Полный текст (312 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أطراف الكون المدركة، والذي بقي على هيئة صدى لعملية الانفجار الكبير، وقد قَامت هذه المركبةُ الفضائية بإرسال ملايين الصور إلى الأرض عن بقايا الدخان للأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم من على مسافة تقدر بعشرة مليارات من السنين الضوئية.
وقد منح كل من "بنزياس" و"ويسلون" جائزة نوبل سنة ١٩٧٨ م على اكتشافهما الذي كان فيه الدليل المادي الملموس لدعم نظرية الانفجار الكبير والارتقاء بها إلى مقام الحقيقة شبه المؤكدة، ودفع بالغالبية الساحقة من علماء الفلك، والفيزياء الفلكية إلى الاعتقاد بصحتها، وسبحان الخالق الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. وبدء خلق الكون بعملية انفجار كبرى هو من دلائل طلاقة القدرة الإلهية؛ لأنه من المعروف أن الانفجار بطبيعتِهِ يؤدي إلى تناثر المادة وبعثرتها، ولا يخلف وراءه إلا الدمار.
أما هذا الانفجار الكوني الفتق بعد الرتق، فقد أدى إلى إبداع نظامي كوني له تصميم دقيق محكم الأبعاد والعلاقات، والتفاعلات، منضبط الكتل، والأحجام والمسافات، منتظم الحركة والجري، والتداخلات، مبني على الوتيرةِ نفسِهَا من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته على الرغم من تعاظم أبعاده، وكثرة أجرامه وتعقيد علاقاته، وانفجارٌ هذه نتائجه لا يمكن أن يكون قد تمَّ بغير تدبير حكيم وتقدير مسبق عظيم، لا يقدر عليه إلا رب العالمين. وقد أشار العالم البريطاني المعاصر "ستيفن هوكونج" إلى شيءٍ من ذلك في كتابه المعنون (تاريخ موجز للزمن) الذي نشره في كندا سنة ١٩٨٨م، ولكن إشاراته جاءت على استحياءٍ شديد؛ نظرًا لجَوِّ الإلحاد الذي يسود الغرب بصفة عامة في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه،
стр. 107
والكتاب مملوء بالاستنتاجات المؤكدة لحقيقة الخلق، وعظيمة الخالق، وإن جاءت كلها مغلفة بسحابةٍ من الاستحياء، والتردد الشديدين.
القرآن الكريم وخلق السموات والأرض
في ظل سيادة الاعتقاد الخاطئ بأن الكون الذي نحيا فيه كان منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد، وأنه كون لا نهائي لا تحده حدود، وأنه كونٌ ساكن ثابت في مكانِه لا يتغير، وأن النجوم مثبتةٌ في السماء التي تدور بنجومِهَا كقطعة واحدة حول الأرض، وأن الكون شاملٌ للعناصر الأربعة التراب، والماء، والهواء والنار، وحول هذه الكُرَات الأربع تدور السماء بنجومها، وغير ذلك من الخرافات والأساطير.
في هذا الوقت جاء القرآن الكريم مؤكدا أن الكون مخلوق له بداية، ولابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، وأنه محدود بحدود لا يتجاوزها، وإن كنا لا نستطيع أن ندركها. ومؤكِّدًا أن جميع أجرام السماء في حركة دائبة وجري مستمر إلى أجل مسمى وأن السماء ذاتها في توسع دائب إلى أجل مسمى، وأن السموات والأرض كانتا في الأصل جرمًا واحدًا، ففتقهما الله؛ فتحولت مادة هذا الجرم الأولي إلى الدخان الذي خلقت منه الأرض والسماء، وأن هذا الكون سوف يطوى ليعود كهيئتِهِ الأولى جرمًا واحدًا مفردًا، يتفتق مرة أخرى إلى سحابة من الدخان، تخلق منها أرض غير أرضنا الحالية، وسموات غير السموات التي تظلنا في حياتنا الدنيا.
وهنا تتوقف رحلة الحياة الأولى وتبدأ رحلة الآخرة. وفيها الحياة أبدية خالدة خلودًا بلا موت قال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ وقال
стр. 108
تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت: ١١) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٤) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسموات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: ٤٨).
هذه الآيات القرآنية الكريمة تشير إلى عدد من حقائق الكون الكبرى والتي منها ابتداء خلق الكون من جرم أولي واحد مرحلة الرتق الأول فتق هذا الجرم الأولي، أي انفجاره مرحلة الفتق الأول تحول المادة في الجرم الأول عند فتقه إلى دخان مرحلة الدخان، خلق كل من الأرض والسموات من الدخان الكوني مرحلة الإتيان بكل من الأرض والسماء، توسع الكون منذ اللحظة الأولى لخلقه وإلى أن يشاء الله، حتمية عودة الكون بكل ما فيه وما فيه إلى جرم ابتدائي واحد مشابه تماما للجرم الأولي الذي ابتدئ منه الخلق مرحلة الرتق الثاني أو طي السماء أو الانسحاق الشديد للكون، حتمية فتق هذا الجرم الثاني أي انفجاره مرحلة الفتق للرتق الثاني حتمية تحول الرتق الثاني بعد فتقه إلى سحابة من الدخان الكوني، إعادة خلق أرض غير أرضنا الحالية وسموات غير السموات التي تظللنا اليوم وبداية رحلة الآخرة وهي دار الخلود.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ والرتق في اللغة عكس الفتق لأن الرتق هو الضم والالتحام والالتئام سواء كان ذلك طبيعيا أو صناعيا، والفتق لغة هو الفصل والشق والانشطار، والقرآن الكريم هنا يعطي الصورة الكاملة الجامعة لهذا الحدوث الكوني العظيم ويترك التفاصيل لجهود العلماء والمفكرين الذين يفكرون في خلق السموات والأرض. هذا السبق القرآني بحقيقة الفتق بعد الرتق يجعلنا نرتقي بنظرية الانفجار الكوني العظيم إلى مقام الحقيقة ونكون هنا قد انتصرنا بالقرآن الكريم للعلم المكتسب، وليس
стр. 109
العكس، والسبب في لجوءنا إلى تلك النظرية لحسن فهم دلالة الآية القرآنية رقم ٣٠ من سورة الأنبياء هو أن العلوم المكتسبة لا يمكن لها أن تتجاوز مرحلة التنظير في القضايا التي لا تخضع لحس الإنسان المباشر.
هذا السبق القرآني بالإشارة إلى حقيقة الفتق بعد الرتق أو ما يعبر عنه بالانفجار الكوني العظيم، وإلى حقيقة توسيع السماء أو تمدد الكون وإلى حقيقة الخلق من الدخان وإلى حقيقة الرتق بعد الفتق وإلى حقيقة إعادة خلق أرض غير الأرض وسموات غير السموات الحالية، وإلى العديد غيرها من الحقائق التي صاحبت خلق السموات والأرض هذه الآية الكونية ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا﴾ (الأنبياء: ٣٠) تشهد بإعجاز القرآن وأنه من عند الله سبحانه، أفلا يعقلون، أفلا يفكرون، أفلا يتدبرون.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 110
الدرس: ٩ شرح قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان ... ﴾.
стр. 111
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(شرح قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ... ﴾)
المفسرون وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ... ﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
سنشرح قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت: ١١).
سنبدأ أولًا بمعرفة أقوال المفسرين في هذه الآية، يقول الألوسي: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: قصد إليها وتوجه دون إرادة تأثيرها في غيرها؛؛ أي: ثم استوى إلى خلق السماء.
قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ يقول الألوسي: وأيًّا ما كان فليس الدخان كائنًا من النار التي هي إحدى العناصر؛ لأنها من توابع الأرض ولم تكن موجودة إذ ذاك.
قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا﴾؛ أي: بما خلقت فيكما من المنافع، فليس المعنى على إتيان ذاتهما وإيجادهما، بل إتيان ما فيهما مما ذكر بمعنى إظهاره، وخص الاستواء بالسماء مع أن الخطاب المترتب عليه متوجه إليهما معًا، اكتفاءً بذكر تقدير الأرض، وتقدير ما فيها.
قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ تمثيلًا لتحتم تأثير قدرته تعالى فيهما، واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات الطوع والكره لهما، وهما مصدران وقعا موقع الحال؛ أي: طائعتين أو كارهتين.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾؛ أي: منقادين تمثيلًا لكلام تأثرهما عن القدرة الربانية، وحصولهما كما أمرا به وتصويرًا لكون وجودهما كما هما عليه، جاريًا على مقتضى الحكمة البالغة، فإن الطوع منبئ عن ذلك والكره موهم لخلافه، وقيل: طائعين وقيل: طائعين بجمع المذكر السالم مع اختصاصه بالعقلاء باعتبار كونهما في معرض الخطاب والجواب، ولا وجه للتأنيث عند إخبارهم عن أنفسهم لكون التأنيث بحسب اللفظ فقط. انتهى كلام الألوسي.
стр. 112
بعد ذلك نأتي إلى قول مفسر آخر من (ظلال القرآن) يقول سيد قطب: الاستواء هنا القصد، والقصد من جانب الله تعالى هو توجه الإرادة، وثم قد لا تكون للترتيب الزمني، ولكن للارتقاء المعنوي، والسماء في الحس أرفع وأرقى.
قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ إن هناك اعتقادًا قبل خلق النجوم، كان هناك ما يسمى السديم، وهذا السديم غاز وغاز دخان، والسدم ليس الذي بها من غاز وغبار إلا ما تبقى من خلق النجوم.
إن نظرية الخلق تقول: إن المجرة كانت من غاز وغبار، ومن هاذين تكونت بالتكثف النجوم، وبقيت لها بقية، ومن هذه البقية كان السدم ولا يزال من هذه البقية منتشرًا في هذه المجرة الواسعة مقدار من غاز وغبار يساوي ما تكونت منه النجوم.
ولا تزال النجوم تجر منه بالجاذبية إليه، فهي تكنس السماء منه كنسًا، ولكن الكناسين برغم أعمالهم الهائلة قليلون بالنسبة لما يراد كنسه من مساحات أكبر وأشد هونًا، وهذا الكلام قد يكون صحيحًا؛ لأنه أقرب ما يكون إلى مدلول الحقيقة القرآنية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وإلى أنَّ خلق السماوات تم في زمن طويل في يومين من أيام الله، ثم نقف أمام الحقيقة الهائلة، وهي قول الله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
إنها إيماءة عجيبة إلى انقياد هذا الكون للناموس، وإلى اتصال حقيقة هذا الكون بخالقه اتصال الطاعة والاستسلام لكلمته ومشيئته، فليس هناك إذن إلا هذا الإنسان، الذي يخضع للناموس كرهًا في أغلب الأحيان، إنه خاضع حتمًا لهذا الناموس لا يملك أن يخرج عنه.
стр. 113
وهو ترس صغير جدًّا في عجلة الكون الهائلة، والقوانين الكلية تسري عليه رضي أم كره، ولكنه هو وحده الذي لا ينقاد طائعًا طاعة الأرض والسماء، إنما يحاول أن ينفلت وينحرف عن المجرى الهين اللين؛ فيصطدم بالناموس التي لا بد أن تغلبه وقد تحطمه وتسحقه، فيستسلم خاضعًا غير طائع إلا عباد الله الذين تصطلح قلوبهم، وكيانهم وحركاتهم وتصوراتهم وإراداتهم ورغباتهم واتجاهاتهم تصطلح كلها مع النواميس الكلية؛ فتأتي طائعة وتسير هينة لينة مع عجلة الكون الهائلة، متجهة إلى ربها مع الموكب، متصلة بما فيه من قوى، وحينئذ تصنع الأعاجيب وتأتي بالخوارق؛ لأنها مصطلِحة مع الناموس مستمدة من قوته الهائلة، وهي منه وهو مشتمل عليها في الطريق إلى الله طائعين.
إننا نخضع كرهًا فليتنا نخضع طوعًا، ليتنا نلبي تلبية الأرض والسماء في رضا في فرح باللقاء مع روح الوجود الخاضعة المطيعة الملبية المستسلمة لله رب العالمين.
إنها تأتي أحيانًا حركات مضحكة، عجلة القدر تدور بطريقتها وبسرعتها، ولوجهتها وتدير الكون كله معها وفق سنن ثابتة، ونأتي نحن فنريد أن نسرع أو أن نبطئ نحن من بين هذا الموكب الضخم الهائل، نحن بما يطرأ على نفوسنا حين تنفك عن العجلة، وتنحرف عن خط السير من قلق واستعجال وأنانية وطمع ورغبة ورهبة، ونظل نشرد هنا وهناك، والكوكب ماض ونحتك بهذا الترس وذاك ونتألم، ونصطدم هنا وهناك ونتحطم، والعجلة ماضية في سرعتها وبطريقتها إلى وجهتها، وتذهب قواتنا وجهودنا كلها سدى، فأما حين تؤمن قلوبنا حقًّا وتستلم لله حقًّا، وتتصل بروح الوجود حقًّا، فإننا حينئذ نعرف دورنا على حقيقته، وننسق بين خطانا وخطوات القدر، ونتحرك في اللحظة المناسبة بالسرعة المناسبة في المدى المناسب تتحرك أو نتحرك بقوة الوجود كله مستمدة من خالق الوجود، ونصنع أعمالًا عظيمة فعلًا دون أن يدركنا الغرور؛ لأننا نعرف
стр. 114
مصدر القوة التي صنعنا بها هذه الأعمال العظيمة، ونوقن أنها ليست قوتنا الذاتية؛ إنما هي كانت هكذا؛ لأنها متصلة بالقوة العظمى ويا للرضا ويا للسعادة ويا للراحة ويا للطمأنينة التي تغمر قلوبنا يومئذٍ في رحلتنا القصيرة على هذا الكوكب الطائع الملبي السائر معنا في رحلته الكبرى إلى ربه في نهاية المطاف.
ويا للسلام الذي يفيض في أرواحنا ونحن نعيش في كون صديق كله مستسلم لربه، ونحن معه مستسلمون لا تَشِذُّ خطانا عن خطاه، ولا يعادينا ولا نعاديه؛ ولأننا معه في الاتجاه وصدق الله العظيم حينما قال: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. انتهى الكلام من (ظلال القرآن) للسيد قطب.
هذا ما قاله بعض المفسرين عن هذه الآية، نأتي بعد ذلك ماذا قال أصحاب التفسير العلمي الحديث في هذه الآية عن دخانية السماء عن الفيزياء الفلكية والدخانية في الكون، عن تصوير الدخان الكوني عن انتشار مختلف صور الطاقة بالكون، عن وحدة القوى بالكون؛ هذا ما سنبينه في هذا الدرس إن شاء الله.
في الثلث الأول من القرن العشرين لاحظ الفلكيون عملية توسيع الكون، التي دار من حولها جدل طويل حتى سلم العلماء بحقيقتها، وقد سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى تلك الحقيقة من قبل ألف وأربعمائة سنة بقول الحق سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧)، وكانت هذه الآية الكريمة قد نزلت والعالم كله ينادي بثبات الكون وعدم تغيره.
وظل هذا الاعتقاد سائدًا حتى منتصف القرن العشرين حين أثبتت الأرصاد الفلكية حقيقة توسع الكون، وتباعد مجراته عنا، وعن بعضها البعض بمعدلات تقترب أحيانًا من سرعة الضوء المقدرة بنحو ثلاث مائة ألف كيلو متر في الثانية.
стр. 115
وقد أيدت كل من المعادلات الرياضية، وقوانين الفيزياء النظرية استنتاجات الفلكيين في ذلك، وانطلاقًا من هذه الملاحظة الصحيحة نادى كل من علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية بأننا إذا عدنا بهذا الاتساع الكوني إلى الوراء مع الزمن فلا بد أن تلتقي كل صور المادة والطاقة الموجودة في الكون المدرك منها وغير المدرك، وتتكدس على بعضها البعض في جرم ابتدائي واحد يتناهى في الصغر إلى ما يقرب الصفر أو العدم، وتنكمش في هذه النقطة أبعاد كل من المكان والزمان، حتى تتلاشى مرحلة الرتق.
وهذا الجرم الابتدائي كان في حالة من الكثافة والحرارة، تتوقف عندهما كل القوانين الفيزيائية المعروفة، ومن ثم فإن العقل البشري لا يكاد يتصورهما، فانفجر هذا الجرم الأولي بأمر من الله تعالى في ظاهرة يسميها العلماء عملية الانفجار الكوني العظيم، ويسميها القرآن الكريم باسم الفتق، فقد سبق القرآن الكريم كل المعارف الإنسانية بالإشارة إلى ذلك الحدث الكوني العظيم من قبل ألف وأربعمائة من السنين، بقول الحق ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠).
وتشير دراسات الفيزياء النظرية في أواخر القرن العشرين إلى أن جرمًا بمواصفات الجرم الابتدائي للكون عندما ينفجر لا بد وأن يتحول إلى سحابة من الدخان، الذي تخلقت منه الأرض وكل أجرام السماء.
وقد سبق القرآن الكريم بألف وأربعمائة سنة كل المعارف الإنسانية، بإشارته لمرحلة الدخان في قول الحق ﵎: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ
стр. 116
فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٩ - ١٢).
وفي ٨ نوفمبر سنة ١٩٨٩ ميلادية أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية مركبة فضائية باسم مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون، وذلك في مدار على ارتفاع ستمائة كيلو متر حول الأرض بعيدًا عن تأثير كل من السحب والملوثات في النطق الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وقد قامت هذه المركبة الفضائية بإرسال ملايين الصور والمعلومات إلى الأرض عن آثار الدخان الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم للكون من على بعد عشرة مليارات من السنين الضوئية، وهي حالة دخانية معتمة سادت الكون قبل خلق الأرض والسماوات، فسبحان الذي أنزل من قبل ألف أربعمائة سنة قوله الحق: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
دخانية السماء بعد الانفجار الكوني العظيم
أي: بعد فتق الرتق بعد التسليم بحقيقة توسع الكون وبرد ذلك التوسع إلى الوراء مع الزمن، حتى الوصول إلى جرم ابتدائي واحد متناهٍ في الضآلة حجمًا إلى الصفر، أو ما يقرب من العدم، ومتناه في الكثافة والحرارة إلى حد لا يكاد العقل الإنساني أن يتخيله؛ لتوقف كل قوانين الفيزياء المعروفة عند مرحلة الرتق، وبعد التسليم بانفجار هذا الجرم الابتدائي مرحلة الفتق في ظاهرة كونية يسميها العلماء الانفجار الكوني الكبير بدأ كل من علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية في تحليل مسار الأحوال الكونية بعد هذا الحدث الكوني الرهيب، ومع إيماننا بأن
стр. 117
تلك الأحداث الموهلة في تاريخ الكون تقع في صميم الغيب الذي أخبر ربنا ﵎ عنه بقوله : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف: ٥١) إلا أن السنن التي فطر الله تعالى الكون عليها، لها من الاقتراب والاستمرار، والثبات ما يمكن أن يعين الإنسان على الوصول إلى شيء من التصور الصحيح لتلك الأحداث الغيبية الموهلة في أبعاد التاريخ الكوني، على الرغم من حس الإنسان المحدود، وقدرات عقله المحدودة، ومحدودية كل من زمانه ومكانه.
كذلك فإن التقنيات المتطورة من مثل الصواريخ العابرة لمسافات كبيرة في السماء والأقمار الصناعية التي تطلقها تلك الصواريخ والأجهزة القياسية والتسجيلية الدقيقة، التي تحملها قد ساعدت على الوصول إلى تصوير الدخان الكوني الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم، والتي وجدت بقايا أثرية له على أطراف الجزء المدرك من الكون، وعلى أبعاد تصل إلى عشرة مليارات من السنين الضوئية لتثبت دقة التعبير القرآني بلفظة دخان، التي وصف بها حالة الكون قبل خلق السماوات والأرض.
الفيزياء الفلكية ودخانية الكون
بعد الانفجار العظيم تحول الكون إلى غلالة من الدخان الذي خلقت منه الأرض والسماوات، وتشير الحسابات الفيزيائية إلى أن حجم الكون قبل الانفجار العظيم كاد يقترب من الصفر، وكان في حالة غريبة من تكدس كل من المادة والطاقة، وتلاشى كل من المكان والزمان تتوقف عندها كل قوانين الفيزياء المعروفة مرحلة الرتق، ثم انفجر هذا الجرم الابتدائي الأول في ظاهرة كبرى تعرف بظاهرة الانفجار الكوني العظيم، التي هي مرحلة الفتق.
стр. 118
وبانفجاره تحول إلى كرة من الإشعاع، والجسيمات الأولية أخذت في التمدد والتبرد بسرعات فائقة، حتى تحولت إلى غلالة من الدخان، فبعد ثانية واحدة من واقعة الانفجار العظيم تقدِّر الحسابات الفيزيائية انخفاض درجة حرارة الكون من تريليونات الدرجة المطلقة إلى عشرة بلايين من الدرجات المطلقة وعندها تحول الكون إلى غلالة من الدخان المكون من الفوتونات، والإلكترونات والنيترينوات، وأضداد هذه الجسيمات في زوجية واضحة مع قليل من البروتونات والنيترونات.
ولولا استمرار الكون في التوسع والتبرد بمعدلات منضبطة بدقة فائقة، لأفنت الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها بعضها بعضًا وانتهى الكون، ولكنه حفظ بحفظ الله الذي أتقن كل شيء خلقه، والنيترونات يمكن أن توجد في الكون على هيئة ما يسمى باسم المادة الداكنة.
وقد نادى ألنجوس في سنة ١٩٨١م بأن التمدد عند بدء الانفجار العظيم كان بمعدلات فائقة التصور، أدت إلى زيادة قطر الكون بمعدل عشر مرة في الجزء من الثانية، وتشير حسابات الفيزياء النظرية إلى معدلات أعلى من ذلك، وإلى الاستمرار في انخفاض درجة حرارة الكون إلى بليون؛ يعني ألف مليون درجة مطلقة بعد ذلك بقليل، وعند تلك الدرجة ابتعدت البروتونات والنيترونات؛ لتكوين نوى ذرات الأيدروجين الثقيل أو الديتريون التي تحللت إلى الإدروجين أو اتحدت مع مزيج من البروتونات، والنيترونات؛ لتكون نوى ذرات الهيليوم، والقليل من نوى ذرات عناصر أعلى، مثل نوى ذرات الليثيوم، ونوى ذرات البرليوم، ولكن بقيت النسبة الغالبة لنوى ذرات غازى الإدروجين والهليوم.
وتشير الحسابات النظرية إلى أنه بعد ذلك بقليل توقف إنتاج كل من الهليوم، والعناصر التالية له، واستمر الكون في الاتساع والتمدد والتبرد لفترة زمنية
стр. 119
طويلة، ومع التبرد انخفضت درجة حرارة الكون إلى آلاف قليلة من الدرجات المطلقة، حين بدأت ذرات العناصر في التكون والتجمع، وبدأ الدخان الكوني في التكدس على هيئة أعداد من السدم الكونية الهائلة، ومع استمرار عملية الاتساع والتبرد في الكون، بدأت أجزاء من تلك السدم في التكثف على ذاتها بفعل الجاذبية، وبالدوران حول نفسها بسرعات متزايدة بالتدريج، حتى تخلقت بداخلها كتل من الغازات المتكثفة، ومع استمرار دوران تلك الكتل الكثيفة في داخل السدم، بدأت كميات من غازي الإدروجين والهليوم الموجودة بداخلها في التكدس على ذاتها بمعدلات أكبر، مما أدى إلى مزيد من الارتفاع في درجات حرارتها، حتى وصلت إلى الدرجات اللازمة؛ لبدء عملية الاندماج النووي، فتكونت النجوم المنتجة للضوء والحرارة.
وفي النجوم الكبيرة الكتلة استمرت عملية الاندماج النووي؛ لتخليق العناصر الأعلى في وزنها الذري بالتدرج مثل الكربون والأكسجين، وما يليهما حتى يتحول لب النجم بالكامل إلى الحديد، فينفجر هذا النجم المستعر على هيئة المستعر الأعظم، وتتناثر أشلاء المستعرات العظمى وما بها من عناصر ثقيلة في داخل المجرة؛ لتتكون منها الكواكب والكويكبات بينما يبقى منها في غازات المجرة ما يمكن أن يدخل في بناء نجم آخر بإذن الله.
وتحتوي شمسنا اليوم على نحو ٢ % من كتلتها للعناصر الأثقل في أوزانها الذرية، من غازي الإدروجين والهليوم، وهما المكونان الأساسيان لها، وهذه العناصر الثقيلة لم تتكون كلها بالقط في داخل الشمس، بل جاءت إليها من بقايا انفجار بعض من المستعرات العظمى.
وعلى الرغم من تكدس كل من المادة والطاقة في أجرام السماء، مثل النجوم وتوابعها، فإن الكون المدرك يبدو لنا متجانسًا على نطاق واسع في كل الاتجاهات، وتحده خلفية إشعاعية متساوية حيثما نظر الراصد.
стр. 120
كذلك فإن توسع الكون لم يتجاوز بعد الحد الحرج الذي يمكن أن يؤدي إلى انهياره على ذاته، وتكدسه من جديد مما يؤكد أنه محكوم بضوابط بالغة الدقة والإحكام، ولا يزال الكون المدرك مستمرًّا في توسعه بعد أكثر من عشرة مليارات من السنين هي العمر الأدنى المقدر للكون، وذلك بنفس معدل التوسع الحرج، ولو تجاوزه بجزء من مئات البلايين من المعدل الحالي للتوسع لانهار الكون على الفور، فسبحان الذي حفظه من الانهيار، والنظرية النسبية لا يمكنها تفسير ذلك؛ لأن كل القوانين الفيزيائية، وكل الأبعاد المكانية والزمانية تنهار عند الجرم الابتدائي للكون قبل انفجار مرحلة الرتق بكتلته وكثافته وحرارته الفائقة، وانعدام حجمه إلى ما يقرب من الصفر.
ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لخلق هذا الكون بهذا المقدار من الإحكام غير الخالق سبحانه، الذي يصف هذا الأمر بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢).
فعلى سبيل المثال لا الحصر يذكر علماء الفيزياء، أنه إذا تغيرت الشحنة الكهربائية للإلكترون قليلًا ما استطاعت النجوم القيام بعملية الاندماج النووي، ولعجزت عن الانفجار على هيئة ما يسمى المستعر الأعظم، إذا تمكنت فرضًا من القيام بعملية الاندماج النووي.
والمعدل المتوسط لعملية اتساع الكون لا بد وأنه قد اختير بحكمة بالغة؛ لأن معدله الحالي لا يزال قريبًا من الحد الحرج اللازم لمنع الكون من الانهيار على ذاته.
ويقرر علماء الفيزياء النظرية والفلكية أن الدخان الكوني كان خليطًا من الغازات الحارة المعتمة التي تتخللها بعض الجسيمات الأولية للمادة وأضداد المادة، حتى
стр. 121
تشهد هذه الصورة من صور الزوجية السائدة في الكون لله بالتفرد بالوحدانية المطلقة فوق كافة خلقه.
ولا توجد كلمة توفي هذه الحالة حقها من الوصف، مثل كلمة دخان، فسبحان الذي أنزلها في كتابه من قبل ألف وأربعمائه من السنين، وقد تكونت من تلك الجسيمات الأولية للمادة في الدخان الكوني الأولى نوى ذرات غازي الإدروجين والهليوم.
وبعد ذلك وصلت إلى الحد الذي يسمح بتكوين ذرات ثابتة لعناصر أكبر وزنا، وذلك باتحاد نوى ذرات الإدروجين والهليوم، وظل هذا الدخان المعتم سائدًا ومحتويًا على ذرات العناصر، التي خلق منها بعد ذلك كل من الأرض والسماء.
وتفيد الدراسات النظرية أن الكون في حالته الدخانية كان يتميز بقدر من التجانس مع تفاوت بسيط في كل من الكثافة ودرجات الحرارة بين منطقة وأخرى؛ وذلك نظرًا لبدء تحول أجزاء من ذلك الدخان بتقدير من الله تعالى إلى مناطق تتركز فيها كميات كبيرة من كل من المادة والطاقة على هيئة السد.
ولما كانت الجاذبية في تلك المناطق تتناسب تناسبًا طرديًّا مع كم المادة والطاقة المتمركزة فيها، فقد أدى ذلك إلى مزيد من تكدس المادة والطاقة، والذي بواسطته بدأ تخلق النجوم، وبقية أجرام السماء في داخل تلك السد، وتكونت النجوم في مراحلها الأولى من العناصر الخفيفة مثل الإدروجين والهليوم، والتي أخذت في التحول إلى العناصر الأعلى وزنًا بالتدريج، مع بدء عملية الاندماج النووي في داخل تلك النجوم حسب كتلة كل منها.
стр. 122
تصوير الدخان الكوني
في الثامن من نوفمبر سنة ١٩٨٩م، أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية مركبة باسم مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون، ارتفعت إلى مدار حول الأرض يبلغ ارتفاعه ٦٠٠ كيلو متر فوق مستوى سطح البحر؛ وذلك لقياس درجة حرارة الخلفية الإشعاعية للكون، وقياس كل من الكثافة المادية والضوئية، والموجات الدقيقة في الكون المدرك بعيدًا عن تأثير كل من السحب والملوثات في النطق الدنيا من الغلاف الغازي للأرض.
وقام هذا القمر الصنعي المستكشف بإرسال قدر هائل من المعلومات، وملايين الصور لآثار الدخان الكوني الأول، الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم للكون من على بعد عشرة مليارات من السنين الضوئية.
وأثبتت تلك الصور أن هذا الدخان الكوني في حالة معتمة تمامًا تمثل حالة الإظلام التي سادت الكون في مراحله الأولى، ويقدر العلماء كتلة هذا الدخان المعتم بحوالي ٩٠% من كتلة المادة في الكون المنظور.
وكتب جورج سموت أحد المسئولين عن رحلة المستكشف تقريرًا، نشره سنة ١٩٩٢م بالنتائج المستقاة من هذا العدد الهائل من الصور الكونية، كان من أهمها الحالة الدخانية المتجانسة التي سادت الوجود عقب الانفجار الكوني العظيم.
وكذلك درجة الحرارة المتبقية على هيئة خلفية إشعاعية أكدت حدوث ذلك الانفجار الكبير، وكان في تلك الكشوف أبلغ الرد على النظريات الخاطئة التي حاولت من منطلقات الكفر والإلحاد تجاوز الخلق، والجحود بالخالق، فنادت كذبًا بديمومة الكون بلا بداية ولا نهاية، من مثل نظرية الكون المستمر، التي سبق
стр. 123
أن أعلنها ودافع عنها مجموعة من الفلكيين العاملين في جماعة كامبوردج، وعلى رأسهم كل من هيرمن بوندي وتومس جولد، في سنة ١٩٤٩م، ونظرية الكون المتذبذب التي نادى بها ريتشارد تولمان من قبل.
فقد كان في إثبات وجود الدخان الكوني، والخلفية الإشعاعية للكون بعد إثبات توسع الكون ما يجزم بأن كوننا مخلوق له بداية، ولا بد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، وقد أكدت الصور التي بثتها مركبة المستكشف للخلفية الإشعاعية، والتي نشرت في إبريل سنة ١٩٩٢م كل تلك الحقائق.
انتشار مختلف صور الطاقة بالكون، ووحدة القوى في الكون
انتشار مختلف صور الطاقة بالكون:
كان الجرم الابتدائي للكون مفعمًا بالمادة والطاقة المكدسة تكديسًا رهيبًا، يكاد ينعدم فيه الحجم إلى الصفر، وتتلاشى فيه كل أبعاد المكان والزمان، وتتوقف كل قوانين الفيزياء المعروفة لنا، كما سبق وأن أشرنا مرحلة الرتق. هكذا يقول الدكتور زغلول النجار في كتابه.
وبعد انفجار هذا الجرم الأولي، وبدء ال كون في التوسع تمدد الإشعاع، وظل الكون مليئًا دومًا بالطاقة الكهرومغناطيسية على أنه كلما تمدد الكون قل تركيز الطاقة فيه، ونقصت كثافته، وانخفضت درجة حرارته.
ويرى علماء الفيزياء الفلكية أن أول صورة من صور الطاقة في الكون كانت هي قوة الجاذبية، وهي قوى كونية بمعنى أن كل جسم في الكون يخضع لقوى الجاذبية حسب كتل ته، أو كمية الطاقة فيه، وهي قوة جاذبة تعمل عبر مسافات طويلة،
стр. 124
وتحفظ للجزء المدرك من الكون بناءه وأبعاده، ولعلها هي المقصودة بقول الحق سبحانه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَاَ﴾ (الرعد: ٢) وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحج: ٦٥)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (الروم: ٢٥)، وقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (لقمان: ١٠)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر: ٤١).
ويقسم ربنا ﵎ وهو الغني عن القسم في مطلع سورة الطور بالسقف المرفوع، وهذا القسم القرآني جاء بالسماء المرفوعة بغير عمد مرئية، والصورة الثانية من صور الطاقة المنتشرة في الكون هي القوى الكهربائية المغناطيسية، أو الكهرومغناطيسية، وهي قوة تعمل بين الجسيمات المشحونة بالكهرباء، وهي أقوى من الجاذبية بملايين المرات، وتتمثل في قوى التجاذب بين الجسيمات، التي تحمل شحنات كهربية مختلفة موجبة وسالبة، كما تتمثل في قوى التنافر بين الجسيمات الحاملة لشحنات كهربية متشابهة، وتكاد هذه القوى من التجاذب والتنافر أن يلغي بعضها بعضًا؛ لأن حاصل القوى المغناطيسية في الكون يكاد يكون صفرًا، ولكن على مستوى الجزيئات والذرات المكونة للمادة تبقى هي القوى السائدة.
والقوى الكهرومغناطيسية بما لها من تجاذب وتنافر هي التي تضطر الإلكترونات في ذرات العناصر إلى الدوران حول النواة بنفس الصورة، التي تجبر فيها قوى الجاذبية، والقوى النابذة المركزية الأرض وغيرها من كواكب؛ يعني تجبر فيها قوى الجاذبية، والقوى النابذة المركزية الأرض إلى الدوران حول الشمس، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على وحدة البناء في الكون من أدق دقائقه إلى أكبر
стр. 125
وحداته، وهو ما يشهد للخالق بالوحدانية المطلقة فوق كافة خلقه بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع.
- وحدة القوى في الكون:
يوحد علماء الفيزياء النظرية بين كل من القوى الكهرومغناطيسية والقوى النووية القوية والضعيفة فيما يسمى بنظرية التوحد الكبرى، والتي تعتبر تمهيدًا لنظرية أكبر توحد بين كافة القوى الكونية في قوة عظمى واحدة، تشهد لله الخالق بالوحدانية المطلقة.
وعن هذه القوة العظمى انبثقت القوى الكبرى الأربع المعروفة في الكون: قوة الجاذبية القوة الكهرومغناطيسية، وكل من القوتين النوويتين الشديدة والضعيفة مع عملية الانفجار الكوني الكبير مباشرة الفتق بعد الرتق.
وباستثناء الجاذبية، فإن القوى الكونية الأخرى تصل إلى نفس المعدل عند مستويات عالية جدًّا من الطاقة تسمى باسم الطاقة العظمى للتوحد.
ومن هنا فإن هذه الصور الثلاث للطاقة تعتبر ثلاثة أوجه لقوة واحدة لا يستبعد انضمام الجاذبية إليها، باعتبارها قوة ذات مدى طويل جدًّا تتحكم في أجرام الكون، وفي التجمعات الكبيرة للمادة.
ومن ثم يمكن نظريًّا غض الطرف عنها من قبيل التبسيط عندما يكثر التعامل على الجسيمات الأولية للمادة، أو حتى مع ذرات العناصر.
وهذه الصورة من وحدة البناء في الكون، ووحدة صور الطاقة فيه، مع شيوع الزوجية في الخلق هي شهادة الكون لخالقه للتفرد بالوحدانية المطلقة فوق كثافة خلقه بغير شبيه ولا شريك ولا منازع، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات: ٤٩).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 126
الدرس: ١٠ شرح قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ... ﴾.
стр. 127
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(شرح قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ... ﴾)
ذكر الآيات التي أجملت خلق السموات والأرض
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
سنشرح قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٩).
تمهيد عن خلق السموات والأرض في القرآن الكريم:
أجمل القرآن الكريم خلق السموات والأرض في ثلاثة مواضع:
يقول الله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧).
ويقول الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠).
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا ولِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا وْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٩ - ١٢).
ولقد ثبت علميًّا منذ الثلث الأول للقرن العشرين أن من صفات الكون، الذي نحيا فيه أنه كون دائم الاتساع إلى ما شاء الله؛ بمعنى أن المجرات فيه تتباعد عن مجرت هـ ا، وعن بعضها البعض بسرعات تقترب أحيانا من ثلاثة أرباع سرعة الضوء.
وقد احتار العلماء والمفسرون في تحديد أيهما كان الأسبق للخلق الأرض أم السموات؟ أم أنهما قد خلقا في وقت واحد؟ وينسون أن الزمن من خلق الله، وأن القبلية والبعدية اصطلاحات بشرية، لا مدلول بالقياس إلى الله تعالى، الذي لا يحده الزمان ولا المكان.
стр. 128
ففي تفسير الآية رقم ٢٢ من سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا والسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ (البقرة: ٢٢) رأى العديد من المفسرين أن معناها: أن الله تعالى قد خلق جميع النعم الموجودة في الأرض لمنفعة الناس، ثم توجهت إرادته تعالى إلى السماء، فجعل منها سبع سموات، وهو تعالى محيط بكل شيء عالم بتفاصيله، والاستواء الإلهي رمز للسيطرة الكلية، والقصد بإرادة الخالق الخلق والتكوين، والتسوية للكون لأرضه وسمائه.
وهو تعالى خالق هذا الكون، ومدبره ربه ومليكه، ويأتي ذلك في معرض الاستنكار والاستهجان لكفر الكافرين من الناس بالخالق المبدع المهيمن المسيطر على الكون، الذي سخر لهم الأرض بكل ما فيها، وسخر لهم السموات بما يحفظ الحياة على الأرض ويحميها، ويجعل الأرض قرارًا لهم.
المفسرون وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ... ﴾
بعد هذا التمهيد نأتي إلى أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
قال ابن جوزي في كتابه (التسهيل في علوم التنزيل) الجزء الأول ص٤٣ ما نصه:
وهذه الآية: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (النازعات: ٣٠) ظاهره خلاف ذلك.
والجواب من وجهين: أن الأرض خلقت قبل السماء ودحيت بعد ذلك، فلا تعارض، والآخر: تكون ثم لترتيب الأخبار.
стр. 129
وقال ابن كثير: الاستواء يتضمن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بإلى فسواهن؛ أي: فخلق السماء سبعًا، والسماء اسم جنس؛ فلهذا قال: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق، ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولًا، ثم خلق السموات سبعًا، وقد صرح المفسرون بذلك.
فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّا ها * وأَغْطَشَ لَيْلَهَا وأَخْرَجَ ضُحَاهَا * والْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (النازعات: ٢٧ - ٣٠) فقد قيل: إن ثم هنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل.
وأضاف ابن كثير أن الدحي كان بعد خلق السموات والأرض، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ البقرة، قال مجاهد: خلق الله الأرض قبل السماء.
فهذه دال ة على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء، إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض.
وقد توقف في ذلك القرطبي في (تفسيره) لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومَرْعَاهَا * والْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (النازعات: ٣٠ - ٣٢)، قال: فذكر خلق السماء قبل الأرض.
وفي (صحيح البخاري) أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه، فأجاب: بأن الأرض خلقت قبل السماء، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا.
وقال عدد من المفسرين المحدثين: إن لفظ خلق في هذه الآية الكريمة من سورة البقرة يعني: التقدير دون الإيجاد؛ بمعنى أن جميع مكونات الأرض من نوى
стр. 130
العناصر كانت جاهزة في الدخان الكوني، الناتج عن عملية فتق الرتق؛ ال ذ ي هو الانفجار العظيم، ولو أن كوكب الأرض لم يكن قد تم تشكيله بعد، ثم توجهت إرادة الله إلى السماء وهي دخان، فخلق منها سبع سماوات كما خلق الأرض.
ويتضح ذلك من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا ولِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا وْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٩ - ١٢).
ويستنتج من هذه الآيات الكريمة: أن الأرض قد خلقت من السماء الدخانية على مراحل أربع متتالية، بينما تم تشكيل السماء الدخانية على هيئة سبع سماوات على مرحلتين، وتم دحو الأرض بمعنى تكوين كل من أغلفتها الغازية، والمائية، والصخرية بعد ذلك؛ استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّا ها * وأَغْطَشَ لَيْلَهَا وأَخْرَجَ ضُحَاهَا * والْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أ َخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومَرْعَاهَ ا * والْجِبَالَ أَرْسَ اها * مَتَاعًا لَكُمْ ولِأَنْعَامِكُم﴾ (النازعات: ٢٧ - ٣ ٣).
وهذه الآيات الكريمة جاءت في مقام الاحتجاج على منكري البعث، فيسألهم ربنا سبحانه هل خلقكم أكبر من خلق السماء التي بنيناها بهذه السعة المبهرة، والنظام الدقيق، والانضباط في الحركة، والإحكام في العلاقات، والارتباط بتلك القوى الخفية، والإشعاعات غير المرئية التي تتحرك كأمر كوني واحد بسرعات كونية عظمى؛ لتربط بلايين النجوم والكواكب والكويكبات والأقمار والمذنبات في داخل المجرات، كما تربط مئات البلايين من المجرات مع بعضها البعض في ركن من السماء الدنيا، التي لا يستطيع العلم إدراك أبعادها، ولا تحديد ما فوقها.
стр. 131
وأما قوله تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ (النازعات: ٢٨)، فمعناه: جعل ارتفاعها عظيمًا إشارة إلى أن المسافات الفلكية المذهلة، التي تقدر بعشرات البلايين من السنين الضوئية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ (النازعات: ٢٩)؛ أي: أَظْلَم ليلها، أو أُظْلم ليلها، أو أظلم الله ليلها، وجعله حالك السواد ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي: أنار نهارها بخلق النجوم مثل شمسنا وسط ظلام السماء الحالك، فأرسلت بضيائها إلى أرضنا في وضح النهار، فقامت هباءات الغبار وبخار الماء في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض بتشتيت ضوء الشمس، وإظهاره بهيئة النور الأبيض الذي نراه في نهار الأرض.
وبعد ذلك تذكر الآيات الكريمة أنه قد تم دحو الأرض الابتدائية إلى شكلها الحالي بأغلفتها المختلفة، والدحو لغة: هو المد والبسط والإلقاء، وهي كناية عن الثورانات البركانية العنيفة، التي أخرج بها ربنا سبحانه من جوف الأرض كلًّا من غلافها الغازي، والمائي، والصخري.
وهذه كلها مراحل متتالية في تهيئة الأرض لاستقبال الحياة، وقد تمت بعد بناء السموات السبع من الدخان الكوني الناتج عن عملية فتق الرتق والانفجار الكوني العظيم.
علوم الكون وخلق السموات والأرض
من بديع القدرة الإلهية، ومن الشهادات الناطقة لله تعالى بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع: أن يلتقي الكون في أكبر وحداته مع الكون في أدق دقائق، فيلتقي علم الكون الحديث بعلم الفيزياء الجزيئية، أو فيزياء الجسيمات الأولية للمادة في وحدة واحدة، فدراسات الجسيمات الأولية في داخل الذرة، بدأت تعطي أبعادًا مبهرة لتفهم عملية خلق الكون، ومراحله المختلفة.
стр. 132
ففي الثلث الأول من القرن العشرين تسائل علماء الفلك عن مصدر الطاقة في النجوم، واقترحوا إمكانية كونها عملية معاكسة للانشطار النووي، وأطلقوا عليها اسم عملية الاندماج النووي، وهي عملية يتم بها اندماج نوى العناصر الخفيفة مثل: ال إ يدروجين لتكوين عناصر أعلى في وزنها الذري، وفي الثلاثينيات اقترح هانز بيت عددًا من سلاسل التفاعلات النووية داخل النجوم، تتحد فيها أربع نوى لذرات ال إ يدروجين تكون نواة واحدة من نوى ذرات الهليوم وذلك في قلب نجم كشمسنا تصل درجة الحرارة فيه إلى أكثر من ١٥ مليون درجة مطلقة، أما في النجوم الأشد حرارة من ذلك، فإن نوى ذرات الهليوم تتحد؛ لتكون نوى ذرات أثقل وزنًا من مثل الكربون، وربما تستمر عملية الاندماج النووي لتخليق نوى ذرات أعلى وزنًا.
وفي سنة ١٩٥٧ تمت صياغة نظرية تخليط نوى العناصر المختلفة في داخل النجوم، بواسطة أربعة من الفلكيين المعاصرين هم: الزوجان مارجريت وجيفري وويليم وفيلد، وذلك في بحث قدموه إلى مجلة مراجعات في الفيزياء الحديث، وقد تمكن علماء الفلك من تفسير التوزيع النسبي للعناصر المختلفة في الجزء المدرك من الكون؛ بناءً على هذه النظرية، كما تمكنوا من تفسير تطور الكون الابتدائي من دخان يغلب على تركيبه غاز الإدروجين، مع قليل من ذرات الهليوم إلى الكون الحالي، الذي يضم في تركيبه أكثر من مائة من العناصر المعروفة، والتي تتدرج خواصها الطبيعية، والكيميائية بناء على ما تحتويه ذرة كلا منها من اللبنات الأولية للمادة، بحيث تم ترتيبها في جدول دوري حسب أعدادها الذرية بدءًا من أخفها وأبسطها بناءً، وهو غاز الإدروجيين إلى أثقلها وأعقدها بناءً، وهو اللورنسيوم، وفق نظام محكم دقيق ينبئ بخواص العنصر من موضعه في الجدول الدوري للعناصر.
стр. 133
تخليق العناصر في الكون الابتدائي
من الملاحظات العلمية المتوفرة يبدو والله تعالى أعلم أن تخليق العناصر المختلفة لعملية الاندماج النووي لنظائر كل من غاز الإدروجيين، والهليوم قد بدأت منذ اللحظات الأولى للانفجار الكوني الكبير، أو فتق الرتق، وبدأت بتدرج يتفقوا مع ترتيب العناصر في الجدول الدوري الخاص بها؛ بمعنى أن العناصر الخفيفة بدأت في تخلقها قبل العناصر الثقيلة، وأن العناصر الثقيلة لا بد وأنها قد تكونت في داخل النجوم الشديدة الحرارة من مثل المستعرات، أو في أثناء انفجارها؛ أي: في مراحل ما يسمى باسم المستعرات العظمى.
ومن الاكتشافات الحديثة أن المادة لها أضدادها، وأن كل جزيء جسيم من الجسيمات الأولية المكونة لذرات المواد له جسم مضاد بنفس الكتلة، ولكنه يحمل شحنة مضادة، وذلك من مثل البروتون، وأضداد البروتون، والنيترون، وأضداد النيترون، والإلكترون وضده، أو النيزترون وضده، وأن نوى الذرات تتكون من جسيمات دقيقة تسمى البريونات من مثل البروتونات، والنيترونات، وأن هذه أيضًا لها أضدادها وهكذا، وعند التقاء أي جسيم من جسيمات المادة وضده، فإنهما يسميان ويتحولان إلى طاقة على هيئة أشعة جاما، حسب القانون الطاقة الناتجة تساوي الكتلة في مربع سرعة الضوء.
وقد ثبت علميًّا أن المادة وأضدادها على مختلف المستويات قد خلقت بكميات متساوية عقب عملية الانفجار الكوني، مما يؤكد حقيقة الخلق من العدم، وإمكان الإفناء إلى العدم.
وفي سنة ١٩٨٠ ميلادية منح كل من جيمس وكولونيل وزميله قال فيتش جائزة نوبل في الفيزياء لإثباتها بالتجربة القابلة للتكرار والإعادة أن إفناء بعض
стр. 134
الجسيمات الأولية للمادة بواسطة أضدادها لا يتم بتماثل تام، ومن هنا كان بقاء المادة في الكون، وعدم فنائها بالكامل.
وفي سنة ١٩٨٣ ميلادية حصل ويليام فاولر على جائزة نوبل في الفيزياء مناصفة مع آخرين لجهوده في تفسير عملية تخليق نوى ذرات العناصر المختلفة بواسطة عملية الاندماج النووي.
مراحل خلق الكون عند كل من الفلكيين والفيزيائيين
مراحل خلق الكون عند كل من الفلكيين والفيزيائيين؛ باستخدام الحسابات التي وظفت فيها الحواسيب العملاقة تمكن كل من الفلكيين والفيزيائيين المعاصرين من وضع تصور لمراحل خلق الكون على النحو التالي:
باستخدام الحسابات، وجد الأمور التالية:
١ - بعد لحظات من عملية الانفجار الكوني العظيم كان بالكون تساوٍ بين البريونات، وأضدادها من جهة، وبين فوتونات الضوء من جهة أخرى، وكانت البريونات وأضدادها يفني بعضها بعضًا منتجة الطاقة، التي يعاد منها تخليق الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها.
وهذه النظرية التي تشير إلى تساوي كميات المادة وأضدادها في الكون المدرك تؤكد أن اختلافًا في هذا التساوي لا تتعدى نسبته واحدًا في المائة مليون، يمكن أن يفسر غلبة نسبة المادة على نسبة أضدادها في الكون الراهن.
وذلك بتحول نسبة من الفوتونات الناتجة عن إفناء الأضداد لبعضها البعض إلى بريونات، وتتم هذه العملية عن طريق إنتاج بريون واحد من كل مائة مليون فوتون، كما تؤكد ذلك الخلفية الإشعاعية الحالية للكون المنظور.
стр. 135
وبعد فناء أغلب البروتونات وأضدادها بدأ الكون في الاتساع، ويحتمل وجود كمية من النيترونات باقية في كوننا المدرك نظرًا لضعف تفاعلها مع أضدادها، فلم تُفْنَ بالكامل.
٢ - بعد مضي ثانية واحدة على الانفجار الكوني العظيم، تقدر الحسابات النظرية أن كمية الطاقة المتوفرة في الكون أصبحت تسمح بتكون جسيمات، مثل الإليكترون الذي يحمل شحنة سالبة، وضده البزيترون الذي يحمل شحنة موجبة.
وقد أفنت هذه الجسيمات بعضها بعضًا، تاركة وراءها محيطًا من الإشعاع الحار على هيئة فيونات الطاقة، التي انتشرت في كل الكون، والتي تدرك آثارها اليوم فيما يعرف باسم الخلفية الإشعاعية للكون، والتي تشير إلى تناقص كل من كثافة الكون، ودرجة حرارته باستمرار مع الزمن.
٣ - بعد نحو خمس ثوان من عملية الانفجار الكوني، تشير الحسابات النظرية إلى أن درجة حرارة الكون انخفضت إلى عدة ملايين من الدرجات المطلقة، ولم يكن موجودًا بالكون سوى عدد من الجسيمات الأولية لكل من المادة والطاقة، من مثل: البروتونات، والنيترونات، والإلكترونات، والنتريونات، والفوتونات.
٤ - بعد نحو مائة ثانية من الانفجار الكوني، الذي هو فتق الرتق تقدر الحسابات النظرية أن درجة حرارة الكون قد انخفضت إلى نحو البليون درجة مطلقة، فبدأت البروتونات، والنيترونات في الاتحاد بعملية الاندماج النووي لتكون نوى مجرات نظائر كل من النيتروجين، والهليوم، والليثيوم على التوالي، وتشير كل من الحسابات الرياضية، والتجارب المختبرية إلى أن أول النوى الذرية تكونًا كانت نوى ذرة نظير الإدروجين الثقيل المعروف باسم ديوتريون، ثم تلته نوى نظائر الهليوم.
стр. 136
٥ - بعد دقائق من الانفجار الكوني العظيم، تشير الحسابات النظرية إلى أن درجة حرارة الكون قد انخفضت إلى مائة مليون درجة مطلقة، مما شجع على الاستمرار في عملية الاندماج النووي، حتى تم تحويل ٢٥% من كتلة الكون إلى غاز الهليوم، وبقيت غالبية النسبة الباقية ٧٥% مكونة من غاز الإدروجين، وينعكس ذلك على التركيب الحالي للكون المدرك، الذي لا يزال الإدروجين يشكل مكونه الأساسي بنسبة تزيد قليلًا على ٧٤%، يليه الهيليوم بنسبة تبلغ ٢٤%، وباقي المائة لخمسة من العناصر المعروفة تكون أقل من ٢%، ولذلك يعتقد الفلكيون المعاصرون أن تخلق العناصر في كوننا المدرك قد تم على مرحلتين متتاليتين؛ في الأولى منهما تكونت العناصر الخفيفة عقب عملية الانفجار الكوني مباشرة، وفي المرحلة الثانية: تكونت العناصر الثقيلة بالإضافة إلى كميات جديدة من معظم العناصر الخفيفة، وذلك في داخل النجوم خاصة الشديدة الحرارة منها مثل المستعرات، أو في مراحل انفجارها على هيئة ما يعرف باسم المستعرات العظمى.
دعوة قرآنية لإعادة التفكير
يقول الدكتور زغلول النجار: لقد أشرنا في الأسطر السابقة إلى أن كلًّا من الحسابات النظرية في مجالات علمي الفلك والفيزياء الفلكية تدعو إلى الاعتناق بأن تخلق العناصر المعروفة لنا في الكون قد تم بعملية الاندماج النووي على مرحلتين كما يلي:
المرحلة الأولى: وقد تكونت فيها العناصر الخفيفة عقب عملية الانفجار الكوني مباشرة.
المرحلة الثانية: وقد تكونت فيها العناصر الثقيلة بالإضافة إلى كميات جديدة من العناصر الخفيفة، ولا تزالان تتكونان في داخل النجوم، وفي مراحل استعارها، وانفجارها المختلفة.
стр. 137
ولكن الآية الحادية والعشرين من سورة البقرة، التي هي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ٢١) بعدها ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا والسَّمَاءَ بِنَاء﴾ (البقرة: ٢٢).
هذه الآية تقرر أن الله خلق لنا ما في الأرض جميعًا قبل تسمية السماء الدخانية الأولى إلى سبع سماوات، ويؤيد ذلك ما جاء في الآيات ٩ إلى ١٢ من سورة فصلت، ومعنى هذه الآيات مجتمعة أن كل العناصر اللازمة للحياة على الأرض، بل إن الأرض الابتدائية ذاتها كانت قد خلقت قبل تمايز السماء الدخانية الأولى إلى سبع سماوات، هل يمكن لكل من علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية، وعلماء الأرض المسلمين مراجعة الحسابات الحالية انطلاقًا من هذه الآيات القرآنية لإثبات ذلك، فيخلصون إلى سبق قرآني كوني معجز يثبت المؤمنين على إيمانهم، ويكون دعوة لغير المسلمين في زمن فتن الناس بالعلم، ومعطياته فتنة كبيرة.
- بعد ذلك نأتي إلى نقطة أخرى، وهي ترتيب خلق السموات والأرض:
إن عملية الخلق خلق الكون والحياة، وخلق الإنسان هي من الأمور الغيبية، التي لا تخضع مباشرة لإدراك الإنسان، كما قال ربنا في محكم كتابه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ ولَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ومَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف: ٥١).
ولكن من رحمة الله تعالى بنا أنه قد أبقى لنا في صفحة السماء، وفي صخور الأرض من الشواهد الحسية ما يمكنه أن يعيننا على استقراء ذلك، كما أبقى لنا في محكم كتابه، وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله من الآيات، والأحاديث ما يمكن أن يدعم هذا الاستقراء، أو أن يهذبه.
وفي ذكره لآيات خلق السموات والأرض يقدم القرآن الكريم يقدم السموات على الأرض في الغالبية العظمى، من الآيات التي تشير إليهما فيما عدى خمس آيات بما فيها ذكر الأرض على ذكر السماء.
стр. 138
وهي على التوالي قول الحق سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا والسَّمَاءَ بِنَاء﴾ (البقرة: ٢٢) الآية الثانية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (البقرة: ٢٩)، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ والسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾ (طه: ٤)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا والسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ (غافر: ٦٤)، الآية الخامسة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا ولِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا وْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٩ - ١٢).
ونحب أن ننوه أن الآية التي ذكرناها، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا والسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ هي سورة البقرة الآية رقم ٢٢، أما الآية ٢٩ من سورة البقرة هي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
والآيتان الأولى والرابعة التي هي آية البقرة الآية ٢٢، وغافر ٦٤ هما من الآيات الوصفية، التي لا تتعرض لترتيب الخلق، والآية الثالثة طه ١٤ جاء الترتيب فيها لموافقة النظم في السورة، التي ذكرت فيها السماء بعد الأرض بعد آية واحدة.
أما الآية الثانية سورة البقرة آية ٢٩، فواضحة الدلالة على خلق جميع العناصر اللازمة للأرض قبل تمايز السماء الدخانية إلى السموات السبعة؛ وذلك لأنه من الثابت علميًّا، والراجح منطقيًّا أن خلق العناصر سابق على خلق الأرض،
стр. 139
وخلق جميع أجرام السماء، وأن خلق الوحدات الكونية الكبرى كالسند، والمجرات سابق على ما يتعلق بداخلها من نجوم، وتوابع تلك النجوم من الكواكب والكويكبات والأقمار.
وأما الآيات في سورة فصلت ٩ إلى ١٢ تشير إلى أن خلق الأرض الابتدائية كان سابقًا على تمايز السماء الدخانية الأولى إلى سبع سماوات، وأن دحو الأرض الابتدائية؛ بمعنى تكون أغلفتها الغازية، والمائية، والصخرية جاء بعد ذلك، ويدعم هذا الاستنتاج ما جاء في سورة النازعات من قول الحق سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّا ها * وأَغْطَشَ لَيْلَهَا وأَخْرَجَ ضُحَاهَا * والْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أ َخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومَرْعَاهَ ا * والْجِبَالَ أَرْسَ اها * مَتَاعًا لَكُمْ ولِأَنْعَامِكُم﴾.
وفي الآيات من ٩ إلى ١٢ من سورة فصلت يخبرنا ربنا سبحانه بأنه قد خلق الأرض في يومين، وجعل لها رواسي، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام؛ أي: أربع مراحل، ثم خلق السموات في يومين؛ أي: مرحلتين.
وهو القادر على أن يقول للشيء: كن فيكون، ولكن هذا التدرج كان لحكمة مؤداها أن يفهم الإنسان سنن الله في الخلق، فقد يلتبس على القارئ لأول وهلة أن خلق الأرض وحدها قد استغرق ستة أيام؛ أي: ستة مراحل، وأن خلق السماء قد استغرق يومين؛ أي: مرحلتين، فيكون خلق السموات والأرض قد استغرق ثمانية مراحل، والآيات القرآنية التي تؤكد خلق السموات والأرض في ستة أيام؛ أي: ستة مراحل آيات عديدة، لكن الآيات في سورة فصلت تشير إلى أن يومي خلق الأرض هما يوم خلق السموات السبع؛ وذلك لأن الأمر الإلهي كان للسماء والأرض معًا؛ لقول الحق: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا ولِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 140
الدرس: ١١ الإعجاز في ضرب المثل بالذباب .
стр. 141
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(الإعجاز في ضرب المَثَل بالذباب)
عرض موجز لسورة الحج التي ذكرت فيها الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
سنشرح قول الله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: ٧٣).
هذا النص القرآني المعجز جاء في خواتيم سورة الحج، وهي سورة مدنية، ومجموع آياتها ثمان وسبعون بعد البسملة، وهي ال س ورة الوحيدة من بين س ور القرآن الكريم التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة، وقد سميت بهذا الاسم من ورود الإشارة فيها إلى الأمر الإلهي الصادر إلى أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه من الله السلام بالأذان في الناس بالحج، ويدور المحور الرئيسي لل س ورة حول عدد من التشريعات الإسلامية بأحكام كل من الحج والطعام والإذن بالقتال والجهاد في سبيل الله؛ دفاع ً اعن النفس وعن الدين وشعائره ومقدساته، وعن أعراض وأموال وممتلكات وأراضي المسلمين؛ دفع ً الظلم الظالمين ولبغي الباغين المتجبرين في الأرض بغير الحق.
ويصحب هذه التكاليف وعد قاطع من الله تعالى بنصر المجاهدين في سبيله، وبالتمكين لعباده المؤمنين الذين ينهضون في غير تردد لدفع كل عدوان باغ على المسلمين، أو على غيرهم من البشر المسالمين مع تأكيد قوة الله البالغة وضعف الشركاء المزعومين، والإشارة إلى مصارع الغابرين من الكفار والمشركين والبغاة الظالمين، وإلى سنن الله تعالى في ذلك، وهي سنن لا تتوقف ولا تتبدل ولا تتخ لف.
تبدأ سورة الحج بدعوة الناس جميعا إلى تقوى الله، وتحذرهم من هول الساعة وما يصاحبها من أحداث جسام، ومن اتباع الشيطان؛ لأنه يضل من يتبعه ويهديه إلى عذاب السعير.
стр. 142
وتحذر كذلك من الخوض في الذات الإلهية بغير علم، وتؤكد حقيقة البعث مستشهدة على حتميته ب خلق الإنسان من تراب، وذلك بإنبات الأرض بعد إنزال الماء عليها واتخاذه دليلا على إحياء الموتى مؤكدة أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وتعاود السورة الكريمة الحديث عن من يضلهم الشيطان ويجادلون في الذات الإلهية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؛ ليضلوا غيرهم عن سبيل الله، وهؤلاء لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب شديد، وتشير السورة إلى أن من الناس من يعبد الله؛ طمع ً افي كريم عطائه فقط ف إن أصابه خير اطمأن به، وإن ابتلي بفتنة انقلب على عقبيه فخسر الدنيا والآخرة؛ وذلك هو الخسران المبين.
وتحذ ر سورة الحج من الشرك بالله واصفة إياه بالضلال البعيد، ومؤكدة عجز الشركاء المزعومين عن نفع أو ضر من أشركوهم مع الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتؤكد السورة الكريمة جزاء العمل الصالح بقول ربنا ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (الحج: ١٤).
وتضيف السورة مؤكدة أن الله -تعالى- قد تعهد بنصر خاتم أنبيائه ورسله وبنصر أتباعه في الدنيا والآخرة رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين، وفي الإشارة إلى القرآن الكريم يقول ربنا ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ (الحج: ١٦) وفوضت الآيات الأمر إلى الله تعالى في الفصل بين أصحاب الملل والنحل المختلفة في يوم القيامة، مؤكدة أن جميع ما في هذا الوجود ومن فيه يسجدوا لله - سبحانه - في عبودية كاملة وخضوع تام يمثلان قيمة التكريم للمخلوقات؛ لأن من يعرض عن ذلك من أصحاب الإرادة الحرة فليس له من مكرم.
стр. 143
ومايزت سورة الحج بين عذاب الكافرين في الآخرة ونعيم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأشارت إلى أن من الكفر بالله الصد عن سبيله وعن المسجد الحرام والظلم والإلحاد فيه، وأكدت أن الله تعالى قد هدى إبراهيم ﵇ إلى التوحيد الخالص، وإلى مكان البيت الحرام وأمره برفع قواعده وإعادة بنائه، والعمل على تطهيره للطائفين والقائمين والركع السجود، وأن يؤذن في الناس بالحج يأتوه من كل فج عميق، وبذلك أقامت فريضة الحج وما فيها من تعظيم لشعائر الله، وحذرت من انتهاك حرمات الله، وأمرت بالحلال من الطعام، وباجتناب الرجس من الأوثان واجتناب قول الزور.
كما أمرت بالحنيفية السمحة، ونهت عن الشرك بالله وحذرت من عقاب المشركين في يوم الدين، وأكدت أن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وأشارت إلى أن الله -سبحانه- قد جعل على كل أمة قربانا تقدمه لله شكرا على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وتكرر سورة الحج تأكيد وحدانية الله وضرورة الخضوع الكامل لجلاله ل لإسلام له، وتأمر خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ أن يبشر بخيري الدنيا والآخرة كلا من المتواضعين لله تعالى والمطمئنين إلى حكمه والذين تخشع قلوبهم لذكره، والصابرين على قضا ئ هـ، والمقيمين للصلاة خالصة له، والمنفقين مما رزقهم الله طلبا لمرضاته.
وأكدت أن من شعائر الحج النحر لله فإذا ذبحت البدن بعد ذكر اسم الله عليها أكل منها مقدمها وأطعم السائل وغير السائل ممن يتعرضون له، ولذلك سخرها الله تعالى لهم من قبيل الشكر لله على وه ب تلك الأنعام، وعلى هدايته - سبحانه - لهؤلاء المحسنين الذين قدموها قربانا إلى الله بشرهم الله تعالى بالقبول فيقول - سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: ٣٧، ٣٨).
стр. 144
ويتكرر في سورة الحج ال إذ ن بالقتال الدفاعي للذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغي ر حق إلا أن يقولوا ربنا الله كما حدث، ولا يزال يحدث مع إخواننا المسلمين الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله.
وتؤكد هذه السورة ال كر يمة أن الله تعالى سوف ينصر من ينصره، وهو القوي العزيز، وتصف سورة الحج أنصار الله بقول الله - سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٤١).
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ في مواساة رقيقة من الله تعالى لتكذيب الكافرين والمشركين لبعثته الشريفة؛ فيقول له رب العالمين: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (الحج: ٤٢ - ٤٨).
وتطالب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين - بأن يعلن للناس جميعا أنه نذير مبين لهم فتقول الآيات: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (الحج: ٤٩ - ٥١).
стр. 145
وتؤكد سورة الحج أن الله العليم الحكيم قد أحكم آيات كتابه العزيز، وحفظها من كل تدخل شيطاني حتى يبقى كتاب الله في صفائه الرباني محتفظ ً ابالحق الذي أنزله ربنا ﵎ وفي ذلك يقول الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (الحج: ٥٤، ٥٥).
وتكرر السورة الكريمة التفريق بين نعيم الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة وجحيم الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، مؤكدة ثواب المهاجرين في سبيل الله والمجاهدين من أجل إعلاء دينه وإقامة عدله على الأرض، وأن الله تعالى قد أخذ على ذاته العلية نصرة كل مظلوم، واستشهدت السورة الكريمة بعدد من الآيات الكونية على حقيقة الألوهية فيقول - سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هو الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (لقمان: ٦٢).
وركزت الآيات على زجر المعارضين لرسول الله ﷺ من أهل الكتاب في زمانه وإلى زماننا وحتى قيام الساعة، وتحذرهم من مخالفته وعصيانه، مؤكدة خر وجهم على ما جاءهم من كتب وما أنزل له م فيها من الشرائع والعقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، وفي ذلك ت ق ول الآيات: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الحج: ٧١، ٧٢).
وتختتم سورة الحج بقول الله - سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ
следующие страницы →