Полный текст (312 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(الإعجاز في ضرب المَثَل بالذباب)
عرض موجز لسورة الحج التي ذكرت فيها الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
سنشرح قول الله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: ٧٣).
هذا النص القرآني المعجز جاء في خواتيم سورة الحج، وهي سورة مدنية، ومجموع آياتها ثمان وسبعون بعد البسملة، وهي ال س ورة الوحيدة من بين س ور القرآن الكريم التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة، وقد سميت بهذا الاسم من ورود الإشارة فيها إلى الأمر الإلهي الصادر إلى أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه من الله السلام بالأذان في الناس بالحج، ويدور المحور الرئيسي لل س ورة حول عدد من التشريعات الإسلامية بأحكام كل من الحج والطعام والإذن بالقتال والجهاد في سبيل الله؛ دفاع ً اعن النفس وعن الدين وشعائره ومقدساته، وعن أعراض وأموال وممتلكات وأراضي المسلمين؛ دفع ً الظلم الظالمين ولبغي الباغين المتجبرين في الأرض بغير الحق.
ويصحب هذه التكاليف وعد قاطع من الله تعالى بنصر المجاهدين في سبيله، وبالتمكين لعباده المؤمنين الذين ينهضون في غير تردد لدفع كل عدوان باغ على المسلمين، أو على غيرهم من البشر المسالمين مع تأكيد قوة الله البالغة وضعف الشركاء المزعومين، والإشارة إلى مصارع الغابرين من الكفار والمشركين والبغاة الظالمين، وإلى سنن الله تعالى في ذلك، وهي سنن لا تتوقف ولا تتبدل ولا تتخ لف.
تبدأ سورة الحج بدعوة الناس جميعا إلى تقوى الله، وتحذرهم من هول الساعة وما يصاحبها من أحداث جسام، ومن اتباع الشيطان؛ لأنه يضل من يتبعه ويهديه إلى عذاب السعير.
стр. 142
وتحذر كذلك من الخوض في الذات الإلهية بغير علم، وتؤكد حقيقة البعث مستشهدة على حتميته ب خلق الإنسان من تراب، وذلك بإنبات الأرض بعد إنزال الماء عليها واتخاذه دليلا على إحياء الموتى مؤكدة أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وتعاود السورة الكريمة الحديث عن من يضلهم الشيطان ويجادلون في الذات الإلهية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؛ ليضلوا غيرهم عن سبيل الله، وهؤلاء لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب شديد، وتشير السورة إلى أن من الناس من يعبد الله؛ طمع ً افي كريم عطائه فقط ف إن أصابه خير اطمأن به، وإن ابتلي بفتنة انقلب على عقبيه فخسر الدنيا والآخرة؛ وذلك هو الخسران المبين.
وتحذ ر سورة الحج من الشرك بالله واصفة إياه بالضلال البعيد، ومؤكدة عجز الشركاء المزعومين عن نفع أو ضر من أشركوهم مع الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتؤكد السورة الكريمة جزاء العمل الصالح بقول ربنا ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (الحج: ١٤).
وتضيف السورة مؤكدة أن الله -تعالى- قد تعهد بنصر خاتم أنبيائه ورسله وبنصر أتباعه في الدنيا والآخرة رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين، وفي الإشارة إلى القرآن الكريم يقول ربنا ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ (الحج: ١٦) وفوضت الآيات الأمر إلى الله تعالى في الفصل بين أصحاب الملل والنحل المختلفة في يوم القيامة، مؤكدة أن جميع ما في هذا الوجود ومن فيه يسجدوا لله - سبحانه - في عبودية كاملة وخضوع تام يمثلان قيمة التكريم للمخلوقات؛ لأن من يعرض عن ذلك من أصحاب الإرادة الحرة فليس له من مكرم.
стр. 143
ومايزت سورة الحج بين عذاب الكافرين في الآخرة ونعيم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأشارت إلى أن من الكفر بالله الصد عن سبيله وعن المسجد الحرام والظلم والإلحاد فيه، وأكدت أن الله تعالى قد هدى إبراهيم ﵇ إلى التوحيد الخالص، وإلى مكان البيت الحرام وأمره برفع قواعده وإعادة بنائه، والعمل على تطهيره للطائفين والقائمين والركع السجود، وأن يؤذن في الناس بالحج يأتوه من كل فج عميق، وبذلك أقامت فريضة الحج وما فيها من تعظيم لشعائر الله، وحذرت من انتهاك حرمات الله، وأمرت بالحلال من الطعام، وباجتناب الرجس من الأوثان واجتناب قول الزور.
كما أمرت بالحنيفية السمحة، ونهت عن الشرك بالله وحذرت من عقاب المشركين في يوم الدين، وأكدت أن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وأشارت إلى أن الله -سبحانه- قد جعل على كل أمة قربانا تقدمه لله شكرا على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وتكرر سورة الحج تأكيد وحدانية الله وضرورة الخضوع الكامل لجلاله ل لإسلام له، وتأمر خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ أن يبشر بخيري الدنيا والآخرة كلا من المتواضعين لله تعالى والمطمئنين إلى حكمه والذين تخشع قلوبهم لذكره، والصابرين على قضا ئ هـ، والمقيمين للصلاة خالصة له، والمنفقين مما رزقهم الله طلبا لمرضاته.
وأكدت أن من شعائر الحج النحر لله فإذا ذبحت البدن بعد ذكر اسم الله عليها أكل منها مقدمها وأطعم السائل وغير السائل ممن يتعرضون له، ولذلك سخرها الله تعالى لهم من قبيل الشكر لله على وه ب تلك الأنعام، وعلى هدايته - سبحانه - لهؤلاء المحسنين الذين قدموها قربانا إلى الله بشرهم الله تعالى بالقبول فيقول - سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: ٣٧، ٣٨).
стр. 144
ويتكرر في سورة الحج ال إذ ن بالقتال الدفاعي للذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغي ر حق إلا أن يقولوا ربنا الله كما حدث، ولا يزال يحدث مع إخواننا المسلمين الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله.
وتؤكد هذه السورة ال كر يمة أن الله تعالى سوف ينصر من ينصره، وهو القوي العزيز، وتصف سورة الحج أنصار الله بقول الله - سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٤١).
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ في مواساة رقيقة من الله تعالى لتكذيب الكافرين والمشركين لبعثته الشريفة؛ فيقول له رب العالمين: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (الحج: ٤٢ - ٤٨).
وتطالب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين - بأن يعلن للناس جميعا أنه نذير مبين لهم فتقول الآيات: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (الحج: ٤٩ - ٥١).
стр. 145
وتؤكد سورة الحج أن الله العليم الحكيم قد أحكم آيات كتابه العزيز، وحفظها من كل تدخل شيطاني حتى يبقى كتاب الله في صفائه الرباني محتفظ ً ابالحق الذي أنزله ربنا ﵎ وفي ذلك يقول الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (الحج: ٥٤، ٥٥).
وتكرر السورة الكريمة التفريق بين نعيم الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة وجحيم الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، مؤكدة ثواب المهاجرين في سبيل الله والمجاهدين من أجل إعلاء دينه وإقامة عدله على الأرض، وأن الله تعالى قد أخذ على ذاته العلية نصرة كل مظلوم، واستشهدت السورة الكريمة بعدد من الآيات الكونية على حقيقة الألوهية فيقول - سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هو الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (لقمان: ٦٢).
وركزت الآيات على زجر المعارضين لرسول الله ﷺ من أهل الكتاب في زمانه وإلى زماننا وحتى قيام الساعة، وتحذرهم من مخالفته وعصيانه، مؤكدة خر وجهم على ما جاءهم من كتب وما أنزل له م فيها من الشرائع والعقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، وفي ذلك ت ق ول الآيات: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الحج: ٧١، ٧٢).
وتختتم سورة الحج بقول الله - سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ
стр. 146
تُرْجَعُ الْأُمُورُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: ٧٥ - ٧٨).
من أسس العقيدة الإسلامية في سورة الحج
١ - الإيمان بالله رب ًّ اخالق ً اواحد ً اأحد ً ابغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحب ة ولا ولد ًا، وأنه تعالى هو الحق، وهو القوي العزيز السميع العليم البصير مالك الملك الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ويفعل ما يشاء، وهو على كل شيء شهيد ووكيل، وهو - سبحانه - ي دافع عن الذين آمنوا، وقد أخذ على ذاته العلية العهد بنصرة من ينصر دينه، ومن يجاهد من أجل إعلاء كلمته وإقامة عدله على الأرض، وأن من يهن الله فما له من مكرم، وأن له يسجد كل من في السموات والأرض وأن إليه ترجع الأمور، وأنه تعالى يفصل بين أصحاب الملل المختلفة يوم القيامة.
٢ - اليقين بأن الله تعالى يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله وبخاتمهم أجمعين، وبالكتاب الخاتم الذي أنزل إليه القرآن الكريم المهيمن على كل الكتب السابقة والناسخ له.
٣ - التسليم بضرورة تقوى الله ومخافته وال اعتصام بحبله المتين وتعظيم شعائره وأولها المسجد الحرام الذي قال ﵎ فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: ٢٥).
стр. 147
٤ - التصديق بحقيقة البعث وحتميته وضرورته وبالحساب والجزاء وبالجنة والنار.
٥ - التسليم بعدم جدوى الجدل في الأمور الغيبية غيبة مطلقة.
من العبادات المفروضة والإشارات الكونية في سورة الحج
من العبادات المفروضة في سورة الحج:
١ - إقامة الصلاة على وقتها.
٢ - إيتاء الزكاة إلى مستحقيها وبقدرها.
٣ - حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا.
٤ - الجهاد في سبيل الله دفعا ل ظلم الظالمين ولبغي الباغين.
٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٦ - التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
٧ - محاربة الشيطان وعدم اتباع خطواته.
٨ - التخلص من الشرك بكل صوره وأشكاله ومراتبه.
٩ - الامتناع التام عن قول الزور والعمل به.
من الإشارات الكونية في سورة الحج:
١ - الإشارة إلى خلق الإنسان من تراب، ووصف مراحل الجنين المتتالية بدقة بالغة حتى يخرج إلى الحياة طفلا يحيا ما شاء الله تعالى له أن يحيا، ثم يتوفاه
стр. 148
الله -سبحانه- عند نهاية أجله، والذي يرد من البشر إلى أرذل العمر تضعف ذاكرته في أغلب الأحوال حتى لا يكاد أن يعلم من بعد علم شيئا.
٢ - الإشارة إلى اهتزاز الأرض وارتفاعها وإنباتها من كل زوج بهيج بمجرد إنزال الماء عليها، وتشبيه خلق الإنسان من تراب الأرض وبعثه منها بعملية إنبات النبات.
٣ - تأكيد حقيقة أن جميع من في السموات والأرض يسجد لله تعالى طوعا أو كرها.
٤ - الإشارة إلى نسبية كل من المكان والزمان في منظور الإنسان، وإلى ضخامة أبعاد الكون، وذلك بقول الحق ﵎: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج: ٤٧).
٥ - التعبير اللطيف عن كروية الأرض وعن دورانها حول محورها أمام الشمس بولوج كل من الليل والنهار في الآخر.
٦ - الإشارة إلى اخضرار الأرض بمجرد إنزال الماء عليها من السماء.
٧ - تأكيد أن كل ما في الأرض مسخر للإنسان، وكذلك كل ما في البحر بما في ذلك جري الفلك بأمر الله تعالى.
٨ - الإشارة إلى حقيقة أن الله تعالى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
٩ - تأكيد عجز كل المخلوقين من الأصنام والأوثان والأشخاص منفردين ومجتمعين عن خلق ذ بابة واحدة، فضل ً اعن إمكانهم استنقاذ ما يسلب ال ذ باب منه م، مما يقدم لهم من قرابين أو مما يلطخون به من طيب أو مما يأكل الناس ويشربون بصفة عامة.
стр. 149
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة، لكن حديثنا كما يقول الدكتور زغلول النجار سوف يقتصر على النقطة التاسعة؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: ٧٣).
أقوال المفسرين في تفسير الآية، والدلالات العلمية فيها
أ- أقوال المفسرين في تفسير الآية:
ماذا قال المفسرون في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾؟
ذكر ابن كثير ﵀ ما مختصره: يقول تعالى منبه ً اعلى حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: يا أيها الناس ضرب مثل لما يعبده الجاهلون بالله والمشركون به فاستمعوا له؛ أي أنصتوا وتفهموا، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباب ًا ولو اجتمعوا له؛ أي لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك.
ثم قال تعالى أيضا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومت هـ والانتصار منه، ولو سلبها شيئا من الذي عليها من الطيب أو من الطعام ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
стр. 150
قال ابن عباس: "الطالب الصنم والمطلوب الذباب ". واختاره ابن جرير وقال السدي وغيره: "الطالب العابد والمطلوب الصنم ". وجاء في (الظلال) رحم الله كاتبها برحمته الواسعة جزاء ما قدم ما مختصره يقول صاحب (الظلال): "إنه النداء العام والنفير البعيد الصدى يا أيها الناس، فإذا اجتمع الناس على النداء أعلنوا أنهم أمام مثل عام يضرب لا حالة خاصة ولا مناسبة حاضرة ".
ضرب مثل فاستمعوا له، هذا المثل يضع قاعدة ويقرر حقيقة: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، كل من تدعون من دون الله من آلهة مدعاة من أصنام وأوثان ومن أشخاص وقيم وأوضاع، تستنصرون بها من دون الله وتستعينون بقوتها وتطلبون منها النصر والجاه كلهم لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، والذباب صغير حقير.
ولكن هؤلاء الذين ي دعونه آلهة لا يقدرون ولو اجتمعوا وتساندوا على خلق هذا الذباب الصغير الحقير، وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل؛ لأن الذباب يحتوي على ذلك السر المعجز سر الحياة، فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل، لكن الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير؛ لأن العجز عن خلقه يلقي في هذا الحس ذل الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل دون أن يخل هذا بالحقيقة في التعبير، وهذا من بدائع الأسلوب القرآني العجيب.
ثم يخطو خطوة أوسع في إبراز الضعف المزري ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ والآلهة المدع اة لا تملك استنقاذ شيء من الذباب حين يسلبها إياه؛ سواء كانت أصناما أو أوثانا أو أشخاصا، وكم من عزيز يسلبه الذباب من الناس ف لا يملكون رده.
стр. 151
وقد اختير الذباب بالذات وهو ضعيف حقير وهو في الوقت نفسه يحمل أخطر الأمراض، ويسلب أغلى النفائس؛ يسلب العيون والجوارح، وقد يسلب الحياة والأرواح. إنه يحمل ميكروبات السل والتيفود والديسونتاريا والرمد، ويسلب ما لا سبيل إلى استنقاذه وهو الضعيف الحقير، وهذه حقيقة أخرى كذلك يستخدمها الأسلوب القرآني المعجز ولو قال: وإن تسلبهم السباع شيئا لا يستنقذوه منها، لأوحى ذلك بالقوة بدل الضعف، والسباع لا تسلب شيئا أعظم مما يسلبه الذباب، لكنه الأسلوب القرآني العجيب.
ويختم ذلك بالمثل المصور الموحى ب هذا التعقيب ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ليقرر ما ألقاه المثل من ظلال، وما أوحى به إلى المشاعر والقلوب.
وذكر أصحاب (المنتخب في تفسير القرآن الكريم) جزاهم الله خيرا ما نصه: يا أيها الناس إنا نبرز أمامكم حقيقة عجيبة في شأنها فاستمعوا إليها وتدبروها. إن هذه الأصنام لن تستطيع أبدا خلق شيء مهما يكن حقيرا تافها كالذباب، وإن تضافروا جميعا على خلقه، بل إن هذا المخلوق التافه لو سلب من الأصنام شيئا من القرابين التي تقدم إليها؛ فإنها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تمنعه عنه أو تسترده منه، وما أضعف الذي يهزم أمام الذباب عن استرداد ما سلبه منه، وما أضعف الذباب نفسه كلاهما شديد الضعف، بل الأصنام كما ترون أشد ضعفا؛ فكيف يليق بإنسان عاقل أن يعبدها ويلتمس النفع منها.
وجاء في (صفوة التفاسير) جزى الله كاتبها خيرا ما نصه: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له؛ أي يا معشر المشركين ضرب الله مثلا لما يعبد من دون الله من الأوثان والأصنام فتدبروه حق التدبر، واعقلوا ما يقال لكم. إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له؛ أي أن هذه الأصنام التي عبدتموها
стр. 152
من دون الله لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، وإن اجتمعت على ذلك فكيف يليق بالعاقل جعلها آلهة وعبادتها من دون الله.
قال القرطبي: "وخص الذباب لأربعة أمور؛ لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته؛ فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين؟! وهذا من أقوى الحجج وأوضح البراهين؛ وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه؛ أي لو اختطف الذباب وسلب شيئا من الطيب الذي كانوا يضعونه على الأصنام لما استطاعت تلك الآلهة استرجاعه منه رغم ضعفه وحقارته ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي ضعف العابد الذي يطلب الخير من الصنم، والمطلوب الذي هو الصنم؛ فكل منهما حقير ضعيف".
ب- من الدلالات العلمية للنص الكريم:
أولًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ الاستلاب في اللغة هو الاختلاس، والسلب هو نزع الشيء من الغير على القهر، والسلب والسليب هو الشخص المسلوب والناقة التي سلب ولدها، والسلب أيض ً اهو الشيء المسلوب، ويقال للحاء الشجر المنزوع منه.
وفي استخدام القرآن الكريم تعبير ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ ومضة معجزة؛ لأن الذباب يختلس ما يأخذه من أشربة وأطعمة الناس اختلاسا، وينزعها منهم نزعا على القهر لعجزهم عن مقاومته في أغلب الأحوال. فحركات الذبابة المنزلية على درجة عالية من التعقيد؛ إذ تبدأ في الاستعداد للطيران بتحديد العضلات التي سوف تستخدمها، ثم تأخذ وضع التأهب للطيران؛ وذلك
стр. 153
بتعديل وضع أعضاء التوازن في الجهة الأمامية من الجسم حسب زاوية الإقلاع واتجاه وسرعة الريح، وذلك بواسطة خلايا حسية خاصة موجودة على قرون الاستشعار في مقدمة الرأس.
وهذه العمليات المعقدة لا تستغرق أكثر من ١ من مائة من الثانية، ومن الغريب أن الذبابة لها قدرة على الإقلاع عموديا من المكان الذي تقف عليه، كما أن لها القدرة على المناورة بالحركات الأمامية والخلفية والجانبية بسرعة فائقة لتغيير مواقعها، وبعد طيرانها تستطيع الذبابة زيادة سرعتها إلى عشرة كيلو مترات في الساعة، وهي تسلك في ذلك مسارا متعرجا، ثم تحط بكفاءة عالية على أي سطح بغض النظر عن شكله وارتفاعه واستقامته أو انحدا ر هـ وملائمته أو عدم ملائمته لنزول شيء عليه.
ويساعد الذبابة على هذه القدرة الفائقة في المناورة جناحان مل ت صقان مباشرة بصدرها، بواسطة غشاء رقيق جدا مندمج مع الجناح، ويمكن لأي من هذين الجناحين أن يعمل بشكل مستقل عن الآخر، وإن كان ايعملان معا في أثناء الطيران على محور واحد إلى الأمام أو إلى الخلف، يدعمهما نظام معقد من العضلات، يعين هذين الجناحين ع لى أن يتم اإلى مائ تي خفقة في الثانية الواحدة كما هو الحال في الذباب الأزرق، وعليها أن تستمر على ذلك لمدة نصف الساعة وأن تتحرك لمسافة ميل كامل على هذه الحالة.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 154
الدرس: ١٢ تابع الإعجاز في ضرب المثل بالذباب - ضرب المثل بالبعوضة .
стр. 155
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(تابع الإعجاز في ضرب المَثَل بالذباب - ضرب المَثَل بالبعوضة)
تتمة الحديث عن الدلالات العلمية لآية سورة الحج
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
سنتابع شرح قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ (الحج: ٧٣) ونتابع الدلالات العلمية لهذا النص الكريم:
تستمد الذبابة مهاراتها الفائقة في الإقلاع والطيران والهبوط من التصميم المثالي لجسدها ولأجنحتها؛ إذ إن النهايات السطحية للأوردة المنتشرة في تلك الأجنحة تحمل شعيرات حساسة جدا لقياس ضغط الهواء واتجاه الريح، كذلك فإن أجهزة الحس الموجودة تحت الأجنحة وخلف رأس الذبابة تقوم بنقل معلومات الطيران إلى دمائها باستمرار، ثم إلى رأسها الذي يرسل أوامر إلى العضلات باستمرار أيضا؛ لتوجيه الأجنحة في الاتجاه الصحيح، وبذلك يتم توجيه الذبابة في أثناء الطيران بدقة وإحكام فائقين، مما يعينها على إصابة الهدف وتجنب المخاطر بكفاءة عالية.
ويعين الذباب في ذلك أيضا عينان مركبتان لا يزيد حجم الواحدة منها على نصف المليمتر مكعب، وتتكون كل عين منهما من ستة آلاف عيينة سداسية لها القدرة على الرؤية في جميع الاتجاهات، وكل واحدة من هذه العيينات مرتبطة مع ثمانية أعصاب مستقبلة للضوء؛ اثنان منها للألوان وستة متخصصة في ضبط تحركات الذبابة؛ لأنها تكشف كل شيء في المجال البصري لها، وبذلك يكون مجموع الخيوط العصبية في الواحدة من عيني الذبابة ما يقدر بثمانية وأربعين ألف خيط عصبي، يمكنها معالجة أكثر من مائة صورة في الثانية الواحدة.
هذا بالإضافة إلى مليون خلية عصبية متخصصة بالتحكم في حركة الذبابة من أعلى إلى أسفل وبالعكس، ومن الأمام إلى الخلف وبالعكس، كل ذلك يعين
стр. 156
الذبابة على الانقضاض على الشراب أو الطعام، فتحمل منه بواسطة كل من فمها والزغب الكثيف المتداخل الذي يغطي جسمها ما تحمل، ثم تهرب مبتعدة في عملية استلاب حقيقية بمعنيها لاختلاس ونزع الشيء على القهر.
ثانيًا: في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ يعرف العلماء اليوم من أنواع الذبابة الحقيقية المجموعة في رتبة ثنائيات الأجنحة حوالي مائة ألف نوع، وتنتشر هذه الأنواع من الذباب انتشارا هائلا في مختلف بيئات الأرض، وتسيطر على مساحات شاسعة من أماكن انتشارها سيطرة كاملة، لا تُمكِّن الإنسان من مجرد اجتيازها فضلا عن العيش فيها، ومن حيث الانتشار على الأرض تأتي الحشرات في المقام الأول بين مختلف مجموعات الحياة، ويأتي الذباب في المرتبة الثالثة بعد كل من النمل والبعوض.
ولولا التوازن الدقيق الذي وضعه ربنا ﵎ بين مختلف مجموعات الحياة لغطت جيوش الذباب سطح الأرض بالكامل، وجعلت الحياة عليها مستحيلة وذلك لأن الذبابة تضع نحو أربعمائة بيضة في المرة الواحدة في المتوسط، وأن من أنواع الذباب ما يتكاثر بمعدلات أعلى من ذلك بكثير، بحيث لو قدر لجميع بيضها أن يفقس وأن يعيش كل ما يخرج منه ويتوالد لنتج عن الزوج الواحد من الذباب خلال فصل واحد من فصول السنة ما تعداده يفوق رقم ١٠ مسبوقا بستين صفرا، ولكن الله تعالى من عظيم حكمته يسلط من مخلوقاته مثل الطيور والنمل وغيرها ما يستهلك أغلب بيض الذباب كطعام له.
والذباب يتغذى عادة على النفايات المختلفة، وإن كانت أشربة الناس وأطعمتهم لا تسلم من هجماته، والذباب المنزلي تتذوق الشراب أو الطعام بمجرد أن تحط عليه، وذلك بواسطة خلايا حسية منتشرة في كل من شفتها وأقدامها، فإن راقها
стр. 157
سلبت منه ما تستطيع وهربت بسرعة فائقة كما يفعل اللصوص، فإن كان ما سلبته شرابا امتصته بواسطة خرطومها ليصل إلى جهازها الهضمي، المزود بالقدرة على إفراز الخمائر القادرة على هضمه، وتمثيله تمثيلا كاملا في ثوان معدودة، وبذلك لا يمكن استنقاذه منها.
أما إذا كان الطعام صلبا فإن الذباب المنزلي تفرز عليه من بطنها عددا من الإنزيمات والعصائر الهاضمة، بالإضافة إلى لعاب، وهذه تبدأ في إذابة ما تقع عليه من الطعام الصلب فورا، مما يمكن الذباب من امتصاصه بخرطومها وبأجزاء فمها ذات الطبيعة الإسفنجية، ومن ثم لا يمكن استرجاعه أبدا أو استنقاذه بأي حال من الأحوال.
وحتى الذباب الذي يعيش على امتصاص بعض رحائق الأزهار، أو امتصاص دماء غيره من الحشرات فإنه يقوم بتحقيق ذلك بواسطة خرطوم الفم الماص وأجزائه الإسفنجية المهيأة لذلك.
هذا بالإضافة إلى أن جسم الذبابة مغطى بزغب كثيف متداخل يغطي كلا من رأسها وصدرها وبطنها وأرجلها الست وأقدامها وجناحيها، فإذا غطت نفسها في سائل من السوائل أو مسحوق من المساحيق حمل هذا الزغب منه ما لا يمكن استنقاذه أبدا.
ثانيا: في قوله تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: ٧٣) من الثابت علميًّا أن البشرية كلها عاجزة كل العجز عن خلق خلية واحدة في الزمن الراهن؛ زمن التقدم العلمي والتقني المذهل غير المسبوق في تاريخ البشرية كله، وهي بالتالي أعجز عن خلق ذبابة واحدة.
стр. 158
ونحن نعلم اليوم أن جسد الذبابة مكون من ملايين الخلايا المتخصصة الموزعة في أنسجة متخصصة، وفي أجهزة متعددة تعمل في توافق تام من أجل حياة هذه الحشرة الصغيرة التي ينقسم جسمها إلى رأس وصدر وبطن، ومكون من حلقات مغطاة بزعب كثيف، ومزودة بثلاثة أزواج من الأرجل وبأقدام مغطاة أيضا بزغب كثيف على هيئة الخف، تفرز مواد لاصقة تعين الذبابة على الالتصاق بأي سطح من الأسطح بهيئة معتدلة أو مقلوبة كالتصاقها بأسقف الغرف.
وإذا علمنا أن بجسم الذبابة أكثر من مليون خلية عصبية متخصصة بتحركات تلك الحشرة الضعيفة، وأن هذه الخلايا العصبية مرتبطة بثمانية وثلاثين زوجا من العضلات؛ منها: سبعة عشر زوجا من هذه العضلات من حركة الجناحين وواحد وعشرون زوجا لحركات الرأس، وإذا علمنا أيضا أن للذبابة زوجا من العيون المركبة التي تتكون الواحدة منهما من ستة آلاف عيينة سداسية، يتصل بكل واحدة منها ثمانية خيوط عصبية مستقبلة للضوء، بمجموع ثمانية وأربعين ألف خيط عصبي للعين الواحدة، يمكنها معالجة مائة صورة في الثانية الواحدة.
وإذا فهمنا غير ذلك من الأجهزة المتخصصة وتعقيداتها في جسم الذبابة لأدركنا مدى التحدي الذي أنزله ربنا ﵎ في سورة الحج بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: ٧٣).
والطالب في هذه الآية الكريمة هو المسلوب الذي سلبه الذباب شيئا مما هو له، والمطلوب هو الذباب السالب، وسواء كان المسلوب هو المعبود من دون الله صنما كان أو بشرا أو نظاما أو قيما أو أوضاعا معينة، فإنهم جميعا عاجزون عن
стр. 159
خلق خلية حية واحدة، فضلا عن ذبابة واحدة؛ فما بالنا بمائة ألف نوع معروف من أنواع الذباب، ويمثل كل نوع منه بلايين البلايين من الأفراد، ويستمر القرآن الكريم في تحديه؛ لأن الإنسان الكافر أو المشرك وما يعبد من دون الله من وثن أو صنم أو بشر أو نظام لن يعجزوا فقط عن خلق الذباب، بل إنهم عاجزون عن استنقاذ ما يسلبه الذباب منهم من طعام أو شراب أو طيب أو دهون.
فالذباب عندما يحط على شيء من ذلك فإن كان سائلا سلب قطرة منه، وأوصلها فورا إلى جهازه الهضمي الذي يمتصها ويحولها إلى جهازه الدوري ومنه إلى مختلف خلاياه، وإن كان مادة صلبة صب عليها لعابه وإنزيمات معدته وعصائرها الهاضمة، فيفككها فورا ويذيبها أي يهضمها قبل أن يمتصها ويوصلها مهضومة إلى جهازها الهضمي، ومنه إلى جهازها الدوري، ثم إلى مختلف خلايا جسم الذبابة حيث يتحول جزء من هذا الطعام إلى طاقة، ويتحول جزء آخر إلى مكونات الخلايا والأنسجة وإلى عدد من المركبات العضوية التي يستخدمها الجسم، ويتحول الباقي إلى فضلات تتخلص منها الذبابة ولا سبيل أبدا إلى استرجاع أي من ذلك.
هذه الحقائق لم يصل إليها علم الإنسان إلا في القرن العشرين، وفي العقود المتأخرة منه وورودها في كتاب الله بهذه الإشارات الدقيقة المحكمة الموجزة لمما يشهد بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده في لغة وحيه نفسها -اللغة العربية- على مدى أربعة عشر قرنًا أو يزيد، وتعهد بذلك الحفظ إلى قيام الساعة ليبقى هاديا للناس جميعا، وحجة على أهل العلم منهم خاصة، وذلك في قوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٤٢).
стр. 160
عرض موجز لسورة البقرة التي ذكرت فيها آية البعوضة
شرح قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ (البقرة: ٢٦).
سورة البقرة سورة مدنية وعدد آياتها ٢٨٦ آية، وهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى تلك المعجزة التي أجراها الله -سبحانه- على يد نبيه موسى ﵇ حين تعرض شخص من بني إسرائيل في زمانه للقتل ولم يعرف قاتله، فأوحى الله تعالى إلى عبده موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة، وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله ويخبرهم عن قاتله، ثم يموت إحقاقا للحق وشهادة لله بالقدرة على إحياء الموتى.
ومن مزايا سورة البقرة أن الرسول ﷺ قال فيها: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، وأن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان)) رواه الترمذي. وقال ﷺ : ((من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)) رواه البخاري ورواه مسلم ورواه الترمذي. وقال ﷺ : ((يأتي القرآن وأهله الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غيابتان، أو كأنهما غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلة من طير صواف تجادلان عن صاحبهما)) أخرجه مسلم وأخرجه الترمذي.
ويقول الرسول ﷺ في حديث رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي قال ﷺ : ((اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة)).
стр. 161
ويدور المحور الرئيسي لسورة البقرة حول قضية التشريع الإسلامي في العبادات والأخلاق والمعاملات، وإن لم تغفل قضية العقيدة الإسلامية؛ لأنها صلب الدين، كذلك حددت السورة الكريمة صفات كل من المؤمنين والمنافقين والكافرين، وسجلت قصة خلق الإنسان بدءا بآدم وحواء ﵉ وأشارت السورة إلى عدد من أنبياء الله ورسله منهم إبراهيم وولده إسماعيل وحفيده يعقوب، ومن نسله موسى وداود وسليمان وعيسى بن مريم على نبينا وعليهم من الله السلام.
وبتفصيل بلغ أكثر من ثلث السورة تناولت سورة البقرة قضية أهل الكتاب وموقفهم من الرسالة الخاتمة، ومن النبي والرسول الخاتم ﷺ وختمت بإقرار حقيقة الإيمان وبدعاء يهز القلب والروح والوجدان، على لسان العبد مناجيا ربه -سبحانه- بما يجب أن يقول فيقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦).
ويمكن إيجاز أهم معطيات سورة البقرة فيما يلي:
من التشريعات الإسلامية في سورة البقرة؛ فصلت سورة البقرة أحكام الأسرة المسلمة من الخطبة إلى الزواج والإنجاب والطلاق في بعض الحالات والمتعة والرضاع والعدة وغيرها، وأمرت باعتزال النساء في المحيض، ونهت عن نكاح المشركات والمشركين حتى يؤمنوا، وعددت المحرمات من الطعام من مثل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. كما حرمت كلا من الخمر والميسر.
стр. 162
وشرعت سورة البقرة القصاص في القتلى حماية للمجتمعات الإنسانية من إجرام المجرمين، وحضت على كتابة الوصية قبل الموت، وحرمت وجرمت تبديلها أو إخفاءها، وحرمت أكل أموال الناس بالباطل مهما صغرت القيمة، ووضعت ضوابط للتعامل بالدين؛ وكيفية كتابته والشهادة عليه وطبيعة شهوده، وحرمت التعامل بالربا تحريما قاطعا، وهددت الواقعين فيه بحرب من الله ورسوله، والغالبية الساحقة من بنوك العالمين العربي والإسلامي لا تتعامل اليوم إلا بالربا المعلن، والقليل من البنوك الإسلامية تحارب في كل أرض.
وحضت السورة على رعاية اليتيم حتى يبلغ أجله، وحددت ضوابط الإنفاق في سبيل الله، وحرمت سورة البقرة إنكار أي معلوم من الدين بالضرورة.
من قواعد العبادة في سورة البقرة:
١ - أمر ربنا ﵎ في سورة البقرة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصو م رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، وحدد آداب كل عبادة من تلك العبادات وضوابطها الشرعية، وشرعت السورة الإنفاق في سبيل الله والإحسان إلى الخلق بصفة عامة، وأكدت بأن ذلك كله كان من قواعد العبادة في كل الشرائع السماوية السابقة، وكلها كانت إسلامًا لله علمه ربنا ﵎ لأبينا آدم ﵇ وأنزله على فترة من الأنبياء والمرسلين، وأكمله وأتمه في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ .
٢ - الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله؛ ردعًا للمعتدين والغاصبين والمتجبرين في الأرض، ودفعًا للمعتدين على أراضي المسلمين وعلى دمائهم وأموالهم وأعراضهم ومقدساتهم، وللمعتدين على غيرهم من المستضعفين في الأرض من غير المسلمين؛ وذلك صونا لكرامة الإنسان وإقامة لعدل الله في الأرض.
стр. 163
٣ - الدعوة إلى التوجه بالدعاء لله تعالى وحده دون سواه وتحديد الأوقات المفضلة لذلك وآدابه والتزام تقوى الله في كل حال.
٤ - مراعاة الأشهر الحرم وتوقيرها وإقامة السنن التي سنها لنا رسول الله ﷺ فيها.
٥ - إكرام الوالدين والإحسان إليهما، وإلى كل من ذوي القربى واليتامى والمساكين، وإلى الناس جميعا دون مَنٍّ أو أذى.
من ركائز العقيدة في سورة البقرة:
١ - الإيمان بالله تعالى ربا واحدا أحدا فردا صمدا بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
٢ - التصديق بالقرآن الكريم آخر وأتم وأكمل الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى بالحق على فترة من الرسل، ثم جمعها في هذا الكتاب الخاتم الذي أنزله على خاتم أنبيائه ورسله، وأبقاه محفوظا بحفظه في نفس لغة وحيه هدى للمتقين إلى يوم الدين.
٣ - التسليم بالغيب الذي أنزله ربنا في محكم كتابه وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله -صلى الله عليهم وسلم جميعا- انطلاقا من الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وانطلاقا من الإيمان بملائكته وبجميع كتبه وأنبيا ئ هـ ورسله بغير تمييز ولا تفريق، ومن الإيمان باليوم الآخر الذي ترجع فيه كل الخلائق إلى الله خالقها، ثم ترد إلى الخلود في الحياة الآخرة، إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا، وهذه كلها من الغيبيات التي يطالبنا الله -تعالى- بالإيمان بها ويصف المؤمنين بها بوصف المتقين، الذين يؤمنون بجميع رسالات الله دون أدنى تفريق ويؤمنون بالآخرة بيقين لا يتزعزع.
стр. 164
٤ - اليقين بأن الله تعالى هو خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن من خلقه السموات السبع والأراضين السبع ومن فيهن، وأنه -سبحانه- قد خلق الخلق من العدم، وأنه سوف يميتهم فردا فردا ثم يحييهم بعثا واحدا ليعودوا إلى بارئهم الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم ما تكسب كل نفس فيحاسبهم ويجازيهم، وهو الرحمن الرحيم وهو شديد العقاب، وهو تعالى سريع الحساب.
ولقد وصف الله ذاته بقوله -سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: ٢٥٥).
٥ - الإيمان بوحدة الجنس البشري وبانتهاء نسبه إلى آدم وحواء ﵉ وانطلاقا من ذلك لابد من نبذ جميع أشكال العصبيات العرفية والاجتماعية والدينية، وغيرها من أشكال التمييز بين الناس على أي أساس غير تقوى الله.
٦ - التسليم بأن الله تعالى قد علم آدم الأسماء كلها، وبذلك يكون الإنسان قد بدأ وجوده عالما عابدا وليس جاهل ًا أو كافر ً ا، كما يدع ي أصحاب الدراسات الوضعية في علم الإنسان.
٧ - اليقين بوحدة رسالة السماء وبأخوة جميع الأنبياء والمرسلين، الذين أرسلهم الله تعالى بالإسلام الصافي والتوحيد الخالص لله - سبحانه - وقد تكاملت رسالاتهم جميعا في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم والرسول الخاتم، الذي أرسله الله تعالى بشيرا ونذيرا للعالمين إلى يوم الدين.
стр. 165
٨ - التصديق بضرورة تنزيه الله تعالى عن كل وصف لا يليق بجلاله من أمثال الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد؛ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين والله تعالى منزه عن جميع صفات خلقه، والإيمان ب أن الشرك من أبشع صور الاعتقاد وأبغضها إلى الله، وهو من صور الكفر بالله، وأ ن من هذا الكفر منع مساجد الله تعالى أن يذكر فيها اسمه أو السعي في خرابها، وكلها من الأعمال التي لا ي ر ضاها ربنا ﵎.
٩ - الإيمان ب أن الشيطان للإنسان عدو مبين، وأنه يأمر بالسوء والفحشاء ويغري الضالين من العباد ب أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، ومن هنا فإن مخالفته واجبة على كل مسلم ومسلمة، وللنجاة من حبائل هذا اللعين لا بد من الاعتصام بحبل الله المتين.
وتأكيدا على هذه الحقيقة عرضت السورة الكريمة لقصة الشيطان الرجيم مع آدم وحواء ﵉ حتى تم إخراجهما من الجنة بوسوسته وغوايته، ثم كانت توبتهما وقبول الله تعالى منهما تلك التوبة. وبذلك لا يمكن أن يكون أحدا من ذريتهما آثر من معصيتهما انطلاقا من عدل الله القائل: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ﴾ (الأنعام: ١٦٤) وفي ذلك يقول الحق ﵎: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ٣٧).
١٠ - اليقين ب أن دين الله الإسلام قائم على السماحة واليسر وعلى رفع الحرج عن الخلق، وأن من أصوله الثابتة أنه لا إكراه في الدين.
١١ - التصديق بحتمية الآخرة وبضرورتها وبا لخوف من فجائيتها وأهوالها، وفي ذلك يقول ربنا - سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨١).
стр. 166
من مكارم الأخلاق التي دعت إليها سورة البقرة
لا شك أن سورة البقرة تدعو إ لى كثير من مكارم الأخلاق؛ من هذه ما يلي:
١ - الصبر في البأساء والضراء وحين البأس.
٢ - الوفاء بالعهود والمواثيق.
٣ - الشجاعة والإقدام وحب الاستشهاد في سبيل الله.
٤ - الجرأة في مناصرة الحق وإ ع ل ان الرأي وعدم كتمان الشهادة.
٥ - الجود والكرم والإنفاق في سبيل الله.
٦ - الحرص على قول المعروف والعمل الصالح والعفو عن الناس.
٧ - بر الوالدين الذي أمر به الله تعالى بعد الأمر للناس جميعا بأن لا يعبدوا إلا إياه.
٨ - الإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين وإلى الناس كافة دون م َ ن ٍّ أو أذى.
٩ - تجنب المال الحرام بكافة صوره وأشكاله، ومن أبرزها الربا والرشوة والسرقة والغش، وغير ذلك من صور التحايل الباطل على الكسب الحرام.
من القصص القرآني في سورة البقرة
جاء في سورة البقرة ذكر عدد من أنبياء الله ورسله، وذكر عدد من الحوادث التي تمت في حياته أو حدثت لعدد من الصالحين من بعده، وذلك للاعتبار بها وأخذ الدرس م ن ها، وهذه يم ك ن إيجازها فيما يلي:
١ - قصة آدم وحواء.
٢ - قصة نبي الله موسى وقو م هـ مع فرعون مصر وخروجهم منها، وعبور موسى بهم البحر بمعجزة من الله -تعالى- ثم تفجير الأرض لهم بالماء الزلال بعد
стр. 167
العبور؛ يعني بعد عيون موسى وعصيانهم لله تعالى بعد كل هذه المعجزات التي رأوها رأى العين وارتدادهم عن التوحيد إلى الشرك وإلى عبادة العجل، ثم صعقهم عقابا على ذلك وإحيا ؤ هم ورفع الطور فوقهم وقصتهم مع القتيل، وأمر الله لهم أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعضها فيبعثه الله تعالى من موته حتى يخبر عن قاتله ثم يموت، ومسخ الذين اعتدوا منهم في السبت إلى قردة وخنازير.
وتل اذلك كفرهم بآيات الله وتحريفهم للتوراة وقتلهم للأنبياء من بعد موسى بغير الحق وعصيانهم لأوامر الله وتعذيبهم لحدوده، وقصتهم مع كل من طالوت ملكهم من جهة ومع كل من جالوت وداود، ومن آمن معهما من جهة أخرى.
٣ - قصص بعض أنبياء بني إسرائيل الذين جاءوا من بعد موسى، وذلك من أمثال كل من داود وسليمان.
٤ - قصة نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل وتعاونهما في رفع قواعد الكعبة المشرفة، وإ ع اد ة بنائها ودعوتهما إلى الله تعالى أن يبعث خاتم الأنبياء والمرسلين في مكة المكرمة، وكذلك الإشارة إلى حوار إبراهيم ﵇ مع نمرود بن كنعان أول من ادعى الألوهية كذبا وبهتانا.
٥ - قصة نبي الله يعقوب مع بنيه إذ حضره الموت، وفي ذلك يقول الحق ﵎: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٣).
стр. 168
٦ - قصة الرجل الصالح عزير الذي مر على بيت المقدس بعد أن خربها بختنصر، وفي ذلك تقول سورة البقرة: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٥٩).
٧ - قصة نبي الله عيسى بن مريم.
٨ - تحديد القبلة بعد حوالي سبعة عشر شهرًا من مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، وإنكار كل من اليهود والمشركين والكافرين ذلك على المسلمين، لجهلهم بأنه أمر من الله الذي يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 169
الدرس: ١٣ تابع: الإعجاز في ضرب المثل بالبعوضة .
стр. 170
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(تابع: الإعجاز في ضرب المَثَل بالبعوضة)
من الإشارات الكونية في سورة البقرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
سنكمل الإشارات الكونية في سورة البقرة:
١ - التفرقة الدقيقة بين كل من الضياء والنور والظلمات وهي من الحقائق العلمية التي لم تدرك إلا مؤخرًا.
٢ - تقديم حاسة السمع على حاسة البصر في هذه السورة الكريمة، وفي كثير من غيرها من سور القرآن الكريم، وقد ثبت علمي ًّ اأن حاسة السمع تتطور جنيني ًّ اقبل حاسة البصر، وتتكامل وتنضج في الشهر الخامس من حياة الجنين، بينما لا يتكامل نضج حاسة البصر إلا عند السنة العاشرة في عمر الطفل.
٣ - وصف التلازم الدقيق بين الظلمات والرعد والبرق والصواعق وهطول الأمطار الغزيرة، والإشارة إلى إمكانية خطف البصر بواسطة البرق.
٤ - الإشارة إل ى المراحل المتتالية في إعداد الأرض لعمارتها بالإنسان، وذلك من قبيل تمهيد سطحها وإنزال الماء عليها وإحياء الأرض بعد موتها وبث من كل دابة فيها وإخراج الثمرات منها رزق ً اللعباد.
٥ - ذكر معجزات فلق البحر لنبي الله موسى، ونجاته ومن كان معه من مطاردة فرعون وجنوده له وهلاك فرعون وجنده بالغرق في اليم، وكذلك تفجير اثنتي عشرة عينا بالماء بضربة من عصا موسى، ولا تزال واحدة من هذه العيون المائية موجودة حتى اليوم بالمنطقة الشرقية من خليج السويس المعروفة باسم عيون موسى.
٦ - الإشارة إلى أمراض القلوب؛ ومنها: الخوف والقلق والوسوسة والشك والاكتئاب، وقد أثبتت الدراسات النفسية أنها حقائق علمية لم تكن معروفة
стр. 171
وقت تنزل القرآن الكريم، وتشبيه قسوة قلوب اليهود بأنها أشد من قسوة الحجارة؛ لأن من الحجارة ما يلين عند تفجرها بالأنهار أو عند تشققها وخروج الماء منها، أو عند هبوطها من خشية الله تعالى.
وقسوة قلوب اليهود لا تلين أبد ً احسب ما أثبت التاريخ من جرائمهم التي جاوزت كل حدود الرحمة وكل حقوق الإنسان إذا كانت بأيديهم الغلبة، وما الذي يحدث على أرض فلسطين اليوم وفي كل من العراق وأفغانستان المحتلتين من جرائمهم الوحشية إلا صورة من تلك القسوة البالغة، التي وصفهم القرآن الكريم بها من قبل أربعة عشر قرنا أو يزيد، وقد كانوا كذلك عبر التاريخ، وسوف يظلون كذلك حتى يهلكهم الله تعالى بقدرته.
٧ - الإشارة إلى خلق السموات والأرض، وإلى اختلاف الليل والنهار، وإلى الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وإلى المشرق والمغرب، وتأكيد أن ذلك كله لله
٨ - الإشارة إلى تصريف الرياح، وإلى السحاب المسخر بين السماء والأرض وهي حقائق لم تكن معروفة في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعده.
٩ - الإشارة إلى أذى المحيض، والنصيحة باعتزال النساء فيه، وقد أثبتت الدراسات الطبية صحة ذلك.
١٠ - التأكيد على ما في كل من الخمر والميسر من آثام تفوق أية منافع يمكن أن تجتلى من وراء الخوض في أي منهما، مما أثبتت صحته التجارب الإنسانية عبر التاريخ، وعلى الرغم من ذلك ف إ ن غالبية الدول المسلمة المعاصرة تقرهما وتسمح بهما.
стр. 172
١١ - الإشارة إلى أن الأشجار تذبل وتزدهر وتجود بعطائها من الثمار في الرُبا المرتفعة سواء كثر عليها المطر أو قل، وهو مما أثبته الدراسات العلمية مؤخرا.
١٢ - الإشارة إلى البعوضة وما فوقها من الخلق؛ وهي من أبسط الحشرات، لكنها تبلغ في روعة بنائها ودقة خلقها ما تعجز البشرية كلها عن الإتيان بش يء من مثلها، كما تبلغ في خطرها على حياة الإنسان أنها تعد اليوم واحدة من أخطر الآفات الحشرية على الإطلاق.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها، ولذلك ف إ ن الحديث سيقتصر على البعوضة؛ لأنها هي الأساس في درسنا.
أقوال المفسرين في توجيه الآية، والدلالات العلمية فيها
من أقوال المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ (البقرة: ٢٦).
ذكر صاحب (صفوة البيان بمعاني القرآن) ما نصه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾؛ أي ليس الحياء بمانع لله تعالى من ضرب الأمثال بهذه المخلوقات الحقيرة والصغيرة في نظركم؛ كالبعوض والذباب والعنكبوت ف إ ن فيها من دلائل القدرة وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول ويشهد بحكمة الخالق، وقد جعلوا ضرب المثل بها ذريعة إلى إنكار كون القرآن من عند الله تعالى.
وفي الآية الكريمة إشعار بصحة نسبة الحياء إليه تعالى، ومذهب السلف إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله تعالى، مع وجوب
стр. 173
تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحْدَثات واختاره الألوسي، وذهب جمع من المفسرين إلى تأويله بإرادة أو لإرادة لازمة وهو ترك ض رب الأمثال بها؛ لأن الاستحياء من الحياء، وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب ويذم به، أو هو انقباض النفس عن القبائح، وهذا المعنى محال في حقه تعالى؛ فيصرف اللفظ إلى لازم معناه؛ وهو الترك.
قوله: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ البعوض ضرب من الذباب، ويطلق على البق المعروف وعلى الناموس ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي في الحجم أو في المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة.
قوله: ﴿ومَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الفسق الخروج عن الطاعة، ويقع بالقليل والكثير من الذنوب، ولكن ت ُع ُو ر ِ ف َ فيما كان كثيرا وهو أعم من الكفر. وكلام المفسرين الباقين لم يخرج عن ذلك.
من الدلالات العلمية للنص الكريم:
أول ً ا: النص الكريم يشمل ما فوق البعوضة حجما، وما هو أقل منها، وما هو أشد منها خطرا، وما هو أهون منها، من معاني هذا النص الكريم أن قدرة الله المبدعة في الخلق تتجلى في أدق المخلوقات حجما، كما تظهر في أضخمها بناء، وتجليها في الكائنات المتناهية الضآلة في الحجم قد يكون أبلغ من وضوحها في الكائنات العملاقة، وكان الجهل بأخطار البعوض وبوجود كائنات أدق منه بكثير من وراء استنكار كل من الكفار والمشركين والمنافقين ضرب المثل في القرآن الكريم ببعض الحشرات؛ من مثل البعوض والذباب والنحل والنمل الأبيض والفراش والجراد والقمل والمن وببعض العناكب الصغيرة مثل العنكبوت.
стр. 174
ولما لم يكن في زمن الوحي من يدرك من الكائنات الحية ما هو أدق من البعوضة؛ وذلك من مثل الفيروسات، البكتريا، الطحالب، وغيرها من البدائيات والأوليات والفطريات؛ وغير ذلك من الكائنات الدقيقة، ومنها المتطفل وغير المتطفل، ف قد جاءت الصياغة القرآنية المعجزة بقول الحق ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وتعبير ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يشمل المعنيين المتضادين معًا؛ أي ما يفوقها ضآلة في الحجم حتى لا يُرى بالعين المجردة، وما يفوقها ضخامة في البنيان.
وكذلك يشمل هذا التعبير القرآني أخطار البعوضة، كما يشمل أخطار غيرها من الكائنات الدقيقة التي لم تكن معروفة في زمن الوحي في القرآن الكريم، والكائنات التي تفوقها حجما؛ لأن الفوقية في اللغة تعني الزيادة والعلو في صفة يوضحها السياق، وقد استهان الناس في القديم بالبعوضة لضآلة حجمها، فاستنكر القرآن الكريم عليهم ذلك واتخذها مثلا يتحدى به الكفار والمشركين، قبل أن يعرف دورها في نقل العديد من الأمراض الفتاكة بكل من الإنسان والحيوان، بل من قبل أن يعرف الإنسان من ناقلات الأمراض ما هو دونها حجما بما يزيد على اثني عشر قرنًا من الزمان.
ثانيا: من الدلالات العلمية للنص الكريم: النص القرآني يشير إلى خطر البعوضة، والبعوضة هي حشرة ضئيلة الحجم من ثنائيات الأجنحة تتبع عائلة ضخمة من الحشرات، وتضم ما بين الألفين والثلاثة آلاف نوع من البعوض، وتأتي في المرتبة الثانية إعدادا بعد النمل، ويتراوح طول البعوضة بين الثلاثة والتسعة مليمترات.
وهي مع ضآلة حجمها فإن جسمها يتكون كما تتكون أجساد غيرها من الحشرات من رأس وصدر وبطن، ولها ثلاثة أزواج من الأرجل الطويلة النحيلة، وزوج
стр. 175
من الأجنحة الدقيقة القوية والقادرة على الخفق المتواصل السريع، الذي يصل إلى ستمائة خفقة في الثانية الواحدة، ولها قرنا استشعار في قمة الحساسية والكفاءة، وعين البعوضة عين مركبة تتألف من مئات العيينات المستقلة تشريحا والمتكاملة وظيفيا، مما يعطيها قدرة هائلة على الرؤية بالليل وبالنهار في كل أطياف الضوء، ولها جميع الأجهزة الحيوانية كاملة على الرغم من ضآلة حجمها.
وأنثى البعوض تتغذى على دماء ذوي الدماء الحارة؛ ولذلك فإن لها فمًا ثاقبًا ماصًّا تستخدمه في امتصاص الدم من الإنسان، ومن كل حيوان ذي دم حار، وعندما تغرس مثقابها في جلد الإنسان أو الحيوان فإنها تفرز لعابها الذي يحمل مركبات عضوية تؤدي إلى احتقان الجلد، وأخرى تمنع الدم من التجلط حتى يسهل امتصاصه.
بينما يتغذى ذكر البعوض على رحائق الأزهار فقط، وتضع أنثى البعوض البالغة ما بين مائة وأربعمائة بيضة في المرة الواحدة، والذي ينجو من افتراس الحيوانات الأخرى من بيض البعوضة قد يفقس بعد يوم أو يومين، أو يبقى في فترة قد تمتد إلى الأسبوعين، ويعتمد ذلك على عوامل كثيرة منها وفرة الماء؛ لأنه ضروري لفقس البيض ولحياة كل من اليرقات والعذارى.
ومع ضآلة حجم البعوضة فإنها تمثل خطرا لا يستهان به على صحة كل من الإنسان والحيوان؛ فالبعوض الأنثى التي تتغذى على دماء الإنسان وعلى دماء غيره من الحيوانات ذوات الدم الحار تصبح وسيلة خطيرة لنقل العديد من مسببات الأمراض؛ من مثل الفيروسات البكتريا الطحالب وغيرها من البدائيات والأوليات، ومن مثل الفطريات وغير ذلك من الكائنات الدقيقة التي تصيب كلا من الإنسان والحيوان.
стр. 176
ومن الأمراض التي تنقلها البعوضة الملاريا، الملاريا الخبيثة، داء الفيل، الحمى الصفراء، الحمى الدماغية، الحمى الشوكية، الحمى النازفة، مرض حمى أبي الركب، أو حمى تكسير العظام، أو حمى الركب النازفة، حمى الوادي المتصدع، مرض دودة القلب، الالتهاب السحائي، الالتهاب المخي، الالتهاب المخي الشوكي، وأمراض ضعف المناعة ومنها الإيدز.
ومن أخطر ما تحمله البعوضة فيروسات تغزو الجهاز العصبي للإنسان مما قد يصيبه بعدد من الأمراض فائقة الخطورة؛ من مثل مرض التهاب الدماغ والسحايا ومرض التهاب الدماغ والنخاع، والأمراض التي تنقلها البعوضة قد أدت إلى هلاك الملايين من البشر منذ بدء الخليقة وإلى يومنا الراهن؛ حيث لا تزال تصيب الملايين في كل عام إلى أن يشاء الله، ولذلك تعد هذه الحشرة الضئيلة الحجم واحدة من أخطر الآفات الحشرية المعروفة.
ومن هنا كان ضرب المثل بها في القرآن على شدة خطرها مع ضآلة حجمها، وعلى وجود ما هو أخطر وأدق منها، وما هو أعظم منها حجما وخطرا من مخلوقات الله الأخرى، ومن هنا أيضا كان تحدي الله -سبحانه: قل للكافرين والمنافقين والمشركين من أهل الجزيرة العربية وغيرهم من أهل الأرض إلى قيام الساعة بهذه الحشرة المتناهية الصغر في الحجم، وفي زمن الوحي لم يكن أحد من الناس يدرك حقيقة خطر البعوضة فكانوا يستهينون بها، وفي زماننا زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه تقف البشرية عاجزة أمام أخطار هذه الحشرة الصغيرة، على الرغم من كل مستويات التقدم التي حققها إنسان هذا العصر.
стр. 177
والبعوض يتراوح عدد أنواعه بين ألفين وثلاثة آلاف نوع، من أخطرها الأنواع الثلاثة التالية:
١ - بعوضة الإنفيل؛ التي تنقل طفيل مرض الملاريا، مرض البرداء، وهذا الطفيل خطير، كما تنقل طفيليات العديد من الأمراض الأخرى؛ مثل: طفيل مرض الفلاريا الذي يسبب داء الفيل، وتنقل فيروس حمى التهاب الدماغ المعروف باسم الحمى الدماغية.
٢ - بعوضة الكيولكس؛ التي تنقل كلا من طفيل مرض الفلاريا وفيروس الحمى الدماغية.
٣ - البعوضة الزاعجة؛ التي تنقل فيروسات الحمى الصفراء والحمى الدماغية، وحمى الضنك المعروفة باسم حمى داء الركب أو حمى الركب النازفة أو حمى تكسير العظام.
وتتم دورة طفيل مرض الملاريا البرداء بين بعوضة الإنفيل والإنسان، حيث تنفذ البعوضة مسببات المرض إلى مجرى دم الإنسان عند قرصه، فتحملها مجاري الدم إلى الكبد حيث يبدأ الطفيل في التكاثر لا جنسيًّا، وفي مهاجمة خلايا الدم الحمراء التي تنفجر لتملأ مجرى الدم بجراثيم المرض التي تبدأ في التكاثر جنسيًّا بعد عدد من الأجيال فتؤدي إلى الحمى وإلى تضخم الطحال.
وإذا تعرض هذا المريض لقرصة أخرى من ناموسة الإنفيل؛ فإن هذا الطور الجنسي من الطفيليات ينتقل إلى معدة البعوضة حيث يتم تكاثره لا جنسيًّا، وانتقاله إلى غددها اللعابية فيصبح جاهزًا لإصابة إنسان آخر تهاجمه هذه البعوضة؛ ولذلك يصاب أكثر من ٢٧٠ مليون إنسان بالملاريا سنويا في كل أنحاء
стр. 178
الأرض، ويتوفى منهم قرابة المليونين من الأفراد؛ مما يجعل الملاريا من أكثر الأمراض انتشارا في كوكبنا الأرضي.
وقد عجزت أكثر دول العالم تقدمًا في مجال العلوم البحتة والتطبيقية عن مقاومة أخطار البعوضة، ففي أغسطس من سنة ١٩٩٥ ميلادية انتشرت في مدينة منجيرسي في شرق الولايات المتحدة الأمريكية أسراب من البعوضة الزاعجة، وكانت تهاجم الناس بشراسة بقرصاتها المؤلمة حتى في وضح النهار، وقد عرفت باسم النمر الأسيوي؛ لأصولها الأسيوية ولشراستها في الهجوم.
وكانت هذه الحشرة قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٨٥ ميلادية، بعد أن غزت كلا من جزر هاواي ومناطق من المحيط الهادي عقب الحرب العالمية الثانية، ولا تزال هذه الحشرة الصغيرة تجتاح آلاف الأنفس من أبناء القوة العسكرية الكبرى في العالم، دون أن تنفعها أسلحتها في الدفاع عنها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الفتح: ٤).
ثالثا: النص القرآني يفيد أن أنثى البعوض وحدها هي الناقلة للأمراض، ومن ثم كانت مناط التحدي، إن إفراد لفظ بعوضة وتأنيثه في هذا النص القرآني المعجز يشير إلى عيشة البعوض عيشه فردية سوى في حالة التزاوج، وإلى تمايز الأنثى عن الذكر في هذه الحشرة الخطيرة، وإلى تفرد الأنثى وحدها دون الذكر بهذا الخطر الداهم، وهي حقيقة لم يعرفها الإنسان إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
كذلك ف إ ن تنكير لفظ البعوضة وإيراد اسم الموصول " ما " مكررا مرتين يشير إلى تعدد أنواع البعوض؛ فضل ً اعن شمول كل مما هو دونها حجما وما هو أكثر منها ضخامة، وكل ما هو دونها أو أكثر منها ضررا من مخلوقات الله الأخرى، وهذه
стр. 179
حقائق لم تصل إلى علم الإنسان إلا بعد مجاهدة، استغرقت جهود آلاف من العلماء منذ نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولا تزال مستمرة إلى اليوم وإلى أن يشاء الله.
وورودها بهذه الصياغة العلمية الشاملة والدقيقة في كتاب الله، الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وفي أمة كانت غالبيتها ال س اح قة من الأميين، لمما يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق، ويشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
هذه الدلالات العلمية للبعوضة تؤكد أن القرآن كلام الله الخالق، وتؤكد صدق النبوة والرسالة لسيدنا رسول الله ﷺ فهذا النص الكريم يشير إلى قدرة الله المبدعة في الخلق التي تتجلى في أدق المخلوقات حجما وهي البعوضة، وهذا ليؤكد أن كل مخلوق في الوجود له دور في هذا الوجود كبير صغير، وهذا يدل على أن القرآن من عند الله، وليس من عند بشر كما اعتقد الكافرون.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 180
الدرس: ١٤ شرح قوله تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ .
следующие страницы →