← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31077

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (425 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

جيء باللام ها هنا؛ لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف ﵇ والإشفاق عليه؛ ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة لإرساله معهم. وانظر أيضًا من لطيف استخدامها في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: ٦٤ - ٦٥) ثم قال : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: ٦٨ - ٧٠) فأكَّد في الأولى: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ وترك التوكيد في الثانية: ﴿جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ وإنما جاءت كذلك؛ لأن جعل الماء العذب مالحًا أسهل إمكانًا في العرف والعادة، والموجود من الملح أكثرُ من الماء العذب، وكثيرًا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة، فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحًا إلى زيادةِ تأكيدٍ، فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة التحقيق. أما المطعوم فإن جَعْلَه حطامًا من الأشياء الخارجة عن المعتادٍ، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد، فلذلك قُرن بلام التأكيد؛ زيادةً في تحقيق أمره، وتقريرِ إيجاده. وانظر إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ (الحجر: ٢٣) فاللام في ﴿لَنَحْنُ﴾ تؤكد هذا المعنى الذي يعلم من أن الله له الإحياءُ والإماتةُ.

стр. 317

وانظر في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: ٥٥) فهذه اللام في: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، ﴿لَيُمَكِّنَنَّ﴾، ﴿لَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾، جاءت لتحقيق الأمر وإثباتِه في نفوس المؤمنين، وأنه كائنٌ لا محالةَ. وكذلك انظر في قوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ (يوسف: ٨) فاللام في: ﴿لَيُوسُفُ﴾ لام الابتداء، وأفادت تحقيق مضمون الجملة الواردة بعدها، أي: أن زيادة حبه إياهما أمرٌ ثابت لا مِراءَ فيه. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 318

الدرس: ١٧ تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم .

стр. 319

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (تابع: التوكيد في النظم القرآني - التكرار في القرآن الكريم) بعض أدوات وأساليب التوكيد المستخدمة في النظم القرآني الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وبعد: فنقول: من أدوات التوكيد المستخدمة في النظم القرآني الجملة الاسمية: فإنه من المعلوم أن الفعل يدل على التجدد والحدوث، أما الاسم فيدل على الثبوت والدوام، ومن ثم كان التعبير بالجملة الاسمية محل الفعلية صورة من صور التوكيد المستخدمة في النظم القرآني. فلذا اهتم العلماء ببيان ذلك على أنه من صور التوكيد، وإن كان البعض لا يرى ذلك. يقول أستاذنا الدكتور لاشين: "وإذا كان وضع الجملة الاسمية على إفادة الثبوت ووضع الجملة الفعلية على إفادة التجدد، فإن الجملة الاسمية تدل على معنًى أوفى مما تدل عليه الجملة الفعلية، ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الجملة الاسمية تفيد تأكيد المعنى، وقد تؤثر الجملة الاسمية من أجل هذا في بعض المقامات على الجملة الفعلية كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤) فالمنافقون خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية: ﴿آمَنَّا﴾؛ لأنهم أظهروا الإيمان وأحدثوه خوفًا ومداراة، وحينما خاطبوا شياطينهم كانت الجملة الاسمية المحققة بإنَّ المشددة؛ لأنهم في مخاطبة إخوانهم ثابتون على الكفر، ويخبرون به عن صدقٍ ورغبةٍ. وقوله : ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (هود: ٦٩) إذ أصل الأول: نسلم سلامًا، وأصل الثاني: سلام عليكم، أي الجملة الأولى فعلية قالوا: نسلم سلامًا، فأجاب إبراهيم ﵇: سلام عليكم، كأن إبراهيم ﵇ أراد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به؛ أخذًا بأدب

стр. 320

الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: ٨٦) فاختلف سلامهم عن سلامه -عليه أفضل الصلاة والسلام. وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٥٥) فقوم إبراهيم ﵇ يقولون له: أأحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك؟ أم اللعب وأحوال الصبا مستمرة عليك؟ وفي قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٨) فقد أجاب الله تعالى عن قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لإخراج ذواتهم من جنس المؤمنين؛ مبالغةً في تكذيبهم، ولهذا أطلق قوله: ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ وأكد نفيه بالباء". وهذا الذي ذكره الدكتور لاشين مأخوذ من كلام ابن الأثير في (المثل السائر) عندما بين أنه يُعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر بضرب من التأكيد والمبالغة، أي يعدل عن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية لهذا الغرض، ومثَّل بقولهم: قام زيد، وإن زيدًا قائم، فقولنا: قام زيد، معناه: الإخبار عن زيد بالقيام، وقولنا: إن زيدًا قائم، معناه: الإخبار عن زيد بالقيام أيضًا، إلا أن في الثاني زيادةً ليست في الأول، وهي توكيده بإنَّ المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، وإذا زيد في خبرها اللام فقيل: إن زيدًا لقائم، كان أكثرَ توكيدًا في الإخبار بقيامه. وهذا المثال يُقاس عليه غيره. وهذا ما ذكر من استشهادهم بمجيء الجملة الاسمية كأداة من أدوات التوكيد، وهو معروف فيما يستدلون به وبما يذكره النحاة في التفرقة بين: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (يوسف: ١٨) بالرفع على أن الجملة اسمية، وبين ما قرئ في الشواذ: "فصبرًا جميلًا" بالنصب على أن الجملة اسمية، بأن هناك فرقًا، وهو التوكيد باستخدام الجملة الاسمية وكون المصدر مرفوعًا.

стр. 321

من أساليب التوكيد أيضًا القسم؛ فقد لجأ القرآن إلى القسم متبعًا النهجَ العربي في توكيد الأخبار به؛ لتستقر في النفس، ويتزعزع فيها ما يخالفها، وإذا كان القسم لا ينجح أحيانًا في حمل المخاطب على التصديق، فإنه كثيرًا ما يوهن في النفس الفكرة المخالفةَ، ويدفع إلى الشك فيها، ويبعث المرء على التفكير القوي فيما ورد القسم من أجله. فالناظر في كتاب الله يجد المولى كثيرًا ما يقسم بذاته -جل في علاه- وتصدير ذلك بلفظ "رب" ولكن ذكراه حينًا يكون مضافًا إلى السماء والأرض، كقوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (الذاريات: ٢٣) لما في هذه الإضافة من الإشارة إلى خضوع السماء والأرض لأمره، وفي ذلك تعظيمٌ لشأنه، وإيحاءٌ بأن مَن كان هذا أمره لا يزج باسمه إلا فيما هو حق لا مِريةَ فيه. وحينًا آخر يُضاف لفظ "الرب" إلى المشارق والمغارب، كقوله سبحانه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (المعارج: ٤٠) لِمَا توحي به هذه الإضافة من القدرة البالغة التي تسخر هذا المخلوق الهائل وهو الشمس، فيشرق ويغرب في دقة وإحكام. وحينًا آخر يضاف إلى لفظ الرسول، كقوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ (مريم: ٦٨) وكأنه بذلك يوحي بأن أرباب المشركين ليست جديرة بأن يقسم بها، أو تكون محل إجلال وتقدير. والقرآن يستخدم أيضًا في القسم ما جرت عادتهم في استخدامه كالحَلِف بحياة المخاطَب، فأقسم سبحانه بحياة رسولنا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر: ٧٢) لتأكيد تشريف حياة الرسول وتعظيم أمره -صلوات الله وسلامه عليه- في أعين السامعين. ومن اللطائف أن المولى أقسم بذات نبينا الكريم، وأقسم بمكان ميلاده: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (التين: ٣) وأقسم أيضًا

стр. 322

بالزمان الذي بُعث فيه على قول بعض أهل التفسير عندما تعرضوا لقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (العصر: ١، ٢). وكذلك إذا أقسم القرآن بمصنوعات الله ومخلوقاته، كان في ذلك التأكيد على تنبيه المستمع إلى ما فيها من روعة تدفع إلى التفكير في خالقها: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ١ - ١٠) أَوَلَا ترى هذا القسم مثيرًا في النفس أقوى إحساسات الإعجاب بمدبر هذا الكون ومنظم شئونه هذا التنظيم المحكم الدقيق؟ أَوَليست هذه الشمس التي تبلغ أوج مجدها وجمالها عند الضحى، وهذا القمر يتلوها إذا غابت وكأنه يقوم مقامَها في حراسة الكون وإبهاجه، وهذا النهار يُبرز هذا الكوكب الوهاج، ثم لا يلبث الليل أن يمحو سَناه، وهذه السماء وقد أحكم خلقها، واتسقت في عين رائيها كالبناء المحكم الدقيق، وهذه الأرض وقد انبسطت في سعة، وهذه النفس الإنسانية العجيبة الخِلقة التي يتسرب إليها الهدى والضلال في دقة وخفاء، أليس في كل ذلك ما يبعث النفس إلى التفكير العميق في خالقها؟ وأن هذا الخالق لا يذكر هو وما خَلَقَ محاطًا بهذا الإجلال إلا في مقام الحق والصدق؟! وهكذا استُخدِم القسم في القرآن الكريم كمظهر من مظاهر قدرة الله وعظمته، وصِدْق ما جاء به هذا الدين الذي نزل القرآن؛ لتثبيت أسسه وقواعده، فيقول الله : ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ (الصافات: ٤) ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ (الذاريات: ٥)، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: ٧٧) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (النجم: ٢) كل ذلك في جواب ما بُدئت به هذه السور

стр. 323

الكريمة من قسم. وأحيانًا يكون الجواب مؤكدًا لأحوال الإنسان: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: ٦ - ٨). ومن لطائف القسم التي أشار إليها المفسرون قوله : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (الضحى: ١ - ٣) فيقول: تأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل المقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربُّه!! فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه عنه -صلوات الله وسلامه عليه. من الأساليب التي استخدمت في التوكيد أيضًا استخدام ضمير الفصل، أو ما يسمى عند الكوفيين بضمير العماد، وهو الضمير الذي يَفصل بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر. مثال الفصل بين المبتدأ والخبر: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧) ومثال الفصل بين ما أصله المبتدأ والخبر: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ٩٢) وقوله : ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة: ١١٧) وقوله : ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص: ٣٥) وقوله : ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (الصافات: ٧٧) فتلاحظ أن الضمير في هذه الآيات وقع بين اسم إنَّ وخبرها، وكلاهما في الأصل مبتدأ وخبر، واسم كان وخبرها، وكذلك أيضًا أصلهما مبتدأ وخبر، ومفعولي جعل وهي من الأفعال الناصبة لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فهذا الضمير الذي يؤتَى به للفصل، أي: لا يشغل محلًّا إعرابيًّا في الجملة، فيكون ما قبله وما بعده يعربان على أنهما ركنَا الجملة، أو ما حل محل الركنين في باب ظن وأخواتها.

стр. 324

انظر إلى ضمير الفصل في قوله : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ (النجم: ٤٣ - ٥٢) وانظر إلى الفرق بين استخدامه في مواضع، وتركه في مواضعَ أخرى، فاستخدم في: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾، و ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ ولم يستخدم في: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾، ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾، فتجد الضمير قد استخدم في الأفعال التي هي مظنة الاشتراك، كما ترى ذلك في جملة الإضحاك والإبكاء، والإماتة والإحياء، والإغناء والإقناء، أما حيث لا تدعى الشركة فلا حاجةَ إلى هذا الضمير كما ترى في جمل خلق الزوجين، والنشأة الأخرى، وإهلاك عادا الأولى. فقد يظن المرء أن له يَدًا في إضحاك الآخرين وإبكائهم، أو أنه يملك لأناس الحياةَ والموتَ كما قال الطاغية لإبراهيم ﵇: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (البقرة: ٢٥٨) أما هذه المسائل التي لا تحتاج إلى تأكيد؛ لأن الجميع يسلم بها، لم يقع فيها ضمير الفصل. كذلك لو نظرت في قوله : ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الشعراء: ٧٥ - ٨٢) فترى ضمير الفصل أتى حيث يتوهم في الفعل شركة كما في الهداية والإطعام والشفاء، أما حيث لا تتوهم تلك الشركة، فلا يأتي ضمير الفصل كما في الخلق والإماتة

стр. 325

والإحياء. أما ما يتعلق بضمير الفصل من شروطه وأحكامه وأنواعه، فهذا باب ينصرف إلى النحو أكثر منه إلى البلاغة. من أساليب التوكيد أيضًا بالأداة استخدام الحروف الزائدة؛ والحروف الزائدة هي الحروف التي لا تشغل محلًّا إعرابيًّا، أو لا تؤثر في الإعراب عند النحاة نماذج من استخدام هذه الحروف للتوكيد: هناك فرق بين اصطحاب خبر ليس بالباء وعدم اصطحابه بها، وكذلك ما يعمل عمل ليس مِن "ما" الحجازية. فانظر إلى قوله : ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ١٤٤) وقوله : ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (المجادلة: ١٠) ترى هذه الباءَ قد نفت كلَّ صلة تربط بين الله والغفلة في الآية الأولى، وبين السحر والضير في الآية الثانية، فلا صحبةَ بينهما ولا تلاقٍ. ومن الأمثلة المشهورة لاستخدام هذه الحروف الزائدة للتوكيد استخدام "مِن" الجارة، فشتان بين أن تقول لأحد مثلًا: ما معي مال، وبين أن تقول له: ما معي من مال. فإنك إذا قلتَ له: ما معي مال، ربما توهَّم أن معك مالًا ولكنه قليل، فيطالبك بشيء من المال أيضًا، فإذا ما قلت له: ما معي من مال، فقد أكدت النفي، وأنه ليس معك أي شيءٍ تستطيع أن تعطيه إياه. انظر إلى قوله : ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (ق: ٣٨) وكيف يؤدي المعنى للتوكيد أقوى مِن: وما مسنا لغوب. وكذلك قوله : ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ (المائدة: ١٩)، وفرق بين: ما جاءنا بشير ولا نذير. و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨) وفرق بين: ما علمت لكم إلهًا غيري. وهي كثيرة في كتاب الله . وهناك أدواتٍ أخرى تستخدم كـ لام القسم، وألا الاستفتاحية، وهاء التنبيه، وتوكيد التشبيه بكأنَّ، واستخدام ضمير الشأن أيضًا للتوكيد، واستخدام قد، واستخدام السين وسوف لتوكيد المضارع، واستخدام نوني التوكيد الخفيفة والثقيلة. كل ذلك من الأدوات التي تُستخدم للتوكيد.

стр. 326

مسألة التكرير وننتقل الآن إلى الحديث عما يتعلق بمسألة التكرير ابتداءً نقول: إن التكرير ضَرْب من ضروب الإطناب، فهو تَكرار اللفظ مرددًا لغرض بلاغي يريده المتكلم، هذا التكرير يخدم النص، ويخدم الأسلوب، ويخدم الكاتب فيما يريد أن يعبر عنه، وهذا التكرير بالنسبة لكتاب الله لبِّس على بعض ضِعاف النفوس أو لبس على بعض الملاحدة الذين يكيدون لدين الإسلام الطعنَ في كتاب الله عن طريق هذه الخاصية في كتاب الله، فقالوا: إن هناك تكرارًا لا فائدةَ فيه في بعض آيات القرآن الكريم -تعالى الله وكلامُه عما يقولون علوًّا كبيرًا. فنحن من خلال دراستنا للتكرير سيتضح لنا عِظم هذه الظاهرة في بيان إعجاز النظم القرآني، واختلافه عن غيره من سائر المنظوم. اهتم بهذه الظاهرة العلماء وأول مَن أشار إليها ابنُ قتيبة في كتابه (تأويل مُشكل القرآن) ثم بعد ذلك أفردها ابن الأثير في كتابه (المثل السائر) وتناولها بعض البلاغيين في كتبهم، ولكنهم لم يهتموا بجانب ذكر التكرار في القرآن الكريم، اهتموا بإظهاره في الشعر والمنظوم غير القرآن، كما فعل ابن رشيق في كتابه (العمدة). التكرير في القرآن الكريم: اعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدةَ في تكريره، فإن رأيت شيئًا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه، فانظر إلى سوابقه ولواحقه؛ لتنكشف لك الفائدة منه.

стр. 327

هذه العبارة ذكرها ابن الأثير في كتابه (المثل السائر) التكرير يقسمه العلماء إلى نوعين: تكرير في اللفظ والمعنى. وتكرير في اللفظ دون المعنى. التكرير في اللفظ والمعنى: ينقسم إلى قسمين: مفيد، وغير مفيد، وعندما يقول علماء البلاغة: مفيد، فإنما لا يعنون به الإفادة عند النحويين من وجود المسند والمسند إليه، أو أن الكلام يحسن السكوت عليه، وإنما يريدون بالمفيد من التكرير أن يأتي في الكلام؛ تأكيدًا له وتشييدًا من أمره، وإنما يُفعل ذلك؛ للدلالة على العناية بالشيء الذي كررتَ فيه كلامك؛ إما مبالغةً في مدحه أو في ذمه أو غير ذلك. أي: إنه يفيد الغرض الذي تتحدث فيه، وغير المفيد الذي يأتي في الكلام عيًّا وخَطَلًا من غير حاجة إليه، وبذا يتبين لك ابتداءً أن غير المفيد لا سبيلَ لتواجده في كتاب الله . فالتكرار في اللفظ والمعنى ينقسم المفيد منه إلى فرعين: الأول: هو أن يكون التكرير في اللفظ والمعنى دالًّا على معنى واحدٍ، وأن يكون المقصود به غرضين مختلفين، مثال ذلك: قول الله : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال: ٧، ٨) هذا تكرير في اللفظ والمعنى ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ﴾، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ وإنما جيء به ها هنا؛ لاختلاف المراد. وذلك أن الأول ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ تمييز بين الإرادتين، والثاني: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ بيان

стр. 328

لغرضه فيما فعَلَ من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذَل أولئك إلا لهذا الغرض. ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (الزمر: ١١ - ١٥) فكرر : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ فالمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن الأول إخبارٌ بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة له والإخلاصِ في دينه، والثاني إخبار بأنه -صلوات الله وسلامه عليه- يخص الله وحدَهُ دون غيره بعبادته، مخلصًا له دينَه، ولدلاته على ذلك قدَّم المعبودَ على فعل العبادة في الثاني وأخَّرَه في الأول؛ لأن الكلام أولًا واقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيًا فيمن يفعل الفعل من أجله . ولذلك رتب عليه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. ومما يجري من هذا النوع أيضًا فاتحة الكتاب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة: ١ - ٤) فكرر: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مرتين، والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، والثاني يتعلق بأمر الآخرة، فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلًّا منهم على أكمل صفة، وأعطاه جميع ما يحتاج إليه، حتى البَقة والذباب، وقد يرجع إلى غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها. أما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة، الذي هو يوم الدين. والضرب الثاني من هذا النوع: أن يكون التكرير في اللفظ والمعنى دالًّا على معنى واحد، والمراد به غرض واحد. كقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (المدثر: ١٩، ٢٠) فالتكرير دَلالة التعجب من تقديره وإصابته الغرض، وهذا -كما يقال: قتله الله

стр. 329

ما أشجعَه، أو ما أشعرَه. ونظيره أيضًا قول الله : ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ (القيامة: ٣٤، ٣٥) فالغرض واحد هو بيان الهلاك، ومن أجل ذلك نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لأن قولنا: لا إله إلا الله مثل قولنا: وحده لا شريك له، وهما في المعنى سواء، وإنما كُرِّر القول لتقرير المعنى وإثباته؛ وذاك لأن مِن الناس مَن يخالف في ذلك كالنصارى وغيرهم. وانظر إلى قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (الروم: ٤٨، ٤٩) فقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ بعد قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بَعُدَ وتطاول، فاستحكم بأسهم، وتنادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. وانظر أيضًا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (التوبة: ٢٩) فقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقوم مقام قوله: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾؛ لأن مَن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، وإنما كرر ها هنا؛ للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم بالذم، ورجْمِهم بالعظائم؛ ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم. وانظر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الرعد: ٥) فتكرير لفظة: ﴿أُولَئِكَ﴾ مِن هذا الباب الذي أشرنا إليه لمكان شدة النكير، وإغلاظ العقاب؛ بسبب إنكارهم البعث.

стр. 330

ومن هذا النوع الذي أشاروا إليه أن يكون المعنى مضافًا إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (سبأ: ٥) فالرجز هو العذاب، وهذا على مَن يرى مسألة الترادف، والصحيح أن لا بد أن يكون هناك فرقا بين العذاب وبين الرجز. ومما ذكروه في هذا الباب من التكرير في اللفظ والمعنى على غرض واحد قول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْم اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْم إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (غافر: ٣٨، ٣٩) فإنه إنما كرر نداء قومه ها هنا؛ لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ من سِنة الغفلة، ولأنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم من الضلال، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك أن لا يتهموه، فإن سرورهم سروره، وغمهم غمه، وأن ينزلوا على نصيحته لهم. وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز، وأشد موقعًا من الاختصار. ومما يجب أن يشار إليه أن هناك بعض الآيات ظن البعض أن فيها تكريرًا وليس فيها تكرير، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: ١١٩) وقوله : ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (آل عمران: ١٨٨) فهاتان الآيتان يُظن أنهما من باب التكرير وليستَا كذلك. فإنهما تخرجان عن حكم التكرير؛ وذلك لإطالة الفصل في الكلام بين "إنَّ" الأولى والثانية، فكانت الأولى تفتقر إلى تمام لا يفهم الكلام إلا به، فالأَوْلى في باب الفصاحة أن يُعادَ لفظ الأولى مرةً ثانيةً؛ ليكون مقارنًا لتمام الفصل، كي لا يجيء الكلام منثورًا لا سيما

стр. 331

في إنَّ وأخواتها، تأمل قول الله : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤) فلما قال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية، فيقول: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ فليس هذا من التكرير وإنما هو من حسن إعادة اللفظ؛ لأجل الفصل. الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى -وهو غير المفيد- قلنا: إن ذلك لا مكانَ له في القرآن، وإنما يلتمسوه من أقوال الشعراء كقول أبي نواس: أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ... ويومًا له يوم الترحل خامسُ وقول الآخر: وقلقلتُ بالهم الذي قَلقلَ الحَشَا ... قلاقل عِيسٍ كلهن قلاقلُ فهذا من التكرير الذي لا فائدةَ منه، ولا معنى لذكره، ويُعاب الشاعرُ به. أما النوع الثاني من التكرير: وهو التكرير في المعنى دون اللفظ، وينقسم أيضًا إلى قسمين؛ مفيد وغير مفيد. والأول -المفيد- نوعان: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين، وذلك كما في الحديث في قول حاطب بن أبي بلتعةَ لرسول الله ﷺ : "وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام". فيظن البعض أن ذلك تكرير لا فائدةَ فيه، فإن الكفر والارتدادَ عن الدين سواء، وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام، والأمر ليس كذلك، فالذي يدل عليه اللفظ هو: أني لم أفعل ذلك وأنا كافر، في الأولى عندما قال: "ما فعلتُ ذلك كفرًا" وفي الثانية: "ولا

стр. 332

مرتدًّا" وفي الثالثة: أنه لا يرضَى بالكفر على جانب الإسلام. وذلك حسن في مكانه، واقعٌ في موقع يبين فصاحةَ المتحدث. ومن شواهده في كتاب الله قول الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: ١٠٤) فإن الأمر بالمعروف خير وليس كل خير أمرًا بالمعروف، وذاك أن الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف، ففائدة التكرير ها هنا أنه خصص أو ذكر الخاص بعد العام؛ للتنبيه على فضله كما قال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (البقرة: ٢٣٨) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ (الأحزاب: ٧٢) فإن الجبال داخلة في جملة الأرض، لكن لفظ الأرض عام والجبال خاص، وفائدته ها هنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليها، وتفخيم أمرها. الضرب الثاني من التكرير في المعنى دون اللفظ: أن يدل التكرير على معنًى واحدٍ لا غير، كقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التغابن: ١٤) فإنما كرر العفوَ والصفحَ والمغفرةَ والجميع بمعنًى واحد؛ للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده، والزوج عن زوجه. وضابطه الذي ينظر إليه هو الغرض المقصود من الكلام، وهذا الموضع يكون التكرير فيه أوجزَ من لمحة الإيجاز، وأولى بالاستعمال. انظر لقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٨٦) فإن البث والحزنَ بمعنًى واحدٍ وإنما كرره ها هنا؛ لشدة الخطب النازل به، وتكاثر سهامه النافذة في قلبه، وكما سبق أن أشرنا لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ

стр. 333

وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦) فاستخدام كلمة: ﴿كَامِلَةٌ﴾ بعد عد الثلاثة والسبعة؛ لاستكمال صفات هذه الأيام المذكورة، ولذا لم يقل المولى : تامة؛ للفرق بين التمام والكمال. وكذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة: ٤) فإن البغضاء والعداوة بمعنًى واحد، وإنما حسن إيرادهما معًا في معرض واحد؛ لتأكيد البراءة بين إبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه- والذين آمنوا به، وبين الكفار من قومهم حيث لم يؤمنوا بالله وحده. وهذا الضرب معروف وشواهده كثيرة. آخر ضرب من التكرير في المعنى دون اللفظ الذي هو غير مفيد، فلا سبيلَ للاستشهاد به في القرآن الكريم، وإنما شواهده من كلام الشعراء، كقول أبي تمام: قسَم الزمانُ ربوعَها بين الصِّبَا ... وقبولِها ودبورِها أثلاثًا فإن الصبا هي القبول. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 334

الدرس: ١٨ تابع: التكرار في القرآن الكريم .

стр. 335

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (تابع: التكرار في القرآن الكريم) نماذج تطبيقية على التكرار في القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: سنبدأ درسنا هذا بعرض نماذج تطبيقية على هذه الظاهرة التي هي من دلائل الإعجاز اللغوي في القرآن، هذه الظاهرة تشمل صور عديدة كتكرير الحرف، وتكرير الاسم، وتكرير الفعل، وتكرير الجملة، وتكرير الآية كاملة، وتكرير الموضوع أو القصة في مواضع شتى في كتاب الله مع تغيير في بعض الألفاظ من: حذف بعضها، أو تقديم، أو تأخير ... أو غير ذلك من ظواهر أخرى تدخل على القصة المذكورة، ولكن القصة عرضت في مواضع شتى، ومن ثم كان ذلك تكرارًا لها، ولعرضها في كتاب الله فنتوقف مع نماذج لكل نوع من هذه الأنواع، ونعرض أقوال العلماء في بيانها. كتب التفسير مملوءة ببيان هذه الأسرار التي يحويها التكرير في القرآن الكريم، وخاصة كتب التفسير التي تهتم بالجانب البلاغي كـ (الكشاف) للزمخشري و (روح المعاني) للألوسي، وأخيرًا (التحرير والتنوير) للطاهر بن عاشور علّامة تونس. وأيضًا هناك كتب صنفت في بيان هذه الظاهرة، والاهتمام بها، وبما هو على شاكلتها من مواضع في القرآن تستدعي للانتباه لها، مثل كتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) الذي نستعرض منه هذه النماذج، وليس اختيارنا لهذا الكتاب تفضيلًا له عن سائر الكتب، وإنما هو كتاب يخدم الغرض الذي نتحدث فيه بعرض النماذج، وعرض رؤية لما هو تحت هذه الظاهرة، وأذكرك أيضًا أن ذلك اجتهاد من العلماء، ومحاولة منهم لكشف أسرار بلاغة القرآن الكريم هذا الاجتهاد يقبل ويطرح إذا ما كان مخالفًا لبعض مبادئ الدين، ولظاهر التفسير

стр. 336

والقواعد التي وضعها العلماء لتوجيه كلام الله ، فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ لأنه مؤيد بالوحي معصوم من ربه يخبر بخبر الله . تعرض الخطيب الإسكافي لتكرار كلمة "الناس" في سورة الناس من قول الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس: ١ - ٦)، يقول: "للسائل أن يسأل عن تكرير الناس في فواصل هذه السورة في خمسة مواضع، وهي ست آيات قد ختمت أواخر خمس منها بالناس، وواحدة بالخناس، والجواب عن ذلك أن يقال: إنما اتصف الله تعالى أولًا ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم بـ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ثم بـ ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ لحكم دعت إلى ذلك، وأوجبت تقديم الأول وتعقيبه بالثاني والثالث على الترتيب الذي جاء؛ لأن رب الشيء هو القائم بإصلاحه وتدبير أمره، فنبه بتقديمه على ما ترتب من نعمه على الإنسان لَما أنشأه ورباه، وهذه أولى أحواله. والثانية: إنعامه عليه بالعقل الذي يثبت عليه ملكه له، فيعلم أنه عبد مملوك وأن الذي بلغ به تلك الحال من حد الطفولة هو الذي يملكه وأمثاله، فجعل الوصف الثاني "ملك الناس"، ولما كان بعد ذلك تكليف العبادات التي هي حق الله تعالى على من عرفه نفسه أنه عبد مملوك، وعرفه أنه خالقه وتلزمه طاعته ليلتزم غاية التذلل لمن هو أكبر الإنعام والتطول جعل الوصف الثالث "إله الناس" فصار الناس الذين أضيف إليهم رب كأنهم غير الذين أضيف إليهم ملك، والذين أضيف إليهم ملك غير الذين أضيف إليهم إله، وإذا أريد بالثاني غير الأول لم يكن تكرارا، فترتيب الصفات ينبه على أن المراد بالناس ذوي الأحوال

стр. 337

المختلفة في الصغر والترعرع والبلوغ، فيسلم على ذلك من التكرار ويتضمن هذا المعنى اللطيف الذي دل عليه ترتيب الصفات، وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ فالمراد بالناس الأول الأبرار، وبالناس الثاني الأشرار، فكان المعنى: الذي يوسوس في صدور الأخيار من الجن وأشرار الناس، فقد صار المعنى بكل واحد على صفة غير الصفة المعنية بالآخر، فكأنه غيره وإن كان الجنس قد جمع هذا كله". هذا ما اجتهد الخطيب الإسكافي في بيانه في تكرار الاسم في ختام هذه السورة، وهو كلام يقبل؛ لأنه تأمل لكلام الله ، وبالصفات التي أضافها المولى إلى اللفظ المكرر من أنه الرب والملك والإله، وكذلك ما ختم في نهاية السورة ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ فكلمة ﴿النَّاسِ﴾ الأولى تختلف عن الثانية، ومن ثم لم يكن ذلك من سبيل التكرار لتغير المعنى المراد بكل في المواضع التي ذكرت فيها لفظة ﴿النَّاسِ﴾. نجد أيضًا نموذجًا رائعًا تحدث فيه عن تكرار الآية في سورة الرحمن في قول الله : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: ١٣) هذه الآية كررت إحدى وثلاثين مرة في السورة الكريمة شغلت أهل الفصاحة والبلاغة وتحدثوا عنها وبينوا أسرارها. وهذا اجتهاد واحد منهم يقول: للسائل أن يسأل عن تكرار هذه الآية، وعن فائدتها والجواب أن يقال: نبه الله تعالى على ما خلق من نعم الدنيا المختلفة في سبع منها، وأفرد سبعًا للترهيب والإنذار والتخويف بالنار، وفصل بين السبع الأولى والسبع الأخر بواحدة تلت آية سوَّى فيها بين الناس كلهم، فيما كتب الله من الفناء عليهم حيث يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن: ٢٦)، أي

стр. 338

من على الأرض، وهذه الفاصلة للتسوية بين الملائكة والإنس والجن في الافتقار إلى الله وإلى المسألة وإلى الإشفاق من خشية الله وهو قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن: ٢٩). وإنما كانت الأول سبعا؛ لأن أمهات النعم خلقها الله تعالى سبعا سبعا كالسموات والأرضين، ومعظم الكواكب وكانت الثانية سبعا؛ لأنها على قسمة أبواب جهنم لما كانت في ذكرها، وبعد هذه السبع ثمانية في وصف الجنات وأهلها على قسمة أبوابها، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين؛ لأنه قال تعالى في مفتتحه الثمانية المتقدمة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: ٤٦)، فلما استكملت هذه الآية ثماني مرات قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: ٦٢)، فمضت ثمانية في وصف الجنان وأهلها تالية للثمانية المتقدمة، فكان الجميع إحدى وثلاثين مرة. كذلك أيضًا يعرض أحدهم لتكرار الحرف في قوله : ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ (القصص: ١٨، ١٩)، فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ بتكرير أن مرتين دليل على أن موسى ﵇ لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول بل كان منه إبطاء في بسط يده إليه فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾. ومن الجميل أن نعرض نموذجًا لهذه الفروق التي ذكرت في القصص القرآني والنماذج كثيرة جدًا في هذا الكتاب القيم. ومن القصص التي شغلت مواضع عديدة في كتاب الله قصة موسى ﵇ مع فرعون عليه سحائب اللعائن.

стр. 339

يعرض الإسكافي لبعض هذه المواضع في عرضه لآيات سورة الأعراف موازنة بغيرها من السور التي تعرضت للقصة نفسها، فيقول: "قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (الأعراف: ١١٣)، وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (الشعراء: ٤١)، للسائل أن يسأل فيقول: كيف اختلفت الآيتان، وكيف جاز: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ وحق الكلام أن يكون في ﴿قَالُوا﴾ واو أو فاء نحو: جاء السحرة فرعون فقالوا: أئن لنا لأجرًا أو وقالوا: أئن لنا لأجرا. والجواب أن يقال: لما تقدم في سورة الشعراء ما شرحه أكثر، وما في سورة الأعراف أوجز وأخصر كان قوله في الأعراف: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ بمعنى ما كان بإزائه في سورة الشعراء ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ فلم يحتج في جواب لما إلى فاء، ولا إلى واو، وكذلك هنا في سورة الأعراف لما قصد هذا المعنى دل بحذف العاطف على هذا القصد، فكأنه قال: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا ". طبعا هو يشير لما تقدم في سورة الشعراء إشارة إلى نزول الآيات، فالشعراء نزلت قبل الأعراف، لا على ترتيب السور المعلوم لدينا الآن. ثم يعرض لقوله : ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (الأعراف: ١١٣، ١١٤)، وفي الشعراء ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (الشعراء: ٤٢)، للسائل أن يسأل عن زيادة ﴿إِذًا﴾ في سورة الشعراء، وخلو سورة الأعراف منها، والجواب أن معنى قوله: ﴿إِذًا﴾ جواب وجزاء، وكان من قول فرعون لهم: إن غلبتم فجزائي أن أجازيكم بإعلاء رتبتكم وتقريب منزلتكم، فلأجل ذلك أفعل هذا بكم،

стр. 340

فاختصت سورة الشعراء بها دون غيرها؛ لأنها موضع بني على فصل اختصاص لما جرى لما يُبن غيرها عليه من نحو ما تقدم وما يجيء بعد. ثم يعرض لقوله : ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (الأعراف: ١١٥)، وقوله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (طه: ٦٥)، يقول: "للسائل أن يسأل عن اختلاف المحكي في الموضعين مع أن ذلك في شيء واحد، والجواب أن يقال: إن المقصود معنى واحد فاختير في سورة الأعراف ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ لأن الفواصل قبله على هذا الوزان واختير في سورة طه ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ لذلك ومثله قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٠) في سورة الأعراف وسورة الشعراء لتكون الفاصلة فيها مساوية للفواصل قبلها، وبإزاء ساجدين قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ (طه: ٧٠) في سورة طه لذلك ومثله قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (الشعراء: ٤٧، ٤٨)، في السورتين للفواصل التي حملت هذه عليها، وقال في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (طه: ٧٠)، فقدم هارون؛ ليكون موسى فاصلة مثل الفواصل المتقدمة فهذا ونحوه مما يراعى في الفواصل. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾ (الأحزاب: ٦٦)، وقوله سبحانه: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب: ٦٧)، فزيدت الألف لا للبدل من التنوين إذ لا تنوين مع الألف واللام، وإنما ذلك للتوفقة بينهما وبين الفواصل التي قبلها وبعدها نحو: ﴿تَقْتِيلًا﴾ ﴿تَبْدِيلًا﴾ ﴿سَعِيرًا﴾ ﴿نَصِيرًا﴾، وبعدهما ﴿كَبِيرًا﴾ ﴿وَجِيهًا﴾ ﴿سَدِيدًا﴾ ﴿عَظِيمًا﴾ ". وهذا الكلام الذي ذكره مبني على ظاهرة مراعاة الفواصل، ولابد أن نجد في كلام أهل العلم من يرى

стр. 341

أبعد من ذلك، فالأمر لا يتوقف على الفاصلة فمراعاة الفاصلة شأن لفظي، ولا يكون تقديم وتأخير وذكر وحذف في كتاب الله لمراعاة لفظ فحسب. فلابد أن الألفاظ تخدم المعاني، فلذلك نجد من يخرج ومن ينظر إلى هذه الظواهر ويخرجها على تأويل وفهم آخر غير الذي ذكر صاحبنا. ويتعرض أيضًا لقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (الأعراف: ١٢١، ١٢٢)، وقوله : ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ ويقول: "للسائل أن يسأل فيقول: لم كرر ذكر رب في السورتين ولم يكرر في سورة طه؟ إنما قال: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ والجواب أن يقال: إذا قيل: رب العالمين فقد دخل فيهم موسى وهارون، وهما دعوا إلى رب العالمين لَما قالا: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٦)، وإلا أنه كرر في السورتين رب موسى وهارون ليدل بتخصيصهما بعد العموم على تصديقهم بما جاء به ﵉ عن الله ﵎ فكأنهم قالوا: آمنا برب العالمين، وهو الذي يدعو إليه موسى وهارون. وأما في سورة طه فلم يذكر رب العالمين؛ لأنه كان الكلام يتم به آية كما تم في السورتين فيكون مقطع الآية فاصلة مخالفة للفواصل التي بنيت عليها سورة طه، فقال تعالى: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ وربهما هو رب العالمين وكان القصد حكاية المعنى لا أداء اللفظ على جهته". ويعرض لقول فرعون: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (الأعراف: ١٢٣)، وقوله: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (طه: ٧١) للسائل أن يسأل عن موضعين في هذه الآية أحدهما إظهار اسم فرعون لعنه الله في سورة الأعراف في هذا اللفظ، وإضماره له في مثله من سورتي طه والشعراء والثاني قوله: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وقال في الموضعين الآخرين: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ ووجه اختلافهما.

стр. 342

والجواب عن السؤال الأول، وهو إظهار اسم فرعون في سورة الأعراف، وإضماره فيما سواها أن الذكر العائد إلى فرعون بعد في سورة الأعراف؛ لأنه جاء في الآية العاشرة من الآية التي أضمر فيها ذكره، وهي قوله: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (الأعراف: ١١٤)، وجاء في الآية العاشرة من هذه السورة ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ولم يبعد هذا الذكر في الآيتين اللتين في سورة طه والشعراء؛ لأن فرعون مذكور في سورة طه في جملة قومه الذين أخبر عنهم بقوله: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ (طه: ٥٧)، وبعده ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ (طه: ٦٠، ٦١)، وهذا خطاب لفرعون وقومه وضميرهم منطو على ضميره إلى قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ (طه: ٦٤)، هو يشير إلى أن في سورة الأعراف كان هناك فارق بين ذكر فرعون في الموضعين عشر آيات لا أنها الآية رقم عشرة في السورة؛ لأن الآية الأولى هي الآية الرابعة عشرة بعد المائة والثانية هي الثالثة والعشرون بعد المائة. ثم يعرض للذكر في قوله: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ (طه: ٧١)، إنما هو في السابع من الآي التي جرى ذكره فيها، وكذلك في سورة الشعراء لم يبعد الذكر بعده في سورة الأعراف، ألا ترى أن آخر ما ذكر فيما اتصل بهذه الآية قوله تعالى: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (الشعراء: ٤٢) وذكره بعد ذلك في الآية الثامنة من الآية التي جرى ذكره فيها، فلما بعد الذكر في سورة الأعراف خلاف بعده في السورتين إذ كان في إحداهما في السابعة، وفي الأخرى في الثامنة، وهي في الأعراف في العاشرة أعيد ذكره الظاهر لذلك.

стр. 343

أما عن الفرق بين ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ و ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ فيقول: "إن الهاء في ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ غير الهاء في ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ وكل واحدة تعود إلى غير ما تعود إليه الأخرى، فالتي في ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ تعود إلى رب العالمين؛ لأنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: ١٢١)، وهو الذي دعا إليه موسى ﵇، وأما الهاء في قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ تعود إلى موسى ﵇، والدليل على ذلك أنه جاء في السورتين بعدها ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ (طه: ٧١)، فالهاء في ﴿إِنَّهُ﴾ هي التي في ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ فلا خلاف أن هذه لموسى ﵇، والذي جاء بعد قوله: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (الأعراف: ١٢٣)، أي: إظهاركم ما أظهرتم من الإيمان برب العالمين وقع على تواطؤ منكم أخفيتموه لتستولوا على العباد والبلاد، ويجوز أن يكون الهاء في ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ضمير موسى ﵇؛ لأنه يقال: آمن بالرسول أي: أظهرتم تصديقه، وأقدمتم على خلافي قبل أن آذنت لكم فيه، وهذا مكر مكرتموه، وسر أسررتموه؛ لتقلبوا الناس علي فاقتضى هذا الموضع الذي ذكر فيه المكر إنكار الإيمان به". ثم يستطرد لاختصاص اللام في موضع والباء في موضع، وإلى غير ذلك مما تعرض له في استتباع السورة من المواضع التالية له كالفرق بين ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ (طه: ٧١) ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ (الشعراء: ٤٩)، ونحو ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٤)، وفي موضع آخر ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ (الشعراء: ٤٩)، ونحو ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٥)، وقوله سبحانه: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٥٠)، فهذا وغيره من اللطائف التي تنبه

стр. 344

لها العلماء لبيان الفروق في ذكر القصة وما يدور حولها. عمومًا مسألة التكرار هي ظاهرة اجتهد العلماء في بيانها، وإظهارها وإظهار ما فيها. ونختم الكلام عنها بهذه اللآلئ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في حديثه عن هذه الظاهرة توضح أمرًا يجب التنبه إليه. يقول: "قال ابن قتيبة: تكرار الكلام في ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الكافرون: ١) لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا: إن سرك أن ندخل في دينك عامًا فادخل في ديننا عامًا، فنزلت هذه السورة". يقول شيخ الإسلام: "قلت: هذا الكلام الذي ذكره بإعادة اللفظ وإن كان كلام العرب وغير العرب، فإن جميع الأمم يؤكدون إما في الطلب، وإما في الخبر بتكرار الكلام، ومنه قول النبي ﷺ : ((والله لأغزون قريشًا، ثم والله لأغزون قريشًا، ثم والله لأغزون قريشًا))، ثم قال: ((إن شاء الله)) ثم لم يغزهم، يقول: هذا في كلامهم لكن ليس في القرآن من هذا شيء، فإن القرآن له شأن اختص به لا يشبه كلام البشر، ولا كلام نبي، ولا غيره وإن كان نزل بلغة العرب، فلا يقدر مخلوق أن يأتي بسورة، ولا ببعض سورة مثله. فليس في القرآن تكرار للفظ بعينه عقب الأول قط، وإنما في سورة الرحمن خطابه بذلك بعد كل آية لم يذكر متواليًا، وهو نمط من أرفع الأساليب في الذكر فقد شبهوا ما في سورة الرحمن بقول القائل لمن أحسن إليه، وتاب عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تك فقيرًا فأغنيتك أفتنكر هذا؟! ألم تك عريانًا فكسوتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملًا فعرفتك ونحو ذلك، وهو أقرب من التكرار المتوالي". كأن الإمام في خلاصة كلامه يؤكد ما أكد في بداية كلامنا أن عليك أن تبحث عن السر في التكرار، وأن هذا ليس من التكرار الذي هو على عادة كلام العرب؛ لأن هناك فواصل بين الآيات وبين العبارة التي كررت، وعليك أن تبحث في أساليب البيان، وفي براعة استخدامها.

стр. 345

هل هناك زيادة في القرآن وننتقل -أيها الأبناء الأحباء- إلى ظاهرة من الظواهر من الظواهر التي كثر الجدل حولها، وكثر الكلام فيها، وهي ظاهرة الزيادة: هل هناك كلام زائد في كتاب الله ؟ هذه القضية التي شغلت علماء العربية والشريعة، وتناولوها وتحدثوا فيها كثيرًا، ولا بد -قبل أن نعرضها ونعرض وجه نظر العلماء فيها- أن نقف مع المصطلح نفسه، ونبين أمرًا -يجب عليك أيها الطالب النجيب وأيتها الطالبة الأريبة- أن تنتبهوا له أن الخلاف في هذه المسألة لا يعدو أن يكون خلافًا لفظيًّا. فإن سألت: كيف هذا؟ أقول: سأوضح لك أيها الأبن الحبيب وأيتها الأبنة الكريمة هذا. فمنشأ الخلاف في هذه الظاهرة ابتداءً هو الخلاف في المصطلح بين أهل كل فن، فكثيرًا ما يقع البلاغيون في النحاة بسبب اختلافهم في تناول المصطلحات. أهل النحو عندما يطلقون مثلًا في كلامهم كلمة فضله، لا يعنون به ما يستغنى عنه، وإنما يعنون بالفضلة ما ليس ركنًا أساسيًا في الجملة، فإذا قالوا: إن الحال فضلة لا يعني ذلك أن الحال يستغنى عنها في الكلام، وإلا لوجدوا من يعترض عليهم اعتراضًا شديدًا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (آل عمران: ١٩١)، أو ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (الأنبياء: ١٦)، فإذا ما حذفت الحال مثلًا في هاتين الآيتين كان الكلام جحودًا لخلق الله لهذه المخلوقات -عياذًا بالله- ففسد المعنى. وأنى للنحاة أن يقصدوا هذا المقصد، وكذلك في باب المفعول عندما يقولون: إن المفعول فضلة لا يعنون الاستغناء عنه، وإنما يعنون به أنه ليس ركنًا أساسيًا، فلا وجه لاعتراض البلاغيين عليهم بقولهم: المفعول عندنا ليس فضلة؛ لأنك إذا قلت: أضربت زيدًا إنما تنكر ضربك للمفعول، فهو أساس الكلام الذي ينبني عليه.

стр. 346

فهذه المسألة تطرقت إلى باب الزيادة بخلاف أوسع بين العلماء في المجالين. الزيادة ووقوعها في كتاب الله والمراد بها: الأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة في كتاب الله ويسمونه التأكيد، ومنهم من يسميه بالصلة ومنهم من يسميه بالمقحم، واختلفوا في وقوعه في كتاب الله ، فمنهم من أنكره، ونقل عن المبرد وثعلب أنه لا صلة في القرآن يعني: ليس هناك زائد في القرآن، أما الدهماء من العلماء والفقهاء، والمفسرين على إثبات الصلات في القرآن، وقد وجد ذلك على وجه لا يسع إنكاره، فذكر كثيرًا، هذا كلام الزركشي في (البرهان). يبين لنا ابتداءً أننا لا نستطيع أن نقول: إنه ليس في القرآن حروف صلة، وليس في القرآن حروف استخدمت بما أطلق عليه في العلماء هذا المصطلح ويقول: ومنهم من جوزه وجعل وجوده كالعدم، وهو أفسد الطرق، وقد قال الفخر الرازي: "إن المحققين على أن المهمل لا يقع في كلام الله -سبحانه- فأما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، فيمكن أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة". هنا وقع الرازي في إشكالية كبرى مع العلماء في بيان هذه الآية، أول هذه الأشياء التي وقع فيها أنه عبر عن الصلة أو الزائد بلفظ المهمل، ولم يقل أحد من النحاة لفظ المهمل؛ لأن المهمل ما لم تضعه العرب، وهو ضد المستعمل فهذا المصطلح النحاة لم يتعرضوا له، ولم يذكروه. فعندما تحدثوا عن الزيادة أطلقوا مصطلحان عند البصريين يقولون: زائد أو لغو يعني عبارة سيبويه وهو إمام النحاة، وهو كبيرهم في كتابه يقول عقب قوله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ (المائدة: ١٣)، يقول: "إنما لغوًا لأنها لم تحدث

стр. 347

شيئًا". أي: لم تؤثر في الإعراب، فالباء حرف جر، ونقض اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة هذا هو مرادهم بكلمة الزائد، ولا يعنون به ألبتة أنه لا يؤثر في المعنى، وأنه لا يفيد في المعنى؛ بل معظم من وجه الآيات على الفهم لاستخدام هذه الأدوات التي أطلق عليها الزيادة هم النحاة. وانظر مثلًا إلى ابن هشام وكتابه (المغني) وما تعرض فيه لمثل هذه الأشياء، وتحدث فيها ويستدل البلاغيون في احتجاجهم، وإقامتهم الحجج على النحاة بكلام ابن هشام، وهو من النحاة، فليس المراد بالزيادة حيث ذكرها النحويون إهمال اللفظ، ولا كونه لغوًا فنحتاج إلى التنكب عن التعبير بها إلى غيرها، فإنهم إنما سموا ما زائدة هنا لجواز تعدي العامل قبلها إلى ما بعدها، لا لأنها ليس لها معنى هذا التوضيح الذي ذكره الزركشي لاعتراضه على عبارة الفخر الرازي. فواضح من هذا الكلام أن هناك تداخلا بين مصطلحات النحاة فعندما يقولون: زائد، أو يقولون: لغو على مصطلح البصريين أو يقولون: صلة أو يقولون: حشو على مصطلح الكوفيين هذه الكلمات التي يطلقونها تتعرض بقضية الإعراب، ولا تتعرض بقضية المعنى ربما يقول قائل: الإعراب فرع المعنى نقول: الإعراب الصناعي، وليس الإعراب التفسيري، الإعراب الصناعي بمعنى الرفع والنصب والخفض، وما سبب ذلك، وهو قضية تأثير العوامل في المعمولات، فهم يذهبون ويقولون كلمة زيادة أو لغو أو حشو أو صلة؛ لأن العامل قبلها يتطلب المعمول بعدها، وهي لا تأثير لها فيه. ودليل هذا الخلط هذا الذي ذكره ابن الأثير في كتابه (المثل السائر) وأسهب في الكلام عنه، وجاوز حد الإنصاف كما يقال في الكلام على النحاة، يقول: "جرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية أي في قول الله :

стр. 348

﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ (القصص: ١٩)، الكلام عن موسى ﵇ فيقول: فقال -أي النحوي: إن "أن" الأولى زائدة ولو حذفت فقيل: فلما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ (يوسف: ٩٦)، وقد اتفق النحاة على أن "أنْ" الواردة بعد لما وقبل الفعل زائدة". أولًا للإنصاف هذه العبارة التي ذكرها ابن الأثير لا نستطيع أن نسلم بها أن قالها نحوي من النحويين الذين يعتمد على كلامهم، بمعنى أنه يذكر أنه قال له: "لكان المعنى سواء" لم يقل أحد من النحويين أبدًا المعتمد على كلامهم من أهل هذه الصنعة أن المعنى بوجود الحرف، وبعدم وجوده سواء، فأما كونهم ذكروا أن أن الواردة بعد لما وقبل الفعل زائدة فهذا حق بمصطلح الزيادة الذي هو عندهم. يقول ابن الأثير: "فقلت له: النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا "أن" ترد بعد "لما" وقبل الفعل في القرآن وفي كلام الفصحاء العرب، فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أُسقطت، فقالوا: هذه زائدة وليس الأمر كذلك بل إذا وردت لَمّا وورد الفعل بعدها بإسقاط أنْ دل ذلك على الفور، وإذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء". ثم يعقب قائلًا: "وبيان ذلك من وجهين؛ أحدهما: أني أقول: فائدة وضع الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني، فإذا وردت لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة، فالأولى أن تحمل تلك اللفظة على معنى، فإن لم يوجد معنى بعد التنقيب، والتنقير، والبحث الطويل قيل: هذه زائدة دخولها في الكلام كخروجها منه، ولما نظرت أنا في هذه

стр. 349

الآية وجدت لفظة "أنْ" الواردة بعد لَمّا وقبل الفعل دالة على معنى، وإذا كانت دالة على معنى، فكيف يسوغ أن يقال: إنها زائدة؟! فإن قيل: إنها إذا كانت دالة على معنى، فيجوز أن تكون دالة على غير ما أشرت أنت إليه قلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالة على معنى، فالذي أشرت إليه معنى مناسب واقع في موقعه، وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه، فقد حصل المراد منه، ودل الدليل حينئذٍ أنها ليست بزائدة. الوجه الآخر: أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحًا في كلام الله تعالى، وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، والمعنى يتم بدونها، وحينئذٍ لا يكون كلامه معجزًا إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي لا حاجه إليه، وإن التطويل عيب في الكلام، فكيف يكون ما هو عيب في الكلام من باب الإعجاز هذا محال". ويختتم بقوله: "وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة؛ لأنها ليست من شأنهم". واضح من كلام ابن الأثير أن به خلطا، وأن به تجاوزا في فهم المسألة من ناحية، وفي التعبير عنها من ناحية أخرى، كما ذكرنا لم يقل النحاة قط: إن الزيادة لا تؤثر في المعنى، وإنما مصطلحهم يدور دائمًا حول اللفظ والقضية الإعرابية الصناعية، وتوجيه الإعراب، وقضية العامل والمعمول، والنحاة أنفسهم لم يتعرضوا لمسألة أن الكلام على السواء، وأن المعنى سيان بوجود الحرف وعدم وجوده لم يرد ذلك عنهم أو عن الثقات منهم، وإن قاله بعض الضعفة من النحاة أو بعض ما لا يعتد به في الخلاف، فهذا يكون سوء فهم ممن قال هذا الكلام، فلا ينسب الكلام إلى النحاة، ولا تعمم الأحكام على أنهم ليس من شأنهم هذا وهذه الأسرار لا يعلمونها، وليس لهم في الفصاحة والبلاغة، فهذا تطاول من ابن الأثير على النحاة في بيان هذه المسألة والخلاف الواقع فيها.

стр. 350

دليل ذلك أننا ننظر إلى نقطة مقابلة، إذا ما نظرت مثلًا في كتاب (الفريد في إعراب القرآن المجيد) للمُنْتَجَب بن أبي العز رشيد الهمذاني المتوفى عام ستمائة وثلاث وأربعين من الهجرة تجده عند توجيهه المواضع التي قيل فيها في الزيادة ينص على مسألة الصلة، وعلى مسألة أنها جاءت للتوكيد، وعلى أنها تؤدي المعنى وإلى فرق المعنى بينها وبين غيرها، وذكر لطيفة من اللطائف ذكره بعدها الزركشي في (البرهان) هذه العبارة الجميلة التي توضح تقديرهم الشديد لمكانة هذا الحرف الذي يطلق عليه زائد، أو يقال عنه زائد اصطلاحًا نحويًا لا صلة له بالمعنى، وأنه لا يؤدي معنى مفيدًا، أو لا يؤثر في المعنى. يقول: "سئل بعض العلماء عن التوكيد بالحرف، وما معناه إذ إسقاط الحرف لا يخل بالمعنى، فقال: هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد لا يجدونه بإسقاط الحرف قال: ومثال ذلك مثال العارف بوزن الشعر طبعًا، فإذا تغير البيت بزيادة أو نقص أنكره، وقال: أجد في نفسي على خلاف ما أجده بإقامة الوزن، فكذلك هذه الحروف تتغير نفسُ المطبوع عند نقصانها، ويجد نفسه بزيادتها على معنى بخلاف ما يجدها بنقصانه". هذا كلام بيِّنٌ ونص واضح في ضرورة تواجد هذه الحروف، وكذلك أثرها في السياق وتوضيحه، والناحية الجمالية في النص التي أشار إليها شيخنا محمد عبد الله دراز ﵀ بمسألة الجمال الإيقاعي والجمال التنسيقي بأنه إذا ما حذف هذا الحرف حدث الخلل، ولا يتقبل الإنسان هذا الحذف، ويشعر بنقصان استمتاعه بالآيات، وبتلاوتها وبكلامها فرقًا بين ذكر الحرف وحذفه، فهذه المسألة يعترفون بها، ويقرون بها بل يعترف بها كل من يقرأ كتاب الله . فهذا الحرف له دور في المعنى، وله دور في الإيقاع والتنسيق، وله دور في إعجاز القرآن الكريم وإنما أطلق عليه الزائد من باب الاصطلاح. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 351

الدرس: ١٩ موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة .

стр. 352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة) الزيادة لدى علماء الصرف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ومولانا وحبيبنا وشفيعنا محمد بن عبد الله -صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: نتناول بإذن الله موقف علماء الصرف، وعلماء النحو من قضية الزيادة، ونقابل الموقف بموقف البلاغيين وكلامهم عن مسألة الزيادة: الزيادة عند علماء الصرف هي اشتمال الكلمة على أحد حروف الزيادة العشرة المجموعة في سألتمونيها، أو هناء وتسليم أو تلا يوم أنسه أو اليوم تنساه، فتفنن علماء الصرف في جمع هذه الحروف وعدها بأنها من الأحرف المزيدة، والمزيد عندهم هو ما بعض حروفه ساقط وضعًا أي: أنك تستطيع أن تتعرف عليه بإسقاطه في تصاريف الكلام، فعندما تقول: نصر ينصر انتصارا ناصر منصور، نصير، منتصر يؤدي ذلك إلى أن تقول: إن النون والصاد والراء حروف أصلية، وما عداها حروف زائدة، ودليل ذلك أنك ترى الألف في ناصر ولا تراها في منصور، وكذلك ترى الياء في نصير ولا تراها في منتصر فهذه الحروف زائدة لسقوطها في بعض تصاريف الكلمة. وينصون على أن أكثر ما يبلغ الاسم بالزيادة سبعة أحرف مثل "احرنجام" وفي الفعل يبلغ ستة أحرف مثل: استغفر، واطمأن، ويقابلون الزائد بالمجرد، فالمجرد ما كانت كل حروفه أصلية، ولا تسقط في أصل الوضع بخلاف الزائد، واهتموا أيضًا ببيان أن الزيادة لا تكون إلا لأحد ستة أشياء: الزيادة لمعنى كحروف المضارعة، وينصون على أن ما زيد لمعنى هو أقوى الزوائد، والزيادة للمد نحو: كتاب وعجوز وقديم أي: حرف الألف والواو والياء من حروف المد، والزيادة للإلحاق نحو: واو كوثر، وياء ضيغم، والزيادة للإمكان كهمزة الوصل التي يتوصل بها إلى الساكن، وهاء السكت في الوقف على قه وعه ومه والزيادة

стр. 353

للعوض نحو: تاء التأنيث في زنادقة فإنها عوض عن ياء زناديق؛ ولذلك لا يجتمعان والزيادة لتكثير الكلمة نحو: ألف كبعثر، ونون كنهبل أو كنهبُل أي: الشجر العظيم، ومتى كانت الزيادة لغير التكثير كانت أولى من أن تكون للتكثير. فنخلص من ذلك إلى أن الزيادة عند الصرفيين تتعلق ببنية الكلمة، وهل هي مجردة أم مزيدة، وإن كانت مشتقة فاشتقاقها من الثلاثي المجرد أم من غير الثلاثي سواء كان مجردًا رباعيًا أو ثلاثيًا مزيدًا بحرف أو حرفين أو ثلاثة، وينتهي دورهم عند هذا الحد فيلتقطه أرباب البلاغة والبيان؛ لينظروا لم استخدم المزيد ولم يستخدم المجرد ولم استعملت هذه الصيغة ها هنا مجردة، وهناك مزيدة، ولم عدل عن صيغة المشتق من الثلاثي إلى غيره والعكس، وما أثر ذلك على المعنى، وما الذي اختير من حروف الزيادة ولماذا ومن ثم يتبين من هذه الأسئلة والإجابة عنها الإعجاز القرآني في مسألة استخدام الحروف الزائدة بفهم الصرفيين، وبتناول الصرفيين. ويتبين ذلك بعرض نماذج لمن اهتموا بهذا الشأن، وببيان الفرق بين استخدام حروف الزيادة في البنية وعدم استخدامها. من ذلك ما أشار إليه الدكتور السامرائي في كتابه (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) من الفرق في الاستخدام بين قوله تعالى: ﴿اسْطَاعُوا﴾ (الكهف: ٩٧)، و ﴿اسْتَطَاعُوا﴾ (الكهف: ٩٧)، قال سبحانه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (الكهف: ٩٧)، الصرفيون عندما يتناولون ذلك يبينون أن ﴿اسْتَطَاعُوا﴾ على الأصل بزيادة الألف والسين والتاء وأن ﴿اسْطَاعُوا﴾ هو الفعل، ولكن حذفت منه التاء حتى إن أحدهم ليقول: ظللت دهرًا أسأل عن وزن اسطاعوا فلم أجد من يجيبني. هذا الذي يهتمون به في بيان استخدام ﴿اسْطَاعُوا﴾، و ﴿اسْتَطَاعُوا﴾.

стр. 354

أما الدكتور السامرائي يشير إلى الفرق بين استخدام الفعلين يقول: "وذلك في السد الذي صنعه ذو القرنين من زبر الحديد والنحاس المذاب، وقد ذكرنا أن الصعود على هذا السد أيسر من إحداث نقب فيه لمرور الجيش، فحذف من الحدث الخفيف فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ بخلاف الفعل الشاق الطويل فإنه لم يحذف بل أعطاه أطول صيغة له فقال: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ فخفف بالحذف من الفعل الخفيف بخلاف الفعل الشاق الطويل، ثم إنه لما كان الصعود على السد يتطلب زمنًا أقصر من إحداث النقب فيه حذف من الفعل، وقصر منه ليجانس النطق الزمن الذي يتطلبه كل حدث". هذه لطيفة أشار إليها الشيخ -حفظه الله- وكذلك أيضًا أشار إلى الفرق بين تنزل وتتنزل، فالصرفيون في نحو ذلك القاعدة عندهم معروفة أنه إذا اجتمعت تاءان في أول المضارع جاز التخفف من أحدهما تعاونوا، وتتعاونوا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢)، فتعاونوا الأولى فعل أمر، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾ الثانية فعل مضارع وأصله ولا تتعاونوا ﴿تَلَظَّى﴾ (الليل: ١٤) أصلها تتلظى، وهكذا فالمسألة عندهم واضحة في أنه يجوز حذف إحدى التائين تخفيفًا إذا اجتمعا في أول المضارع لكن ننظر إلى قوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: ٤)، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣)، هاتان الآيتان وردت فيها الصيغة بحذف التاء تخفيفًا. أما في سورة فصلت يقول المولى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ

стр. 355

تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: ٣٠)، فقال في آيتي القدر والشعراء: ﴿تَنَزَّلُ﴾، بحذف إحدى التاءين، وقال في فصلت: ﴿تَتَنَزَّلُ﴾، من دون حذف، وذلك والله أعلم أن التنزل في آية فصلت أكثر مما في الآيتين الأخريين ذلك أن المقصود بها أن الملائكة تنزل على المؤمنين عند الموت؛ لتبشرهم بالجنة، وهذا يحدث على مدار السنة في كل لحظة، ففي كل لحظة يموت مؤمن مستقيم، فتتنزل لتبشره بالجنة فأعطى الفعل كل صيغته، ولم يحذف منه شيئًا، وأما آية الشعراء، فإن التنزل فيها أقل؛ لأن الشياطين لا تتنزل على كل الكفرة، وإنما تنزل على الكهنة أو على قسم منهم، وهم الموصوفون بقوله: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ ولا شك أن هؤلاء ليسوا كثيرا في الناس، وهم ليسوا بكثرة الأولين ولا شطرهم بل هم قلة فاقتطع من الحدث فقال: ﴿تَنَزَّلُ﴾ بحذف إحدى التاءين، وكذلك ما في آية سورة القدر، فإن تنزل الملائكة إنما هو في ليلة واحدة في العام وهي ليلة القدر، فهو أقل من التنزل الذي يحدث باستمرار على من يحضره الموت فاقتطع من الحدث. فأنت ترى أنه اقتطع من الفعل إحدى التاءين في آيتي الشعراء والقدر لأن التنزل أقل ولم يحدث من آية فصلت؛ لأنه أكثر والله أعلم. هذه لطيفة أشار إليها الشيخ في هذه الظاهرة، كذلك نأتي لصيغة فعَّل وأفعل، عند الصرفيين الأمر سيان الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى، وكلا الفعلين ينتميان لفصيلة واحدة وهي فصيلة الثلاثي المزيد بحرف، ولكن الفرق أن الأول مزيد بالهمزة؛ فلذا هو على وزن أفعل والثاني مزيد بالتضعيف، فلذا هو على وزن فعَّل هذا دور الصرفيين. أما أهل التذوق والبلاغة ينظرون في الاستخدام متى يستخدم أفعل ومتى يستخدم فعَّل مع أنهما من فصيلة واحدة، يقول الشيخ: "من الاستعمال القرآني
следующие страницы →