Полный текст (425 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
احكم بالحق" بصيغة الأمر، فَمَن قرأ بصيغة الفعل الماضي جعل الفعل مسندًا إلى ضمير الرسول - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- المتقدم في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) فيكون ذلك إخبارًا من الله تعالى عما قاله الرسول ﷺ في دعائه، أما صيغة الأمر فهي على أنه أمر إلى النبي ﷺ بأن يقول: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين، وانصرني عليهم.
فإن كل قراءة لها دَلالة تدل عليها، فقراءة الجمهور: "قُل" تدل على أنه ﷺ أُمِرَ أن يقول ذلك، وقراءة حفص: ﴿قَالَ﴾ تدل على أنه ﷺ امتثل الأمر بالفعل، وبذلك تلتقي القراءتان، ويتآخى المعنيان، ويظهر وجه الإعجاز في تنوع القراءات القرآنية.
عندنا كذلك من تنوع الأساليب بلاغيًّا الذي نتج عن القراءات هذه الآية من سورة المائدة في قول الله : ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ١١٢) قرئت: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقرئت: "هل تَستطيع ربك" بتاء الخطاب، ونَصْب لفظ "رب" وهذه هي قراءة الكسائي، وقراءة الباقين أو قراءة الجمهور: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بياء الغائب ورفع "رب" على الفاعلية.
هاتان القراءتان توضح أن هناك علاقةً بينهما، فقراءة بضمير الغيبة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ طلب لمعاينة المائدة، وذلك ليزداد هؤلاء الحواريون بصيرةً، ويتمكن الإيمان بالله في قلوبهم، وقراءة الخطاب: "هل تستطيع ربك" تعظيم بشأن المولى جلت قدرته، وتنزهه عن العجز، حيث أسند الحواريون السؤال عن الاستطاعة إلى عيسى ﵇ يعني: أنهم لا يتحدثون على استطاعة
стр. 212
المولى، فهم يعلمون أنه مستطيعٌ ذلك، وإنما يتوجهون بالخطاب لعيسى ﵇ بأنه يسأل ربه إنزال هذه المائدة، وفي ذلك إشارة إلى تكريم عيسى وتعظيمه حيث استجاب الله لدعائه.
وبذلك تكون كل قراءة قد أفادت معنًى من المعاني.
هناك بعض الأساليب البلاغية التي وردت في القراءات، من أشهر هذه الأساليب ما يتعلق بظاهرة الالتفات، يعني: تنوع الضمير من الغيبة بالخطاب، أو من التكلم إلى الغيبة، وغير ذلك من ألوان الالتفات الستة المعروفة عند البلاغيين. فعندنا نماذج متنوعة في هذا اللون، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (النساء: ١٧٣) قرئت: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ وقرئت: "فنوفيهم". و"يوفيهم" بضمير الغيبة و"نوفيهم" بضمير المتكلم، فقراءة النون جاءت موافقةً للسياق التعبيري، فَقَبْلها قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (آل عمران: ٥٦).
وقراءة: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ جاءت على الالتفات من التكلم إلى الغيبة؛ ليخالف بين العقاب والثواب، ولم يكن العكس، فإن الله ذكر في الآية السابقة عذابه، وذكر في هذه الآية ثوابه لأهل الإيمان والعمل الصالح، فالحديث عن المؤمنين بـ"النون"؛ لأن السياقَ لما كان مشيرًا إلى شدة تخويف وتهديد الكفار عذابًا شديدًا في الدنيا والآخرة، فإنه ناسبَ أن يكون التنوع بين الخطاب بأهل الإيمان، وكِلَا المعنيين من المعاني أو من اللطائف التي تَظهر في تنوع أو في استخدام الالتفات في الضمير.
وكذلك في قول الله : ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: ٤٧، ٤٨) قرئ: "ونُعلمه الكتابَ والحكمةَ".
стр. 213
إلى غير ذلك من النماذج، ومجال القراءات -كما نعلم- من المجالات الواضحة التي تثري الدراسة البلاغية واللغوية، والأحكام التشريعيةَ، وذلك كله كان على سبيل التمثيل.
وبقي أن أشير لكم -أبنائي الطلاب- أن هذا هذه الدراسة مستفاد منها من دراسة الأستاذ الدكتور عبد الكريم إبراهيم صالح في كتابه (الإعجاز في تنوع وجوه القراءات) فليرجع إليه في مجاله قام بدراسة معتبرة، والتفاصيل موجودة في كتب توجيه القراءات وهي معلومة مشهورة.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 214
الدرس: ١٢ مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها .
стр. 215
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها)
غريب القرآن أو غرائب القرآن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
نتحدث عن مفردات القرآن ووجه الإعجاز فيها.
ما يسمى بغريب القرآن أو غرائب القرآن:
الغرابة في اللغة: هو قول الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال، هذا التعريف الذي ذكره التفتازاني في تعريف الغريب.
أما موضوعنا أو كلامنا عن الغريب في القرآن الكريم يتصل بهذا التعريف السابق من جهة، ويخالفه من جهة أخرى؛ لماذا؟ لأننا لو ذكرنا أن كلمة وحشي التي هي أصلًا مأخوذة من الوحش الذي يسكن القفار، فاستعير اللفظ لكل ما هو غير مأنوس، فهذا حاشا لله أن يكون متواجدًا في كتاب الله . فإن الوحشية المذكورة في هذا التعريف يقسم إلى قسمين؛ غريب حسن وغريب قبيح.
فالحسن: هو الذي لا يُعاب استعمالُه على العرب، وهذا منه غريب القرآن والحديث. أما القبيح الذي يجمع مع غرابة الاستعمال ثقلًا على السمع وكراهةً على الذوق، وهذا ليس في كلام الله ولا كلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
فهذه الغرابة المقصودة في اصطلاحهم بغريب القرآن ليس المراد بغرابتها أنها منكرة أو نافرة أو شاذة، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه، وإنما اللفظة الغريبة ها هنا هي
стр. 216
التي تكون حسنة مستغربة في التأويل، بحيث لا يتساوَى في العلم بها أهلها وسائرُ الناس، أي: العرب الخلص هم الذين يعرفون هذه اللفظة، ويعرفون المراد منها، أما سائر الناس ممن هم دونهم في الفصاحة أو في العروبة ومعرفة كلام العرب، لا تتساوَى عندهم هذه اللفظة، وهذا الذي عدوه من الغريب اجتهد العلماء في جمعه وفي حصره مما أُطلق عليه غريب القرآن. وهذا أمر يرجع فيه إلى الكتب المختصة بعلوم القرآن كما في (الإتقان) للسيوطي، و (البرهان) للزركشي، وغير ذلك من الكتب التي تهتم بهذا المجال.
فمنشأ الغرابة فيما عدوه من الغريب ناتج عن اختلاف اللغات، بأن تكون هناك لغات متفرقة أو يكون الاستعمال على وجه من وجه الوضع اللغوي يُخرجه مخرج الغريب، كاستخدام الظلم والكفر والإيمان ونحوها مما نُقل عن مدلوله من لغة العرب إلى المعاني الإسلامية المحدثة، أو يكون سياق الألفاظ قد دل بالقرينة على معنى غير الذي يُفهم من ذات الألفاظ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٨) ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ هنا بمعنى بيناه، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاعمل به، فهذا مما ذكره الرافعي في بيان منشأ الغرابة فيما عدَّى أو عرف بأنه من غريب القرآن.
اجتهد العلماء في بيان أسباب هذه الغرابة أو ما أطلق عليه الغريب، وحَصَرها الأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة في بعض الأسباب؛ منها: تعنت مشركي قريش وتجاهلهم في فهم الواضحات؛ تلبيسًا على القرآن. يعني: أنهم يعلمون معنى الكلمة ولكنهم يسألون النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- مع هذا العلم لغرض التعنت والتجاهل، كقولهم: ما الرحمن؟ هم يعلمون لفظة الرحمن ومرادها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا
стр. 217
وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (الفرقان: ٦٠) هم يعلمون أن الرحمن مشتق من الرحمة، ويعلمون هذه الكلمة، ولكنهم سألوها تعنتًا للنبي ﷺ كما سأل فرعون موسى ﵇: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ٢٣) مع أنه هو القائل: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (النازعات: ٢٤) فهو يعرف كلمة الرب لكنه يتعنت في محاورته موسى ﵇.
الغرض الثاني -أو السبب الثاني- هو استهداف المشركين إظهار القرآن في مظهر المتهافت والعابس اللاهي، فيتطلقون ألفاظًا على سبيل التهكم والسخرية من الألفاظ القرآنية، وقصتهم مع الزقوم مشهورة، فإنهم يعلمون أن الزقوم هو التمر بالزبد، فيتهكمون على ذلك بالقرآن الكريم، أن النبي ﷺ يتوعدهم بالزقوم، فجاء أبو جهل -كما روي- وجمع صناديد قريش، وأمر الجارية فقال لها: زقمينا زقمينا!! فظلت تدور عليهم بالزبد والتمر، ويقول: هذا ما توعدكم به محمد! وسخريةً من خبر النبي ﷺ فبين الله أن الزقوم الذي ذُكِر في كتاب الله ليس هو الذي تسخرون به، أو تفهمونه من كلامكم هذا، وإنما هي: ﴿شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات: ٦٤، ٦٥).
حتى إنهم من مدى استهدافهم معاداة النبي ﷺ والمجادلة بالباطل، طرحوا سؤالهم الساذج أن النار تأكل الشجر، فكيف تنبت الشجرة في النار؟ فبين المولى أن ذلك الوعيد هو الذي سيعلمونه، وهو الذي سيرونه.
كذلك أيضًا ما ذكر من سخريتهم في عدد الملائكة عليها تسعة عشر، ومن قول قائلهم: أنا أكفيكم عشرة منهم، وعلى الباقين أن يكفوا تسعة ... إلى غير ذلك مما ذكر في السيرة.
стр. 218
يرجع أيضًا الغرابة إلى الفهم الخاطئ لألفاظ القرآن الكريم، وذلك قد يكون عن حسن قصد، وذلك كما حدث مع بعض أصحاب النبي ﷺ كذلك الذي أنه ظن من قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة: ١٨٧) فأتى بِعُقالين ووضعهما تحت وسادته، والآخر في رواية: من ربط رجليه بخيطين أبيض وأسود، وظل ينظر حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ذلك الثابت في الصحيح من الأحاديث، وعلق عليه النبي ﷺ بقوله: ((إن وسادك إذًا لعريض)) لأن أين هذا الوساد الذي يشمل المشرق والمغرب حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر؟
كذلك ما فهمته عائشة ﵂ من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (الانشقاق: ٨) فهمت أن هناك حسابًا واقعًا ولكنه حساب يسير، ففهمه النبي ﷺ أن الحساب هو العَرْض، وأنه لا يناقَش أحد الحساب إلا عُذِّب أو إلا هلك كما ذكر في الصحيح.
يرجع ذلك أيضًا إلى قضية العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمبهم والمبين، كل ذلك مذكور ومعروف في كلام الله هذا الذي عده البعض من الأشياء الغريبة في الاستعمال، والتي أحدثت لأصحاب الرسول ﷺ نوعًا من اللبس، أو عانَدَ بها مَن لم يؤمن برسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.
الخلاصة: أننا نقصد بالغريب ما قل دورانه على الألسنة، فلم يستعمله الخطباء ولا الشعراء استعمال غيره من الألفاظ، ولم يكن ما نسميه -الآن- غريبًا بغريب عند هؤلاء الذين تحداهم القرآن، فلم يكن استخدامه حينئذٍ معيبًا ولا مستكرهًا.
стр. 219
نماذج من هذه الألفاظ التي شغلت أصحاب النبي ﷺ والتي اهتم العلماء بجمعها، وعدوها من الألفاظ الغريبة في الاستعمال على الصحابة:
منها: القصة المشهورة حول كلمتي "قَضبًا وأَبًّا" في قوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (عبس: ٢٥ - ٣١) فالقضب هو القث، والأَب ما ترعاه الأنعام، ويقال: الأَب للبهائم كالفاكهة للناس، وقد جاءت الكلمتان فاصلتين محافظتين أقوى محافظة على النغم الموسيقي، كما أن الكلمة الثانية استُخدمت في معناها الدقيق.
وكذلك في قول الله : ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ (مريم: ٨٩) فكلمة: ﴿إِدًّا﴾ بمعنى الأمر العظيم، جاءت في سياقها لازمة لما انتهت إليها فواصل سورة مريم، وأدت المعنى المراد منها أتم بيان.
كذلك في قول الله : ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (البقرة: ٢٧٣) فجاءت كلمة: ﴿إِلْحَافًا﴾ مكان كلمة "إلحاحًا" لما بين من تكرار الحاءان في الكلمة من أثرٍ في الإعراب عنها، وليس ذلك بعزيز على الاستخدام القرآني الذي نزل؛ ليتحدَّى أبلغ البلغاء.
هناك بعض الألفاظ التي جاءت في القرآن وضَّحها المولى وذكر بيانها؛ لأنهم تساءلوا عن معناها، وهناك ألفاظ أخرى بين معناها من خلال السياق، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ (النساء: ٩١) وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الأنعام: ٢٥) وكقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ
стр. 220
عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (طه: ١٠٥ - ١٠٧) والأَمت: هو الارتفاع والهبوط، كذلك "ألتنا" بمعنى نقصنا أو أنقصنا: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الطور: ٢١).
فهذه الألفاظ ليست بالغريبة؛ لأن سياق الآيات يوضحها ويوضح معناها لهؤلاء الذين يعرفون لغة العرب، وكما قلت: هناك ألفاظ وضحها المولى ككلمة "سجيل"، وكلمة "علييون" فقال المولى : ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المطففين: ٧ - ٩) وكقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المطففين: ١٨ - ٢٠).
فهذا من وجوه البلاغة في الاستخدام، هذه الألفاظ التي لم تشع على الألسنة إلا قليلًا، إلا أنها وقعت في موقعها، هذا الموقع الحسن على الأذن، وجرت على اللسان مجرًى سهلًا، ثم وضعت في موضع لا يغني غيرها من الألفاظ عنها غناءَها، فناسبت الفواصل، وأدت المعنى على أكمل حال. وقد سبق أن بينت لكم ذلك الجمال في كلمة "ضيزى" بمعنى جائرة في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (النجم: ٢٢).
ظاهرة الألفاظ المعرضة
ننتقل الآن إلى الظاهرة الأخرى في مفردات القرآن وهي ظاهرة الألفاظ المعرضة.
ظاهرة الألفاظ المعرضة التي جاءت في القرآن الكريم، والبعض ذكر أنها ألفاظ غير عربية، والبعض تمسك بأنها ألفاظ عربية. هذه المسألة لا بد أن نوضحها.
أولًا: القول بأن القرآن يشتمل على ألفاظ أعجمية، هذه مسألة -كما يقال- مصيبة، يعني: أن ننسب لكتاب الله ألفاظًا أعجميةً، والله القائل: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٥) والمولى أنكر عليهم قولهم: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (فصلت: ٤٤) فهذا المعنى بالقول: بأن القرآن يشتمل على
стр. 221
ألفاظ أعجمية!! هذا المعنى يُرفض ولا يُقبل. هذه الألفاظ يقال: أنها في أصولها أعجمية، أما في استخدامها في القرآن فهي عربية، كيف؟ هذا ما ذكره أستاذنا الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة، عندما وضح هذه المسألة بقوله: أما ما يدعيه البعض من وجود ألفاظ أعجمية في القرآن، فليس في القرآن لفظ أعجمي لا يعرفه العربي، أو لم يستعمله، وكيف يصح خلاف ذلك والقرآن يكذبه عندما يبين أنه نزَل بلسان عربي، فوضح أن الخلاف بأنه مَن ينفي وجود الأعجمي في القرآن، إنما يقصد الذي لا تعرفه العرب ولا تستعمله، ومن قال بوجوده فهو يقصد الذي عرفه العرب واستعملوه، حتى لَانَ وانقاد للسانهم.
وهكذا يكون الخلاف بين الفريقين لفظيًّا؛ لأنه توارد على محلين مختلفين، وهذا هو الإنصاف في هذه المسألة، وهذا مشاهد عندنا في استخدامنا وفي كلامنا، فإن كثيرًا من الكلام الذي نستخدمه يرجِع إلى كلمات أجنبية معروفة بالنسبة لنا والناس يفهمونها، فإذا ما قلت لأحد: مليون أو ملايين أو دولار، أو هذه الألفاظ، هو يفهم تليفون وغير ذلك، يفهم هذه الكلمة، وليست تسبب له عَناء في استخدامها.
ومن رحابت اللغة العربية أنها تستخدم الكلمات وتستوعب اللغات، فتدخل فيها وتسير معربةً بهذا الاستخدام، فهي في الأصل ليست عربية وفي الاستخدام عربية؛ لأن العرب يعرفونها ويستخدمونها في كلامهم، وأكبر دليل على ذلك أن هذه الألفاظ جرت على لغتهم وطريقتهم في الضبط والنطق، فنُوِّنت تنوينَ كلام العربي وأخذت مواقعَ الرفع والنصب والخفض، وغير ذلك من تصاريف اللغة وكلامهم.
стр. 222
فلذلك نقول: إن القرآن استخدم ألفاظًا تكلمت بها العرب وأدخلتها في لغتها، وإن كانت في أصلها ليست من اللغة العربية، وقد ثقلتها العرب بألسنتها، وشذَّبتها، وربما تكون قد غيَّرت بعض حروفها، أو أسقطت بعضها، وإذا أدخلت العرب هذه الألفاظ استغنت بها غالبًا عن أن تضع ألفاظًا في معناها.
من هذه الكلمات المعربة التي استخدمها القرآن وهي قليلة في جملتها كي يعلم ذلك، كلمة "إبريق" في قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (الواقعة: ١٧، ١٨) وكلمة "استبرق" و"زنجبيلَا" و"سندس" و"سلسبيلَا" قال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (الإنسان: ١٧ - ٢١).
انظر -رحمك الله- إلى استخدام هذه الألفاظ وسط سياقها وتناسبها مع أخواتها، فهي من كلام العرب الذي يعرفونه تمامَ المعرفة. كذلك كلمة "كافور" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ (الإنسان: ٥) وكلمة "الفردوس" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (الكهف: ١٠٧) وكلمة "التنور" في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: ٤٠) وكذلك "دينار" في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (آل عمران: ٧٥).
стр. 223
و"دراهم" في قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (يوسف: ٢٠) و"سجيل" في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (الفيل:٣، ٤) وكلمة "سرادق" في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ (الكهف: ٢٩) و"القسطاس": ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (الإسراء: ٣٥) و"المجوس" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الحج: ١٧).
وقد أحصى السيوطي في كتابه (الإتقان) هذه الألفاظَ المعربةَ، وعدَّها، فليس استخدام هذه الألفاظ المعربة بمخرج القرآن عن أن يكون بلسان عربي مبين، فقد ارتضى العرب هذه الألفاظ واستخدموها في لغتهم، وارتضوها بين كلماتهم، وقد نزل القرآن بما ألِفَ العرب استعماله؛ ليدركوا معناه، فليس غريبًا أن يتخذ من تلك الأدوات المعربة أدواتٍ له، يؤدي بها أغراضه ومعانيه، بل هذه الألفاظ في مواضعها هي غاية البلاغة، وهي وقمة البلاغة في إثارها؛ لأنها تؤدي معانيها الدقيقة في عبارة موجزة، فإن العرب لم تضع لفظًا تدل به على معنى ما عربته، فلم تعد ثمة وسيلة للتعبير عنه سوى اختيار اللفظ المعرب، أو الإتيان بأكثر من كلمة لأداء معناها.
مثلًا كلمة "استبرق" إذا احتيج إلى بديل لها فيقال: الديباج الثخين، فلم يستخدم العرب هذا اللفظ في استخدامهم، وآثروا استخدام "استبرق" ولنا الطرف المشهورة في وقتنا الحالي، بأنك إذا أردتَ أن تذهب إلى محل ما وتطلب منه سندوتشًا وتقول له: أعطني شاطرًا ومشطورًا وبينهما طازج، فلك أن تتخيل ما الذي سيفعله معك صاحب هذا المطعم الذي تريد منه أن يعطيك شاطرًا ومشطورًا وبينهما طازج، ولم تقل له: أعطني سندوتشًا، وهذه الكلمة استخدمت استخدامًا سهلًا في كلامنا. وكذلك إذا أردت أن تقول عن الشوكولاتة شوكولات مثلًا، تقول له: أعطني طاموخًا محلًّا، فماذا سيقول لك البائع.
هذه قضية التعريب وقضية المعرب بإيجاز تعرضنا لها.
стр. 224
ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم
ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم بمعنى بسيط: إن هذه الوجوه والنظائر هي الألفاظ التي وردت فيه بمعان مختلفة، كلفظ "الهدى" مثلًا ورد في القرآن على سبعة عشرة وجهًا، بمعنى الثبات والدين والدعاء، وغير ذلك من ألفاظ الصلاة والرحمة والسوء والفتنة والروح، وغيرها، وكل ذلك مرتبط بالسياق، وكلها مما يتبسط في استعماله بوجوه من القرائن، وسياسة القرينة العربية شريعة من شرائع الألفاظ.
فأقول: اعلم أن معنى الوجوه والنظائر أن تكون الكلمة واحدة، ذكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد وحركة واحدة، وأريدَ بكل مكان معنًى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر، وتفسير كل كلمة بمعنًى غير معنى الأخرى، فهذا هو الوجوه. أي: أن الوجوه تتعلق بالمعاني، والنظائر تتعلق بالألفاظ، فهو لفظ واحد له معان متنوعة.
وأسباب هذه الظاهرة في الاستخدامات القرآنية ترجع لأشياء معلومة من لغات العرب؛ منها: اختلاف القبائل العربية في وضع الألفاظ بمعانيها، ومنها: أن اللفظ قد يوضع بمعنى ثم يستعمل في غيره مجازًا، ومنها: أن اللفظ يكون موضوعًا بمعنى مشترك بين المعنيين، والمثال المشهور في كلمة "القرء": ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: ٢٢٨) فهل القروء هي طُهر أم حيض؟ وهذا اللفظ من الألفاظ المشتركة، وقضية المشترك اللفظي معروفة بين الأصوليين.
стр. 225
ورابع هذه الأسباب: أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنًى في اللغة، ثم يوضع في الاصطلاح بمعنى آخر، ولذلك دائمًا عندما تبدأ أي علم يقال لك: لغةً واصطلاحًا، أي: استخدامه في أصل اللغة واستخدامه في الاصطلاح.
فإذن ظاهرة الوجوه والنظائر ناتجة عن تنوع المعاني حول اللفظ الواحد، وهذه الظاهرة من الظواهر التي ينبغي على المفسري أن يعلمها، وأن يعرفها تمامَ المعرفة قبل الخَوْض في كلام الله وتفسيره، وقبل أن يتصدى ببيان معاني القرآن، فعليه أن يهتم بهذا العلم الذي صُنفت فيه التصانيف، واهتم العلماء ببيانه، فمنذ العصور الأولى للتأليف في علوم القرآن وجاءنا كتاب بهذا العنوان (الوجوه والنظائر) للدماغاني وختامًا بالموسوعة العظيمة موسوعة الفيروزبادي (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) ذلك من الكتب التي اهتمت اهتمامًا بالغًا بمسألة الوجوه والنظائر.
وختامًا في هذه المسألة أعرض نماذجَ لكلمات استُخدمت في القرآن بأكثر من معنًى، مثلًا: كلمة "أُمة" استخدمت في القرآن على تسعة أوجه، أشهرها خمسة، أُمة بمعنى القوم، قال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (النحل: ٩٢) أي: أن يكون قوم أربَى أزيدَ من قوم. وبمعنى المِلة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (البقرة: ٢١٣) أي: ملة واحدة. وبمعنى المُدة: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ (هود: ٨) إلى مُدة معدودة. وبمعنى الإيمان: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ (النحل: ١٢٠) أي: إمامًا. وبمعنى الخلق من الجنسين يعني: من الجنس النوع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨).
стр. 226
وهذه كلمة "السبيل" تأتي في القرآن على أحد عشرة وجهًا، السبيل بمعنى الطريق: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ٩٨) السبيل بمعنى الطاعة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥) السبيل بمعنى البلاغ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧) أي: مبلغًا يتبلغ به إليه. السبيل بمعنى المخرج: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٥) السبيل بمعنى المسلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢) السبيل بمعنى الدِّين: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥) السبيل بمعنى الحُجة: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١) السبيل بمعنى العدوان: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الشورى: ٤٢) السبيل بمعنى الإثم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: ٧٥) وكقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (التوبة: ٩١) السبيل بمعنى الملة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
وكذلك لفظ "الأُمة" وغيره من الألفاظ.
стр. 227
قضية الترادف
ما يتعلق بقضية الترادف:
فأقول: هل هناك ترادف في القرآن؟ هل يجوز أن يكون هناك لفظ يؤدي معنًى لفظ آخر؟
هذه القضية اهتم العلماء ببيانها وبالحديث عنها، الصحيح الراجح أن الترادف يجوز في غير السياق، بمعنى: إنني إذا قلت لك: ما معنى السبيل؟ تقول: الطريق، هذا المعنى أو هذا الترادف في بيان المعنى عام خارج السياق، أما داخل السياق لا بد أن تعي معنى الكلمة، فإنها تؤدي معنًى لا يؤديه غيرها، لذلك اهتم العلماء اهتمامًا بالغًا بهذه القضية، حتى أفرد الزركشي في (البرهان) بابًا بعنوان: قاعدة هناك ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه، فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الآخر وأدى إلى القول بالقطع بعدم الترادف ما أمكن، فإن للتركيب معنًى غير معنى الإفراد، وهذا ما ذكرناه من أن أكثر الأصوليين على ذلك، أنه لا ترادف في التراكيب، وإنما خارج التراكيب يجوز أن يكون للكلمة مرادف يستخدم، أما في الاستخدام لا تستخدم إلا ما يؤدي المراد في سياقه.
وضرب أمثلةً بالفرق بين الخوف والخشية؛ فالخشية أعلى من الخوف، وهي أشد الخوف، ولذلك خصت الخشية بالله وكذلك الخشية تكون من عظم المغشي، أما الخوف يكون من ضعف الخائف، لذلك قال الله : ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (الرعد: ٢١) فإن الخوف من الله بعظمته يخشاه كل أحد كيف كانت حاله، أما سوء الحساب فقد لا يخاف منه مَن حاسَب نفسه ومَن عمل لمآله، وذلك من اللطائف أن الله لَمَّا عبر بالخوف عن الرب قال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ (النحل: ٥٠) كان الكلام على الملائكة وليس عن البشر، فإن الملائكة لما علم قوتهم وعلم عظم حالهم، بين المولى أنهم بالنسبة لجلال ربهم ضعفاء، فاستخدم الخوف: يخافون ربهم من خوفهم ويفعلون ما يؤمرون.
стр. 228
ذلك أيضًا الفرق بين القعود والجلوس؛ فالقعود لا يكون معه لبثة أي: مُكث، وقت، أما الجلوس لا يعتبر فيه ذلك، ولذلك نقول: قواعد البيت ولا نقول: جوالس البيت؛ لأن المقصود ما فيه ثبات، ولهذا قالوا: قعد يقعد بالضم، وجلس يجلس بالكسر، فاختاروا الثقيل؛ لما هو أثبت، ومن ثم نجد الاستخدام القرآني يبين هذا الفرق، فيقول المولى : ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المجادلة: ١١) فجاءت المجالس ولم تأتِ المقاعد؛ لأن الجلوس يكون زمانًا يسيرًا، أما مع القعود يكون الوقت والمكث الطويل، فلذلك لا يقال في الكلام: قعيد الملوك، وإنما يقال: جليس الملوك؛ لأن مجالسة الملوك تكون خفيفة، أو لا يكون فيها طول ولُبث، بعكس قولنا: القعيدة، بالنسبة للمرأة؛ لأنها تلبث في مكانها.
كذلك أيضًا من جمائل هذه التفرقة، الفرقة بين التمام والكمال، وقد اجتمع ذلك في قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) فذكر المولى : ﴿أَكْمَلْتُ﴾ وذكر: ﴿أَتْمَمْتُ﴾ فالعطف كما هو معلوم يقتضي المغايرة، فقيل: الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، ولهذا كانت هذه اللطيفة في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦) ولو نظرتَ هذه الآية تجد قوله : ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦) فربما يتوهم متوهم لماذا ذكر كاملة مع أنها معروفة من العدد ثلاثة وسبعة فهم عشرة؟ يقال له: إن المولى لم يقل: تلك عشرة تامة؛ لأن كلمة تامة فُهمت من العدد كما ذكرت ثلاثة وسبعة، فهم عشرة، أو فهي عشرة، فإن التمام في العدد قد علم، وإنما قد بقي الإشارة إلى كمالها وعدم نقصها، فبذلك استخدمت: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
стр. 229
وهناك فرق أيضًا بين الإتيان والإعطاء، معنى آتاه: أعطاه، إنما الاستخدام يفرق بين المعنيين، فالإتيان أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله، لذلك قال المولى : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر: ٨٧) ولم يقل: ولقد أعطيناك سبعًا من المثاني، ولذلك لعظم شأن القرآن، أما في الإعطاء فكان قوله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (الكوثر: ١) لأن النبي ﷺ وأمته يرِدون على الحوض ورودَ النازل على الماء، ويرتحلون إلى منازل العز والأنهار الجارية في الجنان، والحوض للنبي ﷺ وأمته عند عطش الأكباد قبل الوصول إلى المقام الكريم، فقال فيه : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ لأنه يترك ذلك عن كره، وينتقل إلى ما هو أعظم منه.
وانظر إلى التعبير القرآني في الفرق بين قوله عن أهل الجزية: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ (التوبة: ٢٩) ولم يقل: حتى يؤتوا الجزية عن يد، وعبر عن الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (التوبة: ٧١) ﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ (الأنبياء: ٧٣) فالزكاة لا بد للمؤمن بأن يكون محبًّا لها، وأن يُقْبِلَ عليها بقوة، أما إعطاء الجزية فهو عن كراهة، وهو عن شيء في نفوسهم من إخراجها، ولذلك حسَم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة، ونص عليها نصًّا صريحًا بأنه ليس هناك ترادف في القرآن -أي: في السياق القرآني- ليس هناك ما يسمى بالترادف.
يقول شيخ الإسلام: الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقل أن يعبر بلفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن، فإذا قال القائل: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ (الطور: ٩) إن المور هو الحركة يعني: تقريبًا، إذ المور حركة خفيفة سريعة، وكذلك إذا
стр. 230
قال: الوحي الإعلام، أو قيل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (النساء: ١٦٣) ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ (المائدة: ٤٨) أو قيل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ (الإسراء: ٤) أعلمناهم، وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق، فإن الوحي هو إعلام سريع خفي، والقضاء إليهم أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالًا إليهم وإيحاءً إليهم. ومن قال: لا ريب بمعنى لا شك، فهذا تقريب، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، كما قال ﷺ : ((دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك)). ولفظ الشك وإن قيل: إنه يستلزم هذا المعنى لكن لفظه لا يدل عليه.
هذا مما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، أن الترادف أو المعاني على سبيل التقريب ليس على سبيل التحقيق، فهناك فرق بين اللفظ وبين مرادفه، فيتبين من كلامه ﵀ أنه لا ترادفَ في القرآن الكريم، بل لكل لفظ خاصية، وإلى هذا يميل البحث، فإن الله لا يضع كلمةً في مكان يجوز أن يوضَع غيرُها فيه، فالكلمة لها نسقها وسط أخواتها.
حروف المعجم أو ما يتعلق بالحروف المقطعة
ما يتعلق بحروف المعجم أو ما يتعلق بالحروف المقطعة.
من مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم هو استخدام هذه الحروف المقطعة في فواتح السور، فهذه الحروف التي يستخدمها العرب في كلامهم، جاءت على مثال فريد لم يبتكر قَبْل كتاب الله ولم يستخدموه في أساليبهم وشعرهم ونثرهم وسجعهم، وما ذهبوا إليه من فنون الكلام، فجاء القرآن الكريم بهذه الطريقة المعجزة في الاستخدام؛ ليعرِّف العربَ ويتحداهم بهذه الحروف التي يتكون منها كلامهم.
стр. 231
يقول الباقلاني: إن ما ذُكِرَ في الحروف المقطعة في أوائل السور التي ذُكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، ولهذا كل سورة افتُتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه، وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع. فإنك إذا ما نظرتَ في هذه الحروف المقطعة تجد بعدها ما يتعلق بالقرآن الكريم: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١، ٢) ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم: ١) ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (ق: ١)، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (ص: ١) فما جاء بعد هذه الأحرف المقطعة يتعلق بالانتصار للقرآن وبيان إعجازه.
ومن ذلك أيضًا أن هذه الحروف المذكورة في أوائل السور هي نصف الحروف الهجائية التي تتركب منها الكلمات، وهذا الوجه يتضح مما اهتم العلماء ببيانه، فإن الحروف التي بُنِيَ عليها كلام العرب ثمانية وعشرون حرفًا، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورةً، وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهي أربعة عشر حرفًا، ويدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامَهم.
شيء جميل أن تتأمل ذلك، في أن هذه الحروف المقطعة لم تتجاوز أربعة عشرة حرفًا اهتم العلماء بجمعها، فجمعها بعضهم في قوله: "صنه سُحيرًا مَن قطعك". وجمعها بعضهم في قولهم: "نص حكيم قاطع له سِر". كأن هذه الأحرف المقطعة تحتوي أسرارًا من علم الله لذا نجد عادةً المفسرين لا يقفون على معنًى صريحٍ واضحٍ في دلالات هذه الفواتح، وإنما يتركون أو يفوِّضون علمها إلى المولى في كثير من المواقع، فهي مظهرٌ من مظاهر الإعجاز.
стр. 232
بدأ بعد ذلك العلماء يفسرون هذا التقسيم أن هذه الحروف مكونة من مخارج حروف العرب، وما أخذت من الحروف إلا أعلاها وإلا أذكاها، فأخذت من المجهور، وأخذت من المهموس، وأخذت من حروف الحَلْق، وأخذت من حروف الرخاوة والشدة، إلى غير ذلك، وفصلوا ذلك في تصنيفهم بأن هذه الحروف أُخذت من أنواع المخارج.
من اللطائف في فوائد هذا التقسيم ما ذكره الباقلاني أيضًا من قوله: إذا كان القوم الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية، وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي ﷺ رأوا مباني اللسان على هذه الجهة، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر على حد التنصيف الذي بيناه. أي: أن الله يشير بما ذكر لِمَا لَمْ يذكر من هذه الحروف التي يتكون منها كلام العرب.
والثانية أنهم لما تنبهوا على ما بُنِيَ عليه اللسان في أصله، ولم يكن لهم في التقسيم شيء، وإنما التأثير لِمَن وضعَ أصلَ اللسان، فلذلك أيضًا من البديع الذي يدل على أصل وضعه وقع موقعَ الحكمة التي يقتصر عنها اللسان، وكذلك أن هذه الحروف يمكن أن تُعاد فاتحةَ كلِّ سورة لفائدة تخصها في النظم إذا كانت حروفًا، كنحو: ﴿الم﴾ كأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلعًا، واللام متوسطة، والميم متطرفة؛ لأنها تؤخذ في الشفه، فنبه بذكرها على غيرها من الحروف، وبين أنه أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردد بين هذين الطرفين.
فذلك اهتمام العلماء ببيان أثر هذه الحروف كوجه من وجوه الإعجاز، وهذا ما صرح به شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا من قوله: أما حرف مجرد فلا يوجد لا في
стр. 233
القرآن ولا في غيره، ولا يُنطق بالحرف إلا في ضمن ما يأتلف من الأسماء والأفعال وحروف المعاني، أما الحروف التي ينطق بها مفردةً مثل: ﴿الم﴾ ونحو ذلك، فهذه في الحقيقة أسماء الحروف، وإنما سميت حروفًا باسم مسماها، كما يسمى "ضرَبَ" فعل ماض باعتبار مسماه.
ويذكر أيضًا ما ذكره الباقلاني من أن هذه الحروف هي أربعة عشرة حرفًا، وهي نصف أجناس الحروف؛ نصف المجهورة، والمهموس، والمستعلية، والمطبقة، والشديدة، والرخوة، وغير ذلك من أجناس الحروف، وهو أشرف النصفين. أي: أن المولى في هذه الفواتح اختار مِن كل صفة من هذه المخارج أشرفَها من الحروف؛ للاستخدام في الفواتح، والنصف الآخر لا يوجد في القرآن إلا في ظل الأسماء أو الأفعال أو حروف المعاني، التي ليست باسم ولا فعل، فلا يجوز أن نعتقد أن حروف المعجم بأسمائه جميعها موجودة في القرآن، لكن نفس حروف المعجم التي هي أبعاض الكلام موجودة في القرآن.
يعني: هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، يبين أن هناك فرقًا بين الحرف وبين مسماه، أما استخدام هذه الحروف الثمانية والعشرين هذا ورد في كتاب الله، بل إن شيخ الإسلام أشار إلى الآيتين اللتين جَمعت كل واحدة منها الحروف الثمانية والعشرين جميعها، وهي آية آل عمران قوله : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: ١٥٤).
стр. 234
هذه الآية الكريمة جمعت الحروف الثمانية والعشرين.
وكذا آخر آية في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: ٢٩).
فهاتان الآيتان جَمعت كل واحدة حروف الهجاء الثمانية والعشرين، وكان الإعجاز في استخدام الحروف المقطعة في أوائل السور كوجه من استخدام المفردات على صورة لم يعهدها العرب في استخدماتهم، فكان وجهًا من وجوه الإعجاز القرآني الكريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 235
الدرس: ١٣ قضية النظم .
стр. 236
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(قضية النظم)
التطور الدلالي لمصطلح "النظم" وكيف تطور هذا اللفظ ؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
قضية النظم أو مسألة النظم.
هذه المسألة سبق وأن تعرضنا لها في إيجاز على أنها وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم صرفه إليه بعض العلماء، وصرح بأن سر الإعجاز في القرآن هو نظمُه.
التطور الدلالي لهذا المصطلح، وكيف تتطور هذا اللفظ وهذا المصطلح البلاغي على يد شيخ البلاغيين وإمامِهم عبد القاهر الجُرجاني في القرن الخامس الهجري.
فقضية النظم كانت متداولة شائعة عند العلماء الذين تحدثوا عن إعجاز القرآن، وتناولوا هذا الجانب، وخاصةً بين علماء المعتزلة وعلماء الأشاعرة الذين تناولوا هذا الموضوع حول إعجاز القرآن الكريم. أما عبد القاهر الجرجاني قد صاغ هذه النظرية وجعلها نظريةً مستقلةً في كتابه (دلائل الإعجاز) وبيَّنها تمام البيان، وكان كتابه تطبيقًا عمليًّا لهذه النظرية.
ونستطيع أن نقول: إن هذا المصطلح الذي أُلف استعماله في كتب المتقدمين لم يتحول إلى مصطلح بلاغي أسلوبي ذي دلالة خاصة إلا على يد عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري، ومصطلح النظم عنده يعادل مصطلح الأسلوب، وهذا ما سنبينه إن شاء الله.
أما تعرض هذا المصطلح في تطوره فكان يُستخدم بالمعنى العام، وهو الإطار الذي خرج فيه القرآن الكريم وألفاظُ القرآن الكريم وما يتميز به نَظْم القرآن الكريم جملةً، ومما اهتم بهذا الموضوع وأسهبَ في بيانه في كتابه قبل عبد القاهر
стр. 237
القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن) القاضي أبو بكر الباقلاني نص على أن القرآن الكريم بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه، وأرجع ذلك إلى عشرة أسباب نذكرها بإيجاز:
أولها: ما يرجع إلى جملة القرآن الكريم، وهو أن نظمه على تصرف وجوهه وتباين مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلام العرب، ومباين للمألوف من ترتيب خطابه، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتادة، فهو ليس بشعر، ولا نثر، ولا سجع، ولا غيره مما ألفه العرب في كلامهم.
وثانيها: أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر.
وثالثها: أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذِكر قصص، ومواعظ، واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها كتاب الله .
أما رابعها: فهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتًا بينًا في الفصل والوصل، والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الظن والجمع. أما القرآن فعلى اختلاف فنونه ووجوه الكثيرة وطرقه المختلفة، فلا تباينَ فيه ولا تنافرَ في أي جزئية من جزيائته.
стр. 238
وأما خامسها: فهو أن نظم القرآن وقع موقعًا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن، كما يخرج عن عادة كلام الإنس، فهو متحد به للصنفين: الإنس والجن.
وأما سادسها: فهو أن الذي ينقسم عليه الخطاب من البَسْط والاقتصار والجمع والتفريق والاستعارة والتصريح والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم، موجودة في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم.
وأما سابعها: فهو أن المعاني التي تضمنها القرآن في أصل وضع الشريعة والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضًا في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويُمتنع.
وأما ثامنها: فهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته بأن تُذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويُرى وجه رونقها باديًا غامرًا سائرًا ما تقرن به، كالدرة التي تُرَى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.
وأما تاسعها: فهو أن الحروف التي بُني عليها كلام العرب ثمانية وعشرون حرفًا، وعدد الصور التي افتُتح بها ذكر الحروف ثمانية وعشرون سورةً. هذه المسألة التي تحدثنا عنها - في الدرس السابق- حول فواتح السور ومقاطع الحروف.
والنقطة العاشرة التي ختم بها هي أن القرآن سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة، وهو قريب إلى الأفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس.
هذه الوجوه التي تكلم عنها الباقلاني في بيان إعجاز القرآن في نظمه بصفة عامة.
واهتم الباقلاني كذلك في كتابه ببيان الشواهد التي تؤكد هذا الكلام، وبأن نظم القرآن خارج عن طاقة البشر، وعن أن أحدًا يستطيع أن ينظم على هذا المِنوال، وأسهب ﵀ في تأمل آيات القرآن سورةً سورةً، وآيةً آيةً، على أن
стр. 239
مَن يتأمل ذلك سيجد بَوْنًا شاسعًا وفرقًا كبيرًا بين نَظْم القرآن وبين غيره من الكلام.
واستشهد ﵀ بآيات عديدة كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام: ٩٦) فيقول: انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها واحتجَّ بها على ظهور قدرته ونفاذ أمره، أليس كل كلمة منها في نفسها غُرة وبمنفردها دُرة؟!!
واعتمد الباقلاني على أسلوب التشويق في العرض حتى أنه تعرَّض إلى بعض الصور والارتباط بين أجزائها ونظمها، وبين العبارات التي ذكرت في القرآن، ويعتمد دائمًا على عنصر الإثارة والتشويق، كقوله: متى تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان ﵇ بعد ذكر العنوان والتسمية: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (النمل: ٣٠) هذه الكلمة الشريفة العالية: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٣١).
وأسهب بعد ذلك في بيان الكلام، وكقوله: ما رأيك في تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؟ (القصص: ٤) وعرَضَ عرضًا جميلًا لسورة غافر، وما فيها من جمال وعَرْضٍ يأخذ بالقلوب والأسماع، ويجعل المرءَ يستشعر عظمة هذا الكلام المنزل من المولى فيقول: تأمل من الكلام المؤتلف قوله: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (غافر: ١ - ٣) فيقول: أنت قد تدربت الآن بحفظ أسماء الله تعالى وصفاته، فانظر متى وجدتَ في كلام
стр. 240
البشر وخُطبهم مثل هذا النظم في هذا القدر، وما يجمع ما تجمع هذه الآية من شريف المعاني، وحسن الفاتحة والخاتمة؟! ثم اتلوا ما بعدها من الآي، واعرف وجه الخلوص من شيء إلى شيء، من احتجاج إلى وعيد، ومن إعذار إلى إنذار، ومن فنون من الأمر شتى مختلفة تأتلف بشريف النظم، ومتباعدة تتقارب بعلي الضم.
ثم جاء إلى قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (غافر: ٥، ٦) يقول: انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ وهل تقع في الحسن موقعَ قوله: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ كلمة؟ وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة؟ وهل يسد مسده في الأصالة نكتة؟ لو وضع موضع ذلك "ليقتلوه" أو "ليرجموه" أو "لينفوه" أو "ليطردوه" أو "ليهلكوه" أو "ليذلوه" ونحو هذا، ما كان ذلك بديعًا ولا بارعًا ولا عجيبًا ولا بالغًا، فانقض موضع ذلك الكلمة، وتعلَّم به ما تذهب إليه من تخير الكلام، وانتقاء الألفاظ، والابتداء بالمعاني.
ويربط بين هذا ويقول: إن فطنت فانظر إلى ما قال من رد عجز الخطاب إلى صدره بقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ثم ذكر عقيبها العذاب في الآخرة، وأتلاها تِلو العذاب في الدنيا على الإحكام الذي رأيتَ.
إلى غير ذلك مما ذكره، بل إنه تعدَّى ذلك إلى أن القرآن حتى في آيات الأحكام، فهو غاية في النظم على صورة لا يستطيع أحدٌ أن ينظم مثلها، وضرب أمثلة بآيات ذكرت في الأحكام كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ
стр. 241
الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (المائدة: ٤). وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
وكذلك آيات الاحتجاج: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٢، ٢٣) وآيات التوحيد: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (غافر: ٦٥).
إلى غير ذلك من الآيات، حتى الآيات التي تشتمل على أسماء، وتكون العادة على أن لا يظهر فيها جانب الإبداع في النظم جاءت في القرآن على غير مثال في الكلام، فإذا ما نظرتَ إلى آية المحرمات: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) إلى آخر الآية، تجد فيها من البراعة ما يوقفك ويدهشك من براعةٍ في الترتيب وفي الذكر وبيان الأحكام، كل ذلك سِر عظيم ظاهرٌ في كتاب الله .
هكذا كان المفهوم السائد بين العلماء حول النظم إلى أن جاء الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) وصاغ نظريته المعروفة بـ"نظرية النظم".
стр. 242
معنى النظم عند عبد القاهر الجرجاني ﵀ -
يقول الجرجاني:
اعلم أن ليس النظم إلَّا أن تضع كلامك على الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرفَ مناهجه التي نُهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها.
هذا بإيجاز شديد معنى النظم. النظم: هو توخي معاني النحو.
بَيَّن الجرجاني هذه المسألة؛ لأن توخي معاني النحو بإيجاز وببساطة، هو ما يجعلك أن تعدل عن أسلوب إلى آخرَ مفضِّلًا عمن عدلتَ عنه، يعني: تختار، يقصد بذلك أنه لماذا اختار الشاعر أو الأديب أو الكاتب أسلوبًا معينًا من الأساليب النحوية، ولم يختَرْ الأسلوب الآخر المساوي له أو الذي يمكن أن يستختدمه، فمن توخَّ معاني النحو واختار ما يخرج نظمه على صورة بديعة.
هذا هو المقصود بالنظم عند عبد القاهر الجرجاني.
ووضَّح ذلك ﵀ بأمثلة يبين منها مرادَه، قال: وذلك أنَّا لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق، زيد ينطلق، ينطلق زيد، منطلق زيد، زيد منطلق، والمنطلق زيد، زيد هو المنطلق، زيد هو منطلق. ضرب أمثلةً متنوعة للعبارات ومقصده من ذلك أنك إذا أردت الإخبار -الخبر الذي هو مقابل الإنشاء- فإنك إما أن تأتي بجملة اسمية أو بجملة فعلية، وإذا ما أتيت بجملة فعلية فإنك تختار الفاعل إما أن يكون معرفًا أو منكرًا، وإذا ما أتيت بجملة اسمية فإما أن تخبر عنها بجملة فعلية، أو تخبر عنها باسم المفرد، وإذا ما أردت
стр. 243
بالإخبار بالمفرد، فإما أن تضع ضمير فصل أو لا تضع ضمير فصل، وإذا ما وضعت ضمير فصل، فَرْق بين أن يكون ما بعده معرفًا أو منكرًا.
ذلك مقصده من الأمثلة التي ضربها، فاختيارك لأسلوب معين في الإخبار، يفرِق من أسلوب أو من صياغة إلى أخرى.
وكذلك في الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرج أخرج، أي: التعبير بالمضارع، وإن خرجتَ خرجتُ، أي: التعبير بالماضي، بأن يكون فعلا الشرط والجزاء ماضيين، وقولك: إن تخرج فأنا خارج، بأن تقرن الجوابَ بالفاء، وبأن تقول: أنا خارج إن خرجتَ، أن تقدم وتؤخر في أسلوب الشرط، وأن تقول: أنا إنْ خرجتَ خارج، فذلك أيضًا فَرْق في الاستخدام النحوي.
يضرب مثالًا آخرَ فيقول: وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعًا، أي: التعبير بالحال المفردة، وجاءني يسرع، أي: مجيء الحال جملة فعلية، أو جاءني وهو مسرع أو وهو يسرع، فمجيء الحال جملة اسمية خبرها مفرد أو جملة فعلية، وجاءني قد أسرع، لاقتران الحال بـ"قد" وجاءني وقد أسرع، وقوع "قد" مع التعبير بالماضي في مجيء الحال.
فيعرف لكل من ذلك موضعه ويجيء به حيث ينبغي له.
وكذلك ينظر في الحروف التي تشترك في معنًى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى فيضع كلًّا من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء بـ"ما" في نفي الحال، و"لا" إذا أراد نفي الاستقبال، و"إنْ" فيما يترجح في أن يكون أو لا يكون التي تفيد الشك كما تعلمون، وبـ"إذا" فيما علم أنه كائن، وينظر في الجمل التي تُسرد فيعرف موضع الفصل من موضع الوصل، ثم يعرف فيما حقه الوصل
стр. 244
موضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع ثم، وموضع أو من موضع أم، وموضع لكن من موضع بل، ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، وفي الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيصيب بكل من ذلك مكانةً، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له.
وهكذا الجرجاني يوضح القضيةَ بأسرها، أنها هذا النظم وهذه الفصاحة وهذه البلاغة التي تفرق بين كاتب وآخر، وشاعر وغيره، وبين ناظم وسواه، هي التصرف في الوجوه النحوية كما ذكر، ومما ذكرت لك يتبين لك أنه شمل جميع أوجه البلاغة والفصاحة.
هذا هو معنى النظم الذي أشار إليه الجرجاني.
مادة النظم هي العلاقة بين اللفظ والمعنى
ما مادة النظم؟
النظم عند عبد القاهر الجرجاني -وكما بينه العلماء الثقات- أنه يعادل لفظَ الأسلوب الذي يخرج به الكلام، وهذا الكلام يدور بين شيئين أساسيين؛ لفظ ومعنى، معنى داخلك تريد أن تعبر عنه، ولفظ تعبر به عن المعنى الذي تريده، فهي قضية العلاقة بين اللفظ والمعنى.
بإيجاز: العلاقة بين مادة النظم أي: العلاقة بين اللفظ والمعنى، وهذه قضية -كما يقول أهل العلم- قديمة جديدة، فهي تتجدد بتجدد الأيام، وهي مسألة شغلت العلماء وتناولها تفصيلًا وتكلموا فيها كثيرًا قضية اللفظ والمعنى، وعبد القاهر
стр. 245
الجرجاني أسهب في كتابه في بيان هذه القضية على مدار الكتاب؛ لأن مسألة تتعلق بنظريته في الإعجاز، أن إعجاز القرآن راجع إلى نظمه.
مجمل هذه القضية بإيجاز: أن للعلماء فيها ثلاثةَ أقوال:
- القول الأول: أن اللفظ أعلى من المعنى، وأعظم قيمةً، وأعز مطلبًا، وكان الجاحظ أول مَن نادَى به في نقد الأدب العربي، وذكر بيتين استشهد بهما على أهمية المعنى، وأن المعنى لا بد أن يكون شريفًا، وأن يتناول معنًى أخلاقيًّا، وما إلى ذلك، من استحسان أبي عمر الشيباني لهذين البيتين:
لا تحسبن الموت موت البِلى ... وإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذا ... أشد من ذاك على كل حال
فعقَّب الجاحظ بقوله: وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصِحة الطبع، وكثرة الماء، وجودة السبك، وإنما الشعر صناعة، وضربٌ من التصوير. فهذا الفريق الذي يذهب صراحةً إلى أن اللفظ أعلى من المعنى في قضية النظم.
وكذلك أبو هلال العسكري فليس الشأن في إيراد المعاني؛ لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي، والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، وليس يُطلَب من المعنى إلا أن يكون صوابًا، ولا يقنع من اللفظ بذلك، ولهذا تأنق الكاتب في الرسالة، والخطيب في الخُطبة، والشاعر في القصيدة، يبالغون في تجويدها، ويغلون في ترتيبها؛ ليدلوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم، ولو كان الأمر في المعاني لطرحوا أكثرَ ذلك، فربحوا كدًّا كثيرًا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبًا طويلًا.
стр. 246
هذا هو فريق يذهب إلى أن اللفظ أعلى من المعنى.
وفريق آخر يذهب إلى العكس، فيقول: المعنى أفضل من اللفظ، ويؤيد هذا الفريق الآمدي الذي يقول عمَّن سماهم أهل النَّصَفة من أصحاب البحتري، يقول: مِن أن اهتمام أبي تمام بمعانيه أكثر باهتمامه بتقويم ألفاظه، على شدة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة، وأنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي. ويعقب الآمدي على هذا بقوله: هذا أعدل ما سمعتُ من القول فيه، وإذا كان هذا هو هكذا فقد سلموا له الشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون سواها فُضِّلَ امرؤ القيس؛ لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة، فوقَ ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والإسلام.
فهذا فريق يرى أن المعاني هي أعلى قدرًا من الألفاظ.
أما الفريق الثالث الذي ناقش قضيةَ اللفظ والمعنى، فذهب إلى أن تلك الثنائية حرف في بحر، أي: لا داع لها بأن يفرق لها بين اللفظ والمعنى، فكلاهما مدار الصورة الأدبية، فهذا الفريق سوَّى بين اللفظ والمعنى في القيمة وفي التقدير، فالصورة الأدبية كالكائن الحي، فكما لا يصح فَصْل الجسم عن الروح، فكذلك لا يصح فصل اللفظ عن المعنى، فكلاهما مكمل للآخر. يقول ابن طباطبا: والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روحَ فيه كما قال بعض الحكماء: للكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه.
فكان ذلك هو الاختلاف بين العلماء في قضية اللفظ والمعنى، والعلاقة بينهما إلى أن جاء عبد القاهر الجرجاني، فوجد -كما يقول الدكتور لاشين- البحوث
стр. 247
ممهدة، ولكل فريق حجته الناهضة، ورأيه السديد، فلم يكن رأيه صريحًا في الاتجاه إلى واحد منهم، فقد أثر عنه في كتابيه (إشارة إلى أسرار البلاغة)، و (دلائل الإعجاز) كلامٌ يؤكد أفضلية المعنى، وآخرُ يؤيد أفضلية اللفظ، وتارةً يكون الكلام مغشَّى بالغموض والإبهام بين تأييد اللفظ والمعنى، مما يصعب على الفاحص والدارس أن يستخلص حقيقة رأيه، أو يهتدي إلى صريح مذهبه.
هذا وإن كان يراه أستاذنا الدكتور عبد الفتاح لاشين، إلا أن أستاذنا الدكتور شفيق السيد يرى رأيًا آخرَ في هذه القضية مما يتعلق بعبد القاهر الجرجاني، وهو أن مَن فهِمَ من كلام عبد القاهر في بعض نصوصه أنه يؤيد اللفظ، لم ينظر جيدًا إلى مراد عبد القاهر باللفظ.
فالحاصل الذي ينتهَى إليه أن عبد القاهر الجرجاني موقفه محسوم قاطع واضح، لا رِيبةَ فيه، فالرجل نص على أن اللفظ بمعزل عن السياق لا قيمة له، وأن اللفظ غاية ما يقال فيه إذا ما كان منفردًا: هو أنه مألوف، أو مستوحش، غريب أو سائر، مستخدم، ولا قيمةَ له خارج النص. أما تعبيره باللفظ في بعض المواضع فيتضح في سياق الكلام أنه يريد به الصورة التي خرج بها الكلام، ويشير في معنى آخر وفي نصوص أخرى في كتابه إلى أن اللفظ هو المعنى المراد الذي يقال، فتعبيره باللفظ لا يراد به الكلمة المفردة؛ لأن الرجل نص نصًّا صريحًا بأن الكلمة في مفردها لا قيمةَ لها دون النظم الذي خرجتْ فيه.
هذه القضية التي شغلت الباحثين حول كلام الجرجاني في مسألة العلاقة بين اللفظ والمعنى، أسهب في بيانها أستاذنا شفيع السيد في كتابه (النظم وبناء الأسلوب في البلاغة العربية) فليرجَع إليه.
стр. 248
مزايا النظم وفساده
وننتقل الآن إلى نقطة في غاية الأهمية تتعلق بمزايا النظم وفساده.
ابتداءً ينص عبد القاهر الجرجاني ﵀ على أن مزايا النظم ترجع إلى اختيار المعاني، يقول عبد القاهر الجرجاني: فَصْلٌ: في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني والأغراض التي تؤم. يعني: أن عبد القاهر نص نصًّا صريحًا أن فساد النظم أو القول بحسنه وارتقائه مرتبطٌ بالمعاني التي تؤم، والأغراض التي بعبر عنها. هذا ابتداء.
وقام عبد القاهر ﵀ بسرد شواهد على فساد النظم، وبذكر أشياء يعرَف بها مزايا النظم، فذلك يدفعنا إلى أن نتساءل أولًا قبل الحديث على المزايا والفساد: هل القضية في النظم هي قضية النحو؟ بمعنى: هل النظم هو معرفة قواعد اللغة العربية؟ سؤال آخر: هل يتطلب النظم معرفة سابقة بقواعد النحو؟
الواقع أن عبد القاهر الجرجاني لا يقصد بكلامه هذا أن النظم هو أن تكون عالمًا أو عارفًا باللغة العربية، فذلك ما وضَّحه عبد القاهر بأنه شُبهة، وأراد أن يرد عليها وأن يبينها في كتابه، ونص عليها نصًّا صريحًا، فيقول في (دلائل الإعجاز): واعلم أنَّا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه، فنستند إلى اللغة، ولكن أوجبناها للعلم بمواضعها، وما ينبغي أن يُصنَع فيها، فليس الفضل للعلم بأن الواو للجمع، والفاء للتعقيب بغير تراخٍ، وثم له بشرط التراخي، وإن لكذا، وإذا لكذا، ولكن لأن يتأتَّى لك إذا نظمت شعرًا وألفت رسالةً، أن تحسن التخير، وأن تعرف لكل من ذلك موضعًا.
ويقول أيضًا: وأمر آخر إذا تأمله الإنسان أنف من حكاية هذا القول، فضلًا عن اعتقاده -يعني: فضلًا عن أن يعتقد أن قضية النظم هي معرفة النحو-
стр. 249
يقول: هو أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع فيها، لكان ينبغي ألا تجب إلا بمثل الفرق بين الفاء وثم وإن وإذا، وما أشبه ذلك، مما يعبر عنه وضع لغوي، فكانت لا تجب في الفصل، وتَرْك العطف، وبالحذف، والتكرار، والتقديم والتأخير، وسائر ما هو هيئة يحدِثها لك التأليف، ويقتضيها الغرض الذي تؤم، والمعنى الذي تقصد، وكان ينبغي أن لا تجد المزية بما يبتدئ الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ بالشيء لم يُستَعَرْ له، وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد تُعارِفت في كلام العرب، وكفَى بذلك جهلًا.
فهذا نص صريح من الجرجاني على أنه لا يقصد بكلامه أن تكون عارفًا فقط بقواعد اللغة العربية، وبالفروق التي نص عليها علماء النحو، ولكن القضية في توظيف هذه الأشياء في كلامك.
وأما السؤال الآخر: وهو هل يتطلب النظم معرفة سابقة بقواعد النحو؟
هذا أيضًا يُجاب عنه ببساطة: بأن شعراء الجاهلية -مثلًا- صاغوا شعرهم ولم يكن عندهم المصطلحات النحوية التي ذكرها علماء اللغة وعلماء النحو، وهذا مثال جليل واضح من فعل الأعرابي عندما سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، بنصب لفظ "رسول" صنَعَ ماذا؟ أي: أنه بحاسة اللغوية أدرك أن النظم على هذا النحو لا يستقيم؛ لأن الكلام لم يفِد، دون أن يعرف التعليل الاصطلاحي الذي يقوله النحويون في هذا الشأن، وهو أن رسولَ بالنصب تكون عطف بيان أو بدلًا من محمد، والبيان والبدل هما المبين والمبدل منه، وذلك يعني أن المعنى لم يكتمل، فأما في حالة رفع كلمة رسول فإنها تكون خبر أنَّ، ويتم المعنى. الأعرابي لا يعرف ذلك التعليل، ولكنه علمه بحاسته. وكذلك من صاغوا
стр. 250
شعرهم قبل أن تقعد قواعد اللغة، وتكون عِلمًا يعرف بهذه الصورة، صاغوا أشعارهم وأُخِذت عنهم اللغة، وكان ذلك دون معرفة بالمصطلحات النحوية.
فإذًا القضية التي يجب أن ننبه عليها بأن مقصدنا بالمزايا والفساد في الاستخدام النحوي، هو التخير، وهو تفضيل معنًى نحوي عن آخر في استخدامه لا مجرد العلم بقواعد اللغة، فإنه مِن البديهي أنه لن يخرج لنا أحد تراثًا أدبيًّا وهو لا يعرف لغة العرب، ويعتد بكلامه، فنأخذ عنه لغته، ذلك أمر معروف أنه مَن أراد أن يكتب شعرًا أو نثرًا أو إلى ذلك، لا بد أن يتخطى أولًا مرحلة تعلم اللغة العربية.
بيان هذه المزايا التي أشار إليها الجرجاني في النظم، وضربَ نماذجَ لها:
يبين عبد القاهر أن فساد النظم له شواهد اتفق الجميع على بيانها؛ بسبب الخلل في قواعد اللغة في التقديم والتأخير، والذكر والحذف، إلى غير ذلك، وضرب أمثلةً بأنهم لم يخالفوا على نقد قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملَّكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
وقول المتنبي:
الطيب أنت إذا أصابك طيبُه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وقوله أيضًا:
وفاؤكما كالرَّبع أشجاهُ طاسِمُه ... بأن تُسعِدا والدَّمعُ أشفاه ساجمُه
فنظائر ذلك مما وصفوه بالفساد، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كان من تعاطي الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير صواب، وصنع من تقديم وتأخير أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا
следующие страницы →