Полный текст (425 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
هذا هو فريق يذهب إلى أن اللفظ أعلى من المعنى.
وفريق آخر يذهب إلى العكس، فيقول: المعنى أفضل من اللفظ، ويؤيد هذا الفريق الآمدي الذي يقول عمَّن سماهم أهل النَّصَفة من أصحاب البحتري، يقول: مِن أن اهتمام أبي تمام بمعانيه أكثر باهتمامه بتقويم ألفاظه، على شدة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة، وأنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي. ويعقب الآمدي على هذا بقوله: هذا أعدل ما سمعتُ من القول فيه، وإذا كان هذا هو هكذا فقد سلموا له الشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون سواها فُضِّلَ امرؤ القيس؛ لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة، فوقَ ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والإسلام.
فهذا فريق يرى أن المعاني هي أعلى قدرًا من الألفاظ.
أما الفريق الثالث الذي ناقش قضيةَ اللفظ والمعنى، فذهب إلى أن تلك الثنائية حرف في بحر، أي: لا داع لها بأن يفرق لها بين اللفظ والمعنى، فكلاهما مدار الصورة الأدبية، فهذا الفريق سوَّى بين اللفظ والمعنى في القيمة وفي التقدير، فالصورة الأدبية كالكائن الحي، فكما لا يصح فَصْل الجسم عن الروح، فكذلك لا يصح فصل اللفظ عن المعنى، فكلاهما مكمل للآخر. يقول ابن طباطبا: والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روحَ فيه كما قال بعض الحكماء: للكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه.
فكان ذلك هو الاختلاف بين العلماء في قضية اللفظ والمعنى، والعلاقة بينهما إلى أن جاء عبد القاهر الجرجاني، فوجد -كما يقول الدكتور لاشين- البحوث
стр. 247
ممهدة، ولكل فريق حجته الناهضة، ورأيه السديد، فلم يكن رأيه صريحًا في الاتجاه إلى واحد منهم، فقد أثر عنه في كتابيه (إشارة إلى أسرار البلاغة)، و (دلائل الإعجاز) كلامٌ يؤكد أفضلية المعنى، وآخرُ يؤيد أفضلية اللفظ، وتارةً يكون الكلام مغشَّى بالغموض والإبهام بين تأييد اللفظ والمعنى، مما يصعب على الفاحص والدارس أن يستخلص حقيقة رأيه، أو يهتدي إلى صريح مذهبه.
هذا وإن كان يراه أستاذنا الدكتور عبد الفتاح لاشين، إلا أن أستاذنا الدكتور شفيق السيد يرى رأيًا آخرَ في هذه القضية مما يتعلق بعبد القاهر الجرجاني، وهو أن مَن فهِمَ من كلام عبد القاهر في بعض نصوصه أنه يؤيد اللفظ، لم ينظر جيدًا إلى مراد عبد القاهر باللفظ.
فالحاصل الذي ينتهَى إليه أن عبد القاهر الجرجاني موقفه محسوم قاطع واضح، لا رِيبةَ فيه، فالرجل نص على أن اللفظ بمعزل عن السياق لا قيمة له، وأن اللفظ غاية ما يقال فيه إذا ما كان منفردًا: هو أنه مألوف، أو مستوحش، غريب أو سائر، مستخدم، ولا قيمةَ له خارج النص. أما تعبيره باللفظ في بعض المواضع فيتضح في سياق الكلام أنه يريد به الصورة التي خرج بها الكلام، ويشير في معنى آخر وفي نصوص أخرى في كتابه إلى أن اللفظ هو المعنى المراد الذي يقال، فتعبيره باللفظ لا يراد به الكلمة المفردة؛ لأن الرجل نص نصًّا صريحًا بأن الكلمة في مفردها لا قيمةَ لها دون النظم الذي خرجتْ فيه.
هذه القضية التي شغلت الباحثين حول كلام الجرجاني في مسألة العلاقة بين اللفظ والمعنى، أسهب في بيانها أستاذنا شفيع السيد في كتابه (النظم وبناء الأسلوب في البلاغة العربية) فليرجَع إليه.
стр. 248
مزايا النظم وفساده
وننتقل الآن إلى نقطة في غاية الأهمية تتعلق بمزايا النظم وفساده.
ابتداءً ينص عبد القاهر الجرجاني ﵀ على أن مزايا النظم ترجع إلى اختيار المعاني، يقول عبد القاهر الجرجاني: فَصْلٌ: في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني والأغراض التي تؤم. يعني: أن عبد القاهر نص نصًّا صريحًا أن فساد النظم أو القول بحسنه وارتقائه مرتبطٌ بالمعاني التي تؤم، والأغراض التي بعبر عنها. هذا ابتداء.
وقام عبد القاهر ﵀ بسرد شواهد على فساد النظم، وبذكر أشياء يعرَف بها مزايا النظم، فذلك يدفعنا إلى أن نتساءل أولًا قبل الحديث على المزايا والفساد: هل القضية في النظم هي قضية النحو؟ بمعنى: هل النظم هو معرفة قواعد اللغة العربية؟ سؤال آخر: هل يتطلب النظم معرفة سابقة بقواعد النحو؟
الواقع أن عبد القاهر الجرجاني لا يقصد بكلامه هذا أن النظم هو أن تكون عالمًا أو عارفًا باللغة العربية، فذلك ما وضَّحه عبد القاهر بأنه شُبهة، وأراد أن يرد عليها وأن يبينها في كتابه، ونص عليها نصًّا صريحًا، فيقول في (دلائل الإعجاز): واعلم أنَّا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه، فنستند إلى اللغة، ولكن أوجبناها للعلم بمواضعها، وما ينبغي أن يُصنَع فيها، فليس الفضل للعلم بأن الواو للجمع، والفاء للتعقيب بغير تراخٍ، وثم له بشرط التراخي، وإن لكذا، وإذا لكذا، ولكن لأن يتأتَّى لك إذا نظمت شعرًا وألفت رسالةً، أن تحسن التخير، وأن تعرف لكل من ذلك موضعًا.
ويقول أيضًا: وأمر آخر إذا تأمله الإنسان أنف من حكاية هذا القول، فضلًا عن اعتقاده -يعني: فضلًا عن أن يعتقد أن قضية النظم هي معرفة النحو-
стр. 249
يقول: هو أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع فيها، لكان ينبغي ألا تجب إلا بمثل الفرق بين الفاء وثم وإن وإذا، وما أشبه ذلك، مما يعبر عنه وضع لغوي، فكانت لا تجب في الفصل، وتَرْك العطف، وبالحذف، والتكرار، والتقديم والتأخير، وسائر ما هو هيئة يحدِثها لك التأليف، ويقتضيها الغرض الذي تؤم، والمعنى الذي تقصد، وكان ينبغي أن لا تجد المزية بما يبتدئ الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ بالشيء لم يُستَعَرْ له، وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد تُعارِفت في كلام العرب، وكفَى بذلك جهلًا.
فهذا نص صريح من الجرجاني على أنه لا يقصد بكلامه أن تكون عارفًا فقط بقواعد اللغة العربية، وبالفروق التي نص عليها علماء النحو، ولكن القضية في توظيف هذه الأشياء في كلامك.
وأما السؤال الآخر: وهو هل يتطلب النظم معرفة سابقة بقواعد النحو؟
هذا أيضًا يُجاب عنه ببساطة: بأن شعراء الجاهلية -مثلًا- صاغوا شعرهم ولم يكن عندهم المصطلحات النحوية التي ذكرها علماء اللغة وعلماء النحو، وهذا مثال جليل واضح من فعل الأعرابي عندما سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، بنصب لفظ "رسول" صنَعَ ماذا؟ أي: أنه بحاسة اللغوية أدرك أن النظم على هذا النحو لا يستقيم؛ لأن الكلام لم يفِد، دون أن يعرف التعليل الاصطلاحي الذي يقوله النحويون في هذا الشأن، وهو أن رسولَ بالنصب تكون عطف بيان أو بدلًا من محمد، والبيان والبدل هما المبين والمبدل منه، وذلك يعني أن المعنى لم يكتمل، فأما في حالة رفع كلمة رسول فإنها تكون خبر أنَّ، ويتم المعنى. الأعرابي لا يعرف ذلك التعليل، ولكنه علمه بحاسته. وكذلك من صاغوا
стр. 250
شعرهم قبل أن تقعد قواعد اللغة، وتكون عِلمًا يعرف بهذه الصورة، صاغوا أشعارهم وأُخِذت عنهم اللغة، وكان ذلك دون معرفة بالمصطلحات النحوية.
فإذًا القضية التي يجب أن ننبه عليها بأن مقصدنا بالمزايا والفساد في الاستخدام النحوي، هو التخير، وهو تفضيل معنًى نحوي عن آخر في استخدامه لا مجرد العلم بقواعد اللغة، فإنه مِن البديهي أنه لن يخرج لنا أحد تراثًا أدبيًّا وهو لا يعرف لغة العرب، ويعتد بكلامه، فنأخذ عنه لغته، ذلك أمر معروف أنه مَن أراد أن يكتب شعرًا أو نثرًا أو إلى ذلك، لا بد أن يتخطى أولًا مرحلة تعلم اللغة العربية.
بيان هذه المزايا التي أشار إليها الجرجاني في النظم، وضربَ نماذجَ لها:
يبين عبد القاهر أن فساد النظم له شواهد اتفق الجميع على بيانها؛ بسبب الخلل في قواعد اللغة في التقديم والتأخير، والذكر والحذف، إلى غير ذلك، وضرب أمثلةً بأنهم لم يخالفوا على نقد قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملَّكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
وقول المتنبي:
الطيب أنت إذا أصابك طيبُه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وقوله أيضًا:
وفاؤكما كالرَّبع أشجاهُ طاسِمُه ... بأن تُسعِدا والدَّمعُ أشفاه ساجمُه
فنظائر ذلك مما وصفوه بالفساد، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كان من تعاطي الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير صواب، وصنع من تقديم وتأخير أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا
стр. 251
يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم. وإذا ثبت ذلك، فإن سبب فساد النظم واختلاله ألا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها.
بيان نماذج رائعة عددها الجرجاني على مزايا النظم، وكلها في كتاب الله :
من النماذج التي تعرَّض لها الجرجاني ببيان روعة النظم، نضرب مثالًا بالتقديم والتأخير، وآخرَ للتنكير، لأن المسائل الأخرى سنتحدث عنها تفصيلًا، وكل في موضعه.
من مثال التقديم والتأخير عرض بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ (الأنعام: ١٠٠) فيقول هنا بتقديم المفعول الثاني وتأخير المفعول الأول في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ على أن: ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعول أول للفعل جَعَلَ، وشبه الجملة هو المفعول الثاني لهذا الفعل. فيبين الجرجاني في هذه الآية الكريمة كيف كان للتقديم والتأخير أثرٌ عظيم، غير أن يقال: وجعلوا الجن شركاءَ لله، فإنه لو قُدِّم: ﴿الْجِنَّ﴾ على المفعول الأول، لربما توهم متوهم أن الإنكار على جعل: ﴿الْجِنَّ﴾ شركاءَ دون غيرهم، فإذا ما كان غيرهم جاز أن يكون هناك شريك -حاشا لله، والعياذ بالله من فهم مثل هذا المعنى- فأفاد التقديمُ والتأخيرُ صرف هذا المعنى كليةً، فإن الإنكار على جعلهم لله شركاء، سواء كان الجن أو غيرهم، فالجن منفصلة عن المفعولين.
ويؤكد أو يؤيد ما ذهب إليه الجرجاني في بيان هذه الآية أنه قرئ في الشواذ "الجنُّ" بالرفع، أي: هم الجن.
هذا مثال ضربه الجرجاني، وعندك في (دلائل الإعجاز) آيات عديدة بين فيها الجرجاني قضية النظم.
стр. 252
ومثال التنكير ذكره في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩) فما أروعَ التنكيرَ في استخدام كلمة ﴿حَيَاةٌ﴾ ولم يقل "الحياة" فإنها لا تشمل الجميع، وإنما تشمل من تعلق بأمر القصاص بأنه يخرج من الحذر الذي يظهر في سياق الآية.
وكذلك هناك نماذج كثيرة ضربها الجرجاني في النظم لاختيار لفظ دون الآخر، كاختيار الموصول في قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ (يوسف: ٢٣) وبدلًا مِن: "وروادته امرأة العزيز" أو: "وراودته امرأة الذي اشتراه من مصر" أو غير ذلك. وإنما عبر هنا بالذي: ﴿هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ تعبير بالموصول وصلته له فائدة لا يعطيها التعبير بالاسم الصريح.
إلى غير ذلك من النماذج التي اهتم العلماء ببيانها والكلام عنها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 253
الدرس: ١٤ قضية الذكر والحذف .
стр. 254
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(قضية الذِّكْر والحذف)
المسند إليه، ودواعي وأغراض ذكره
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
قضية الذكر والحذف، وهما ظاهرتان من ظواهر اللغة العربية، وظاهرتان من الظواهر التي اهتم العلماء ببيانها في مسألة النظم -التي سبق وأن تحدثنا عنها-.
قضية الذكر والحذف قضية بلاغية نحوية، اهتم بها علماء البلاغة واهتم بها علماء النحو، فهي قضية لغوية هامة. الحذف على سبيل المثال أعده سيبويه ضربًا من ضروب الاتساع في اللغة، وعده ابن جني بابًا من شجاعة العربية كما أطلق عليه. وكذلك اهتم أهل البلاغة بهاتين الظاهرتين، فتحدث عنهما الجرجاني وكذا طبَّقَ الزمخشري في كتابه (الكشاف) على هاتين الظاهرتين تطبيقًا عمليًّا، وكذلك المتأخرون من النحاة والبلاغيين كابن هشام والسكاكي، أسهبوا في بيان هذه الظواهر التي نتناولها ونتحدث عنها.
ومما يجدر أن ننبه عليه ابتداءً أن حَصْرَ أغراض الذكر أو الحذف ضربٌ من المستحيل؛ لماذا؟ لأن هذه الأغراض تتجدد بتجدد الخطاب، فغاية ما ننتهي إليه في درسنا هو ذكر أغراض تَنَبَّه لها مَن تنبه من أهل العلم، فذكروها في مصنفاتهم، وبعضها يؤخَذ في الاعتبار وبعضها يمكننا أن نرد عليه، فمعلوم ألا عصمة إلا لكتاب الله .
وكذلك أنبهك على أن الأغراض التي ذُكرت بعضها يعد ضربًا من التنظير والإعمال الذهني؛ لأنه لم يجد له العلماء مثالًا إلا أمثلةً مصطنعةً ذكروها -كما سأبين لك- وهي بعيدة عن روح النص وطبيعة الخطاب اللغوي الذي يتحدث به العرب في نظمهم؛ نثرًا كان أو شعرًا، فغاية ما ذكروه أمثلة مصطنعة كما ذكرت.
стр. 255
أيضًا أنبهك أن الأصل هو الذكر، ولا يعدل عن الذكر إلى الحذف إلا بقرينة، وأحيانًا يتعين الحذف.
كذلك أنبهك إلى أن هذا الدرس يدور حول ركيزتين أساسيتين؛ هما ركنا الإسناد والمتعلقات، وركنا الإسناد هما المسند والمسند إليه، ولكي أبسط هذه المعلومة أذكرك أو أعرفك -أو كما أنت تعرف- أن المسند هو الفعل أو الخبر، الفعل في الجملة الفعلية والخبر في الجملة الاسمية، والمسند إليه هو المبتدأ في الجملة الاسمية، والفاعل في الجملة الفعلية. أما المتعلقات فهو ما يُطلق عليه مكملات الجمل من مفعول، أو حال، أو أنواع المفاعيل على اختلاف ضروبها، أو تمييز أو صفة أو مضاف إليه، إلى غير ذلك مما ليس ركنًا من أركان الجملة.
وأيضًا أنبهك إلى أن هذا الدرس ينفرد فيه نَوْعٌ من أنواع المتعلقات باهتمام البلاغيين دون غيره، وهو المفعول به، فأفردوا أبوابًا؛ لبيان حذف المفعول به وما يتعلق به من أغراض، وهذا ما سننبه عليه أيضًا ونفرده على عادتهم. ومصدر ذلك ما فعله الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) عندما اهتم ببيان المفعول به، وصار على نهجه مَن صنَّفَ في هذا العلم.
بيان مسألة الذكر.
الذكر: هو ذِكْرُ المسند إليه أو ذكر المسند، أو ذكر المتعلق -كما ذكرت- فنبدأ ببيان اهتمامهم بهذه المسألة، وحديثهم عن الدواعي التي تؤدي إلى ضرورة ذكر المسند إليه، والمسند إليه -كما تعلم- هو المبتدأُ والفاعلُ.
ابتداءً الأصل هو ذكر المسند إليه، ولا يُعدل عنه إلى الحذف إلا لغرض بلاغي يرجحه على الذكر، ولذلك يقولون: إن الحذف يكون ممكنًا كالذكر، ولكن الذكر يرجحه لأغراض. يعني: يكون مرجحًا على الحذف لأغراض.
стр. 256
فأول هذه الأغراض التي ذكروها هي الاحتياط بضعف التعويل على القرينة. بمعنى: أن هناك قرينةً تدل على المسند إليه لو حذف، ولكن هذه القرينة إما أن تكون خفية وإما أن تكون مشتبهًا فيها، فالأولى أن يذكر المسند إليه في حديثك، ثم تمضي فترة حتى يطول عهد السامع به، فيذكر ثانيًا؛ لاحتمال غفلة السامع عنه بطول عهده به، أما الثاني فهو أن يذكر المسند إليه في حديث، ثم يحول مجرى الحديث في شأن غيره، فيذكر ثانيًا؛ لئلا يشتبه السامع في المحدث عنه أهو الأول أم الثاني؟ فقد ضعف التأويل على القرينة في الموضعين، فلذلك لا بد لك من أن تذكر المسند إليه.
مثال الأول: كأن تقول: شوقي نعم الشاعر، فتذكر المبتدأ -الذي هو شوقي- إذا سبق ذكر شوقي في حديث وطال به عهد السامع، أو ذُكر معه حديث في شأن غيره واشتبه الأمر على السامع.
هذا أول ما ذكروه من ضرورة ذكر المسند إليه.
كذلك ذكروا غرضًا ثانيًا وهو التنبيه على غباوة السامع، بمعنى: أن الذي تخاطبه لا يفهم إلا بالتصريح، فلذلك أنت تذكر المسند إليه كأن ترى امرأً غافلًا عن سماع القرآن، أو لاهيًا عنه، فتقول له: القرآن شفاء القلوب، تنبهه بذلك على أن ينتبه وأن يستمع، وأن القرآن فيه فائدة، فذكرته. ومن لطيف ذلك ما ذكر في كتاب الله في نبأ فرعون مع موسى ﵇ فعندما خاطبه فرعون، وقال: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ (طه: ٤٩) قال له
стр. 257
موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: ٥٠) فعندما سأله في الثانية: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى* قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ (طه: ٥١، ٥٢) فنراه ﵇ ذكر في الأولى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: ذكر المسند إليه، وأما في الثانية حَذَفَ المسند إليه، فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ لم يقل: القرون الأولى علمها عند ربي في كتاب؛ لأن هذه المسألة ربما تُجهل على فرعون، فأراد المبادرة ببيانها.
أما الأولى فهو سؤال أحمق من رجل متكبر عاتٍ يقول: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ فذكر موسى ﵇ المولى المسند إليه فقال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ذكره؛ تنبيهًا له على أن هذا السؤال ينبغي أن لا يسأل؛ لأن الرب هو خالق جميع المخلوقات التي أنت منها أيها المتكبر العاتي.
كذلك من الأغراض التي ذكروها في ذكر المسند إليه هي زيادة الإيضاح والتقرير، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: ٥) فقد جاءت هذه الآية بيانًا لمنزلة المتقين عند الله عقب وصف خصالهم الحميدة التي تميزوا بها في الآيتين السابقتين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ٣، ٤) فكان تكرير اسم الإشارة: ﴿أُولَئِكَ﴾ الواقع مسندًا إليه لتقرير هذه المنزلة، وإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم.
من الأغراض أيضًا التي ذكروها لذكر المسند إليه هو تقرير الخبر والفعل في صورة بينة واضحة، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ
стр. 258
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الرعد: ٥) فتجد المسند إليه يتكرر مع كل حكم، وكان من الممكن أن يرد الكلام على طريق الحذف، ولكنه قصد إلى تقرير هذه الأخبار وإذاعتها عنهم، فهم كفروا بربهم، وهم الذين وُضِعت الأغلال في أعناقهم، وهم أصحاب النار، وكأن هذه الإعادة جعلت كل جملة كأنها مستقلة بنوع من العقوبة الصارمة، وهي ضروب من العذاب يستقل بعضها عن بعض، وفي ذلك نهاية الغضب والوعيد.
كذلك قد يُذكر المسند إليه؛ تفاديًا من ذكر الضمير الذي يربط الجملة بالكلام السابق؛ لأن القصد إلى استقلالها لتصير كأنها مثلٌ، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (الحج: ٦١، ٦٢) انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ تجد المسند إليه قد ذُكر مع أنه يمكن إقامة الضمير مقامه للغرض الذي قلناه، وهذا الأسلوب يكثر في فواصل الآيات كما يكثر في الجمل المستأنفة، سواء كان استئنافًا بلاغيًّا أم استئنافًا نحويًّا.
ومن الأغراض التي أشار إليها البلاغيون أيضًا في ذكر المسند إليه إرادة بَسْط الكلام وإطالته حتى يكون إصغاء السامع مطلوبًا للمتكلم لخطر مقامه. هذا من الأمثلة التي نبها عليها اللغويون وذكروها، واستشهدوا لها بقصة موسى ﵇ مع المولى في هذا الحوار الذي دار بينهما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ (طه: ١٧) فقال موسى ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٨) كان يمكنه ﵇ أن يقول: عصا أو عصاي، بدون ذكر الضمير؛ لأنه مفهوم من
стр. 259
السؤال، إلا أن موسى أراد بسط الحديث؛ حبًّا في إطالة الكلام في حضرة الذات العلية، وأي مقام أدعى إلى بسط الكلام فيه كهذا المقام!! ولهذا لم يكتفِ موسى ﵇ بذكر المسند إليه، بل أعقب ذلك بذكر أوصاف لم يُسأل عنها، فقال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
وبعض الباحثين نظر في هذا الكلام، وزاد عليه لطيفة أخرى، فقال: نرى أن ثمة دلالة أخرى من وراء ذكر المسند إليه في الآية، ولعلها تكون أهمَّ وأولى بالالتفات إليها؛ لائتلافها مع السياق، فالسياق يدل على سيطرة الرهبة والخوف على موسى ﵇ من مواجهة سحرة فرعون البارعين في فنهم، فأراد الله أن يطمئنه، وأن ينزع الخوف من قلبه، وأن يثبته على اليقين ببرهان مادي، فسأله سؤالًا مباشرًا عن ماهية ما بيده، فأجاب مؤكدًا طبيعتها: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ ثم أضاف وظائفَ لها من شأنها أن تزيد هذه الطبيعة جلاءً، فلما أمره بإلقائه تحولت في طرفة عين إلى حية تسعى، فكان ذلك أظهرَ دليلٍ على بطلان القانون السائد؛ إذ أحالها إلى مخلوق حي من جنس مختلف كل الاختلاف عن ماهيتها الأولى.
وتلك آية الألوهية ومعجزة النبوة، فليهدأ بالًا، وليثق في تأييد الله له، ووقوفه إلى جانبه، ولذلك حين راعه هذا التحول المذهل في العصا، جاء الخطاب الإلهي: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (طه: ٢١).
هذه الأغراض التي ذكرت في ذكر المسند إليه، وأهمها بيانًا مع ورودها في القرآن، قلنا: زيادة الإيضاح والتقرير، وكذلك بسط الكلام وإطالته، والتعريض بغباوة السامع، وهناك أغراض أخرى ذكرت كقولهم: إظهار تعظيم المخاطب وتفخيمه، أو إظهار التحقير والتهوين من الشأن، أو التبرك والتيمن بذكر المسند إليه، أو التلذذ به، وكذلك التعجب منه، وكذلك التسجيل على السامع بين يدي القاضي؛ حتى لا يكون أمامه سبيل إلى الإنكار.
стр. 260
وهذه الأغراض -كما قلنا- يمثلون لها بأمثلة وبجُمل من الكلام، وأشياء يحتجون بها بذكر المسند إليه، وأعجبها -كما أشار أستاذنا الدكتور شفيع- قولهم التسجيل على السامع بين يدي القاضي؛ حتى لا يكون أمامه سبيل إلى الإنكار، ومثَّلوا بذلك بأن يقول للقاضي مثلًا عند التسجيل عليه كتابةً: إنما فهم الشاهد أنك أشرتَ إلى غيره، فأجاب بما أجاب به، يعني: هذه مسألة غريبة، يعني: يقول الشاهد: نعم، فلان هذا أقرَّ أمامي بكذا، من الأشياء التي ذكروها، ومن الأشياء التي عدت في ذكر المسند إليه.
المسند، ودواعي وأغراض ذكره
النقطة الثانية في دواعي الذكر هي ذكر المسند، المسند أي: الفعل أو الخبر.
معلوم أن الأصل هو الذكر، فإذا ما ذكر كان ذلك هو الأصل في الكلام، فذكروا من الأغراض التي ذكروها في ذلك أيضًا الاحتياط لضعف التعويل على القرينة، أي: أن في الكلام قرينةً تدل على المحذوف لو حذف، إلا أنه ليس لها من القوة والإيضاح ما يلهم السامع المعنى، وذلك كقولك لمن سألك: مَن أكرم العرب وأشجعهم في الجاهلية؟ تقول في جوابك: عنترة أشجع العرب، وحاتم أجودهم، فتذكر أشجع وأجودَ؛ خشيةَ أن يلتبس على السامع إذا قلت: عنترة وحاتم، من غير أن تعين صفة كل واحد منهما، فلا يدرى أيهما الأشجع والأجود.
ومن الأمثلة التي ذكروها قولهم: عقل في التراب وحظ في السحاب، ومن العجيب أنهم ذكروا هذا المثال مع أنه نحوي لا يستقيم ذكرُه، فإن في التراب وفي السحاب، لا يصح فيهما أن يكون مسند؛ لأنها تدخل في المتعلقات؛ لأن كلمة
стр. 261
عقل وحظ نكرة، والنكرة إذا ما وقع بعدها الجار والمجرور كان صفة لها، وليس خبرًا، وإلا سار المبتدأ هنا لا مسوغ للابتداء به مع كونه نكرةً.
كذلك أيضًا ذكروا من الأغراض بذكر المسند: التعريض بغباوة السامع، واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇ عندما سئل: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء: ٦٢) فقال ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (الأنبياء: ٦٣) كان يمكنه في الجواب أن يقول: بل كبيرهم هذا، لكن المسند الفعل ذكره ﵇ ليبين لهم أنهم أغبياء، حيث يظنون أن هذه الآلهة تستطيع أن تفعل شيئًا، وكذلك يظهر من خطابه ﵇ أنه يسخر منهم، ويتهكم على أصنامهم، وكأنه يقول لهم: إن مقتضى عبادتكم لهؤلاء الأصنام أن تكون فيها حياة، ولها قدرة وإرادة تمارس بها سائر شئون الحياة، وإذا سلمتم بذلك فلا مجالَ بإنكار أن يقوم كبيرهم بتحطيم الآخرين، فإن كانت مجرد حجارة صماء لا حياة فيها فَلِمَ تعبدونها؟!!
وكذلك ذكروا من أهم الأغراض لذكر المسند: زيادة تقرير المعنى وتوضيحه، واستدلوا بذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: ٩) فإن المسند لو حُذِفَ لدل عليه السؤال، وقد جاء محذوفًا في آيات أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (العنكبوت: ٦١) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان: ٢٥) إلا أن المقصد من ذكره في آية الزخرف زيادة تقرير خلق الله السماوات والأرض، وكذلك قوله تعالى في أواخر سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي
стр. 262
أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس: ٧٨، ٧٩) فذكر المسند في قوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾.
وفي السؤال ما يدل عليه -كما ترى- والمقصود من الذكر أن يتقرر أن الله أحياها، وفيه إشارة أخرى هي أنه لا يُسأل عن الإحياء بعد الموت، أعني: عن إمكانه، وإنما أنه لا يسأل عن إحياءٍ بعد الموت، وأن الذي يسأل عن هذا لا يعول في خطابه على ذكاء وهو بادر أو ظاهر عليه أنه لا يفقه كثيرًا ما يسأل عنه وما يقوله.
وفي ختام حديثنا عن أغراض ذكر المسند إليه والمسند أنبه إلى شيئين، وهو ما ذكرته أولًا إلى أن هذه اجتهادات من أهل العلم يستدلون لها بأمثلة من كتاب الله هذه الاجتهادات قد يضيف بعضهم إليها أغراضًا أخرى، كاجتهاد منه لرؤية ذلك، أو قد يكون ناقلًا عنه في هذا المجال، لذلك نجد الأغراض تتفاوت في الذكر كما حدث مع أستاذنا الدكتور بدوي، فذكر ﵀ مِن أغراض ذكر المسند إليه تأكيد وقوع المسند إذا كان ذكر اسمه مما يطمئن السامع إليه، واستدل بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٩٥).
فقال: أَوَلَا ترى في ذكر اسم الله بعد الوعد ضمانًا لتنفيذه كما يذكر أيضًا للتصوير الباعث على الرهبة كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا *
стр. 263
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١، ٢) فذكر الأرض إلى جانب إخراج الأثقال يصور هذا الجرم الهائل وقد انشق عن فجوات تقذف بما ضمت الأرض من أثقال، وهي المكان المستقر الثابت الذي نجد على سطحه الاستقرار، يصورها مائلةً مضطربةً تحت أقدامنا، فأي فزع يلم بنا عند هذا التصور، وذَكر أيضًا غرضًا ثالثًا وهو الذكر لتأكيد نعمة أدَّاها، فيكون هذا الذكر مثيرًا للشكر كما في قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (الأحزاب: ٢٥) وقال: ألا ترى هذه النعمة الكبرى نعمةَ حقن دماء المسلمين جديرة بذكر المنعم؛ ليشكر؟
وذكر أيضًا في ذكر المسند تثبيت معنى الجملة في النفس، وقد يثير حذفه ما قد يدل عليه معنًى لا يراد، واستدل بذلك بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: ٤١) ففي تكرير: ﴿لَهُمْ﴾ ما يشعر بكمال قوة الجزائين، ويؤكد على أن العذاب العظيم قد أعد لهم في الآخرة.
وهذه النقطة الأولى.
والنقطة الثانية أن بعض الباحثين أنكر على هذه الأمثلة المصنوعة التي ذُكرت في أغراض ذكر المسند إليه، وأنكر كذلك على طريقة الاستشهاد لبعضها بشواهد شعرية، هذه الشواهد تدخل في باب التكرار أكثر ما تدخل في باب الذكر؛ لأنها تشمل كِلَا الاثنين: المسند والمسند إليه، مع تكرار ذكرهما، وهذه مسألة نبَّه إليها بعض الباحثين.
стр. 264
مسألة الحذف، ومزاياه، وأنواعه
ننتقل إلى نقطة ثانية، وهي -كما يقال- لُب هذا الموضوع، وهي التي يكون فيها الحديث طويلًا؛ لأنها هي سِر البلاغة؛ لأنها خلاف الأصل وهي مسألة الحذف:
مسألةُ الحذفِ من المسائل التي توقف عندها العلماء، وبينوا أسرارها وجمالَها، واهتموا ببيانها، وما يدور حولها؛ لأنها -كما ذكرت لكم- من شجاعة العربية؛ ولأنها هي مجال التفاوت بين شاعر وغيره في نَظْمه وبين صاحب نص أدبي وغيره.
ولذلك هذا الباب صدَّر له الجرجاني بعبارة تدل على أهميته قائلًا: هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد بالإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تُبن.
فبين بذلك أنك إذا وقفتَ أمام الحذف تبين لك هذا السر الجميل في في الحذف، فتقف على موطن الجمال في النص الذي تقرأه؛ وأيضًا لأن الحذف عمومًا ضرب من الإيجاز، وكما قيل: البلاغة الإيجاز.
وهنا يجدر بنا في بداية حديثنا عن الحذف أن نذكر المزايا التي يحدثها الحذف في النص.
أَرْجَعَ الدكتور أبو موسى -حفظه الله- صور الحذف لمزايا ثلاث:
стр. 265
الأولى: هي الاختصار أو الإيجاز حتى لا يرِدَ علينا اعتراض ابن السبكي؛ لأن الاختصار هو الحذف، فكيف يكون مزية له.
والثانية: هي صيانة الجملة من الثقل والترهل اللذين يحدثان من ذكر ما تدل عليه القرينة.
والثالثة: هي إثارة الفكر والحِس بالتعويد على النفس في إدراك المعنى.
فبين بذلك مزايا الحذف الثلاثة. وفي النقطة الأولى هي مسألة نقاشية أو حوارية بالتفرقة بين لفظ الاختصار أو الإيجاز.
وبعد ذكر مزايا الحذف، ننبه أيضًا على أنواع الحذف:
انتهى العلماء إلى ذكر بعض ضروب الحذف، وهي ثلاثة: ضرب منها حذف الكلمة، والضرب الآخر: حذف الجملة، والضرب الثالث: حذف أكثر من جملة.
وهنا يجدر أن ننبه أيضًا إلى بحث دقيق أجراه الدكتور أبو موسى في كتابه (خصائص التراكيب) ذكر فيه أن البلاغيين تغافلوا عن حذف جزء الكلمة، أي: أنهم اهتموا ببيان الحذف في الكلمة أو الجمل، وتغافلوا عن الحديث عن حذف جزء الكلمة. وهناك فرق بين حذف الحرف وبين حذف جزء الكلمة؛ لماذا؟ لأن
стр. 266
حذف الحرف يدخل في باب حذف الكلمة؛ لأن الكلمة اسم وفعل وحرف، فإذا ما تحدثنا عن حذف الحروف فذلك يدخل فيما ذكروه من حذف الكلمة. أما الذي يقصد الحديث عنه الدكتور أبو موسى، فهو حَذْف جزء من الكلمة، وناقش هذه القضية، وعرَض لها نماذج فيها بيان علو قدره في هذا الباب -حفظه الله- واستدل لها بأشياء.
وفي نهاية حديثه ذكر عبارةً جميلةً، ينبغي على طالب العلم أن يضعها في ذهنه؛ لكي يعلم تواضع أهل العلم بعلمهم، وهي قوله: "وليس ثَمة كلام يجب قبوله والإذعان له إلا ما تجده بين دفتي المصحف وما صح عن رسول الله ﷺ وما عداهما فهو اجتهادات بشر غير معصومين، تأخذ منه ما تأخذ، وتدع منه ما تدع، في حدود الفهم، ولهذا خفت التبعة على الباحثين؛ لأنهم يقولون ما يعالجون في نفوسهم، وللقارئ أن يلقي به جملةً في ساحة الإهمال، وهي جد فسيحة، ولولا هذا لأطبقت الأفواه على الألسنة حتى تيبس؛ لأنه ليس هناك ضمير حي يتحمل إشاعة الخطأ، وبث الضلالة في أرض الله، إلا مَن أذن بحرب من الله، وإني به سبحانه لمن العائذين".
ونحن نكرر كلام شيخنا الذي قاله، فهذه مسألة ينبغي أن نتنبه إليها قبل الخوض في أي مسائل تتعلق بالعلم.
نذكر ما ذكره في مسألة حذف جزء من الكلمة:
يذكر أن هذه المسألة لها أصولٌ في مصنفات السابقين، وأنهم نبهوا عليها كما قال ابن رشيق في قوله ﷺ : ((كفى بالسيف شاه)) أراد شاهدًا، فحذف، وقالوا في تعليل ذلك: أن رسول الله ﷺ لم يرد أن يسير هذا الخبر حكمًا شرعيًّا، فقطع
стр. 267
الكلام وأمسك عن تمامه، وكذلك أشار إلى ما ذكره الأخفش عندما سئل عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي﴾ (الفجر: ٤) فسئل عن حذف حرف العلة من غير وجود أداة جزم، فقال الأخفش: عادة العرب أنها إذا عَدَلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه، والليل لما كان لا يسري وإنما يُسرَى فيه، نقص منه حرف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (مريم: ٢٨) فالأصل "بَغيةً" فلما حول عن فاعل نقص منه حرف.
وبعد ذلك بدأ يستدل الشيخ ببعض الأشياء التي وردت في أشعار العرب وفصيحِ كلامهم، واستدل بآيات من القرآن الكريم اجتهد في بيان سر الحذف فيها، وذلك -كما هو معلوم- فيه اعتماد على ما ذكره المفسرون، بأنه نستطيع أن نقول -موافقةً للشيخ- أن المفسرين يوجد في كلامهم أكثر مما في كتب البلاغة في هذا الشأن؛ لاتصالهم بكتاب الله، ولتطبيقهم العملي على آيات الذكر الحكيم.
مما ذكره من شواهدهم قول النجاشي:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك ... اسقِني إن كان ماؤك ذا فَضْل
ففي قوله: "ولاك اسقِني" يعني بحذف النون، ولم يقل: ولكن اسقيني، قال: إن هذا الحذف في هذا البيت يوضح شيئًا جميلًا، وهو أن الذئب الذي على لسانه هذه العبارة، كان في حالة من التعب والإعياء، أنه لا يستطيع أن يكمل كلامه.
وكذلك ذكر مثالًا من قولهم، قول لبيد ﵁:
دَرَسَ المنا بِمُتالع فأبانِ ... ....................................
فقال: الأصل أنه يريد: درس المنازل، فحذف الزاي واللام من الكلمة، فعندما يذكر النحاة والبلاغيون هذا البيت يذكرونه أنه من الحذف الشاذ والضرورة؛
стр. 268
لأنه ظلَمَ الكلمة بحذف أكثر من حرف، ويمكننا أن نقول: إن الحذف في كلمة "المنازل" التي يتحدث عن دروسها، وتغيير معالمها، مناسب؛ لأنها بقيت آثارًا، وكأن الحذف فيه إشارة إلى المضمون الذي يريده بيانه، وهو أن المنازل بقايا لا يُستدل عليها إلا بالقرائن والشواهد.
وننتقل إلى استشهاده بآية كريمة في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (يوسف: ٨٥) هنا في هذه الآية يستدل الشيخ على ما نص عليه النحاة، من أن هناك حرف نفي محذوف لإعمال: ﴿تَفْتَأُ﴾، فهي من أخوات كان التي تعمل بشرط أن تسبق بنفي أو شبه نفي، فالتقدير: تالله لا تفتأ تذكر يوسفَ حتى تكون حَرَضًا، والحَرض ما لا يُعتد به، فذكر الشيخ كلام ابن أبي الإصبع أنه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن "والله" و"بالله" أكثر استعمالًا وأعرفُ عند الكافة من "تالله" فلما كان الفعل الذي جاور القَسَم أغربَ الصيغ التي في بابه، فإن كان وأخواتها أكثر استعمالًا من "تفتأ" وأعرف عند الكافة، ولذلك أتى بعدها بأغرب ألفاظ الهلاك، وهي لفظة الحَرَض.
فهنا مهد بكلامه بذكر هذه المقالة عن أبي الأصبع، بأنه ذكر أن هذه الاية توافقت سياقيًّا بذكر الأشياء الغريبة، فذُكرت "تالله" وذكرت "تفتأ" من أخوات كان، وذكرت كلمة: ﴿حَرَضًا﴾ الدالة على الهلاك والفناء، وهذا السياق تزاحمت فيه كلماتٌ غريبةٌ تشيع جو الغرابة والوحشة لمناسبة مقصودهم الذي يريدون حملَ أبيهم عليه، فَهُم يريدون أن ينسى يعقوب ﵇ ولدَه، وليس في الغرائب أغرب من هذا، وحَذْف حرف النفي وهو خلاف الأصل يأتي متلائمًا مع هذا
стр. 269
السياق الغريب، ويرمز في خفاء إلى حاجتهم، وهو نسيان يوسف، وإبعاده عن قلب أبيهم الذي ضاق بهم، وتولى عنهم من أجل يوسف ﵇.
هذا اجتهاد من الشيخ ذكره، وذكر نظيره في حذف حرف النداء في السورة نفسها في قول العزيز: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (يوسف: ٢٩) فأراد بقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ اكتم هذا الأمرَ ولا تتحدث به؛ صيانةً لعِرضنا وشرفنا في قومنا، ثم قال لامرأته: ﴿اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ وكان رجلًا حليمًا، وقيل: كان قليلَ الغيرة. والشاهد في حذف حرف النداء أنه يرمز برمز لطيف، فكأنه يهمس بهذا الخبر في أذن يوسف ﵇ محاذِرًا أن يسمعه أحد، ثم فيه تقريب وملاطفة ليوسف ﵇ وإيماء خفي بأن الخبر كله يجب أن يضمرَ في السرائر، وأن لا يجري به لسان.
هذا الاجتهاد الذي ذكره الشيخ في حذف جزء من الكلمة واستدل له من القرآن بحذف الحرف، هذا لأنه ليس في القرآن مثل ما ذكر من أمثلة من كلمة "الَمَنا" بدل "المنازل"، وما ورد في الحديث: ((شاه)) بدلًا من "شاهدًا"؛ لأن هذا بهذه الصورة لم يرد في القرآن، ولكني أرى أن الشيخ كان يستطيع أن يستدل في هذا المقام بحذف نون "كان": "لم أك، ولم أكن" مع استخدامها في كتاب الله .
وقد تنبه بعض الباحثين لذلك، فذكر الفرقَ بين إثبات النون وحذفها ذِكرًا بلاغيًّا على خلاف ما يذكره النحاة من جواز ذلك إذا ما كان الفعل مجزومًا، ووليه متحرك ولم يلِه ساكن، فإنه يجوز حذف النون وإثباتُها، فهذا مقام النحاة. أما مقام البلاغيين فهو بيان الفروق في استخدامها في موضع وحذفها في موضع آخر.
الحديث عن حذف الكلمة:
стр. 270
وحَذْفُ الكلمة هو باب عظيم في أبواب الحذف، اهتم البلاغيون به، واهتموا اهتمامًا بالغًا بذكر حذف المسند إليه، وبذكر حذف المسند، وبذكر حذف المتعلقات، وأفردوا حديثًا عن حذف المفعول به.
حذف المسند إليه:
قالوا: مِن أغراض حذف المسند إليه: الاحتراز عن السأم والعَبَث، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢) فَذِكْرُ المسند إليه لو قلنا: هو: ﴿هُدًى﴾ يثير قلقًا؛ لشدة قرب الكتاب الماثل أمام النفس، ويبعث فيه السأم؛ لوضوحه وقرب الحديث عنه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (القارعة: ١٠، ١١) وندرك هذا إذا تأملنا الفرق بين هذا الأسلوب الموجز وبين أن يقال: وما أدراك ما هي، هي نار حامية. من الإسراع إلى ذكر النار بعد أن أشار الشوق بالسؤال عنها.
ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ (الهمزة: ٤ - ٦) وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨) فما دام ذلك في معرض الحديث عنهم، فليس في حاجة إلى إعادة ذكرهم.
هذا هو الغرض الأول الذي ذكروه، ومثَّلوا له بأمثلة عديدة في القرآن الكريم، لأجلها حُذِفَ المسند إليه ولم يذكر.
ومن الأغراض التي ذُكرت أيضًا لحذف المسند إليه: هو قوة ظهوره وتعينه بما لا يتوهم معه أحد إسناد الخبر إلى غيره، وعبَّر عنها بعضهم بقوله: كون المسند لا يصلح إلا له. واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
стр. 271
الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد: ٩) فإن قوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو، ولكن لما كان الخبر لا يكون إلا له سبحانه، جاء الكلام على الحذف، وفي هذا الحذف إشارةٌ إلى الوحدانية والجلال.
وكذلك قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ (آل عمران: ٢٧) فالمراد به الله .
كذلك في قول أتباع فرعون: ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: ٢٤) هذا الذي ذكروه معلوم أن الكلام عن موسى ﵇ فلا حاجةَ لذكر المسند إليه.
كذلك في قوله : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ (القيامة: ٢٦، ٢٧) فإن الحديث عن ذِكْر الموتِ، ولا يبلغ التراقي عند الموت إلا النَّفْس أو الروح، فلذلك التقدير: إذا بلغت الروح التراقي.
وكذلك في قوله سبحانه: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (ص: ٣٢) فالكلام فيها عن الشمس من سياق الآيات.
من الأشياء التي ذكروها أيضًا في حذف المسند إليه، ضيق الصدر عن إطالة الكلام، واستدلوا له بقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ (الذاريات: ٢٩) فالتقدير: أنا عجوز عقيم، فحُذف المسند إليه؛ لأنها لَمَّا سمعت بشارة الملائكة لها بغلام، عجبت من أمرهم واستبعدت أن تلدَ بعد بلوغها حد الكِبر والعمر.
واستدلوا له ببيت من الشعر لطيف في قوله:
قال لي: كيف أنت؟ قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
أي: أنا عليل، وحالي سهر دائم وحزن طويل.
стр. 272
من الأغراض أيضًا التي ذُكرت في حذف المسند إليه: الإيحاء بالسرعة الفائقة للحدث؛ لصدوره عن صاحب القدرة المطلقة في هذا الوجود، واستدلوا لذلك في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ٤٤) فحذف المسند إليهم من قولهم: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ﴾ للإشارة إلى قوة ظهوره، وأن ذلك الفعل الهائل -أعني: مخاطبته للأرض- وتوجيه الأمر إليها، لا يكون إلا مِن الذي خلقها فسواها، وكذلك السماء، وحُذف الفاعل في قوله: روَغِيضَ الْمَاءُ﴾ للإشارة إلى الإجابة السريعة، فما إن أُمرت الأرض بأن تبلع والسماء بأن تقلع، إلا وقد غيض الماء، وكأن قوة هائلة مجهولة اختطفته وابتلعته، فذهب معها في المجهول.
ومن لطيف ما استُدل به في هذا المجال قوله سبحانه: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (الأعراف: ١١٨ - ١٢٠) فَحُذف المسند إليه في قوله: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ لأن الغرض منصب في بيان أن السحرة غُلبوا، وأن سحرهم أبطل على الرغم مما كان لهم من شهرة، وفيه إشارة إلى أن الغالب في الحقيقة ليس هو موسى ﵇ وإنما قوة خفية أيَّدت موسى، وجعلت عصاه حيةً تسعى، ألقاها: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (الأعراف: ١١٧) ولو أنه قال: فغلبهم موسى، لكان نصًّا على غلبة موسى ﵇ وأن له في ذلك فِعلًا غلب به، وليس كذلك، فإن سيدنا موسى أوجس في نفسه خيفةً لما رأى حِبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
هذه هي أبرز الأسباب التي ذكروها لحذف المسند إليه، وغير ذلك أسباب صناعية أو أسباب مصطنعة، سنكملها -إن شاء الله-.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 273
الدرس: ١٥ تابع: قضية الذكر والحذف .
стр. 274
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(تابع: قضية الذِّكْر والحذف)
استكمال أغراض حذف المسند إليه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
كنا قد انتهينا إلى أغراض حذف المسند إليه، وذكرنا الأمثلة المشهورة التي ذكروها في كتاب الله وهناك أسباب أخرى ذكروها لحذف المسند إليه: كالحذر من فوات الفرصة، كقولنا عند الحرب: غارة أي: هذه غارة، وقاسوا عليها أمثلة مصطنعة أيضًا، كقولنا: قطار أي: احذر القطار أو هذا قطار، وغير ذلك مما مثلوا به.
وذكروا أيضًا من أغراض حذف المسند إليه: الخوف على المسند إليه كقول النابغة يعتذر للنعمان:
نبأت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرارَ على زأر من الأسد
وقيل أيضًا من أغراض حذف المسند إليه: احتقاره، كقوله النابغة أيضًا:
لأن كنتَ قد بُلغت عني وشاية ... لمبلغك الواشي أغش وأكذبُ
ففي قوله في البيتين السابقين: نبأت وبلغت هنا، بني الفعل للمجهول وحذف معه الفاعل، وهذه من المواضع القياسية التي اتفق عليها النحاة، يحذف فيها الفاعل، أما حذف الفاعل في غير ذلك فهو موطنُ خلافٍ -سنقف عنده بإذن الله ونبينه-.
يعني: هذا مما استدل به الدكتور لاشين -حفظه الله- على مسألة احتقار المسند إليه، واستدل لها بآية في كتاب الله وهي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ٣٩، ٤٠) فذكر هنا في بناء الفعل
стр. 275
للمجهول في قوله تعالى: ﴿ظُلِمُوا﴾ و ﴿أُخْرِجُوا﴾ بأنه لم يُذكر المشركون أي: ظلمهم المشركون أو أخرجهم المشركون؛ احتقارًا لشأن هؤلاء، فلم يذكرهم المولى .
وكما ذكرت أن هذا من الاجتهادات في ذكر أسباب حذف المسند إليه، والاستدلال لها.
من الأشياء التي ذكروها كدواعي الحذف واعترض الباحثون على إقرارها قولهم: اختبار تنبه السامع، واختبار مقدار تنبه السامع، والإنكار وتيسيره عند الحاجة إليه. يعني: كما ذكر أحد الباحثين تعليقًا على قولهم: تأتِّي الإنكار وتيسره عند الحاجة إليه، وذكروا مثالًا لذلك: أن المتكلم يحذف المسند إليه بتحقق هذا الغرض، بأنه يحضر إليك جماعة من بينهم خَصم لك، فتقول لآخر: فاجر أو غادر، تعني هذا الخَصم، فتترك ذكر اسمه؛ ليتأتى لك الإنكار، فتقول تخلصًا من آذاه: ما عنيتُه وإنما أردت غيرَه. وليس من تعليق على هذا إلا أنهم يعلمون الناس كيف يتحايلون، أو أن يخرجوا عن طائلة العقاب أو الحساب.
هذا من الأمثلة المصنوعة التي ذكروها لحذف المسند إليه، وبقي بعض الأسباب التي تقر في حذف المسند إليه، وذلك إذا ما كان الحذف جاء في أسلوب موروث كالأمثال مثلًا، كقولهم: رميت من غير رام، فلا يجوز لأحد أن يذكر المسند إليه فيقول: هذه رمية من غير رام، أو هي رمية من غير رام؛ لأنه ملزم بأن يذكر المثل كما ذكر.
ويضاف إلى ما ذكره البلاغيون في أغراض الحذف الدرس النحوي، فإن هذه المسألة بحذف المسند إليه، أي: حذف المبتدأ -مثلًا- وجوبًا، فإنهم يذكرون أشياءَ في القرآن في مادة النحو أو في قواعد اللغة يجب فيها حذفُ المبتدأ، ويعددون لذلك مواضعَ، من هذه المواضع، مثلًا: المصدر الذي يؤتَى به بدلًا من الرد بالفعل، فيؤتى
стр. 276
به مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (يوسف: ١٨) فهنا حَذْف، فالتقدير: صبري صبر جميل، أو أمري صبر جميل. ولذلك عُدِل عن النصب إلى الرفع؛ لإرادة الثبوت والدوام كما ذكر النحاة في ذلك.
ومن قبيل الحذف أيضًا لتطبيق القاعدة النحوية: اتفاقهم على جواز حذف المبتدأ عند قطع النعت عن المنعوت، ففي قراءة: "الحمد لله ربٌّ العالمين" (الفاتحة: ٢) برفع كلمة "رب" يكون التقدير: هو رب العالمين، وحُذف هنا المبتدأ. وفي قولنا: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" إذا ما قيل: الرجيم، يكون المبتدأ محذوفًا؛ لقطع النعت عن المنعوت لغرض الذم، كما كان قطع النعت عن المنعوت لغرض المدح في قولنا: "الحمد لله رب العالمين" أو لغرض الترحم: "اللهم ارحم عبدَك المسكين" أي: هو المسكين.
إلى غير ذلك مما ذكر في النحو.
وهناك أسباب كثيرة غير ذلك ذُكرت في أبواب النحو، نكتفي بالإشارة إلى ما ذكرنا منه.
أغراض حذف المسند
وننتقل بعد ذلك إلى حذف المسند.
حذف المسند أيضًا له أغراض تتعلق به، وإنما الذي نستطيع أن نقوله ابتداءً: هو أنهم قاسوا أغراضَ حذف المسند إليه على حذف المسند، فإذا وجدوا شاهدًا ذكروه، وإن لم يجدوا شاهدًا قاسوا على غيره بمثال كما صنعوا من أمثلة فيما ذكر.
فمن أغراض حذف المسند التي ذكروها: الاحتراز عن العبث، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ (الإسراء: ١٠٠) فأصل الكلام: لو تملكون خزائنَ رحمة ربي، فحذف الفعل الأول؛ احترازًا على العبث عن
стр. 277
ذكره لدلالة "لو" عليه؛ لأن "لو" لا تدخل إلا على الأفعال، ولوجود المفسر، ثم أبدل من الضمير الذي كان متصلًا بالفعل المحذوف ضميرٌ منفصل هو: ﴿أَنْتُمْ﴾ فهذا الضمير فاعل للفعل المحذوف.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (العنكبوت: ٦١) أي: خلقهن الله.
وكذلك قول حاتم الطائي عندما لطمته أَمَةٌ قال: لو ذاتُ سوار لطمتني. أي: لو أن امرأةً حرةً هي التي لطمتني. لكان الأمرُ أهونَ عليَّ. وذكروا لذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الزمر: ٢٢) فالخبر محذوف بدلالة ما بعده عليه وهو: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فالتقدير: أَفمَن شرَح اللهُ صدرَه للإسلام فهو على نور مِن ربه كمن قَسَا قلبُه.
هذا، وهناك شواهد عديدة على هذا المجال أسهب الدكتور شفيع السيد في بيانها في مسألة الحذف بعد "لو".
من الأغراض التي ذكروها أيضًا لحذف المسند: ضيق الصدر، ويستشهدون له بقول الشاعر:
ومن يك أمسى بالمدينة رحلُه ... فإني وقيَّار بها لغريب
أي: فإني وقيار لغريب بها، فحذف؛ لدلالة غيره عليه، فهنا الشاعر عندما اشتد ألمه لبعده عن أهله ووطنه، تنفس بهذا البيت، وقد حَذف المسند إلى "قيار" بسبب ضيق صدره، والتقدير: وقيار غريب. وكما يستشهدون له بقول القائل: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض، والرأي مختلف، أي: نحن بما عندنا
стр. 278
راضون، وأنت بما عندك راضٍ، كأنه يريد أن يبين للذي يحدِّثه أنه لا ينفع معه النصح ولا يتقبل النصح، فضيقًا قال هكذا: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض، والرأي مختلف.
هذه نظرة البلاغيين.
أما نظرة النحاة في هذه المسألة فهي واضحة معلومة: أن الحذف لوجود ما يدل عليه، فإذا ما كان هناك دليل جاز الحذف بلا خلافٍ عندهم. في البيتين هناك دليل على الحذف في ذكر المسند مع غير ما حذف منه المسند.
من الشواهد على حَذْف المسند لأسباب نحوية -كما هو معلوم- عند النحاة: حذف الخبر في جواب القسم بقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر: ٧٢) وكذلك: الحذف لوجود دليل كقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (الرعد: ٣٥) أي: وظلها دائم. كذلك في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (الطلاق: ٤) فهنا الإيجاز أدَّى إلى التعبير من أقصر طريق، أي: واللائي لم يحضن مثلهن في هذا الحكم عدتهن كذلك.
مما يوقف معه في حذف المسند من الأمثلة الجميلة قولُه تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: ٦٢) ففي قوله تعالى: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ هو خبر عن لفظ الجلالة أي: الله أحق أن يرضوه، أما خبر قوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ فهو محذوف دل عليه الخبر السابق الذي ذكر مؤخرًا. فيقول أحد الباحثين: سر ذلك الحذف -والله أعلم بمراده- جعل إرضاء الرسول بمنزلة إرضاء الله لا فرقَ بينهما، وتأكيدًا لهذه
стр. 279
التسوية الدالة على المنزلة العالية لرسول الله ﷺ كان عطف كلمة "الرسول" على لفظ الجلالة، فهذا الذي يُتوقف معه في هذه الآية الكريمة، ويتواءم مع الروح العام للعقيدة الإسلامية، ويتفق مع مبادئها في كون الرسول ﷺ صاحبَ المنزلةِ العاليةِ والمكانةِ العظيمةِ.
أما من ناحية النحاة فهم يتناولون المسألة بأيسر من ذلك بكثير، فيقولون في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ أن الضمير هنا عبر به بالمفرد وأريد به التثنية، أي: الكلام عن الله وعن رسوله، وبذلك يكو لفظ "الرسول" معطوفًا ولا يحتاج إلى خبر.
من المواضع التي تحدثوا فيها عن حذف المسند إذا كان المبتدأ واقعًا بعد "إذا" الفُجائية، كقولنا: خرجت فإذا المطر، أو خرجتُ فإذا صديقي، فالتقدير: خرجت فإذا المطر نازل، وخرجت فإذا صديقي حاضر، وكذلك وقوع المبتدأ بعد "لولا" كما قال ابن مالك:
وَبَعدَ لَولاَ غَالبًا حَذْفُ الخَبَر ... ..................
منه قول الصحابة في غزوة الخندق: "الله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا" أي: لولا الله أنعم علينا، لولا أن الله موجود، كما يقدر النحاة بأن الخبر تقديره: كائن أو موجود.
هذه كلها تناولوها في الحذف وحذف المسند، وكلها تدور حول غرض أساسي، وهو وَجازة التعبير وتصفيتُه مما يمكن الاستغناء عنه بقيام قرينة تدل عليه.
وهنا نقف مع بعض الآيات الكريمة؛ لنرى فيها أسرار هذا الحذف، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: ٣٣) فمقابل المستفهم عنه في صدر الآية لم
стр. 280
يذكر، ومعنى الآية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾: أفمن هو حافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير وشر، ويجازيها بما كسبت فيثيبها إن أحسنت ويعاقبها إن أساءت، وجوابه محذوف تقديره: كمن ليس بقائم بل هو عاجز عن نفسه، ومَن كان عاجزًا عن نفسه فهو عن غيره أعجز، وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، فَمَن هنا موصولة وصلتها: ﴿هُوَ قَائِمٌ﴾ والموصول مبتدأ خبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع.
فهنا سر بلاغي وراء هذا الحذف، مع الإيجاز والإشعار بازدراء المسند المحذوف والضم عليه بالذكر في مقابل المسند إليه.
وعكس ذلك ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الزمر: ٢٤) فأيضًا مَن يتقي اسم موصول وقع مبتدأً، خبره محذوف تقديره: كمن أمِنَ العذاب أو كمن ينعم في الجنة، وسُوء العذاب هو شدته، الومعنى -كما يقول الزمخشري-: أن الإنسان إذا لقي شيئًا يخيفه استقبله بيده، وطلب أن يقي بها وجهه؛ لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولةً يداه إلى عنقه، فلا يتهيأ له إلا أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوفَ بغيره؛ وقايةً له، ومحاماةً عليه. فالداعي البلاغي هنا هو الإشعار بتعظيم المحذوف، وأنه أكرم على الله من أن يُذكر في مقابل هذا الشقي.
وهذا الحذف -كما نعلم- قد يؤدي إلى بقاء الجملة على كلمة واحدة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ (الشعراء: ٤٩، ٥٠) فبعد هذا الوعيد الشديد أجابوه بقولهم: ﴿لَا ضَيْرَ﴾
стр. 281
أي: لا ضير علينا في قتلك، وحذفوا؛ ليبقى الجواب كلمة واحدة نافذة كالسهم تقضي على غروره وحُمقه، وتبين أنهم لا يخافون ولا يرهبون ما يقول.
هذا وغيره من الأشياء التي تلمَّسها أهلُ البلاغة في أغراض حذف المسند وعدم ذكره.
يبقى هنا مع حذف المسند والمسند إليه نقطتان:
- النقطة الأولى: تتعلق بالتردد بين الحذفين، بمعنى: أن من البلاغيين مَن يأتوا على مواضعَ معينة ويقولون: هنا يجوز أن يكون الحذف للمسند أو للمسند إليه. فمثلًا: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيل﴾ (يوسف: ١٨) يقولون: حالي وأمري صبر جميل، أو صبر جميل عليَّ، أو عليَّ صبر جميل، على أساس أن المحذوف هنا هو الخبر وليس المبتدأ، فيتردد الحذفُ بين المبتدأ وبين الخبر. هذا ما يجيزه البلاغيون في هذا الباب، وكذلك النحاة. وبعضهم يدقق في هذه المسألة فيقول: إن التمحيص يبين أي شيء هو المحذوف؟ وعلى الحقيقة يرجح محذوفًا على غيره، فلا نسلم بمسألة الجواز في هذه المسألة.
وهذه المسألة صراحةً أبدع الجرجاني في ذكر مثال لها في كتابه (دلائل الإعجاز) عندما ذكر قول الله : ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النساء: ١٧١) ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ الكلام عن موقع: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ من الناحية الإعرابية، فهل: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة؟ فهنا يكون المحذوف هو المسند إليه. وهل
стр. 282
التقدير: لا تقولوا لنا آلهة ثلاثة؟ فيكون المحذوف هو المسند، شبه الجملة: لنا. فهنا ذكر المعربون والمفسرون هذه الأوجه في إعراب لفظ: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ إنه مبتدأ محذوف الخبر، أو إنه خبر لمبتدأ محذوف، على أساس أنه صفة لكلمة "آلهة" فلما حُذف الموصوف حل محله، وَصف المحذوف هو في الأصل مبتدأ: لنا آلهة ثلاثة.
فيقول: أما إذا جعلنا التقدير: ولا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، أو ثلاثة آلهة، بحذف المسند، كنا قد نفينا الوجودَ عن الآلهة كما نفيناه في: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ (ص: ٦٥) ثم يأتي تأكيد وحدانية الله في الآية بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (النساء: ١٧١) فإن زعموا أن التقدير: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، على أن المحذوف هو المسند إليه و ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ خبر، كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثةً، ولم ينفوا وجودَ الآلهة.
هذا ما تنبه له الجرجاني، فرجح بذلك أن يكون الحذف للخبر وليس الحذف للمبتدأ؛ للفرق بين المعنيين.
طبعًا هو عرض في هذه المسألة استطرادًا وردَّ عليه، يقول: فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك أي: لا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، يلزم على هذا التقدير الفساد أيضًا من وجه آخر، وذلك أنه يجوز إذا قلت: ليس لنا أمراء ثلاثة، أن يكون المعنى: ليس لنا أمراء ثلاثة ولكن لنا أميران اثنان، وإذا كان كذلك كان تقديرك وتقديرهم جميعًا خطأ. فيرد على ذلك بقوله: أن الأمر ها هنا يختلف، وهو أن قولهم: آلهتنا أي: آلهتنا ثلاثة، يوجب ثبوت آلهة -جل الله تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا-.
стр. 283
وقولنا: ليس لنا آلهة ثلاثة، لا يوجب ثبوت اثنين البتة، فإن قلتَ: إن كان لا يوجبه فإنه لا ينفيه، قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
هكذا نرى الجرجاني عرض المسألة؛ ليرجح وجهًا على آخرَ، ويستدل له باتصال المسألة بالعقيدة، وهذه مسألة تهم البلاغيين وتهم مَن يتصدَّى لبيان القرآن، أن يكون ما يذهب إليه ليس عليه شيء، أو ليس عليه ما يؤدي إلى فساد المعنى، أو إلى معنًى خطأٍ، فيستعاذ منه ولا يرضَى العلماء أن ينسبَ إليهم هذا القول، أو أن يقولوا به.
- التنبيه الثاني في مسألة حذف المسند والمسند إليه: هو اختلافهم فيما إذا كان المسند إليه فاعلًا هل يجوز حذفه؟ فارتضى بعض البلاغيين أن يعتبر من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل وإن كان الفعل مبنيًّا للمعلوم؛ لأنهم اتفقوا مع النحاة في جواز حذفه إذا كان الفعل مبنيًّا للمجهول كما سبق أن مثَّلنا. أما اختلافهم ففي نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ (القيامة: ٢٦) ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (ص: ٣٢) ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (الأنعام: ٩٤) ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (يوسف: ٣٥) في هذه المواضع كان الاختلاف في جواز حذف الفاعل مع بناء الفعل للمجهول، وهي مسألة نحوية أكثر منها بلاغية؛ لأننا في البلاغة نرى أن المسألة واضحة كأن الفاعل غير مذكور في هذه الآيات الكريمة.
أما قضية حذفه وعدمه فهي قضية خلاف مشهورة بين الكوفيين والبصريين؛ والكوفيون يجيزون حذف الفاعل بلا تحرز، والبصريون يعددون المواضع القياسيةَ التي يجوز فيها حذف الفاعل، ويمنعون حذفه فيما عدا ذلك.
وهذا فقط أردت أن أشير إليه في باب حذف المسند والمسند إليه.
стр. 284
ما يتعلق بحذف المتعلقات، وحذف المفعول به
ما يتعلق بحذف المتعلقات الذي يتعلق بالفعل، أو الذي يكمن الجملة من جار ومجرور ونحوه.
مما ذكروه في حذف المتعلقات حذف المضاف، وهو كثير في القرآن الكريم، واهتم العلماء بعده والتمثيل له، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: ٧٨) أي: جاهدوا في سبيل الله. وقوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١) فالأصل: ومَثَل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع، ثم حُذف المضاف وهو داع؛ رفعًا لشأنه في اللفظ عن أن يقرن بهذا الذي ينعق بما لا يسمع. كذلك من حذف المتعلقات حذف المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (الأعراف: ١٤٢) أي: بعشر ليال. وقوله : ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم: ٤) أي: من قبل ذلك ومن بعده.
وهذا الحذف مشهور معلوم، يقره النحاة كما يقره أهل البلاغة، ويبحثون عن سر الجمال في هذا الحذف والغرض منه؛ أما دلالته فهي واضحة مثال قول الله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (يوسف: ٨٢) يقدرون: واسأل أهلَ القرية. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (البقرة: ٩٣) أي: وأشربوا في قلوبهم حب العجل.
هذا من نماذج حذف المضاف، وحذف المضاف إليه يكون بذكر ما يدل عليه من سياق الكلام.
стр. 285
وكذلك من حذف المتعلقات: حذف الموصوف، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ (ص: ٥٢) أي: حور قاصرات الطرف. وكقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (مريم: ٥٩، ٦٠) أي: عمِل عملًا صالحًا، فالعرف العربي في السياق اللغوي يقبل مثل هذا الحذف؛ لأن الصفة بشيوعها يكتفَى بها عن الموصوفِ. و ﴿اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (سبأ: ١١) أي: دُروعًا سابغات.
وهذه أمثلة مشهورة يعدها النحاة ويذكرها البلاغيون.
حذف الصفة: مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف: ٧٩) أي: يأخذ كل سفينة سليمة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وإلا لو كان يأخذ كل سفينة غصبًا لَأَخَذَ السفينة، فهي سفينة ولكنه لم يأخذها؛ لأنها معيبة، فهنا يلزم تقدير الصفة التي يتأتَّى معها صحة المعنى. وكذلك في قول بني إسرائيل لموسى ﵇: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحق الواضح أو البين، وإلا لو كانوا يقولون له ﵇: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أنهم كانوا مكذبين له، لم يكونوا أصلًا ممن آمَن به وممن يتوجه لهم خطاب موسى ﵇ وكذلك في قوله تعالى: ﴿بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ (ص: ٥١) أي: شراب كثير، وهنا الحذف بدليل ذِكْرِه قبل ذلك، فهو مفهوم من السياق.
حذف القسم: مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٠) أي: والله لئن لم ينته. وكذلك حذف جواب القسم، وهو كثير في القرآن: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ *وَاللَّيْلِ إِذَا
следующие страницы →