Полный текст (425 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أي: لا ضير علينا في قتلك، وحذفوا؛ ليبقى الجواب كلمة واحدة نافذة كالسهم تقضي على غروره وحُمقه، وتبين أنهم لا يخافون ولا يرهبون ما يقول.
هذا وغيره من الأشياء التي تلمَّسها أهلُ البلاغة في أغراض حذف المسند وعدم ذكره.
يبقى هنا مع حذف المسند والمسند إليه نقطتان:
- النقطة الأولى: تتعلق بالتردد بين الحذفين، بمعنى: أن من البلاغيين مَن يأتوا على مواضعَ معينة ويقولون: هنا يجوز أن يكون الحذف للمسند أو للمسند إليه. فمثلًا: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيل﴾ (يوسف: ١٨) يقولون: حالي وأمري صبر جميل، أو صبر جميل عليَّ، أو عليَّ صبر جميل، على أساس أن المحذوف هنا هو الخبر وليس المبتدأ، فيتردد الحذفُ بين المبتدأ وبين الخبر. هذا ما يجيزه البلاغيون في هذا الباب، وكذلك النحاة. وبعضهم يدقق في هذه المسألة فيقول: إن التمحيص يبين أي شيء هو المحذوف؟ وعلى الحقيقة يرجح محذوفًا على غيره، فلا نسلم بمسألة الجواز في هذه المسألة.
وهذه المسألة صراحةً أبدع الجرجاني في ذكر مثال لها في كتابه (دلائل الإعجاز) عندما ذكر قول الله : ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النساء: ١٧١) ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ الكلام عن موقع: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ من الناحية الإعرابية، فهل: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة؟ فهنا يكون المحذوف هو المسند إليه. وهل
стр. 282
التقدير: لا تقولوا لنا آلهة ثلاثة؟ فيكون المحذوف هو المسند، شبه الجملة: لنا. فهنا ذكر المعربون والمفسرون هذه الأوجه في إعراب لفظ: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ إنه مبتدأ محذوف الخبر، أو إنه خبر لمبتدأ محذوف، على أساس أنه صفة لكلمة "آلهة" فلما حُذف الموصوف حل محله، وَصف المحذوف هو في الأصل مبتدأ: لنا آلهة ثلاثة.
فيقول: أما إذا جعلنا التقدير: ولا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، أو ثلاثة آلهة، بحذف المسند، كنا قد نفينا الوجودَ عن الآلهة كما نفيناه في: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ (ص: ٦٥) ثم يأتي تأكيد وحدانية الله في الآية بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (النساء: ١٧١) فإن زعموا أن التقدير: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، على أن المحذوف هو المسند إليه و ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ خبر، كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثةً، ولم ينفوا وجودَ الآلهة.
هذا ما تنبه له الجرجاني، فرجح بذلك أن يكون الحذف للخبر وليس الحذف للمبتدأ؛ للفرق بين المعنيين.
طبعًا هو عرض في هذه المسألة استطرادًا وردَّ عليه، يقول: فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك أي: لا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، يلزم على هذا التقدير الفساد أيضًا من وجه آخر، وذلك أنه يجوز إذا قلت: ليس لنا أمراء ثلاثة، أن يكون المعنى: ليس لنا أمراء ثلاثة ولكن لنا أميران اثنان، وإذا كان كذلك كان تقديرك وتقديرهم جميعًا خطأ. فيرد على ذلك بقوله: أن الأمر ها هنا يختلف، وهو أن قولهم: آلهتنا أي: آلهتنا ثلاثة، يوجب ثبوت آلهة -جل الله تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا-.
стр. 283
وقولنا: ليس لنا آلهة ثلاثة، لا يوجب ثبوت اثنين البتة، فإن قلتَ: إن كان لا يوجبه فإنه لا ينفيه، قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
هكذا نرى الجرجاني عرض المسألة؛ ليرجح وجهًا على آخرَ، ويستدل له باتصال المسألة بالعقيدة، وهذه مسألة تهم البلاغيين وتهم مَن يتصدَّى لبيان القرآن، أن يكون ما يذهب إليه ليس عليه شيء، أو ليس عليه ما يؤدي إلى فساد المعنى، أو إلى معنًى خطأٍ، فيستعاذ منه ولا يرضَى العلماء أن ينسبَ إليهم هذا القول، أو أن يقولوا به.
- التنبيه الثاني في مسألة حذف المسند والمسند إليه: هو اختلافهم فيما إذا كان المسند إليه فاعلًا هل يجوز حذفه؟ فارتضى بعض البلاغيين أن يعتبر من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل وإن كان الفعل مبنيًّا للمعلوم؛ لأنهم اتفقوا مع النحاة في جواز حذفه إذا كان الفعل مبنيًّا للمجهول كما سبق أن مثَّلنا. أما اختلافهم ففي نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ (القيامة: ٢٦) ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (ص: ٣٢) ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (الأنعام: ٩٤) ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (يوسف: ٣٥) في هذه المواضع كان الاختلاف في جواز حذف الفاعل مع بناء الفعل للمجهول، وهي مسألة نحوية أكثر منها بلاغية؛ لأننا في البلاغة نرى أن المسألة واضحة كأن الفاعل غير مذكور في هذه الآيات الكريمة.
أما قضية حذفه وعدمه فهي قضية خلاف مشهورة بين الكوفيين والبصريين؛ والكوفيون يجيزون حذف الفاعل بلا تحرز، والبصريون يعددون المواضع القياسيةَ التي يجوز فيها حذف الفاعل، ويمنعون حذفه فيما عدا ذلك.
وهذا فقط أردت أن أشير إليه في باب حذف المسند والمسند إليه.
стр. 284
ما يتعلق بحذف المتعلقات، وحذف المفعول به
ما يتعلق بحذف المتعلقات الذي يتعلق بالفعل، أو الذي يكمن الجملة من جار ومجرور ونحوه.
مما ذكروه في حذف المتعلقات حذف المضاف، وهو كثير في القرآن الكريم، واهتم العلماء بعده والتمثيل له، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: ٧٨) أي: جاهدوا في سبيل الله. وقوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١) فالأصل: ومَثَل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع، ثم حُذف المضاف وهو داع؛ رفعًا لشأنه في اللفظ عن أن يقرن بهذا الذي ينعق بما لا يسمع. كذلك من حذف المتعلقات حذف المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (الأعراف: ١٤٢) أي: بعشر ليال. وقوله : ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم: ٤) أي: من قبل ذلك ومن بعده.
وهذا الحذف مشهور معلوم، يقره النحاة كما يقره أهل البلاغة، ويبحثون عن سر الجمال في هذا الحذف والغرض منه؛ أما دلالته فهي واضحة مثال قول الله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (يوسف: ٨٢) يقدرون: واسأل أهلَ القرية. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (البقرة: ٩٣) أي: وأشربوا في قلوبهم حب العجل.
هذا من نماذج حذف المضاف، وحذف المضاف إليه يكون بذكر ما يدل عليه من سياق الكلام.
стр. 285
وكذلك من حذف المتعلقات: حذف الموصوف، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ (ص: ٥٢) أي: حور قاصرات الطرف. وكقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (مريم: ٥٩، ٦٠) أي: عمِل عملًا صالحًا، فالعرف العربي في السياق اللغوي يقبل مثل هذا الحذف؛ لأن الصفة بشيوعها يكتفَى بها عن الموصوفِ. و ﴿اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (سبأ: ١١) أي: دُروعًا سابغات.
وهذه أمثلة مشهورة يعدها النحاة ويذكرها البلاغيون.
حذف الصفة: مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف: ٧٩) أي: يأخذ كل سفينة سليمة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وإلا لو كان يأخذ كل سفينة غصبًا لَأَخَذَ السفينة، فهي سفينة ولكنه لم يأخذها؛ لأنها معيبة، فهنا يلزم تقدير الصفة التي يتأتَّى معها صحة المعنى. وكذلك في قول بني إسرائيل لموسى ﵇: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحق الواضح أو البين، وإلا لو كانوا يقولون له ﵇: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أنهم كانوا مكذبين له، لم يكونوا أصلًا ممن آمَن به وممن يتوجه لهم خطاب موسى ﵇ وكذلك في قوله تعالى: ﴿بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ (ص: ٥١) أي: شراب كثير، وهنا الحذف بدليل ذِكْرِه قبل ذلك، فهو مفهوم من السياق.
حذف القسم: مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٠) أي: والله لئن لم ينته. وكذلك حذف جواب القسم، وهو كثير في القرآن: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ *وَاللَّيْلِ إِذَا
стр. 286
يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (الفجر: ١ - ٥) وتقدير الجواب: لتبعثن يا كفارَ مكةَ. وكذلك حذف الشرط: كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٣١) أي: إن تتبعوني يحببكم الله، وكقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (مريم: ٤٣) أي: فإن تتبعني أهدك صراطًا سويًّا. كذلك حذف جواب الشرط، وحذفه قد يكون لمجرد الاختصار، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ (يس: ٤٥، ٤٦).
كما يكون حذفه للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف؛ قصدًا للمبالغة، كقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (الزمر: ٧٣) كأنه قيل: قد حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير، وإنما سار هذا الحذف هنا في مثل هذا أبلغ من الذكر؛ لأن النفس تذهب في كل مذهب، ولو ذُكِرَ الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنته العبارة.
ومن حذف المتعلقات أيضًا: حذف المعطوف، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (الحديد: ١٠) والتقدير: لا يستوي منكم مَن أنفق من قبل الفتح وقاتل ومَن أنفق من بعده وقاتل، بدليل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (الحديد: ١٠).
هذه وغيرها مما ذكر من حذف المتعلقات أشياء نبه عليها البلاغيون وعدُّوه في مصنفاتهم، وهي من أبواب الإعجاز في القرآن الكريم؛ بسبب أنها تُفهم من السياق، وأنها على طريقة العرب في كلامهم، فيتبينها مَن ينظر في كتاب الله -
стр. 287
وكثير منها يُقر عند أهل العلوم الثلاثة الذين يتضافرون على خدمة كتاب الله: علم النحو، وعلم البيان والمعاني، وعلم التفسير، فهذه العلوم الثلاثة تتضافر على بيان ما في كتاب الله .
يبقى في حذف المتعلقات ما أُفرد له حديث، وهو الكلام عن حذف المفعول به.
وقبل الكلام عن حذف المفعول به نفرغ من الكلام عن الحذف ببيان: أن مِن أنماط الحذف حذفُ الجملة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (البقرة: ٦٠) والتقدير: فضرب فانفجرت، فهنا حذف السبب وذكر المسبب. وكقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ (الأنفال: ٨). وا لتقدير: فعل الله ما فعل من كثرة قوة أهل الشرك؛ ليحق الح ق ويبطل الباطل. فحذف المسبب وذكر السبب.
ومن نماذج حذف أكثر من جملة في القرآن، وذلك أكثر ما يكون في القصص القرآني: قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُون * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف:٤٥ - ٤٦] عندما قص الملك رؤياه على نزيل السجن مع يوسف ﵇ الذي كان ساقيًا للملك، فقال لهم: ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُون﴾ فبعدها جاء الخطاب القرآني ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ فهنا حذف جمل، وهناك تفصيلات جزئية تعرف من السياق وتوصل بها إلى الكلام المباشر مع يوسف ﵇ وهذا الحذف يفهمه من ينظر في سياق الآيات ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُون﴾ فأرسلوه إلى يوسف، فقابل يوسف فقال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾.
وكذلك في قوله تعالى ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦] أي: فأتياهم، فأبلغاهم الرسالة، فكذبوهما؛ فدمرناهم تدميرًا.
стр. 288
وكما قلت: هذا الحذف يكثر في القصص القرآني الكريم، وكل ما ذكر من هذه الأنماط في الحذف يدرك في البلاغة فيما يسمى "إيجاز الحذف".
والآن نفرغ للكلام عن المفعول به وحذف المفعول به:
وأولًا: نقول: لماذا يفرد المفعول به بحديث دون غيره من المتعلقات؟
بيَّن الجرجاني أن حذف المفعول ينماز عن سائر المتعلقات بأنه تكثر لطائفه، وتدق أسراره، وكأن المزايا فيه أخلب، وما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب؛ بذا أفرد البلاغيون بعد ذلك جريًا على ما فعله الجرجاني في (دلائل الإعجاز) أفردوا الحديث عن حذف المفعول به، وما به من أسرار بلاغية.
ثانيًا: أنهم أيضًا عندما يتحدثون عن حذف المفعول به لا بد أن يقدموا مسلمات يذكرونها أولًا، وهو أن حذف المفعول به يتعلق بالفعل المتعدي؛ لأن الفعل اللازم لا يحتاج إلى مفعول به، وكذلك أنهم يقدمون إلى بيان أن هناك من الأفعال المتعدية ما ينزل منزلة اللازم؛ فلا يحتاج أيضًا إلى مفعول به، فهذا لأنه ربما المتحدث لا يقصد أن يخبر بشيء أكثرَ من أنه يخبر بوقوع الفعل، فإذا أراد أن يخبر بوقوع الفعل اكتفى بذكره، وإذا أراد أن يذكر وقوع الفعل ومَن فعله اكتفى بذكر الفعل والفاعل.
والخلاصة: أن تعرف الفرق بين قولك: وقع ضَرْب، وبين قولك: أعطى محمد، وبين قولك: أعطى محمد الذهب، ولكل جملة من هذه الجمل معنًى محدد وغرض معين ومقام مختص بها، لا تفيد واحدة منها معنى الأخرى، ولا تصلح مكانها، فهنا إيرادة فعل المتعدي من غير مفعول يقع في الكلام على طريقين:
стр. 289
- أولًا: أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل من غير نظر إلى شيء وراء ذلك، وهذا موجود في كتاب الله وأمثلته كثيرة. يعني: أمثلته من كلامهم أن تقول: فلان يأمر وينهَى، ويعطي ويمنع، فأنت تريد الإخبارَ عن فلان أنه هو الذي يفعل كذا، ولا تريد الإخبارَ عما يأمر به أو عما ينهى عنه أو ما يعطيه، أو ما يمنعه، ولذلك أنت تثبت المعنى للفاعل، واستدلوا لذلك بآيات عديدة في كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (البقرة: ٢٤٥) وقوله تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (الأعراف: ١٥٨) فإثبات الإحياء والإماتة والقبض والبسط لله .
ومما جاء على ذلك واستدلوا به قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ (النجم: ٤٣، ٤٤) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ (النجم: ٤٨) فالمعنى: هو الذي منه الإحياء والإماتة والإغناء والإقناء، وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن يثبت المعنى في نفسه فعلًا للشيء، أو أن يخبر بأن من شأنه أن يكون منه أو لا يكون إلا منه، أو لا يكون منه، فإن الفعل لا يعدى هناك؛ لأن تعديته تنقض الغرض وتغير المعنى، كقول الله : ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (البقرة: ٢٥٨) أي: يكون منه الإحياء وتكون منه الإماتة من غير النظر إلى مَن أحياه الله وإلى مَن أماته. وكقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩) أي: هل يستوي من يكون منه العلم ومن لم يكن منه العلم من غير النظر إلى معلوم؟
ويقول الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: ١٧) والمفعول الساقط مِن: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ من قبيل المتروك المطروح الذي لا يُلتفت إلى إخطاره بالبال، لا مِن قبيل المقدر المنوي، كأن الفعل غير متعد أصلًا، نحو: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: ١١٠).
стр. 290
هذا ما ذهبوا إليه أولًا من حذف المفعول ليس لغرض بلاغي واضح أكثر من هذا الغرض، هو أننا نريد أن نثبت الفعلَ للفاعل دون النظر إلى المفعول الذي وقع عليه الفعل.
ومن بديع ما ذكره البلاغيون في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ (القصص: ٢٣، ٢٤) فالآيتان تصور موقفَ موسى ﵇ من ابنتي شعيب حين حضرتَا إلى بِئر مَدين؛ لتسقي ما معهما من دواب، وقد اشتمل أسلوب الآيتين على أربعة أفعال متعدية، حُذفت مفعولاتُها جميعًا؛ إذ المعنى: وجد عليه أُمةً من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، قالتَا: لا نسقي غنمنا، فسقَى لهما غنمهما، ثم إنه لا يخفَى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يُترك ذكره ويؤتَى بالفعل مطلقًا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يُعلم أنه كان من الناس في تلك الحالة سقي، ومن المرأتين ذَوْدٌ، وأنهما قالتا: لا يكون مِنَّا سقي حتى يصدر الرعاء، بمعنى: أن يفرغ الرعاء من سقي ما معهم من المواشي والدواب، وأنه كان لموسى ﵇ من بعد ذلك سقي، فأما ما كان المسقي غنمًا أم إبلًا أم غيرَ ذلك، فخارجٌ عن الغرض، وموهمٌ خلافه.
وذاك أنه لو قيل: وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما، جاز أن يكون: لم يذكر الذَّوْد من حيث هو ذود بل من حيث هو ذودُ غنمٍ، حتى لو كان مكان الغنم إبلًا، لم يذكر الذود، كما أنك إذا قلت: ما لك تمنع أخاك، كنتَ منكرًا المنعَ، لا من حيث هو منع بل من حيث هو منعُ أخٍ.
стр. 291
وهذا الذي ذكره عبد القاهر في تحليل الآية الكريمة.
وقد أسهبوا أيضًا في بيان هذه النقطة بأن من الحذف ما يخفَى، ومنه ما هو ظاهر، بمعنى: أنك إذا ما قلت مثلًا: أصغيتُ إليك، فواضح أن المفعول هنا هو كلمة أُذني، أصغيتُ أذني إليك، أما هناك من الحذف للمفعول ما يكون متبادرًا -واضحًا- إلى المتحدث، إلا أن حذفه كان وراءه سِر بلاغي أكثرَ من مجرد أن يكون حَذْفًا، وهذا ما نبه عليه الجرجاني وذكر له أمثلةً من أشعارهم ومن كلامهم، تدل على أن الحذف أتَى بوظيفة بلاغية أجملَ وأقوى من مجرد أنه يكون حذفًا لمفعول هو معلوم. من ذلك قول البحتري في مدحه المعتز بالله، وتعريضه بأخيه المستعين بالله. يعني: هو يمدح الخليفة ويعرِّض بأخيه الذي كان يزعم أنه له حق في الخلافة.
فيقول البحتري:
شَجْو حساده وغيظ عِداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع
فأنت تفهم ابتداءً: أن المفعول المحذوف: أن يرى مبصر آثاره ومحاسنه، وأن يسمع واع أخبارَه وأوصافه، لكن الشاعر هنا تناسَى هذين المفعولين تمامًا، وأغضى طرفه عنهما، وكأنه لا وجود لهما، وكأنما يقول: إن محاسن المعتز وفضاءله يكفي فيها أن يقع عليها بصرُه، ويعيها سمع، حتى يعلم أنه مستحق للخلافة؛ لأن عين مَن يبصر لا تقع أينما اتجهت إلا على محاسنه ومناقبه، ولم ينتهِ إلى سمعه إلا كل طيب وعظيم من أخباره، ولذلك ترى حساده وليس شيء أشجى لهم وأغيظ من علمهم بأن ها هنا مبصرًا يرى، وسامعًا يعي، حتى ليتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها، وأذن يعي معها؛ كي يخفى مكان استحقاقه بشرف الإمامة، فيجد بذلك سبيلًا إلى منازعته إياها.
стр. 292
استدل أيضًا بقول عمرو بن معديكرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحُهم ... نطقت ولكن الرماح أجرتني
فهنا واضح أن الرماح أجرتني، وأن المحذوف هو ياء المتكلم، فالحذف هنا أدى وظيفة أكبر من مجرد حذف مفعول معلوم لدى المخاطب، فالشاعر هنا يبين أن قومه لم يبلوا بلاءً حسنًا ولم يستعملوا رماحهم ولا يظهروا قوتهم، ولو أنهم كانوا عملوا ذلك لكان ذلك مدعاةً بأن ينطق بمدحهم، وأن يذكر مفاخرهم، إلا أنهم عندما تقاعسوا عن ذلك أخرسوه، فلم يستطِعْ أن يتحدث، فلو قال: "ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ولكن الرماح أجرت غيري". فذلك غير متصور، فلا هو لا يتحدث إلا عن نفسه؛ وذلك لأنه لا يريد إثبات أنه أُخرس عن مدح قومه، وإنما يريد أن يثبت أنه كان للرماح إجرار وحبس للألسن عن النطق، وأن يصحح وجودَ ذلك، فلو قال: أجرتني، جاز أن يتوهم أنه لم يعنَ بأن يثبت للرماح إجرارًا، بل الذي عناه أن يبين أنها أجرته، أي: أخرسته وقطعت لسانَه عن مدح قومه، فقد يُذكر الفعلُ كثيرًا والغرض منه ذكر المفعول، ومثاله الواضح في كلامنا عندما تقول لأحد: أضربتَ محمدًا؟ مثلًا، فإنك لا تنكر عليه الضربَ، وإنما تنكر عليه ضربَ محمدٍ دون غيره.
من الأغراض التي ذكروها لحذف المفعول: البيان بعد الإبهام، أو ما أَطلق عليه الجرجاني "الإضمار على شريطة التفسير". ومن لطيف ذلك قول البحتري:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرمًا ولم تهدم مآثرَ خالد
فالأصل في الكلام: لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، ثم حلف ذلك من الأول؛ استغناءً بدلالته في الثاني عليه، ولا يخفى عليك أنك لو قلتَ: لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، سِرتَ إلى كلام غث، وإلى شيء
стр. 293
يمجه السمع، وتعافه النفس، وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له لطفًا ونبلًا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك النفس إلى بيانه وسماعه.
واستدلوا لذلك بأن هذا الأمر -أي: البيان بعد الإبهام- يكثر مع فعل المشيئة، وهو كثير في كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (الأنعام: ٣٥) أي: لو شاء الله جمعهم لجمعهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: ٩) أي: لو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين.
ومثل فعل المشيئة في حذف المفعول ما في قوة المشيئة كفعل الاستطاعة، كقول القائل: ولو أني استطعت غضت طرفي فلم أبصر به حتى أراك، أي: لو أني استطعت غض طرفي غضته، وحكم المشيئة لا يختص بحرف "لو" وإنما يأتي على سائر أدوات الجزاء -حروف الجزاء- وأسماء الجزاء، حروف مثل "إنْ" فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (الشورى: ٢٤) وأسماء نحو "مَن" كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: ٣٩) فمعروف التقدير: فإن يشأ الله الختم على قلبه ختم، وإن يشأ الله إضلاله أضله. فهنا مِن حذف المفعول.
وتطرق الجرجاني إلى المواضعَ التي يُذكر فيها المفعولُ مع فعل المشيئة، فهو يقصر حذف المفعول مع فعل المشيئة، وإنما هناك مواضع يحسن فيها ويفضل فيها أن يذكر المفعول ولا يحذف، وذلك إذا كان الأمر الذي يتعلق بالمشيئة أمرًا عظيمًا أو غريبًا، فإنه يحصل هنا أن يصرح به، ويمثلون له بقول الشاعر:
قضى وطرًا منك الحبيب المودِّع ... وحل الذي لا يُستطاع فيُدفع
ولو شئتُ أن أبكي دمًا لبكيتُه عليه ... ولكن ساحة الصبر أوسع
стр. 294
فبكاء الدم شيء عجيب، ولو حذفه الشاعر فقال: "ولو شئتُ بكيت دمًا" لَمَا اطمئن إليه السامع ولا تلقاه بالقبول، لذا كان الأولى أن يصرح الشاعر بذكره؛ ليقرره في نفس السامع، ويؤنسَه به.
وخير ما يمثل له في هذا المجال ما ورد في القرآن الكريم من التصريح بفعل المشيئة في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ (الزمر: ٤) فذكر مفعول المشيئة أي: لو أراد الله اتخاذ الولد لاصطفى مما يخلق ما يشاء؛ لأن من الغرابة أن يَتخذ رب العالمين ولدًا. وكذلك: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ (الأنبياء: ١٧) فذكر المفعول وهو المصدر المؤول المكون من "أل" وما دخلت عليها في هذا المقام أبدع وأحسن من عدم ذكره؛ لأن الأمر المتعلق بالإرادة أو المشيئة هو أمر عجيب غريب على السامع، فلا بد أن يُذكر.
ومن الأغراض التي ذكروها لحذف المفعول: إرادة ذكره مرةً ثانيةً، بحيث يعمل الفعل في صريح لفظه لا في ضميره العائد عليه؛ إظهارًا لكمال العناية بوقوع الفعل عليه. ويمثلون له بقول البحتري:
قد طلبنا فلم نجد لك في ... السؤدد والمجد والمكارم مثلًا
فالتقدير: قد طلبنا مِثلًا فلم نجد لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلًا، فلم يذكر المفعول أولًا ويعمل فيه الضمير ثانيًا فلو قال: قد طلبنا مثلًا فلم نجده، لم يكن مثل هذا القول الذي قاله في بيان المعنى؛ وهذا لأنه لو قال: قد طلبنا مثلًا، ربما يشعر بجواز أن يكون له مثل؛ لأن العاقل لا يطلب إلا ما هو موجود، أما حَذْف المفعول ها هنا يبين أنه لا يوجد أصلًا "مثلًا" لهذا الممدوح الذي يذكره، ولذلك بعضهم أطلق على هذا الغرض أنه من التحرز عن مواجهة الممدوح بما لا يليق، فلو قال له: "مثلًا"، ابتداءً، ربما ظن الممدوح أنه يقلل من شأنه، وأن هناك مَن يضاهيه.
стр. 295
من الأشياء التي ذكروها أيضًا لحذف المفعول: دفع توهم السامع في أول الأمر إرادة غير المراد، وذكروا له قول الشاعر:
وكم ذُدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززنَ إلى العظم
فالتقدير: حززن اللحم إلى العظم، فحذف المفعول وتوصل إلى المتعلق بالفعل مباشرةً؛ لكي يؤكد مراده الذي يريده.
ولا نريد أن نقف كثيرًا عند الأبيات الشعرية.
ما ذكروه في القرآن الكريم من أغراض أضافوها لحذف المفعول:
فقالوا: من هذه الأغراض: قصد التعميم مع الاختصار، واستدلوا له بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (يونس: ٢٥) أي: يدعو جميع المكلفين، فحذف المفعول في الآية الكريمة شمل جميعَ مَن كلَّفهم الله ودعاهم إلى جنته وإلى باب كرامته، فكان الحَذْف هنا لقصد التعميم.
ومن الأغراض التي ذكروها في حذف المفعول: الحذف لمراعاة الوزن في الشعرن ورعاية الفاصلة في القرآن الكريم، ويمثلون للشعر بقول المتنبي:
بناها فأعلى والقَنا يقرع القنا ... ومَوْج المنايا حولَها متلاطمُ
أي: بناها فأعلاها. أقر البلاغيون ذلك وذكروه في الشعر، ويُقبل منهم ذلك.
أما ما يتعلق بالقرآن الكريم؛ لأن حذف المفعول كان لأجل الفاصلة، فهذا ما يستحق أن يوقَف عنده. هم يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (الضحى: ١ - ٣) أي: وما قلاك، فحذف ضمير المخاطب الواقع مفعولًا به؛ رعايةً للفاصلة في الآية التي قبلها والآية التي بعدها. وقال بعضهم: إن حذف المفعول هنا لأجل الاختصار اللفظي؛ لظهور
стр. 296
المحذوف كما في قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٥) أي: والذاكرات لله.
والواقع أن الاختصار علة متحققة في كل مواقع الحذف، لكنه لا يعول عليه وحدَهُ في الأعم الأغلب منها، وإنما تَكمُنُ أغراض أخرى أهمُّ، كذلك فإن رعاية الفاصلة في القرآن الكريم لا ينبغي أن تكون غرضًا مستقلًّا وراءَ حذفِ المفعول أو حذف سواه، صحيح أن تناسق الإيقاع أداة بارزة في مجال النظم القرآني، لكن الاقتصار عليه لا يعدو أن يكون اقتصارًا على علة لفظية، والإعجاز البلاغي للقرآن لا يقف عند حدود اللفظ، وإنما تتآزر فيه الألفاظ والمعاني تآزرًا كاملًا. ولهذا نجد أحيانًا فاصلةً مختلفةً تقطع نَسَقًا موحدًا من فواصلَ متعددة؛ لاقتضاء الدلالة عليه.
وقد علقت الدكتورة عائشة عبد الرحمن -رحمها الله- على هذا الكلام بكلام بديع، تقول فيه: إن البيان الأعلى لا يتعلق في فواصله بمجرد دعاية شكلية للرونق اللفظي، وإنما تأتي الفواصل لمقتضيات معنوية مع نسق الإيقاع بها، وائتلاف الجَرْس بألفاظها التي اقتضته المعاني على نحو تتقاصر دونه بلاغة البلغاء، وفي مقدمة الأمثلة القرآنية التي يُستشهد بها طرح كاف الخطاب من الفعل: ﴿قَلَى﴾ في الآية السابقة، فليس إسقاطها كما تقول: اكتفاء بالكاف الأولى في: ﴿وَدَّعَكَ﴾، ولمشاكلة رءوس الآي كما ذهب الفراء، وليس رعايةً للفاصلة كما ذهب الفخر الرازي وبعضُ المفسرين.
وأيدت رأيها: بأن البيان القرآني عَدَلَ عن رعاية الفاصلة في الآيات بعدها، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: ٩ - ١١) فجاءت الفاصلة الأخيرة بحرف الثاء، وهو ليس
стр. 297
موجودًا في الفواصل السابقة، بل ليس موجودًا في الصورة كلها، وكان من الممكن أن تكون الفاصلة: "فخبِّر"؛ اتساقًا مع الفاصلتين السابقتين.
وهذا الذي ذكرته الدكتورة عائشة ينمُّ عن إحساسٍ مرهفٍ بالقرآن الكريم وبالآية، وبيان سر الحذف فيها أنه لا يتعلق بالفاصلة فحسب، وإن كان يعطي درسًا موسيقيًّا، ويعطي جمالًا في اللفظ، إلا أنه لا بد من غرض أسمى لهذا الحذف لا يقتصر فيه على اللفظ فقط. فمثلًا مما يُستأنث به في الآية الكريمة أن نقول: إن حذف المفعول كان لتجنب مواجهة الرسول ﷺ بما لا يحب، فلو قال : "قلاكَ" بمعنى كرهك، لا يناسب المقام الذي يُساق فيه الآياتُ من مقام إناس، وإشاعةِ الطمأنينة في نفسه، وتبديدِ بشعوره بالوحشة الذي أحسَّ بها بعد فتور الوحي وانقطاعه عنه فترةً من الزمن.
وبعدُ، فهذه هي أهم الأغراض التي ذكروها في حذف المفعول به، وكان الذكر والحذفُ من مظاهر النظم التي بينها الجُرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 298
الدرس: ١٦ التوكيد في النظم القرآني .
стр. 299
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(التوكيد في النظم القرآني)
تعريف التوكيد، وأغراضه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وبعد:
نتناول اليوم -إن شاء الله صورة من صور النظم القرآني التي بَدَا فيها الإعجاز واضحًا جليًّا لكل ذي عينين يبصر ويفهم كلامَ الله هذه الصورة هي صورة التأكيد أو التوكيد.
فإننا سنتناول ثلاث صور كل منها في درس مستقل تترابط في مسألة النظم وهي: التوكيد، والتكرير، والزيادة.
ونبدأ اليوم بكلامنا عن التوكيد:
والتأكيد لغة في التوكيد، ويقال: أكَّد الشيء ووكده، والواو أفصح؛ لقوله تعالى: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (النحل: ٩١)، ولذا يقولون: وكَّد العقدَ والعهدَ أي: أوثقه، والهمزة فيه لغة، ويقال: أوكدته وأكدته وآكدته إيكادًا، وبالواو أفصح أي: شددته، وتوكد أمرُه، وتأكد بمعنى أي: توكد وتأكد بمعنًى واحدٍ. ويقال: وكدت اليمين، والهمز في العقد أجود، تقول: إذا عقَّدْتَ فأكِّد، وإذا حلفت فوكد. إذن أكد ليست أصلًا؛ لأن الهمزة مبدلة من واو، والتوكيد لا يؤتَى به إلا لحاجة.
ومن هنا كانت للتوكيد دواعيه وأسبابه ومراتبه التي قال بعضهم فيها: إنما يؤتى به للحاجة للتحرز عن ذكر ما لا فائدةَ له، فإن كان المخاطب خالي الذهن ألقي إليه الكلام بدون توكيد، وإن كان مترددًا فيه حسن تقويته بمؤكد، وإن كان منكرًا وجب تأكيده. واستخدم القرآن التوكيدَ وسيلةً لتثبيت المعنى في نفوس قارئيه، وإقراره في أفئدتهم؛ حتى يصبح عقيدةً من عقائدهم، فهذا التأكيد يقرر المعاني التي يريدها المولى في كتابه.
стр. 300
الأغراض التي من أجلها استخدم القرآن الكريم أسلوبَ التوكيد: أول هذه المعاني: هو تأكيد القرآن لصفات الله حتى يستقر الإيمان بها في النفوس؛ لأن ذلك هو الأساس الذي ينبني عليه الدين، فلذا نجد القرآن كثيرًا ما يقرر هذه الصفات التي تدل على الوحدانية والقدرة، والتصرف المطلق في الكون: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النور: ٤٥)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: ١١٠)، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١١٥)، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٣)، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٥٨)، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: ١٨٢)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٩٠)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ١٩٥)، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: ٢)، ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٠٩)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: ٢٢٢)، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٨١). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٧٥)، ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة: ٢٦٧)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (آل عمران: ٥)، ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: ٩)، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (آل عمران: ١٩٩)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: ٣٧)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت: ٦)، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (لقمان: ٢٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: ١٢٠).
هذه المعاني التي يؤكدها المولى وتتكرر في كتابه في النفس، ينبثق منها العمل الصالح المبني على أساس من الإيمان المكين.
стр. 301
وتارةً أخرى نجد القرآن الكريم يؤكد مسألة الوعد والوعيد، فيكرر المولى مؤكدًا في كتابه: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ٤)، ﴿أنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ٣٦)، في مواضع شتى، وكذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ٣٢)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٦٧)، وهكذا يكون تكرار هذا المعنى في كتاب الله . والغرض الثالث هو هو تأكيد كل خبر هو مجال للشك أو الإنكار، يقول المولى : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١١ - ١٤) أَوَلَا تراهم عندما أنكروا الإفساد في الأرض والسفاهة، أكد المولى اتصافهم بها بـ"ألا" و"إنَّ" وتعريف ركني الإسناد، وذلك يؤذن بتأكيد المعنى الذي أنكروه، والذي يريدون إثبات خلافه. ولما كان إقرارهم للمؤمنين بالإيمان بألسنتهم مبعثًا للشك في نفوس شياطينهم، دفعهم ذلك إلى تأكيدهم لهم الثبات على مبادئهم، وأنهم لا يبغون عنها حِولًا.
وانظر أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (يس: ١٣ - ١٦)، ألا ترى المرسلين قد أكدوا رسالتهم بـ"إنَّ" عندما كذبهم أصحاب القرية، فلما لج هؤلاء في التكذيب، زاد المرسلون في تأكيد رسالتهم مؤكدًا جديدًا هو اللام، وأشهدوا ربهم على صدق دعواهم.
стр. 302
من الأغراض التي أكدها القرآن الكريم أيضًا على مدار السور والآيات: هو تقرير أن الكتاب الذي جاء به رسول الله ﷺ هو منزل من عند الله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء: ١٠٥)، ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (الرعد: ٣١)، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)، إلى غيرها من الآيات. وكذلك تأكيد أنَّ كتاب الله كتاب هداية ينير البصائر، ويجعلها تهتدي إلى أقوم طريق، يقول المولى : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٩).
هذا مقدار مما أكد القرآن الكريم معانيه في كتابه على مدار السور والآيات، بالإضافة إلى الرد على منكري البعث، والأمور التي كثر فيها الجدل، فإن القرآن استخدم التأكيد؛ لبيان معان هي من أسس الشريعة التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- رحمةً للعالمين.
صور وأساليب التوكيد
والآن ننتقل إلى الحديث عن صور وأساليب التوكيد:
التوكيد له صور عديدة، وابتداءً نوضح أن هناك فرقًا بين حديثنا عن التوكيد، وبين حديث النحاة عن التوكيد. فالنحاة يقسمون التوكيد إلى نوعين؛ توكيد لفظي: وهو ما كان بإعادة اللفظ المراد توكيده، ويعرب توكيدًا، ويتبعه في الإعراب: رفعًا ونصبًا وجرًّا، وتوكيد معنوي: وهو ما كان بألفاظ معينة تُستخدم لغرض التوكيد: ككل وجميع وكلا وكلتا ونفس وعين. هذا التقسيم النحوي.
أما صور التوكيد عند البلاغيين تقسَّم إلى أساليبَ وصورٍ عديدة؛ منها: ما يسمونه أيضًا بالتوكيد اللفظي، ولكن ليس بمعنى الإعراب كما يذهب إليه النحاة، وإنما هو بإعادة اللفظ المراد توكيدُه، سواء كان مفردًا اسمًا أو فعلًا أو
стр. 303
حرفًا، وسواء كان جملة أو فُصِلَ بينهما وجاءت بعدها الجملة على سبيل تأكيد المعنى بلفظٍ واحدٍ.
فمثال توكيد الاسم: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (الفجر: ٢١)، ومثال تأكيد الفعل: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: ١٧)، ومثال توكيد اسم الفعل: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: ٣٦)، ومثال توكيد الجملة: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (المؤمنون: ٣٥)، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: ٥، ٦) وكثيرًا مع ما تقترن الجملة الثانية بـ"ثم" كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (الانفطار: ١٧، ١٨) هذا يطلق عليه البلاغيون توكيدًا لفظيًّا، أو يدرجوه تحت التوكيد اللفظي، وإن كان من النحاة مَن ينكر على مثل قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر: ٢١، ٢٢)، أن هذا ليس من قبيل التوكيد؛ لأن المعنى فيه: دكًّا بعد دكٍّ، وصفًّا بعد صفٍّ. هذا خلاف يتحدث فيه النحاة وفي توجيههم وفي إعرابهم، وخلافهم أيضًا بين ما يفرقون به بين التوكيد اللفظي وبين التكرار عند النحاة، كما أشار إلى ذلك ابن هشام في مسألة الأذان: "الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح".
من مظاهر التوكيد اللفظي الذي يهتم به البلاغيون: تأكيد الضمير المنفصل بمثله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٣)، "هم هم". وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل كقوله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (الأعراف: ١١٥)، وفي تأكيدهم ما يشعر بثقتهم بأنفسهم: ﴿إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ
стр. 304
إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (طه: ٦٨) وفي ذلك تثبيت قلب موسى ﵇ وبعث الطمأنينة إليه: ﴿أَنْتَ الْأَعْلَى﴾.
ومنه أيضًا تأكيد الفعل بمصدره، ويكون ذلك في الأمور التي يتوهم فيها المجاز، فيأتي الفعل لرفع هذا التوهم، تأمَّلْ قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء: ١٦٤)، فقد يطلق الكلام على الإيحاء وينصرف الذهن إليه، فجاء المصدر؛ لإزالة هذا التوهم. وقوله : ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ (الطور: ٧ - ١٠) أَوَلا ترى أن اضطراب السماء وسير الجبال مما قد تتردد النفس في قبوله، فجِيء بالمصدر؛ تأكيدًا لوقوعه. ومن البديع أن يأتي توكيد المصدر بمصدر آخرَ غير المصدر المؤكِّد للفعل المذكور، فينوب عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (المزمل: ٨) وفي ذلك دلالة على ما للتبتيل من أثر في استجلاب رضوان الله، فأمر به مؤكدًا. ولعل السر في العدول إلى هذا المصدر هو المحافظة على النغمة الموسيقية للآية.
التوكيد اللفظي يندرج تحته أيضًا: ما يسمى بالتكرار، فقد يكرر القرآن الجملة المؤكدة عدة مرات بألفاظها نفسها، عِلمًا منه بما لذلك من أثر في النفس، فتراه مثلًا في سورة الشعراء يكرر الجملتين الآتيتين خمس مرات من غير أن يغير من ألفاظهما حرفًا، فقال سبحانه على لسان بعض رسله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء: ١٠٧، ١٠٨)، وهي وإن كانت مقولة على ألسنة عدة رسل توحي لتكرارها بعبارة واحدة بصدق هؤلاء الرسل، وتثبيت التصديق بهم.
стр. 305
الضرب الثاني: هو التوكيد المعنوي؛ قلنا بألفاظ معينة كما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (ص: ٧٣) وفائدة هذا اللون من التوكيد رفع ما يُتوهم من عدم الشمول، فإن كلمة: ﴿كُلُّهُمْ﴾ أفادت ذلك أن الملائكة جميعًا قد سجدوا، وكلمة: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ أفادت اجتماعهم على السجود وأنهم لم يسجدوا متفرقين. فهذا مما استخدم في القرآن وأطلق عليه توكيد، وهو يتفق مع النحاة في توجيهه.
أهم صورة من صور التوكيد، أو مقصد البلاغيين الأساسي في مسألة التوكيد: وهو التوكيد باستخدام أداة من أدوات التوكيد، أو وسيلة من وسائله؛ لأن هذه النقطة هي المحور الأساسي الذي يدور حوله درسنا، والذي يهمنا في هذا الباب عندما نتأمل النظم القرآني في استخدام أساليب بأدوات معينة، هذه الأدوات تؤدي معنى التأكيد الذي يريده المولى . فمن ذلك: إنَّ وأنَّ، وإنما، ولام الابتداء، والقسم، وألا الاستفتاحية، وهاء التنبيه، وكأنَّ لتأكيد التشبيه، وضمير الشأن، وضمير الفصل، وقد، والسين، وسوف، ونونا التوكيد الثقيلة والخفيفة، ودخول الأحرف الزائدة. كل ذلك من الأدوات ومن الأساليب التي تؤدي إلى معنى التأكيد، وبَانَ فيها الإعجاز القرآني.
من أهم الصور التي اهتم البلاغيون ببيانها هو التأكيد بإنَّ وأنَّ، وهما يؤكدان الجملة الاسمية، والفرق بينهما بإيجاز بسيط: أن إنَّ تكون في بداية الكلام، أو فيما يصلح الابتداء به، وأنَّ تكون وسط الكلام حيث يصح إحلال مصدر محلها، أو إحلال مفرد محلها. فإنَّ وأنَّ اهتم عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) ببيان دورها في التأكيد، فتدخل إنَّ في الكلام، ففضلًا عن تأكيدها لمعنى الجملة تربط ما بعدها
стр. 306
بما قبلها. يقول عبد القاهر: "هل شيء أبينُ في الفائدة وأدلُّ على أن ليس سواء دخولها وألا تدخل، مِن أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها، وتأتلف معه، وتتحدُ به، حتى كأن الكلامَيْن قد أفرغَا إفراغًا واحدًا، وكأنَّ أحدَهم قد سُبك في الآخر. هذه هي الصورة حتى إذا جئتَ إلى إنَّ فأسقطتها، رأيت الثاني مبهمًا قد نَبَا عن الأول، وتجافَى معناه عن معناه، ورأيتَه لا يتصل به ولا يكون منه بسبيل، حتى تجيء بالفاء، ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتَا عليه من الأُلفة. وترد عليك الذي كنتَ تجد بإنَّ من المعنى".
يوضح عبد القاهر الفرقَ بين استخدام إنَّ بدلًا من فإنَّ، مع أن سياق الكلام يستدعي جلب الفاء، فهي تربط إنَّ محل الفاء في الكلام، وتؤدي معنًى أزيدَ من التوكيد، وهو الربط بين الجملتين. وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: ١)، فهذه الزلزلة سبب في الأمر بالتقوى، فسياق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ فزلزلة الساعة شيء عظيم، فعدل عن استخدام الفاء إلى إنَّ، وأفادت معنى التوكيد والربط بين الجملتين. وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧) ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣) ومن أبين ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (هود: ٣٧) وقد يتكرر في الآية الواحدة كقوله : ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٣)، ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ وهي على الجملة من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء. فأمثلتها عديدة في كتاب الله .
стр. 307
وإنما تقع إنَّ في موضع الفاء إذا كانت جملتها توضح ما قبلها، وتبين وجهَ الفائدة كما ذكر عبد القاهر من الآيات، فكما ذكرنا في قوله : ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تبين سبب أمرهم بالتقوى، وكذلك: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ إذ تبين السبب في طلب الصلاة لهم من النبي ﷺ . ولكن ذلك لا يطرد في كل موضع، بل هناك ما لا يحصَى من الجمل التي لا تقتضي الفاء. يعني: أن كون إنَّ تحل محل الفاء في الربط، هذا لا يطرد في جميع المواضع، فمثال عدم الاطراد أو عدم صحة إحلال الفاء قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (الدخان: ٥١، ٥٢)، فقبله: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ (الدخان: ٥٠) ولو أنك قلت: إن هذا ما كنتم به تمترون فالمتقون في جنات وعيون، لم يكن كلامًا.
وقوله : ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٠، ١٠١)، فلو أتينا مكان إنَّ بالفاء، لم تجد لها وجهًا، كما أنه لا يجوز المجيء بالفاء مكان إنَّ في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الحج: ١٧)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٣٠)، لأن جملة إنَّ الثانية خبر عن الأولى في الآيتين والخبر لا يجوز عطفه على المبتدأ.
أشار الجرجاني أيضًا إلى بعض خصائص إنَّ في التوكيد يقول: "ومن خصائصها: أنك ترى لضمير الأمر أو الشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث يصلح إلا بها".
стр. 308
هذه مسألة جميلة أشار إليها الجرجاني في استخدام ضمير الأمر، أو ما يسمى بضمير الشأن، وهو الذي تستطيع أن تحل محله كلمة الشأن أو الأمر، مثال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١)، أي: قُل الشأنُ أو الأمرُ اللهُ أحد. يذكر الجرجاني المواضع التي تأتي إنَّ مؤكدةً لضمير الشأن، أن يكون اسمها هو ضمير الشأن، كقوله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٠)، ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (التوبة: ٦٣)، ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ﴾ (الأنعام: ٥٤)، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧)، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ (الحج: ٤٦).
فإذا رأيت اسم إنَّ في هذه المواضع تجده هو ضمير الشأن أو الأمر، أي: إن الشأن لا تَعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، إن الشأن: ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، إن الشأن من يعمل منكم سوءًا بجهالة ثم يتوب فإن الله يتوب عليه إلى غير ذلك من المواضع التي ذكرت في كتاب الله. فإن قلت: هنا يعترض الجرجاني ويبين معنًى لطيفًا، يقول: "فإن قلت: أَوَليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرًّى من العوامل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ قيل: ﴿هُوَ﴾ وإن جاء هنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة مع الشرط والجزاء، بل تراه لا يجيء إلا بإنَّ، على أنهم قد أجازوا في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أن لا يكون الضمير للأمر". هذه المسألة من الجرجاني ﵀ ليؤكد المعنى بأن استخدام ضمير الشأن يحسن مع إنَّ، وهذا لا ينفي منه ﵀ أن: ﴿هُوَ﴾ في هذه الآية ضمير الشأن، وإن كان البعض ذهب إلى أنها ليست ضمير الشأن.
стр. 309
وكذلك تستخدم إنَّ في التأكيد في مسائل الحوار والجدل، بأن يطلق سؤال ويراد إجابته، فتأتي الإجابة بالتأكيد بإنَّ؛ لإقراره في نفس السائل والمجادل، وتثبيته في قلبهما، فتقع الجملة جوابًا في المواضع التي تجيء فيها إنَّ، كقوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الكهف: ٨٣، ٨٤)، وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٦)، ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (غافر: ٦٦)، فإن كان الكلام جوابَ منكرٍ حُشِد له أكثر من أداة واحدة للتوكيد.
وكذلك إنَّ تستخدم للدلالة على أن المتكلم كان يظن أمرًا فحدث خلافه، فيأتي بهذا التوكيد؛ ليرد على نفسه ظنَّه، وكأنه يريد لهذه النفس أن يستقر فيها هذا النبأ الجديد الذي لم تكن تتوقعه، بل تتوقع سواه، وكأنها تريد أن تخلي مكانًا من القلب قد شغل بخاطر لتحل فيه خاطرًا جديدًا. وتأمل قوله تعالى حكايةً عن أم مريم: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (آل عمران: ٣٦)، فأم مريم ﵍ كان الأمل يملأ قلبها في أن تلد ذكرًا نذرته لله، ولطول ما شغلها هذا الأمل تجسم في خيالها، حتى صار كأنه حقيقة واقعة، فلما وضعت مريم، فوجئت، فأرادت أن تقر هذا الأمر الجديد في قلبها؛ حتى تروض نفسها عليه، وتستسلم لما كان. وانظر أيضًا قوله سبحانه في حكاية نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ (الشعراء: ١١٧)، فلم يكن نوح يتوقع أن يكذبه قومه وقد جاءهم من ربهم بالنور والهدى، فكان تكذيبهم صدمة له يريد أن يوطن عليها نفسه. وختامًا يذكر أن من خواص التوكيد بإنَّ أنه أقوى من التوكيد باللام.
стр. 310
من أدوات التوكيد أيضًا التي تلحق بإنَّ هي: إنما، وأنما. أي: بزيادة ما على إنَّ المؤكدة، والفرق ابتداءً بين الأسلوبين: أن دخول "ما" على إنَّ يزيل اختصاصها بالجملة الاسمية، بمعنى: أنه إذا صارت إنَّ إنما، أو صارت أنَّ أنما، لا يشترط أن تكون مؤكدةً للجملة الاسمية، فيجوز توكيدها للجملة الفعلية كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨). يفرد الجرجاني أيضًا حديثًا عن إنما كأداة من أدوات التوكيد في النظم القرآني، فالأصل فيها أن تأتي في الأمور التي يُدَّعى أنها من الوضوح بمكان كقوله : ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ (التوبة: ٩١ - ٩٣) ألا ترى أنه من الوضوح بمكان مؤاخذة هؤلاء الأغنياء القادرين على المساهمة في الجهاد، ثم يستأذنون راضين بأن يكونوا مع الخوالف؟
واقرأ أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: ٢)، فواضح بَيِّنٌ أن المؤمنين ليسوا سوى هؤلاء الذين تخاف قلوبهم إذا ذَكروا الله ويزدادون إيمانًا إذا تليت عليهم آياته، ويتوكلون على ربهم؟ ولأنها تستخدم في الأمور الواضحة جاء قوله تعالى حكايةً عن اليهود: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: ١١). فقد ادَّعوا أن إصلاحهم أمر واضح لا يحتاج إلى دليل، ولذا احتوى الرد عليهم فُنونًا من التوكيد، إذ قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: ١٢) فكان التوكيد بـ"أَلَا" وبـ"إنَّ" وبضمير الفصل. وكذلك حكى القرآن عنهم في موضع آخر فقال:
стр. 311
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤) فهم يدَّعون لشياطينهم أن استهزاءَهم بالمؤمنين من الأمور التي لا مجالَ للريب فيها، ولا تكون مبعثًا لسوء ظن شياطينهم فيهم.
قد تستخدم إنما في موضع هو مجال للشك أو الإنكار كما قال : ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (الشعراء: ١٥٣) فهم يخاطبون الرسول الذي ينكر، ولا ريب هذا الحكم، ولكنهم أتوا بتلك الصيغة كأنهم يدّعون وضوح أنه مسحور، لا ينطق عن عقل واع مفكر. يقول الجرجاني: "ثم اعلم أنك إذا استقريتَ وجدتها أقوى ما تكون، وأعلق ما ترى بالقلب إذا كان لا يُراد بالكلام بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، نحو أنَّا نعلم أن ليس الغرض من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩) أن يعلم السامعون ظاهر معناه، ولكن أن يذم الكفار، أن يقال: إنهم من فرط العناد ومن غلبة الهوى عليهم في حكم مَن ليس بذي عقل، وإنكم إذا طمعتم منهم في أن ينظروا ويتذكَّروا، كنتم كمن طمع في ذلك من غير أولي الألباب. كذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (النازعات: ٤٥)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ (فاطر: ١٨) المعنى على أن من لم تكن له هذه الخشية فهو كأنه ليس له أذن تسمع، وقلب يعقل، فالإنذار معه كَلَا إنذار.
ويغلب على إنما في القرآن أن تكون بمثابة الجواب عن سؤال يقتضيه السياق قبلها صريحًا أو ضمنًا، فيكثر في الصريح سَبْقها بمادة القول كما في قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) هذا مثال للسؤال الصريح.
стр. 312
ومن السؤال الضمني قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة: ٥٨ - ٦٠). ويقِل في القرآن استخدام أنما مفتوحةً وسيلةً، ومن مثال اقتصار الوحي على وحدانية الله باستخدام أنما مفتوحة قوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الأنبياء: ١٠٨).
ثالثًا: من أساليب التوكيد في النظم القرآني استخدام النفي والاستثناء، وكما تعلمون أن إنما وأنما والنفي والاستثناء يُدرس في باب البلاغة في باب القصر، والقصر صورة من صور تأكيد الكلام، فلذا عد العلماء إنما والنفي والاستثناءَ من أساليب التوكيد بالأداة في كلام العرب. فالنفي والاستثناء هو أن يسبق الاستثناء بأداة نفي نحو: ما، أو لا، أو إن المخففه بالكسر، فمثال استخدام النفي والاستثناء لإثبات أن الله وحده هو الذي يتصف بالوحدانية قوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) وأحيانًا تُستخدم لإثبات الحكم لموصوفات يُعتقَد اتصافها بغير هذه الصفة، كما في قوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (الأنعام: ١٤٥) فليس الطعام المحرم هو ما ذُكر في تلك الآية فحسب، بدليل أن المحرمات ذكرت أيضًا في سورة المائدة، وإنما ذكرت تلك المحرمات هنا في معرض الرد على مَن كان يعتقد حِلها.
стр. 313
وكذلك يستخدم ما وإلا لتأكيد ما يسمى بالقصر الإضافي، كقوله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (آل عمران: ١٤٤) صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فليس المراد هنا قصر محمد -صلوات الله وسلامه عليه- على الرسالة فحسب، بحيث لا يتعدَّاها إلى غيرها، بل المراد أن محمدًا ﷺ مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى الخلوص من الموت الذي استعظموا أن يلم به، لذا قال : ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٤٤). وقد تتجسم الصفة من صفات الشيء حتى تطغَى على مَن سواها، فيستخدم القرآن أسلوب النفي والاستثناء لإثبات ذلك، كما في قوله : ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (الأنعام: ٣٢) فكأنَّ الموصوف قد خَلُصَ لها، فلم يعد متصفًا بغيرها، فيصح قصره عليها، أي: أنها تتصف باللعب واللهو، مع أنه من المعلوم أن الحياة فيها من الأحزان والأشجان والآلام ما لا ينفك عنه عبد من العباد والجميع يتعرض له، فإنما ذكر المولى : ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ هذا على سبيل بيان أنها في حقيقتها لا تعدو عن هذين اللونين اللذين يطغيان على غيرهما مما يلم بالعباد أو ينزل بهم.
ويستخدم القرآن ما وإلا لإثبات أن الحاكم واحد ونفي أن يكون هناك حاكم غيره قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (المائدة: ٧٣). وعمومًا، فاستخدام ما وإلا للتوكيد من أقوى الأدوات التي تؤدي لمعنى قصر شيء على شيء صفة على موصوف أو موصوف على صفة، كما تقسم في البلاغة، ولذا هي من أقوى الأدوات التي تستخدم في ذلك، فيكون استخدامها كثيرًا في الأمور التي هي مجال للشك والإنكار. انظر إلى قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: ٤٧) ألا ترى أن الظالمين يخاطبون بذلك قومًا آمنوا وينكرون دعوى سحر الرسول؟
стр. 314
وقوله سبحانه: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٦٠) فالتخويف يبعث في النفس الشك في أنهم ينصرفون عن كفرهم، فكان ثمة مدعاة لتأكيد زيادة طغيانهم. وقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: ٨٢) فهذا القرآن الذي هو شفاء ورحمة مجالٌ لشك النفس في أنه خَسار للظالمين، فكان المجال مجالَ تأكيد ذلك بما وإلا.
فإذا جاء أمر من الأمور المسلم بها بالنفي والإثبات، فذلك لتقدير أمر صار به في حكم المشكوك فيه. كقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٢، ٢٣) فالمجيء هنا بالنفي والإثبات؛ لأن النبي ﷺ قد خُوطِبَ خطابَ مَن يظن أنه يستطيع أن يحول قلوبَ المشركين عما هي عليه من الإباء والعناد، ولا يعلم علم اليقين أن ليس في وسعه شيء أكثر من التحذير والإنذار، فجرى الأسلوب كما يجري في خطاب الشاك، فقيل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾. وكقوله : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٨) فهو يخاطب قومًا يرَوْن في الرسول مخلوقًا قد يملك لنفسه الضر والنفع، ويعلم الغيب، فكان من المناسب وتلك حالهم أن يأتي من أدوات القصر بالنفي والاستثناء يزيل بها بذور الشك من نفوس سامعيه.
وقد يجيء النفي والاستثناء لبيان تأكيد الأمر في نفس قائله كما في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٥٢) فهذا تعبير صادق لشعور المبعوثين يوم القيامة بأنه ما انقضَى عليهم منذ وفاتهم سوى أمد يسير. وكذلك قد يجيء للإجابة عن سؤال محقق أو مقدر لتأكيد هذا
стр. 315
الجواب كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ (المائدة: ١١٦، ١١٧).
رابعًا: من أساليب التوكيد استخدام لام التوكيد أو ما تسمى بلام الابتداء، فإذا ما دخلت إنَّ وانصرفت من اسمها إلى خبرها سميت باللام المزحلقة، وهذه اللام الذي يؤتَى بها للتوكيد، وذلك كقوله سبحانه: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (الحشر: ١٣) وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ (الليل: ١٢، ١٣).
من ذلك: أنه إذا عبِّر عن أمر يعز وجوده أو فعل يكثر وقوعه، جِيء باللام تحقيقًا لذلك، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: ١) فانظر إلى هذه اللامات الثلاثة الواردة في خبر إنَّ، والأولى وردت في قول المنافقين، وإنما وردت مؤكدةً؛ لأنهم أظهروا من أنفسهم التصديق برسالة النبي ﷺ وتملقوا له، وبالغوا في التملق وفي باطنهم خلافُه، وأما ما ورد في الثانية والثالثة فصحيح لا ريبَ فيه، واللام في الثانية لتصديق رسالته، وفي الثالثة لتكذيب المنافقين فيما كانوا يظهرونه من التصديق الذين هم على خلافه. وانظر أيضًا لقوله : ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (يوسف: ١١، ١٢) فإنه إنما
стр. 316
جيء باللام ها هنا؛ لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف ﵇ والإشفاق عليه؛ ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة لإرساله معهم.
وانظر أيضًا من لطيف استخدامها في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: ٦٤ - ٦٥) ثم قال : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: ٦٨ - ٧٠) فأكَّد في الأولى: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ وترك التوكيد في الثانية: ﴿جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ وإنما جاءت كذلك؛ لأن جعل الماء العذب مالحًا أسهل إمكانًا في العرف والعادة، والموجود من الملح أكثرُ من الماء العذب، وكثيرًا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة، فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحًا إلى زيادةِ تأكيدٍ، فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة التحقيق. أما المطعوم فإن جَعْلَه حطامًا من الأشياء الخارجة عن المعتادٍ، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد، فلذلك قُرن بلام التأكيد؛ زيادةً في تحقيق أمره، وتقريرِ إيجاده. وانظر إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ (الحجر: ٢٣) فاللام في ﴿لَنَحْنُ﴾ تؤكد هذا المعنى الذي يعلم من أن الله له الإحياءُ والإماتةُ.
стр. 317
وانظر في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: ٥٥) فهذه اللام في: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، ﴿لَيُمَكِّنَنَّ﴾، ﴿لَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾، جاءت لتحقيق الأمر وإثباتِه في نفوس المؤمنين، وأنه كائنٌ لا محالةَ. وكذلك انظر في قوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ (يوسف: ٨) فاللام في: ﴿لَيُوسُفُ﴾ لام الابتداء، وأفادت تحقيق مضمون الجملة الواردة بعدها، أي: أن زيادة حبه إياهما أمرٌ ثابت لا مِراءَ فيه.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 318
الدرس: ١٧ تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم .
стр. 319
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم)
بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وبعد:
فنقول: من أدوات التوكيد المستخدمة في النظم القرآني الجملة الاسمية:
فإنه من المعلوم أن الفعل يدل على التجدد والحدوث، أما الاسم فيدل على الثبوت والدوام، ومن ثم كان التعبير بالجملة الاسمية محل الفعلية صورة من صور التوكيد المستخدمة في النظم القرآني. فلذا اهتم العلماء ببيان ذلك على أنه من صور التوكيد، وإن كان البعض لا يرى ذلك. يقول أستاذنا الدكتور لاشين: "وإذا كان وضع الجملة الاسمية على إفادة الثبوت ووضع الجملة الفعلية على إفادة التجدد، فإن الجملة الاسمية تدل على معنًى أوفى مما تدل عليه الجملة الفعلية، ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الجملة الاسمية تفيد تأكيد المعنى، وقد تؤثر الجملة الاسمية من أجل هذا في بعض المقامات على الجملة الفعلية كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤) فالمنافقون خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية: ﴿آمَنَّا﴾؛ لأنهم أظهروا الإيمان وأحدثوه خوفًا ومداراة، وحينما خاطبوا شياطينهم كانت الجملة الاسمية المحققة بإنَّ المشددة؛ لأنهم في مخاطبة إخوانهم ثابتون على الكفر، ويخبرون به عن صدقٍ ورغبةٍ.
وقوله : ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (هود: ٦٩) إذ أصل الأول: نسلم سلامًا، وأصل الثاني: سلام عليكم، أي الجملة الأولى فعلية قالوا: نسلم سلامًا، فأجاب إبراهيم ﵇: سلام عليكم، كأن إبراهيم ﵇ أراد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به؛ أخذًا بأدب
стр. 320
الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: ٨٦) فاختلف سلامهم عن سلامه -عليه أفضل الصلاة والسلام. وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٥٥) فقوم إبراهيم ﵇ يقولون له: أأحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك؟ أم اللعب وأحوال الصبا مستمرة عليك؟ وفي قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٨) فقد أجاب الله تعالى عن قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لإخراج ذواتهم من جنس المؤمنين؛ مبالغةً في تكذيبهم، ولهذا أطلق قوله: ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ وأكد نفيه بالباء".
وهذا الذي ذكره الدكتور لاشين مأخوذ من كلام ابن الأثير في (المثل السائر) عندما بين أنه يُعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر بضرب من التأكيد والمبالغة، أي يعدل عن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية لهذا الغرض، ومثَّل بقولهم: قام زيد، وإن زيدًا قائم، فقولنا: قام زيد، معناه: الإخبار عن زيد بالقيام، وقولنا: إن زيدًا قائم، معناه: الإخبار عن زيد بالقيام أيضًا، إلا أن في الثاني زيادةً ليست في الأول، وهي توكيده بإنَّ المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، وإذا زيد في خبرها اللام فقيل: إن زيدًا لقائم، كان أكثرَ توكيدًا في الإخبار بقيامه. وهذا المثال يُقاس عليه غيره. وهذا ما ذكر من استشهادهم بمجيء الجملة الاسمية كأداة من أدوات التوكيد، وهو معروف فيما يستدلون به وبما يذكره النحاة في التفرقة بين: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (يوسف: ١٨) بالرفع على أن الجملة اسمية، وبين ما قرئ في الشواذ: "فصبرًا جميلًا" بالنصب على أن الجملة اسمية، بأن هناك فرقًا، وهو التوكيد باستخدام الجملة الاسمية وكون المصدر مرفوعًا.
следующие страницы →