقال: ((هكذا نزلت)) ثم قال: ((إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منها)) ".
وجوه القراءة
ووجوه القراءة: هي ما قرئ به اللفظ من تنوع، بمعنى: الحرف قرئ بكذا وبكذا، مثلًا: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (المسد: ٤) قرأها الجمهور: "وامرأته حمالةُ الحطب" فإذًا الحرف هنا قرئ بوجهين بالنصب وبالرفع. و ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: ١) قرئ: "والأرحام" بالخفض، فقرئ بالنصب وبالخفض، وغير ذلك من الظواهر. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥) "واتخَذوا من مقام إبراهيم مصلى" فجاء الفعل بصورة الأمر، وجاء الفعل بصورة الماضي، وترتب على ذلك تنوع وجوه القراءة.
стр. 179
فهنا يجب أن نقف عند نقطة في غاية الأهمية، وهي مقاييس القراءة الصحيحة أو ما وضعه العلماء للحكم على هذا الوجه بالصحة، وبأنه قرآن يقرأ ويُتعبد بتلاوته. يذكر الرافعي في كتابه: أن القياس عندهم موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه، سواء كان أفصحَ أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها، والمصير إليها بالإسناد لا بالرأي، ثم يشترط في تلك القراءة أن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وأن تكون مع ذلك صحيحة الإسناد، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة موافقة العربية ورسم المصحف وصحة السند، فتلك هي القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أطلق عليها أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، وَلْتجئ بعد ذلك عن كائن مَن كان.
هذا الكلام الذي ذكره الرافعي هو فَهْمُهُ ﵀ لكلام ابن الجزري في (النشر) وما نص عليه من قوله:
وكل ما وافق وجه نحوي ... وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وهذا الكلام الذي نص عليه ابن الجزري للعلماء معه وقفة فيه، في أنه لم ينص في كلامه عن التواتر، والتواتر شرط أساسي لصحة القراءة، ولا يكتفَى بصحة السند، فإن العلماء المختصين بهذا الأمر بينوا أن هذا القول قاله مكي بن أبي طالب القيسي، وتبعه فيه ابن الجزري، وقالوا: إن هذا القول قول حادث، وأنهم ردوا هذا القول.
стр. 180
وللأسف إن هذا القول الذي ساد واشتهر بتوافر الشروط الثلاثة دون النص الصريح على مسألة التواتر، ولا أشك أن ابن الجزري يشير بصحة السند ضمنًا إلى التواتر، فإن هذا التواتر هو الميزة العظمى في نقل القرآن الكريم، أنه محفوظ في الصدور، منقول عن طريق التواتر عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، فمعروف أن التواتر هو نقل جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب كما يؤمن وقوع الكذب منهم في المنقول وقوعًا اتفاقيًّا بدون تواطؤ في كل طبقة من أول السند إلى منتهاه، فهذا التواتر ركن ركين في صحة القراءة.
وهذا الذي ذكره ابن الجزري وفهِمه مَن فهمه عنه باشتراط الشروط دون الالتفات لنقطة التواتر وخاصة في عبارته أيضًا عندما قال:
وحيثما يختل شرط أثْبِتِ ... شذوذُه لو أنه في السبعة
فهموا من هذا القول أن السبعة -أو القراءات السبعية- ربما يكون فيه ما هو شاذ وما هو مردود. وهذا الكلام لا يجوز أن نقول به في وقتنا الحالي بحال من الأحوال، وهذا ما وقع فيه بعض الأكابر، فرأينا مثلًا الدكتور صالح فاضل السامرائي في كتابه (الكلمة في التعبير القرآني) ذكر بطلان قراءة متواترة بل هي قراءة الأكثرين، عندما أراد أن يبين الفرق بين قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (الكهف: ٦٤) وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ (يوسف: ٦٥) بإثبات الياء في: ﴿نَبْغِي﴾ وحذفها في: ﴿نَبْغ﴾ مع استلزام إثباتها؛ لأن الفعل في حالة الرفع وعلامته ضمة مقدرة على الياء، فإثبات الياء في الرفع هو الأصل، فأراد أن يبين الفرق بين الإثبات والحذف، فسئل -حفظه الله- عن وجود الإثبات في التواتر في قراءة متواترة: "ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي" بإثبات الياء، فاعترض بأن ذلك يكون مخالفًا لرسم المصحف، وإذا خالف ذلك رسم المصحف ردت القراءة وإن
стр. 181
كانت قراءة مَن مِن القراء من العشرة، أو ما هو أعلى منهم، كما صرح في بداية كتابه.
وهذا كلام لا نستطيع أن نمر عليه مرور الكرام أو أن نتجاوزه؛ لأن هذه القراءة قراءة الأكثرين بإثبات الياء: "ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي" وهذا كونها تخالف رسم المصحف، هذا دعوة لا دليلَ على صحتها؛ لأنها توافق الرسم احتمالًا، والمصحف له خمسة المقصد باختلاف رسم المصحف ليس المصحف العثماني وحده، وإنما المصاحف الخمسة أن تأتي القراءة مخالفة لاحتمال الرسم في المصاحف جميعًا، ولا شك طالما أنها قراءة الأكثرين فهي تُثبت في أحد المصاحف ولو احتمالًا، فلا حجةَ لردها.
فذلك مما استدعى أن نقف عنده من الكلام عن وجوه القراءة، وعن ورودها بهذه الشروط التي أشير إليها. وهذا بالنسبة لرسم المصحف.
وبالنسبة لموافقة العربية، فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يُعول في القراءة على ما هو أفشى في اللغة وأقيس في العربية دون ما هو أثبت في الأثر وأصح في النقل؛ لأن العرب متفاوتون في خلوص اللغة وقوة المنطق، فإن قرءوا فلكل قبيل نهجه، ومن هنا اشتهرت قراءات معينة تحدثوا فيه أنكرها مَن يطعن في السند ومَن لا يتحدث أو لا يعظم مسألة الأثر، ويقدم -كما قيل- الدراية على الرواية، وهذا الأمر لا يجوز في مسألة القراءات، فإن الرواية فيها مقدمة قطعًا على الدراية، يعني: لا إعمالَ للعقل فيما صحت روايته وتناقلت عن القراء تناقلًا تواترًا، لا مِريةَ فيه، يلزم أخذه دون ردٍّ.
مِن ذلك: ما كان من تطاول بعضهم على قراءة حمزة: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" (النساء: ١) اعتراضًا بأنه عَطْف على الضمير المتصل دون
стр. 182
إعادة الخافض، وهذا لا يكون في لغة العرب، فالأصل أن يُعاد حرف الجر مع المخفوض فيقال: وبالأرحام، وعلى ذلك ما جاء في القرآن: ﴿مِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (الأحزاب: ٧) ﴿إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (الزمر: ٦٥) ﴿لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (نوح: ٢٨) بإعادة الخافض مع الاسم الظاهر بعد الضمير، فمن ثم اعترضوا على قراءة حمزة بن حبيب، وهو مَن هو من القراء، ولا وجه لهذا الاعتراض؛ لأن العطف على الضمير المتصل المجرور جائز في لغة العرب، وثابت في كلامهم وفي نثرهم وفي نظمهم، بل القراءة شاهد واضح على جواز العطف على الضمير المتصل المجرور، وإن كان الأولى والأقيس والأشهر إعادة الخافض، إلا أن الجار دون إعادة الخافض يسلَّم به بما نقلت به القراءة.
كذلك عندنا الحديث المشهور عن قراءة ابن عامر بجر: ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ (الأنعام: ١٣٧) في سورة الأنعام، وما ادعاه الزمخشري من أن ابن عامر نظر في بعض مصاحف أهل الشام فرآها مرسومةً هكذا، فظن أنها مخفوضة أو مجرورة، وذلك قول لا يعول عليه ولا يقبل من مثله، ورحم الله جميعهم.
أما اشتراط صحة السند فهذا لا مراء فيه ولا جدال؛ لأن القراءة سنة متبعة، وهو الأساس فيها طالما صحت لا ينظر إلى غيرها. والشيخ ذكر بعض القراءات المتواترة المعروفة من إسكان العلامة الإعرابية أو عدم ظهور العلامة الإعرابية، كقوله تعالى: "فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ" (البقرة: ٥٤) بسكون الهمزة دون جرها بالكسرة.
وبعد ذلك ننبه أو نشير إشارة بسيطة إلى أن ما عدا القراءات السبعية أو العشرية المتواترة لا يقرأ به قولًا واحدًا، أو لا يعد قرآنًا، فإنه لم يقرأ بالشاذ على أنه قرآن وإن كان يحتج به في سائر الأحكام اللغوية والشرعية، وغير ذلك مما هو مشهور عند جمهور العلماء.
стр. 183
وتعرض الرافعي ﵀ للكلام عن قراء الشواذ، وبداية ظهورهم، وغير ذلك، وذلك أمر نحسمه بأن القراءات العشر المتواترة هي التي يتعبد بتلاوتها، وما عداها فهو شاذ.
الكلام عن قراءة التلحين
هو كلام عما ابتُدِع في القراءة والأداء مما بقي إلى يومنا هذا من اسخدام القراء لما يشبه الغناء الخفي، كأنهم -كما أطلق عليهم- المغبرة، الذين يغبرون بذكر الله، فيهللون، ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها، وهذا النوع الذي ظهر في القرون الأولى واستمر إلى يومنا هذا، لنا معه وقفة؛ لأنه يتناول جانبين؛ جانب: يُتفق على أنه مردود ومرفوض، وأنه من البدع التي استحدثت في قراءة القرآن، والتي لا يجب أن يعول عليها، بل إنها تدور بين حكمين؛ إما الكراهة وإما الحرمة، الكراهة إذا حافظ على الحروف، أما إذا مطَّ الحرفَ وخرج به إلى غيره، وغيَّر أو زاد أو نقص في الحرف نتيجة ما فعله، فذلك محرم قولًا واحدًا؛ لأنه تغيير في كلام الله .
من أقسام النغم الذي أحدثوه فيما يسمى بقراءة التلحين: الترعيد، الترعيد: وهو أن يرعد القارئ صوته كأنه يرعد من البرد والألم، يقرأ وكأنه يرتعش متألمًا أثناء قراءته.
والترقيص: وهو أن يروم السكوت على الساكن، ثم ينقر مع الحركة كأنه في عَدْو وهرولة -يسرع- وكأنه أراد أن يقف فجرى، ورقَّص السامع بهذا الذي أحدثه.
стр. 184
والتطريب: وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به، فيمد في غير مواضع المد ويزيد في المد إن أصاب موضعه.
والتحزين: وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع.
والترديد: وهو رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه.
هذه النماذج التي ذكرها الرافعي في حديثه عن قراءة التلحين، وهي نماذج واضحة وتُسمع من بعض القراء الذين يبالغون، وخاصةً ممن يقرءون في المناسبات وغير ذلك، تجده يريد أن يجذب انتباه السامعين إلى بيان صوته وإلى أدائه، فيقع في بعض هذه الأشياء، ولا يقع في ذلك إلا مَن لا وثوق في علمه من القُراء. وبحمد الله لم نسمع أمثال ذلك من القراء الأكابر المعتمدين في زماننا، لم يلجئوا إلى هذه الأساليب في قراءتهم، وإن كانوا يراعون المقامات الصوتية وغير ذلك مما تعلموه في عصورنا الحديثة كما يقال: تعلموه تعليمًا أكاديميًّا؛ لتحسين الصوت والتغني بالقرآن الكريم. إلا أن هذه الأشياء لم تظهر فاشيةً عند القراء المعتمدين الكبار الذين تؤخذ عنهم القراءة.
فذلك الجانب هو الذي يرفض من القراءة بالتلحين؛ لأنه ربما يؤدي -كما قلنا- لإبدال حرف مكان حرف، أو اختلاس حرف، فيقع من الكلمة وتنطق على غير مرادها، وضرب الشيخ هنا مثالًا ببعضهم عندما كان يقرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (الكهف: ٧٩) فاختلس وجعلها "كأنها مسكين" يعني: "أما السفينة فكانت لمسكين لمسكين لمسكين!! ". فحذف الألف في قراءته،
стр. 185
اختلس الألف اختلاسًا، فكأنها تحولت من الجمع إلى الإفراد، وذلك كما قرأ بعضهم بيت شعر فقال: "بعض مفيها مفيها" بدلًا: "من ما فيها".
فهذا الاختلاس الذي تم هذا يرفض؛ لأنه غيَّر من الكلمة، وحولها من كلمة لأخرى، فلذلك يقول صاحب (جَمال القِراءة) -وهي (جمال القُراء، وكمال الإقراء) للعلم السخاوي في الكتاب صاحب (جمال القراءة) ويبدو والله أعلم أن المقصود هو السخاوي في كتابه (جمال القراء وكمال الإقراء) - إن أول ما غنَّى به القرآن قِراءة الهيثم: "أما السفينة ... " فكما تقدم. فلعل ذلك أول ما ظهر من هذا النوع من قراءة التلحين الذي هو مرفوض؛ لأنه خروج عن قراءة القرآن كما أنزلها المولى لتجويدها وأحكامها، بل عد الشافعي ذلك من أفعال الزنادقة الذين وضعوا ما يسمى بالتغيير؛ ليصدوا الناس عن ذكر الله وقراءة القرآن، وهي إدخال الإنشاد واستخدام الأساليب التي تذهب جلالَ القرآن وقدسيته في النفوس إذا ما استخدم القرآن بالتلحين.
وبالجملة: فإن التعبد بفهم معاني القرآن في وزن التعبد بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراء المتصلة بالنبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.
أما الجانب الآخر في موضوع قراءة التلحين هو ما ورد في أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ فيما يسمى بالتغني بالقرآن. هناك فرق بين ما أحدثه القراء من هذه البدع المرفوضة، وبين ما أشار إليه نبينا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- في الأحاديث الصحيحة: ((ما أذن لنبي يتغنَّى بالقرآن)) وفي رواية: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به)) وحديث: ((ليس منا مَن لم يتغنى بالقرآن)). فالمراد بالتغني بالقرآن هو تحسين الصوت، بدليل الحديث المشهور عن أبي موسى ﵁ قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: ((لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك
стр. 186
البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود، فقال ﵁: أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي، لحبرتها لك تحبيرًا)).
هذا ما نص عليه ابن كثير ﵀ في قوله: أن المراد تحسين الصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه، والخشوع والخضوع، والانقياد بالطاعة، أما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية، والقانون الموسيقي -كما يقولون- فالقرآن منزه عن هذا، ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب، وهذا محظور كبير نص الأئمة على النهي عنه؛ لأنه كما قلنا: لو خرج إلى التنطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرف أو ينقص حرف، فقد اتفق العلماء على تحريم ذلك.
أما التحزين بالقرآن وهو ما ذكره الرافعي ﵀ على أنه صور من صور التلحين، أنه يقرأ على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، فهذا ما ذهب إليه الرافعي ﵀ لأن هذا الأصل في قراءة القرآن أن القارئ يُستحب له البكاء والتباكي لمن لم يقدر على البكاء والحزن والخشوع؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: ١٠٩) ولقوله ﷺ : ((اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)) وفي الحديث الذي رواه أبو داود بسنده عن عبد الله بن الشخير ﵁ وأرضاه- عن أبيه قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء)) وفي (الشعب) للبيهقي الحديث عن سعد بن مالك مرفوعًا: ((إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)).
ولذا قال الغزالي ﵀: البكاء مستحب مع القراءة وعندها، فذلك أمر مطلوب. وأيضًا كي لا نتحامل على شيخنا الرافعي، فإن نستطيع أن نقول: إن
стр. 187
التحزين له جانبان؛ جانب مقبول وهو الذي يَقرأ القرآن بخشوع وخضوع، وجانب مرفوض هو المبالغة في هذا الأمر، وحتى أنه يبالغ في التصنع في هذا الأمر، فالسامع لا يتبين الحروف من قارئها.
لغة القرآن
الأصل فيمن نزل القرآن بلغتهم قريش، كان طبيعيًّا أن يكون القرآن بلغة قريش؛ لأن رسول الله ﷺ قرشي، ثم ليكون هذا الكلام زعيم اللغات كلها كما استمازت قريش من العرب بجوار البيت وسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وغيرها من خصائصهم، وقد ألف العرب أمرهم ذلك، واحتملوا عليه، وأفردوهم به، كذلك يكون الأمر في كلام الله .
يعني: العرب ألفوا أن قريشًا هي سيدة العرب وهي أعلى القبائل شأنًا بين العرب، فكون القرآن يأتي بلغتها ذلك يناسب سيادتها للعرب قبل.
وأيضًا وجه آخر لنزوله بلغة قريش وجه جلي: أن قريشًا اشتملت لغتها على لغات العرب، فكانت تأخذ من اللغات أحسنها بحكم الجوار كثقيف وهوازن وهُذيل وغيرها من القبائل، وبني سعد وغيرها ممن هم على مشارف مكة. وأيضًا عندما كان يأتيها في المواسم من القبائل الأخرى البعيدة عنها كتميم وغيرها، كانت تؤخذ أعلى اللغات في لغة قريش، فقريش ضمت لغات العرب أصفاها وأحسنها. فالقرآن لو نزل بغير ما ألفه النبي ﷺ من اللغة القرشية وما اتصل بها، كان ذلك مغمزًا فيه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- أن يأتيهم بلغة ليست بلغتهم، وبطريقة كلام لا يعرفونها.
стр. 188
ويضرب هنا مثال أحسن الشيخ في ذكره -الرافعي- قال: لو أن شاعرًا من شعرائهم ظهر فيهم بدين خيالي وأقامهم عليه، لكان من الرجاء والاحتمال أن يستجيبوا له دون صاحب القرآن الذي ينزل عليه بلغة غير لغة قبيلته. يعني: هذا الأمر معروف عند العرب في طباعها، أنها تتبع ما يجيء على فطرتهم اللغوية التي فطروا عليها، وطريقتهم التي يتحدثون بها. فهناك طائفة من الناس يذهبون: إلى أن القرآن لو هو قد نزل على النبي ﷺ بغير القرشية لكان ذلك وجهًا من إعجازه. وهذا كلام مَن لا يدري كيف يقول؛ لما سبق ذكره، من أن النزول على لغة قريش هو الطبيعي لسيادة قريش، وهو المنطقي بنزوله على لغة يعرفونها، فقد كان من إعجاز القرآن أن يأتيهم بأفصح ما تنتهي إليه لغات العرب جميعًا.
فهنا يظهر لنا أن القرآن نزل بلغة قريش، وإن كان في القرآن ألفاظ -سنتحدث عنها مستقبلًا إن شاء الله سبحانه تعالى- مما يسمى بالغريب، أو مما يسمى بالمعرب، أو غيره من الكلمات، وإن كان هناك ألفاظ جاءت على لغة أقوام أخر، كقوله تعالى: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ (الحجرات: ١٤) أي: لا ينقصكم، وهذه لغة بني عبس، فإن هذا الذي يذكر من مثل هذا لا يتعدى كلمة أو كلمتين في القرآن كله تنسب إلى لغة من اللغات.
فبتالي لغة القرآن الكريم جاءت بلغة قريش على ما ألفه العرب في كلامهم، وجرت لغة القرآن على أحرف مختلفات في منطق الكلام كتحقيق الهمز وتخفيفه، والمد والقصر، والفتح والإمالة، وما بينهما، والإظهار والإدغام، وضم الهاء وكسرها، من: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة: ٧) و ﴿إِلَيْهِمْْ﴾ (آل عمران: ٧٧) وتقرأ: "عليهُم" و"إليهُم"، وإلحاق الواو فيهما، وفي لفظتين: "منهمُ" (البقرة: ٧٥) و"عنهمُ" (البقرة: ٨٦) وإلحاق الياء في: ﴿إِلَيْهِ﴾ (البقرة: ١٧٨) و ﴿عَلَيْهِ﴾ (البقرة: ١٨٢) و ﴿فِيهِ﴾ (البقرة: ١٨٥) ونحو ذلك.
فكان أهل كل لحن يقرءونه بلحنهم، وربما استعمل القرآن الكلمةَ الواحدةَ على منطق أهل اللغات المختلفة، فجاء بها على وجهين؛ لمناسبةٍ في نظمه، ويضرب
стр. 189
مثال بذلك كلمة: براء وبريء، فأهل الحجاز يقولون: أنا منك براء، وتميم يقولون: أنا منك بريء، وجاء في القرآن اللفظان: ﴿بَرَاءٌ﴾ (الزخرف: ٢٦) و ﴿بَرِيءٌ﴾ (الحشر: ١٦) وكذلك: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ (هود: ٨١) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي﴾ (الفجر: ٤) فأسر فهي لغة قريش، يقولون: أسريت، وغيرهم من العرب يقولون: سريت.
وهذا باب من اللغة متنافر وموجود، وأهل علوم القرآن أحصوا هذه الكلمات، وذكروها معدودةً، فهذه القراءات السبع المتواترة لم يكن من قبيل الأداء، أما ما هو من قبيله كالمد والإمالة ونحوها، فهذه الظواهر اللغوية كتخفيف الهمزة وتحقيقها، والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والتفخيم والترقيق، وغير ذلك من الظواهر، كله موافق للغة العرب، ولا نخرجه عن أن الأصل في لغة القرآن هي لغةُ قريش.
مسألة الأحرف السبعة
هذه المسألة أصلها الأحاديث المتواترة الصحيحة المنقولة عن رسولنا الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- في هذا الباب كقوله: ((أقرأني جبريل على حَرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدوني حتى انتهى إلى سبعة أحرف)) والحديث الذي ذكرناه من شأن عمر ﵁ وأرضاه- مع هشام بن حكيم ﵁ وأرضاه-. فانتهى بقوله ﷺ : ((فاقرءوا ما تيسر منه)) وفي رواية لمسلم عن جبريل ﵇ أنه قال لرسولنا -صلوات الله وسلامه عليه-: ((إن الله يأمرك أن تُقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه أصابوا)).
وغير ذلك من الأحاديث التي وردت في هذا الباب.
ومِفتاح الكلام عن الأحرف السبعة نبدأ من نهاية ما ذكره الرافعي ﵀ يقول: لو أن هذا الحديث قد جاء في تأويله نص عن النبي ﷺ يعين المراد
стр. 190
منه، لما اختلفت أقوال العلماء فيه، وما داموا قد اختلفوا فدعنا نختلف معهم، ونأخذ بالأشبه والأمثل مما يوافق القرآن نفسه، وقد أنزله الله: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (الفتح: ٤) فإن ذهبت مذهبنا وإلا فخذ ما أحببتَ أو دَعْ.
أثرت أن أذكر عبارة الرافعي؛ لأنه أتى برأي في مسألة الأحرف السبعة، واختاره ورجحه، ورد رأيًّا آخرَ، فكما قال نقول ما قاله ﵀. نقول: نحن نوضح المسألة ونختار أيضًا ما نراه في هذه المسألة.
فالأحرف السبعة انقسم العلماء فيها إلى ثمانية أقوال:
- قال قوم: هي سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد.
- وقول ثان يقول: المراد بالأحرف السبعة هي سبع لغات من لغات العرب على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات، وهناك فرق بين القول الأول والثاني؛ لأنه يعني أن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني هذا وجه الاختلاف بين القول الثاني والأول.
- أما القول الثالث فقالوا: إنها سبعة أوجه من الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل، أو من الأمر والنهي، والحرام والحلال، والمحكم والمتشابه والأمثال.
- وهناك قول رابع قال: إن العدد المذكور في الحديث لا مفهوم له، وإنما هو رمز إلى ما ألفه العرب من معنى الكمال في هذا العدد. وهذا استحسنه الرافعي أيضًا.
стр. 191
- القول الخامس: أن المراد بالأحرف السبعة هي القراءات السبع، وهذا أضعف الأقوال وأردها، ولا يحتاج إلى تعليق كما يقال؛ لأن القراءات المتواترة عشرة وليست سبعة.
- القول السادس: أنها سبعة أحرف من الاختلاف لا يخرج عنها، وهذا رأي ابن الجزري، واختاره الرافعي في بداية كلامه ناسِبه لأحد العلماء.
يقول: الاختلاف في الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة، يحسِب ويحسَب أن يكون بتغييرٍ في المعنى فقط: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (البقرة: ٣٧) "فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ" بالتبادل بين "آدم" و"كلمات" بين الرفع والنصب.
أن يكون التغيير في الحروف مع التغيير في المعنى لا الصورة: ﴿تَتْلُو﴾ (البقرة: ١٠٢) و ﴿تَبْلُو﴾ (يونس: ٣٠).
أن يكون التغيير في الحروف مع التغيير في الصورة: ﴿الصِّرَاطَ﴾ (الفاتحة: ٦) بالصاد و"السراط" بالسين.
أن يكون التغيير في الحروف والصورة: ﴿يَأْتَلِ﴾ (النور: ٢٢) و"يتأل".
أن يكون التغيير بالتقديم والتأخير: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ (آل عمران: ١٩٥) أو وقراءة: "وقتلوا وقاتلوا".
أن يكون التغيير زيادة والنقصان: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ (البقرة: ١٣٢ و"أوصى بها إبراهيم بنيه".
هذا قول في الأوجه السبعة.
стр. 192
- قول سابع يقول: إن الأوجه السبعة هي الأصول المضطردة مثل صلة الميم -ميم الجمع، وهاء الضمير- ومثل الإدغام والإظهار، والمد والقصر، وتحقيق الهمز وتخفيفه، والإمالة وتركها، والوقف بالسكون وبالإشارة إلى الحركة، وفتح الياءات وإسكانها وإثباتها وحذفها.
- أما الوجه الثامن الذي يُرى في هذا المسألة، ويرجح على غيره: أن الأوجه السبعة هي وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف، فاختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، تأتي الكلمة مفردةً في قراءة وجمعًا في قراءة، أو تأتي مذكرة في قراءة وتأتي مونثة في قراءة، فكما قرئ تواترًا: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ (المؤمنون: ٨) و"لأمانتِهم".
أما الوجه الثاني للتغير فهو التغير في وجوه الإعراب، كما ضربنا المثل: "فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ"، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. وكذلك الاختلاف في التصريف: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (سبأ: ١٩) وقرئ: "فقالوا ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا"، وقرئ: "ربنا بَعَّد بين أسفارنا". وكذلك الاختلاف في التقديم والتأخير: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ (الرعد: ٣١) و"أفلم يَأْيَسِي". وكذلك التقديم والتأخير في الكلمات: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة: ١١١) "فيُقتلون ويقتلون". وكذلك الاختلاف بالإبدال، سواء كان الإبدال إبدال حرف مكان حرف: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (البقرة: ٢٥٩) وقرئ بالراء بدلًا من الزاي. وإبدال لفظ مكان لفظ، ومثاله ليس من المتواتر: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة: ٥) وقرئت في قراءة ابن مسعود: "كالصوف المنفوش".
стр. 193
والوجه السادس للاختلاف: الاختلاف بالزيادة والنقصان وهذا في المتواتر: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ (التوبة: ١٠٠) قرئ: "من تحتها الأنهار" بزيادة "مِن" -وهذا سنتعرض له تفصيلًا في موضوع الزيادة-.
وأما الوجه السابع: فهو اختلاف اللهجات للتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة، والإظهار، والهمز، والتسهيل، والإشمام، ونحو ذلك. وهذا أرجح الآراء في معنى الأحرف السبعة؛ لأنه يؤيده الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ ولأنه يخلو من المحذور الذي يقع فيه بعض الآراء الأخر؛ ولأنه يعتمد على الاستقراء لأوجه الاختلاف في القراءات.
بقي أن نشير فقط إلى الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف، فمن ذلك: صيانة كتاب الله وحفظه من التبديل والتحريف، والتخفيف على الأمة، وتسهيل القراءة عليها، وجمع الأمة على لسان واحد وهو لسان قريش الذي نزَلَ به القرآن الكريم، والذي انتظم كثيرًا من مختارات ألسنة القبائل العربية التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحج وأسواق العرب المشهورة، وأخيرًا الجمع بين حُكمين مختلفين بمجموع القراءتين.
فالخلاصة: هي أن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات، وذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهي إلى كمال الإعجاز. ومعنى هذا أن القرآن معجز؛ إذ قرئ بهذه القراءة الأولى، ومعجز أيضًا إذا قرئ بهذه القراءة الثانية، ومعجز أيضًا إذا قرئ بهذه القراءة الثالثة، وهلم جرًّا.
فهذا من أوجه الإعجاز في القراءات القرآنية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 194
الدرس: ١١ تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز .
стр. 195
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز)
الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبعد:
نتناول الإعجاز في تنوع أوجه القراءات القرآنية:
هذا الإعجاز الذي شمل جميعَ أركان الشريعة الإسلامية من عبادات وعقائد، وما يتعلق أيضًا من اجتهادات في المجالات اللغوية والبيانية.
نبدأ في حديثنا عن الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد كجانب تطبيقي.
مطلب أفعال العباد:
هذه المسألة التي كثر فيها الكلام عند المتكلمين، نجد من القراءات المتواترة العشرية التي ثبتت ما يساعدنا على الحسم في هذه المسائل، أو بيان إعجاز القرآن منها. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (الأعراف: ١٤٢) وقوله : ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ (طه: ٨٠).
فهذه الآيات قرئت تواترًا: "واعدنا ووعدنا"، "واعدنا" بألف بعد الواو، "وواعدنا" دون ألف، وقراءة "وَعَدْنا" دون الألف في الفعل هذه القراءة صريحة في أن الفعل فِعلُ الله فالوعد منه ابتداءً، والقراءة الأخرى: "واعدنا" دلت على نسبة الأفعال إلى العباد على سبيل المجاز، فكأن موسى ﵇ في اشتياق إلى لقاء المولى ومن ثَم كان إثبات الأفعال مجازًا أو على سبيل المجاز إلى العباد مع أن الله هو صاحب الفعل على الحقيقة، وهو الذي ابتدأ بوعد موسى ﵇ وبإتمام هذا.
стр. 196
وكذلك عندنا قراءة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ (غافر: ٣٧) قرئت: "وصد على السبيل" بالبناء بما لم يسم فاعله، أو بالبناء للمجهول، وقرئ: "وصد عن السبيل" بالبناء للمعلوم. وقيل: القراءتان قرئت تواترًا. وهذه القراءة - بالبناء للمفعول: "صُد عن السبيل" إخبار من الله عن انحراف فرعون وفجوره، وأن الله صَدَّ هذا الطاغية عن سبيل الحق، وعن طريق الهداية؛ لما بدر منه، وبما كان من تعنته، وبما كان من ادعائه الألوهية والربوبية، وما برز منه تجاه المولى . فجاءت القراءة الأخرى: "وصَد عن السبيل" بالبناء للمعلوم، بنسبة الفعل إلى فرعون؛ لأنه هو الذي فعل هذا الصد، فأفادت القراءة أن الأفعال للمولى وأنه قد تُنسب إلى العباد على سبيل المجاز، مع أن الله هو المالك المتصرف في خلقه كما يشاء.
مطلب آخر في مسائل الاعتقاد هذا المطلب ما يتعلق بالنبوات:
فالأنبياء هم أكرم خلق الله والأنبياء هم المعصومون المبرءون الذين اختارهم الله من صفوة خلقه؛ لكي يبلغوا رسالة ربهم، فالنبي يُعتقد فيه الكمال ويعتقد فيه أنه مرسل من الله مبرئًا من العيوب أو ما يشينه. فكانت القراءات في موضع من المواضع وفي بعض القراءات ما يؤكد هذا المعنى بما يختص به رسل الله قال المولى : ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (التكوير: ٢٤) فقرئت تواترًا: ﴿بِضَنِينٍ﴾ وقرئت: "بظنيين" أي: بالضاد وبالظاء، والمعنى يختلف على القراءتين، ولكنه ينصب في عِصمة الأنبياء، وفي بيان قدر الأنبياء المكرمين، فما هو على الغيب بضنين، أي: ببخيل.
стр. 197
فإن الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- لم يسأل المشركين أجرًا على ما أخبرهم به، ولم يبخل عليهم بما عنده من علم -فصلوات الله وسلامه عليه- كان يرغبهم في الجنة ويحذرهم من النار، ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد القهار، ومع ذلك لم يطلب منهم شيئًا: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الأنعام: ٩٠) فكان ذلك علامة على صدق نبوته، بأنه لم يبخل عليهم بالعلم كعادة الكهان الذين كانوا لا يقدمون الخبر، أو لا يفيدون بالنبأ، إلا إذا أخذوا في المقابل أجرًا، وهو ما يسمى بالحلوان أو حلوان الكاهن.
والقراءة الأخرى: "وما هو على الغيب بظنيين" أي: بمتهم أنه ﷺ ليس بمتهم فيما يخبِر به عن ربه فهو الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- يخبر بما أخبر به ربه وعلى القراءتين يتضح كمال عصمة الأنبياء.
كذلك عندنا أيضًا في القراءات ما يساعد وما يبين مسائل تتعلق بالسمعيات، أي: الغيبيات التي أخبر المولى . من ذلك: أمر الملائكة، فهؤلاء الملائكة المكرمون عباد الله الذين: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: ٦) هذه الملائكة نجد من القراءات ما يبين قدرَ هؤلاء الملائكة الكِرام، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ١٩) فقرئت: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ جمع عبد، وقرئت: "عند الرحمن" وعند ظرف كما هو معلوم. فهاتان القراءتان بينت منزلة الملائكة الكرام عند الله فالقراءة على العندية بمعنى الظرف: أنهم مكرمون عند ربهم وأنهم لا يعصونه فيما يأمر به، فهذه العندية عنديةُ الفضل والقرب من الله تعالى؛ بسبب الطاعة.
стр. 198
فتعاورت القراءتان على لفظة واحدة لها معان متنوعة، هذه المعاني تنصب حول شيء واحد، وهو أن الملائكة أصحاب مكانة عند الله، وليسوا كما ادعى هؤلاء المشركون فيهم مِن أنهم إناث وليسوا ذكورًا، فإن الله أخبر أنهم عنده، ومَن عند الملك لا بد أن يكون على أكمل حال، وعلى أتم الأوصاف، فلا يكون منهم نقص فيما ينتقصه الناس من ظنهم أن الإناث ينقصون الذكور في الفضل وفي المكانة، فأخبر الله أنهم عنده، وأنهم أصحاب المكانة العلية، فهم ملائكة كرام ما عصوه سبحانه طرفةَ عين.
تنوع القراءات القرآنية من حيث الإعجاز التشريعي
ننتقل إلى جانب آخر من جوانب الإعجاز في تنوع القراءات القرآنية، وهو الإعجاز التشريعي، أي: فيما يتعلق بمسائل الشريعة.
فمعلوم أن الفقهاء والأصوليين ومَن يتصدون لهذه المسائل التشريعية أو الفقهية، هؤلاء تُعد القراءات عندهم من المصادر المعتمدة التي تبين لهم، ويحتجون به في خلافاتهم، وتظهر وجه الإعجاز في هذه القراءات. فالقراءة حجة الفقهاء في الاستنباط، ومحجتهم في الابتداء، وكل قراءة في حد ذاتها خبر شرعي دون إغفال لغيرها من القراءت وما تقتضيه من حكم موافق لها أو مخالف، وهذا يسميه العلماء بالإعجاز التشريعي.
ونماذج ذلك عديدة في كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥) قرئت تواترًا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بصيغة الأمر، وقرئت: "واتخَذوا" بصيغة الماضي، فعلى كلتا القراءتين كان الخلاف الفقهي بين العلماء في حكم الصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇ بعد الفراغ
стр. 199
من الطواف بالبيت العتيق. فهل هو واجب بدلالة قراءة الأمر: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾؟ أم أن المسألة سنة، ودليل ذلك أن الفعل جاء بصيغة الإخبار أي: صيغة الماضي "واتخَذوا من مقام إبراهيم" وليس بصيغة الخطاب إلى مَن يخاطَب وهو مكلف بهذا الفعل؟
كان ذلك هو الخلاف بين الفقهاء مترتبًا على تنوع القراءتين بين الأمر والمُضي. فذهب أبو حنيفة والشافعي -في أحد قوليه-: إلى أن صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم ﵇ واجبتان، وذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي -في قوله الثاني-: إلى أن صلاة الركعتين خلف مقام إبراهيم ﵇ سنة، وذلك ناتج عن الاختلاف في القراءتين، وأدلتهم في ذلك يرجَع فيها إلى كتب الفقه.
كذلك في قول الله : ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) فقرئت: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ بالألف، وقرئت: "لمستم" بدون الألف، وترتب على ذلك خلاف واضح بين الفقهاء في حكم مس المرأة، هل لَمْس المرأة ينقض الطهارة أو ينقض الوضوء، أم أنه لا ينقض الوضوء؟ وانبني الخلاف على تنوع القراءتين بين: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ بالألف وبين "لمستم" بدون الألف. فذهب أبو حنيفة: إلى أن لمس الرجل للمرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا سواء أكان اللمس بشهوة أو بغير شهوة، وذهب مالك وأحمد: إلى أن لمس المرأة بشهوة ناقض للوضوء، فإن كان بغير شهوة فلا ينتقض الوضوء به، وذهب الشافعي: إلى أن لمس الرجل للمرأة بدون حائل ينقض الوضوء سواء كان اللمس بشهوة أم بغير شهوة، باستثناء المحارم، فكان منشأ الخلاف هو تنوع القراءتين كما هو واضح من معنى اللمس والملامسة، وهل هي تنصب حول الجِماع أم مجرد اللمس فقط؟ وهذا معروف في النواحي الفقهية، ونتج عن تنوع القراءتين.
стр. 200
كذلك حكم إتيان المرأة بعد الطهارة من الحيض، اختلف الفقهاء فيه نتيجة اختلاف القراءتين في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: ٢٢٢) فقرئ تواترًا: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وقرئ: "حتى يطَّهرن". فالتطهر والطُّهر على تلك القراءتين اختلف عليه حُكم الفقهاء في إتيان المرأة عقب طهارتها، فهل يكفي أنها تطهر؟ بمعنى: ينقطع دم الحيض عنها فيجوز إتيانها، أم أنه يجب عليها أن تغتسل فتتطهر قبل أن يأتيها زوجها؟ فلذلك اختلف الفقهاء نتيجة تنوع القراءتين؛ فذهب جمهورهم: إلى أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل لزوجها مجامعتها إلى بعد أن تغتسل بالماء، وذهب أبو حنيفة: إلى أن المراد بالطهر انقطاع الدم، فإذا انقطع دم الحيض جاز لزوجها أن يطأها قبل الغسل.
ذلك أمثلة لما نتج عن الخلاف الفقهي الناتج عن القراءات القرآنية.
الإعجاز البياني واللغوي في تنوع القراءات
ننتقل إلى جانب آخر من جوانب الإعجاز في تنوع القراءات، وهو جانب ذو أهمية عظيمة، وهو جانب الإعجاز البياني واللغوي في تنوع القراءات. فإن تغاير القراءات أثَّر لغويًّا في جوانب الإعراب، وكذا في جوانب التصريف، والجوانب البلاغية فيما يتعلق بالتوجيه البلاغي.
فنبدأ بالحديث عن تغاير القراءات في النواحي الإعرابية:
معلوم أن الإعراب يساعد على وضوح المعنى وتحديده، ويزيل اللبس، ويكشف الغموض، ويعطي الكلمات حرية الحركة، فتتنوع التراكيب بتنوع الموقف
стр. 201
والمقامات، وبدون الإعراب تختلط المعاني، ويضطرب فَهْم مراد الله تعالى. وهذه المسألة اهتم بها العلماء كثيرًا، وقد أفردت لها دراستي -الماجستير- بعنوان: (النحو والقراءات عند المنتجبي الهمذاني في كتابه الفريد في إعراب القرآن المجيد).
نأخذ نماذج لهذه الظاهرة:
أولها: تغاير القراءات بين الرفع والنصب، أي: تقرأ القراءة بالرفع وتقرأ بالنصب، وما يترتب على ذلك من أوجه للإعجاز. قال الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: ٢٦) قرئ تواترًا: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ بالرفع "لباس" وقرئ و"لباسَ التقوى" بالنصب. فقرءاة النصب ينصرف توجيهها إلى العطف على كلمة "لباسا": ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾، و"أنزلنا لباس التقوى" فذلك على معنى العطف، فالباس الذي يواري السوءة الظاهرة، والتقوى التي تواري السوءات الباطنة التي تصيب العبد من أمراض وأدواء في القلب، فالتقوى هي طريق علاجها وطريق التطهر منها، فهذه القراءة تأتي على العطف، وقراءة الرفع تأتي على الاستئناف، على أن "لباس" مبتدأ، و"التقوى" مضاف إليه، وجملة: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ في محل رفع خبر لكلمة: ﴿لِبَاسُ﴾. فكأن المولى ينشأ معنًى جديدًا ويستأنف معنًى جديدًا لأهل الإيمان، بأن خير ما يَلبسون وخير ما يتزينون به هو تقوى الله .
ومعلوم أن نزول الآية أو سبب نزولها كان يتعلق بما كانوا عليه في الجاهلية من الطواف بالبيت دون ملابس، يطوفون عَرايا بالبيت، فأنزل الله على عباده
стр. 202
هذه الآية؛ ليبين لهم أن تقوى الله خير ما يرتدون، وتأتي بتحريم أن يطوفوا بالبيت عرايا. وقوله ﷺ : ((أن لا يطوف بالبيت عريان)) فجاءت القراءة على الوجهين؛ لتؤكد هذا المعنى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، "ولباسَ التقوى ذلك خير".
كذلك قرئ في الرفع والنصب قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (المسد: ٤) قرئ: ﴿حَمَّالَةَ﴾ بالنصب، وقرئ "حمالةُ" بالرفع، وعلى تلك القراءتين يظهر الفرق بين تعدد الأوصاف المذمومة بهذه المرأة -امرأة أبي لهب- فقراءة النصب تنصرف على أنها مذمومة معينه مخصوصة بهذا الوصف القبيح الذي يضاهيها، أو الذي يناسبها ويشاكلها بأنها حمالة الحطب، وقراءة الرفع على أنها خبر لامرأته: "وامرأته حمالةُ الحطب" هذا إخبار من الله عن هذه المرأة. ومعلوم أن القراءات وإن اختلفت إلا أنها تؤدي إلى معنًى واحدٍ، أو تنوع المعنى دون اختلاف، فمعلوم أن القراءات لا تتعارض، أي: لا تعارضَ بينها وإنما تخدم في المعنى الموجه إليه.
كذلك قول الله : ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (التوبة: ٤٠) فقرئ: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ على الاستئناف، وقرئ: "وكلمةَ الله" على العطف، أي: جعل كلمة الذين كفروا السفلى وجعل كلمة الله هي العليا. وقد تحدَّث المفسرون في هذه الآية على كون: ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل يرجح الرفع بأنها وقعت بين المبتدأ والخبر، فقال الطاهر بن عاشور: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ مستأنفة بمنزلة التذييل للكلام، بأنه أخبر عن "كلمة الذين كفروا" بأنها سارت سفلى، أفاد أن العلاء انحصر في دين الله وشأنه، فضمير الفصل مفيد للقصر، ولذلك لم تعطف كلمة:
стр. 203
﴿اللَّهِ﴾ على كلمة: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذ ليس المقصور إفادة جعل "كلمة الله" عليا؛ لِما يشعر به الجعل من إحداث الحالة، بل أفادت أن العلاء ثابت لها ومقصور عليها.
وبالطبع هذا الكلام يُحمد من علامة كالطاهر بن عاشور، ولكننا نقول: إن القراءات لا تعارضَ بينها، فعلى قراءة النصب أيضًا ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل، فمعلوم أن ضمير الفصل يقع بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر، ومفعولا "جعل" أصلها المبتدأ والخبر. فهذا تذوق منه ﵀ والمعنى قائم أيضًا مع قراءة النصب، وعطف على "جعل"؛ لأن "جعل" من الأفعال الناصبة لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر.
ذلك مثال وذلك نموذج لتغاير القراءات بين الرفع والنصب.
عندنا أيضًا تغاير القراءات أو تنوع القراءات بين الرفع والخفض، وذلك في كتاب الله منها قول الله : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١، ٢٢) فقوله : ﴿مَحْفُوظٍ﴾ قرئ تواترًا بالخفض والرفع: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ و"في لوح محفوظٌ". ومعلوم أنه في قراءة الخفض ينصرف الوصف إلى اللوح، فاللوح محفوظ، وفي قراءة الرفع ينصرف الوصف إلى القرآن، القرآن محفوظ، وكلا المعنيين مراد، فإن اللوح محفوظ وإن القرآن محفوظ، وذلك يؤكد حفظَ الله لكتابه المجيد في أصله وفي تنزيله وبعد تنزيله، والله حافظ كتابه، وهذا مُفاد من القراءتين، فاللوح محفوظ والقرآن محفوظ، وعلى كلٍّ إذا ثبت الحفظ للوح فهو ظرف للقرآن، ثبت للقرآن الحفظ، فالقراءتان مجتمعتان، والمعنيان متداخلان.
стр. 204
كذلك هناك تنوع القراءات بين النصب والخفض، وهذه أحدثت إثراءً عظيمًا في القواعد اللغوية والقواعد النحوية، وعندنا القراءة المشهورة قراءة حمزة بن حبيب الزيات، قراءة أول سورة النساء: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" (النساء: ١) بالخفض، فقراءة الجمهور وقراءة جمهور أهل الأداء بالنصب: "والأرحامَ" وقراءة حمزة بالخفض "والأرحامِ" هذه القراءة أدت إلى خلاف شديد بين النحاة وبين أهل اللغة ممن يتمسكون بقواعدهم على الغالب الأعم الأشهر، وينكرون من القراءات ما يتعارض مع ما يذهبون إليه من قواعد، فمعلوم أنهم يُلزِمون -مع إعادة الخافض- إعادةَ الخافض مع الخفض، أي: إذا قلت: سلمت عليك ومحمدًا، فذلك لا يجوز، فلا بد أن تقول: سلمت عليك وعلى محمد، وذهبت إليك وإلى علي، فلا يصح ألا تعيدَ الجار، فجاءت القراءة هنا حجة عليهم في عدم إعادة الجار، فقال الله : "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" ولم يقل: "وبالأرحامِ" فلم يعد الخافض، وإن كان إعادة الخافص هو الشهير وهو لغة القرآن: ﴿عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ﴾ (هود: ٤٨) ﴿إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ﴾ (الزمر: ٦٥) ﴿لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (نوح: ٢٨).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي أظهرت هذه المسألة.
تنوع القراءات في التصريف، أي: علم الصرف، وما يتعلق به من قواعد أفادت الصرفيين، وانبني عليها إعجاز في قول الله وفي القراءات المتواترة:
من النماذج التي تُصور الإعجازَ في تنوع القراءات صرفيًّا قول الله : ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (الحجر: ٤١) فقرئت: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ﴾ بفتح اللام والياء على أنها اتصلت بها ياء المتكلم، وهذه قراءة الجمهور، وقرئت: "هذا صراط عليٌّ" بكسر اللام ورفع الياء منونًا. فمعلوم أن "علي" هي
стр. 205
جار ومجرور و"عليٌّ" صيغة من صيغ المبالغة على وزن "فعيل" فتنوع القراءتين هنا أوضح أمرًا ظاهرًا، وهو أن اللفظ الواحد أدى إلى معنيين مختلفين، لكنهما يتعاونان في إبراز علاقة متداخلة بين القراءتين، على معنى أن قراءة الجمهور استفيد منها وعد الله بضمان استقامة المخلصين؛ لأنهم على صراطه، وهذه ومَن كان على صراط الله فلا يضل ولا يشقى، وأما قراءة يعقوب فتفيد بأن هذا الصراط رفيع الشأن، عال القدر، وكيف لا يكون كذلك وهو طريق الله ضمن لأهله الاستقامة، ووعدهم بالسلامة، وأحلهم دار المقامة من فضله لا يسمهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب؟
ذلك واضح من تنوع القراءتين بين صيغتين؛ صيغة المبالغة وصيغة الجار والمجرور.
وهناك ظاهرة صرفية أيضًا في تنوع القراءات: أن يأتي اللفظ بالإفراد وبالجمع، وكان من نماذج ذلك ما جاء في سورة يوسف ﵇: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (يوسف: ٧) فقرئت: ﴿آيَاتٌ﴾ بالجمع، وقرئت: "آية" بالإفراد. فبالنظر إلى معنى القراءتين يتضح وجه من وجوه الإعجاز، وهو أن قراءة الجمع ﴿آيَاتٌ﴾ تبين مدى العبرَ العظيمةَ التي وُجِدت في قصة يوسف ﵇ أما قراءة الإفراد فتبين أن قصة يوسف ﵇ قصة عظيمة الشأن بها عبرة، وبها آية عظيمة من آيات الله . فالتقت القراءتان على معنًى يبين عظمَ شأن قصة يوسف ﵇ في ذاتها، أو بما فيها من عبر متنوعة، ودل على ذلك تنوع صيغتي الجمع والإفراد: ﴿آيَاتٌ﴾ و"آية".
من النوادب أيضًا التي تأتي في مجال الصرف هذا النموذج في قوله تعالى حكايةً عن فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٧) ﴿سَنُقَتِّلُ﴾ بالتشديد، و"سنقتل" فالقراءتان متواترتان، وهذا
стр. 206
اختلاف في صيغة الفعل بين التشديد والتخفيف، وعلى كلتا القراءتين يأتي معنًى يتضح فيه نفسية هذا الطاغية، ومدى حِقده ومدى إرادته الانتقام من موسى ﵇ ومَن تبِعه من قومه: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، فـ ﴿سَنُقَتِّلُ﴾ تشعر بمدى الضغط النفسي الذي يصور حقدَ فرعون ورغبتَه الشديدة في الانتقام، و"سنقتل" أفادت عموم الإخبار بأنه سيفعل هذا الفعل ويقوم به، فاجتمعت القراءتان على إظهار معان ودَلالات تؤدي إلى بيان المغزى من القصة ومِن ذِكرها، وهو مدى طغيان الطاغين، ومحاولتهم التخلص من أهل الإيمان، والفراغ من شأنهم، سواء كان بالفعل أو بإبراز المبالغة في إحداث الفعل.
هذا كله من الجوانب التي تبين الجوانب اللغوية من الناحية النحوية والصرفية.
القراءات وأثرها في: التوجيه البلاغي، وتنوع الأساليب
نأتي بعد ذلك للقراءات وأثرها في التوجيه البلاغي:
وهذه مسألة عظيمة في تنوع القراءات القرآنية؛ لأنها تظهر جانبًا من أهم الجوانب في إعجاز القرآن، وهو الجانب البلاغي، فمعلوم أن بيان القرآن وبلاغة القرآن هي سِر الإعجاز الذي اهتم به المهتمون، وأُفردت له المصنفات كما ذكرنا في بداية حديثنا على الإعجاز.
من ذلك: أن تأتي القراءة بين ذكر التذكير والتأنيث، من الأشياء التي اهتم بها البلاغيون إظهار قيمة الكلمة في استخدامها بين التذكير والتأنيث، وأنها تؤدي معنًى للتذكير غير المعنى الذي يؤديه معنى التأنيث، وهذه دراسة بلاغية غير دراسة الصرفية. دراسة الصرف تهتم بالصيغة، ودراسة البلاغة تهتم بالأثر المعنوي للصيغة.
стр. 207
فهنا نأخذ نموذجًا لها قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (الإسراء: ٣٨) قرئ: ﴿سَيِّئُهُ﴾ وقرئ: "سيئةً"، "كل ذلك كان سيئةً عند ربك مكروهًا" فـ ﴿سَيِّئُهُ﴾ واضح أنه بصيغة التذكير، و"سيئة" بصيغة التأنيث، والقراءتان يؤديان إلى معنًى واضحٍ في هذه الآية، أن قراءة التنوين "سيئةً" تفيد أن قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ إحاطة بالمنهي عنه دون الحسن، يعني: كل ما نهى الله عنه مما ذكر في الآيات السابقة لهذه الآية الكريمة من سورة الإسراء، فهو سيئة، وهو مما لا يرضَى الله عنه. أما قراءة التذكير بالإضافة إلى الهاء: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ يُشار بها بذلك إلى جميع ما تقدم، وفيه السيئ وفيه الحسن، هذا الذي ذكره المولى في الآيات.
وكذلك عندنا وجه من وجوه البلاغة وهو تغاير حروف المعاني، أن يأتي حرف من حروف المعاني التي أفردنا لها كلامًا من الحديث السابق. ونكتفي بذكر نموذج واحد لهذه الظاهرة في قول الله : ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٨) قرئ ﴿أَوَأَمِنَ﴾ وقرئ: "أَوْ أمن"، فـ"أَوَ" بفتح الواو والهمزة، و"أَوْ" بإسكان الواو، "أَوْ أمن" بسكون الواو فيها وفتح الهمزة. فهنا يختلف المعنى أو يختلف التوجيه بين حرفي المعنى المستخدمين، فالهمزة جزءٌ من العاطف، لا استفهام على قراءة "أَوْ" بهذا تفيد الآية إنكار الأمن مِن أحد هذين الوجهين، أي: من إتيان العذاب ليلًا أو ضحًى، يقول المولى : ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٧، ٩٨) فقراءة "أَوْ" تدل على إنكار أَمْنهم من هذين الوجهين: البيات أو الضحى، أما قراءة: ﴿أَوَأَمِنَ﴾
стр. 208
على الاستفهام، فأفادت أن استواء هذه الضروب من العذاب، وأن الله منزل عليهم العذاب سواء كان بياتًا أو ضحًى، فلذلك هم لا يأمنون نزولَه من المولى عليهم، فكان يجب عليهم أن يطيعوا ربهم وأن يستجيبوا لدعوته إليهم بتوحديه وبالإيمان به.
ولذلك نماذج أخرى في القراءات القرآنية كنموذج مشابه في قول الله حكايةً عن فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: ٢٦) فقرئ: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ وقرئ: "وأن يظهر في الأرض الفساد" يعني: بالواو العاطفة، و"أَوْ" وهذا من تغاير حرف المعنى، وإن كان الحرفان ينتميين إلى حروف العطف، إلا أن هناك فرقًا بين "وا" وبين "أو" كما سبق أن بينا في حديثنا عن حروف المعاني.
ونختم ببيان القراءات وأثرها في تنوع الأساليب:
الأساليب التي يستخدمها العرب في كلامهم أساليبٌ تنتمي إلى أصلين، وهو أساليب الخبر والإنشاء. الأسلوب إما أسلوب خبري أو أسلوب إنشائي، وبمنتهى الإيجاز: الخبري هو ما يحتمل الصدق أو الكذب، والإنشائي ما لا يحتمل الصدق أو الكذب، ومن صوره: الاستفهام والنداء والأمر والدعاء، إلى غير ذلك من الأساليب.
فنأتي إلى بعض نماذج القراءات القرآنية التي تبين لنا التنوع في الأساليب تبعًا للقراءة، من ذلك: تغاير القراءات بين الخبر والاستفهام، أن الأسلوب خبري أم جاء على صورة الاستفهام؟ والاستفهام من صور الإنشاء، وكذلك: التنوع بين الخبر والنهي، والتنوع بين الخبر والأمر، وهذه كلها من الأساليب التي نعرفها،
стр. 209
ليست تنتمي إلى نوع واحد بل نوعين متغايرين، نوع ينتمي تحت الخبر، والآخر ينتمي تحت الإنشاء.
من نماذج القراءات التي توضح الفرقَ بين الخبر والإنشاء هذا النموذج من سورة الأعراف قول الله تعالى : ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (الأعراف: ١١٣) فقرئت: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ وقرئت: "أإنَّ لنا لأجرًا" فبالطبع قراءة: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ دون الهمزة، هذه على سبيل الخبر، وقراءة الهمز: "أإن لنا لأجرًا" جاءت على سبيل الاستفهام، ويختلف الخبر عن الاستفهام؛ أما الإعجاز فهو واضح؛ لأن قراءة ترك الهمزة لم تؤثر على بقاء معنى الاستفهام، ولكنها أثَّرت على صورتها ومعنى الإخبار وإن لم يقصد، فإن مجيء التعبير على صورة الخبر يوحي بظلال معناه، فهو يعكس ثقةَ السحرة في الغلبة، وبالتالي في الأجر، حتى كأنهم قرروا وحكموا بأنفسهم بالأجر على سبيل التوكيد، فأدت القراءة إلى معنى جميل يدل على غرور هؤلاء، وعلى ثقتهم بأنهم غالبون، وبأنهم قاهرون، وبأنهم يستطيعون تحدي موسى ﵇ وذلك واضح من حكايات الله عنهم في كتابه الكريم من قولهم لموسى ﵇: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (الأعراف: ١١٥). وكذلك ما قالوه لفرعون وقولهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ (الشعراء: ٤٤) إلى غير ذلك من ثقتهم في غلبة موسى، وفي انتصارهم عليه، ولكن الله بين لهم بالآية الواضحة أن موسى مرسل من ربه، وكانت العاقبة إيمانهم به ﵇ ودخولهم في دين الله .
فتنوعت القراءة بين: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ على الخبر، و"أإنَّا لنا لأجرًا" على الاستفهام.
стр. 210
نموذج آخر يشابه هذا النموذج وله معنى جميل في ذكر القصة، وهو قول إخوة يوسف ﵇ ليوسف ﵇ عندما قال لهم: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ (يوسف: ٩٠) فقرئت تواترًا: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ وقرئت: "إنَّك لأنت يوسف" بهمزة واحدة على سبيل الإخبار، وذلك يوضح أنهم عرَفوا أخاهم عندما قال ﵇ لهم وذكَّرهم بما فعلوه به وبأخيه، فقالوا له هذه العبارة: "إنك لأنت يوسف" وإن كانت على سبيل الاستفهام فهو استفهام على سبيل التقرير، فهم يريدون منه الإقرار على أنه يوسف ﵇ فلم تتعارض القراءتان، وإنما أكدتا المعنى المراد بأنهم عرفوا أخاهم، وعرفوا أنه هو مَن آذَوه، ومَن رموه في غيابات الجب عندما ذكرهم ﵇ بنفسه.
فهذا من النَّصَف القرآني الجميل الذي جاء عن تنوع القراءات بين الخبر والإنشاء، ومعلوم أن التنوع بين الخبر والإنشاء ربما يننتج عن الفهم فقط أو عن التفسير فقط دون تنوع القراءة، ولكن تنوع القراءة يسري هذا المعنى البلاغي.
مثال الناشئ عن عدم تنوع القراءة قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ (المائدة: ٢٣) هل هو على سبيل الدعاء فيكون ذلك إنشاءً؟ أم على سبيل الإخبار فيكون الأسلوب بذلك خبريًّا؟
وإلى غير ذلك من النماذج الكثيرة الواردة في كتاب الله ولكن تنوع القراءات يثري هذا المجال بصورة تتضح بمن يتذوق القراءة تذوقًا بلاغيًّا في هذا الأسلوب.
عندنا نموذج من تغير الأسلوب بين الخبر والأمر، منه قول الله : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ١١٢) ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ هذه صيغة خبر؛ لأنها جاءت بصورة الماضي، قرئت تواترًا: "قل ربي
стр. 211
احكم بالحق" بصيغة الأمر، فَمَن قرأ بصيغة الفعل الماضي جعل الفعل مسندًا إلى ضمير الرسول - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- المتقدم في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) فيكون ذلك إخبارًا من الله تعالى عما قاله الرسول ﷺ في دعائه، أما صيغة الأمر فهي على أنه أمر إلى النبي ﷺ بأن يقول: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين، وانصرني عليهم.
فإن كل قراءة لها دَلالة تدل عليها، فقراءة الجمهور: "قُل" تدل على أنه ﷺ أُمِرَ أن يقول ذلك، وقراءة حفص: ﴿قَالَ﴾ تدل على أنه ﷺ امتثل الأمر بالفعل، وبذلك تلتقي القراءتان، ويتآخى المعنيان، ويظهر وجه الإعجاز في تنوع القراءات القرآنية.
عندنا كذلك من تنوع الأساليب بلاغيًّا الذي نتج عن القراءات هذه الآية من سورة المائدة في قول الله : ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ١١٢) قرئت: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقرئت: "هل تَستطيع ربك" بتاء الخطاب، ونَصْب لفظ "رب" وهذه هي قراءة الكسائي، وقراءة الباقين أو قراءة الجمهور: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بياء الغائب ورفع "رب" على الفاعلية.
هاتان القراءتان توضح أن هناك علاقةً بينهما، فقراءة بضمير الغيبة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ طلب لمعاينة المائدة، وذلك ليزداد هؤلاء الحواريون بصيرةً، ويتمكن الإيمان بالله في قلوبهم، وقراءة الخطاب: "هل تستطيع ربك" تعظيم بشأن المولى جلت قدرته، وتنزهه عن العجز، حيث أسند الحواريون السؤال عن الاستطاعة إلى عيسى ﵇ يعني: أنهم لا يتحدثون على استطاعة
стр. 212
المولى، فهم يعلمون أنه مستطيعٌ ذلك، وإنما يتوجهون بالخطاب لعيسى ﵇ بأنه يسأل ربه إنزال هذه المائدة، وفي ذلك إشارة إلى تكريم عيسى وتعظيمه حيث استجاب الله لدعائه.
وبذلك تكون كل قراءة قد أفادت معنًى من المعاني.
هناك بعض الأساليب البلاغية التي وردت في القراءات، من أشهر هذه الأساليب ما يتعلق بظاهرة الالتفات، يعني: تنوع الضمير من الغيبة بالخطاب، أو من التكلم إلى الغيبة، وغير ذلك من ألوان الالتفات الستة المعروفة عند البلاغيين. فعندنا نماذج متنوعة في هذا اللون، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (النساء: ١٧٣) قرئت: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ وقرئت: "فنوفيهم". و"يوفيهم" بضمير الغيبة و"نوفيهم" بضمير المتكلم، فقراءة النون جاءت موافقةً للسياق التعبيري، فَقَبْلها قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (آل عمران: ٥٦).
وقراءة: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ جاءت على الالتفات من التكلم إلى الغيبة؛ ليخالف بين العقاب والثواب، ولم يكن العكس، فإن الله ذكر في الآية السابقة عذابه، وذكر في هذه الآية ثوابه لأهل الإيمان والعمل الصالح، فالحديث عن المؤمنين بـ"النون"؛ لأن السياقَ لما كان مشيرًا إلى شدة تخويف وتهديد الكفار عذابًا شديدًا في الدنيا والآخرة، فإنه ناسبَ أن يكون التنوع بين الخطاب بأهل الإيمان، وكِلَا المعنيين من المعاني أو من اللطائف التي تَظهر في تنوع أو في استخدام الالتفات في الضمير.
وكذلك في قول الله : ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: ٤٧، ٤٨) قرئ: "ونُعلمه الكتابَ والحكمةَ".
стр. 213
إلى غير ذلك من النماذج، ومجال القراءات -كما نعلم- من المجالات الواضحة التي تثري الدراسة البلاغية واللغوية، والأحكام التشريعيةَ، وذلك كله كان على سبيل التمثيل.
وبقي أن أشير لكم -أبنائي الطلاب- أن هذا هذه الدراسة مستفاد منها من دراسة الأستاذ الدكتور عبد الكريم إبراهيم صالح في كتابه (الإعجاز في تنوع وجوه القراءات) فليرجع إليه في مجاله قام بدراسة معتبرة، والتفاصيل موجودة في كتب توجيه القراءات وهي معلومة مشهورة.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 214
الدرس: ١٢ مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها .
стр. 215
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها)
غريب القرآن أو غرائب القرآن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
نتحدث عن مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها.
ما يسمى بغريب القرآن أو غرائب القرآن:
الغرابة في اللغة: هو قول الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال، هذا التعريف الذي ذكره التفتازاني في تعريف الغريب.
أما موضوعنا أو كلامنا عن الغريب في القرآن الكريم يتصل بهذا التعريف السابق من جهة، ويخالفه من جهة أخرى؛ لماذا؟ لأننا لو ذكرنا أن كلمة وحشي التي هي أصلًا مأخوذة من الوحش الذي يسكن القفار، فاستعير اللفظ لكل ما هو غير مأنوس، فهذا حاشا لله أن يكون متواجدًا في كتاب الله . فإن الوحشية المذكورة في هذا التعريف يقسم إلى قسمين؛ غريب حسن وغريب قبيح.
فالحسن: هو الذي لا يُعاب استعمالُه على العرب، وهذا منه غريب القرآن والحديث. أما القبيح الذي يجمع مع غرابة الاستعمال ثقلًا على السمع وكراهةً على الذوق، وهذا ليس في كلام الله ولا كلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
فهذه الغرابة المقصودة في اصطلاحهم بغريب القرآن ليس المراد بغرابتها أنها منكرة أو نافرة أو شاذة، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه، وإنما اللفظة الغريبة ها هنا هي
следующие страницы →