Полный текст (312 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ومن الأمراض التي تنقلها البعوضة الملاريا، الملاريا الخبيثة، داء الفيل، الحمى الصفراء، الحمى الدماغية، الحمى الشوكية، الحمى النازفة، مرض حمى أبي الركب، أو حمى تكسير العظام، أو حمى الركب النازفة، حمى الوادي المتصدع، مرض دودة القلب، الالتهاب السحائي، الالتهاب المخي، الالتهاب المخي الشوكي، وأمراض ضعف المناعة ومنها الإيدز.
ومن أخطر ما تحمله البعوضة فيروسات تغزو الجهاز العصبي للإنسان مما قد يصيبه بعدد من الأمراض فائقة الخطورة؛ من مثل مرض التهاب الدماغ والسحايا ومرض التهاب الدماغ والنخاع، والأمراض التي تنقلها البعوضة قد أدت إلى هلاك الملايين من البشر منذ بدء الخليقة وإلى يومنا الراهن؛ حيث لا تزال تصيب الملايين في كل عام إلى أن يشاء الله، ولذلك تعد هذه الحشرة الضئيلة الحجم واحدة من أخطر الآفات الحشرية المعروفة.
ومن هنا كان ضرب المثل بها في القرآن على شدة خطرها مع ضآلة حجمها، وعلى وجود ما هو أخطر وأدق منها، وما هو أعظم منها حجما وخطرا من مخلوقات الله الأخرى، ومن هنا أيضا كان تحدي الله -سبحانه: قل للكافرين والمنافقين والمشركين من أهل الجزيرة العربية وغيرهم من أهل الأرض إلى قيام الساعة بهذه الحشرة المتناهية الصغر في الحجم، وفي زمن الوحي لم يكن أحد من الناس يدرك حقيقة خطر البعوضة فكانوا يستهينون بها، وفي زماننا زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه تقف البشرية عاجزة أمام أخطار هذه الحشرة الصغيرة، على الرغم من كل مستويات التقدم التي حققها إنسان هذا العصر.
стр. 177
والبعوض يتراوح عدد أنواعه بين ألفين وثلاثة آلاف نوع، من أخطرها الأنواع الثلاثة التالية:
١ - بعوضة الإنفيل؛ التي تنقل طفيل مرض الملاريا، مرض البرداء، وهذا الطفيل خطير، كما تنقل طفيليات العديد من الأمراض الأخرى؛ مثل: طفيل مرض الفلاريا الذي يسبب داء الفيل، وتنقل فيروس حمى التهاب الدماغ المعروف باسم الحمى الدماغية.
٢ - بعوضة الكيولكس؛ التي تنقل كلا من طفيل مرض الفلاريا وفيروس الحمى الدماغية.
٣ - البعوضة الزاعجة؛ التي تنقل فيروسات الحمى الصفراء والحمى الدماغية، وحمى الضنك المعروفة باسم حمى داء الركب أو حمى الركب النازفة أو حمى تكسير العظام.
وتتم دورة طفيل مرض الملاريا البرداء بين بعوضة الإنفيل والإنسان، حيث تنفذ البعوضة مسببات المرض إلى مجرى دم الإنسان عند قرصه، فتحملها مجاري الدم إلى الكبد حيث يبدأ الطفيل في التكاثر لا جنسيًّا، وفي مهاجمة خلايا الدم الحمراء التي تنفجر لتملأ مجرى الدم بجراثيم المرض التي تبدأ في التكاثر جنسيًّا بعد عدد من الأجيال فتؤدي إلى الحمى وإلى تضخم الطحال.
وإذا تعرض هذا المريض لقرصة أخرى من ناموسة الإنفيل؛ فإن هذا الطور الجنسي من الطفيليات ينتقل إلى معدة البعوضة حيث يتم تكاثره لا جنسيًّا، وانتقاله إلى غددها اللعابية فيصبح جاهزًا لإصابة إنسان آخر تهاجمه هذه البعوضة؛ ولذلك يصاب أكثر من ٢٧٠ مليون إنسان بالملاريا سنويا في كل أنحاء
стр. 178
الأرض، ويتوفى منهم قرابة المليونين من الأفراد؛ مما يجعل الملاريا من أكثر الأمراض انتشارا في كوكبنا الأرضي.
وقد عجزت أكثر دول العالم تقدمًا في مجال العلوم البحتة والتطبيقية عن مقاومة أخطار البعوضة، ففي أغسطس من سنة ١٩٩٥ ميلادية انتشرت في مدينة منجيرسي في شرق الولايات المتحدة الأمريكية أسراب من البعوضة الزاعجة، وكانت تهاجم الناس بشراسة بقرصاتها المؤلمة حتى في وضح النهار، وقد عرفت باسم النمر الأسيوي؛ لأصولها الأسيوية ولشراستها في الهجوم.
وكانت هذه الحشرة قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٨٥ ميلادية، بعد أن غزت كلا من جزر هاواي ومناطق من المحيط الهادي عقب الحرب العالمية الثانية، ولا تزال هذه الحشرة الصغيرة تجتاح آلاف الأنفس من أبناء القوة العسكرية الكبرى في العالم، دون أن تنفعها أسلحتها في الدفاع عنها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الفتح: ٤).
ثالثا: النص القرآني يفيد أن أنثى البعوض وحدها هي الناقلة للأمراض، ومن ثم كانت مناط التحدي، إن إفراد لفظ بعوضة وتأنيثه في هذا النص القرآني المعجز يشير إلى عيشة البعوض عيشه فردية سوى في حالة التزاوج، وإلى تمايز الأنثى عن الذكر في هذه الحشرة الخطيرة، وإلى تفرد الأنثى وحدها دون الذكر بهذا الخطر الداهم، وهي حقيقة لم يعرفها الإنسان إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
كذلك ف إ ن تنكير لفظ البعوضة وإيراد اسم الموصول " ما " مكررا مرتين يشير إلى تعدد أنواع البعوض؛ فضل ً اعن شمول كل مما هو دونها حجما وما هو أكثر منها ضخامة، وكل ما هو دونها أو أكثر منها ضررا من مخلوقات الله الأخرى، وهذه
стр. 179
حقائق لم تصل إلى علم الإنسان إلا بعد مجاهدة، استغرقت جهود آلاف من العلماء منذ نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولا تزال مستمرة إلى اليوم وإلى أن يشاء الله.
وورودها بهذه الصياغة العلمية الشاملة والدقيقة في كتاب الله، الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وفي أمة كانت غالبيتها ال س اح قة من الأميين، لمما يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق، ويشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
هذه الدلالات العلمية للبعوضة تؤكد أن القرآن كلام الله الخالق، وتؤكد صدق النبوة والرسالة لسيدنا رسول الله ﷺ فهذا النص الكريم يشير إلى قدرة الله المبدعة في الخلق التي تتجلى في أدق المخلوقات حجما وهي البعوضة، وهذا ليؤكد أن كل مخلوق في الوجود له دور في هذا الوجود كبير صغير، وهذا يدل على أن القرآن من عند الله، وليس من عند بشر كما اعتقد الكافرون.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 180
الدرس: ١٤ شرح قوله تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ .
стр. 181
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(شرح قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾)
عرض موجز لسورة الطور التي ذكرت فيها الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام عل ى سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
سنشرح قول الله تعالي: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (الطور: ٦).
هذا القسم بالبحر المسجور ضمن قسم لخمس من آيات الله في الخلق على حتمية وقوع العذاب بالمكذبين بالدين الخاتم، وعل ى أنه لا دافع أبدا لهذا العذاب عنهم، جاء هذا القسم القرآني العجيب في مطلع سورة الطور، وسورة الطور مكية وعدد آياتها ٤٩ آية، ويدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة بأبعادها المختلفة من الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وبملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث والجزاء، وبالخلود في الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا؛ شأنها في ذلك شأن كل السور التي أنزلت بمكة المكرمة.
وتبدأ السورة بعد هذا القسم بمشهد من مشاهد الآخرة فيه استعراض لحال المكذبين برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين -صل ى الله عليه وسلم- وهم يدفعون من ظهورهم إ لى نار جهنم دفعا، وقد كانوا من المكذبين بها، ثم تنتقل الآيات إ لى استعراض حال المتقين وهم يتنعمون في جنات النعيم ثوابا لهم على الإيمان بالله وتقواه.
وتنتهي السورة بخطاب إلى النبي الخاتم والرسول الخاتم ﷺ يحثه على المضي في دعوته إلى عبادة الله الخالق وحده بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صا حبة ولا ولد، مهما ل اقاه في ذلك من مصاعب في مواجهة الكم الهائل من مؤامرات المتآمرين وكيد المكذبين وعنتهم، الذين يتهددهم الله تعالى بما سوف يلقونه من صنوف العذ اب يوم القيامة بل وبعذاب قبل ذلك في الحياة الدنيا.
ويأتي مسك الختام بمواساة وتعضيد لرسول الله - صل ى الله عليه وسلم - في صورة تكريم لم يسبق لنبي من الأنبياء ولا لرسول من الرسل أن نال من الله تكريما مثله، وذلك بقول
стр. 182
الحق - سبحانه - موجها الخطاب إليه ﷺ يقول تعالي: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (الطور: ٤٨، ٤٩).
والآيات الست التي سبق بها القسم في مطلع سورة الطور هي على التوالي، ﴿وَالطُّورِ﴾ (الطور: ١)؛ وهو الجبل المكسو بالأشجار، والجبل غير المكسو بالخضرة لا يقال له طور، وإنما يقال له: جبل إذا كان شاهق الارتفاع بالنسبة للتضاريس حوله، ويسمى تل ًّ اإذا كان دون ذلك، وتليه الأَكْ ن ة أو الربوة أو النتوء الأرضي، ويلي هـ النجد أو الهضبة، ويلي ذلك السهل من تضاريس الأرض.
والمقصود بالقسم القرآني بالطور هنا هو على الرأي الأرجح طور سيناء الذي كلم الله تعالى عنده موسى ﵇ والذي نزلت عليه الألواح، وأقسم الله بطور سيناء هذا؛ تكريم ً اله، وتذكيرا للناس بما فيه من الآيات والأنوار والتجليات والفيوضات الإلهية مما جعله بقعة مشرفة من بقاع الأرض لاختيار الله تعالى له وتجليه عليه.
والآية الثانية التي جاء بها القسم؛ هي قول الله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (الطور: ٢) وقيل فيه: إ نه اللوح المحفوظ، وقيل: إنه القرآن الكريم الذي ختم الله - سبحانه - به وحي السماء، وقيل: هو التوراة التي تلقاها نبي الله موسي ﵇ في الألواح التي أنزلت على جبل الطور، وقيل: هو إشارة إلى جميع الكتب التي أنزلها ربنا - سبحانه - على فترة من الرسل بلغ عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر، كما أخبرنا المصطفى ﵇؛ لأن أصلها واحد ورسالتها واحدة.
كذلك قيل في قول ربنا ﵎: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (الطور: ٢) إنه صحائف أعمال العباد.
والقَسم الثالث جاء بالصيغة ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (الطور: ٣)، والرق هو جلد رقيق يكتب فيه، وقد يشير إلى الورق الذي يكتب عليه وإلى الألواح التي ينقش فيه؛
стр. 183
لأن الرق هو كل ما يكتب فيه، والمنشور؛ أي المبسوط غير المطوي وغير المختوم عليه؛ بمعنى أنه مفتوح أمام الجميع يستطيعون قراءته، أو الاستماع إليه بغير حجر أو منع؛ مما يؤكد أن المقصود بقول ربنا ﵎: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (الطور: ٢) هو القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم يقر ؤ هـ الخلق جميع هم، ويستمعون إليه بغير قيود أو حدود من أي نوع.
وهكذا كانت الكتب السماوية التي سبقته بالنزول قبل ضياعها، وتعرض ما بقي منها من ذكريات إلى التحريف والتبديل والتغيير، وفي النشر إشارة إلى سلامة القرآن الكريم من كل نقص وعيب.
وجاء القسم الرابع بصياغة ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (الطور: ٤) وهو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة؛ أي في مقابلتها إلى أعل ى وعل ى استقامتها تماما، وهو أيضا حيال العرش إلى أسفل منه وعلى استقامته، تعمره الملائكة يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا منهم، ثم لا يعودون إليه؛ كما روى ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ وهو لأهل السماء كالكعبة المشرفة لأهل الأرض.
ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال يوما لأصحابه: ((هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم)).
ويروى عنه وصفا مشابها للبيت المعمور في حديث الإسراء والمعراج، كما جاء في الصحيحين في حديث أخرجه البخاري الحديث رقم٣٢٠٧ والحديث ٣٨٨٦ ومسلم في الحديث ٤١٥
وجاء القسم الخامس بصياغة ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ (الطور: ٥) وفيه قيل: هو السماء القائمة بغير عمد مرئية؛ كما جاء على لسان الإمام علي ﵁ ووافقه
стр. 184
على ذلك كثير من المفسرين، وإن قال الربيع بن أنس: " إنه العرش الذي هو سقف لجميع المخلوقات".
أما القسم السادس وهو موضوع درسنا، والذي جاء بصياغة ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (الطور: ٦) فقد تعددت آراء المفسرين فيه، وقبل أن نتعرض لآراء المفسرين يحسن أن نستعرض الدلالة اللغوية للفظي البحر، والمسجور؛ المدلول اللغوي للبحر المسجور؛ البحر في اللغة ضد البر، وقيل: إنه سمي بهذا الاسم لعمقه واتساعه، والجمع أبحر وبحار وبحور، وكل نهر عظيم يسمى بحرًا؛ لأن أصل البحر هو كل مكان واسع جامع للماء الكثير، وإن كانت لفظة البحر تطلق في الأصل على الماء المالح دون العذب.
كذلك سمت العرب كل متوسع في شيء بحرا حتى قالوا للمتوسِع في علمه: بحرًا، وللتوسع في العلم: تبحر، وقالوا: فرس بحر؛ أي واسع الخطا سريع الجري، وقيل: ماء بحر؛ أي مالح، وأبحر الماء؛ أي ملح، وأبحر الرجل؛ أي ركب البحر، وبحر أذن الناقة؛ أي شقها شقا واسعا فشبهها بسعة البحر على وجه المجاز والمبالغة، ومن هنا سميت البحيرة وهي الناقة إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها، وتطلق فلا تركب ولا يحمل عليها، والبحيرة ابنة السائبة، وحكمها حكم أمها عند العرب في الجاهلية.
أما وصف البحر بصفة المسجور؛ فالصفة مستمدة من الفعل سجر، والسجر تهييج النار، يقال: سجر التنور؛ أي أوقَد عليه حتى أحماه، والسجور ماء يسجر به التنور من أنواع الوقود، وكذلك يقال: سجر الماء النهر؛ أي ملأه، ومنه البحر المسجور؛ أي المملوء بالماء المكفوف عن اليابسة، والساجور خشبة تجعل في عنق الكلب فيقال له: كلب مُسَوْجَر؛ أي محكوم، والمسوجر المغلق المحكم الإغلاق من كل شيء.
стр. 185
من شروح المفسرين لقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾
من شروح المفسرين لقول الله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (الطور: ٦):
في تفسير القسم القرآني بالبحر المسجور أشار ابن كثير ﵀ إلى قول الربيع بن أنس أنه هو الماء الذي تحت العرش، الذي ينزل الله منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها؛ أي أنه بحر من ماء خاص محبوس عند رب العالمين ينزله -سبحانه- يوم البعث فينبت كل مخلوق بواسطة هذا الماء من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من حبتها على ما روي عن رسول الله ﷺ من قبل.
وأضاف ابن كثير: "وقال الجمهور: هو هذا البحر". واختلف في معنى المسجور؛ فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارًا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (التكوير: ٦)؛ أي أضرمت، فتصير نارا تتأجج محيطة بأهل الموقف، كما روي عن علي وابن عباس. وقال العلاء بن بدر: "إنما سمي البحر المسجور؛ لأنه لا يشرب منه ماء ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة". وعن سعيد بن جبير: " ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني المرسل". وقال قتادة: "المسجور؛ المملوء". واختاره ابن جرير.
وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها؛ قاله ابن عباس، وبه يقول السدي وغيره؛ وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: ((ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينفضح عليهم؛ فيكفه الله ). وذكر صاحب (تفسير الجلالين) -رحمهما الله- في شرح دلالة القسم القرآني ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾؛ أي المملوء وذكر أنه قول قتادة وقال: "قال مجاهد: الموقد الذي سيسجر يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (التكوير: ٦) ".
وقال صاحب (الظلال) ﵀ رحمة واسعة- كلامًا مشابهًا يشير إلى أن البحر المسجور هو المملوء بالماء في الدنيا، أو المتقد بالنار في الآخرة، أو أن هذا التعبير يشير إلى خلق آخر كالبيت المعمور يعلمه الله. وذكر صاحب (صفوة البيان لمعاني القرآن) غفر الله له في تفسير قول الحق -سبحانه-: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ما نصه: أي
стр. 186
المملوء ماء، يقال: سجر النهر؛ أي ملأه وهو البحر المحيط والمراد الجنس، وقيل: الموقد نارا عند قيام الساعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (التكوير: ٦)؛ أي أوقدت نارا، ووصف البحر بذلك؛ إعلامًا بأن البحار عند فناء الدنيا تحمى بنار من تحتها فتبخر مياهها وتندلع النار في تجاويفها وتصير كلها حمما.
وذكر صاحب (صفوة التفاسير) بارك الله في عمره في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فجِّرَتْ﴾؛ أي أنه الموقد نارا يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (التكوير: ٦)؛ أي أضرمت حتى تصير نارا ملتهبة تتأجج وتحيط بأهل النار.
البحر المسجور في منظور العلوم الحديثة:
من المعاني اللغوية للبحر المسجور هو المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة، وهو معنى صحيح من الناحية العلمية صحة كاملة كما أثبتته الدراسات العلمية في القرن العشرين، ومن المعاني اللغوية لهذا القسم القرآني المبهر أيضا يعني أن البحر قد أوقد عليه حتى حمي قاعه فأصبح مسجورا، وهو كذلك من الحقائق العلمية التي اكتشفها الإنسان في العقود المتأخرة من القرن العشرين، والتي لم يكن لبشر إلمام بها قبل ذلك أبدا.
стр. 187
أولًا: والبحر المسجور بمعنى المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة، الأرض هي أغنى كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته بحوالي ١٣٦٠ إلى ١٣٨٥ مليون كيلو مترا مكعبا، وهذا الماء قد أخرجه ربنا -سبحانه- كله من داخل الأرض على هيئة بخار ماء اندفع من فوهات البراكين، وعبر صدوع الأرض العميقة ليلاقي الطبقات العليا الباردة من نطاق التغييرات الجوية، والذي يمتد من سطح البحر إلى ارتفاع حوالي ستة عشر كيلو مترا فوق خط الاستواء، وحوالي عشرة كيلو مترات فوق قطبي الأرض.
وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق باستمرار مع الارتفاع حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته فوق خط الاستواء، وهذا النطاق يحوي حوالي ثلثي كتلة الغلاف الغازي للأرض ٦٦% والمقدرة بأكثر قليلًَا من خمسة آلاف مليون مليون طن، وهو النطاق الذي يتكثف فيه بخار الماء الصاعد من الأرض، والذي تتكون فيه السحب، وينزل منه كل من المطر والبرَد والثلج، وتتم فيه ظواهر الرعد والبرق، وتتكون العواصف والدوامات الهوائية وغير ذلك من الظواهر الجوية.
ولولا تبرد هذا النطاق مع الارتفاع ما عاد إلينا بخار الماء الصاعد من الأرض أبدا، وحينما عاد إلينا بخار الماء مطرا وثلجا وبردا انحدر على سطح الأرض؛ ليشق له عددًا من المجاري المائية، ثم فاض إلى منخفضات الأرض الواسعة؛ ليكون البحار والمحيطات، وبتكرار عملية التبخر من أسطح تلك البحار والمحيطات ومن أسطح اليابسة بما عليها من مختلف صور التجمعات المائية والكائنات الحية بدأت دورة الماء حول الأرض من أجل التنقية المستمرة لهذا الماء، وتلطيف الجو وتفتيت الصخور وتسوية سطح الأرض وتكوين التربة وتركيز عدد من الثروات المعدنية.
стр. 188
وغير ذلك من المهام التي أوكلها الخالق لتلك الدورة المعجزة التي تحمل ٢٨٠ ألف كيلو مترا مكعبا من ماء الأرض إلى غلافها الجوي سنويا؛ لتردها إلى الأرض ماء طهورًا منها ٢٣٠ ألف كيلو مترا مكعبا تتبخر من أسطح البحار والمحيطات ٦٠ ألف كيلو مترا مكعبًا من أسطح اليابسة يعود منها ٢٣٨ ألف كيلو مترا مكعبا إلى البحار والمحيطات، و٩٦ ألف كيلو مترا مكعبا إلى اليابسة التي يفيض منها، و٣٦ ألف كيلو مترا مكعبا من الماء إلى البحار والمحيطات، وهو نفس مقدار الفارق بين التبخر من البحار والمحيطات والمطر.
هذه الدورة المحكَمة للماء حول الأرض أدت إلى خزن أغلب ماء الأرض في بحارها ومحيطاتها حوالي ٩٧.٠٢ وإبقاء أقله على اليابسة، وبهذه الدورة للماء حول الأرض تملح ماء البحار والمحيطات، وبقيت نسبة ضئيلة من مجموع ماء الأرض على هيئة ماء عذب على اليابسة، وحتى هذه النسبة الضئيلة من ماء الأرض العذب قد حبس أغلبها على هيئة سمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال، والباقي مختزن في الطبقات المسامية والمنتجة من صخور القشرة الأرضية على هيئة ماء تحت سطحه، وفي بحيرات الماء العذب والأنهار والجداول، وعلى هيئة رطوبة في تربة الأرض، والباقي يتوزع بين حجرات الماء العذب ورطوبة الغلاف الغازي للأرض.
وتوزيع ماء الأرض بهذه النسب التي اقتضتها حكمة الله الخالق قد تم بدقة بالغة بين البيئات المختلفة بالقدر الكافي لمتطلبات الحياة في كل بيئة من تلك البيئات، وبالأقدار الموزونة التي لو اختلت قليلا بزيادة أو نقص لغمرت الأرض وغطت سطحها بالكامل أو انحسرت تاركة مساحات هائلة من اليابسة، ولقصرت دون متطلبات الحياة عليها.
стр. 189
ومن هذا القبيل يحسب العلماء أن الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال المرتفعة فوق سطحها إذا انصهر، وهذا لا يحتاج إلى مجرد الارتفاع في درجة حرارة صيف تلك المناطق بحوالي خمس درجات مئوية، وإذا حدث ذلك فإن كم الماء الناتج سوف يؤدي إلى رفع منسوب الماء في البحار والمحيطات إلى أكثر من مائة متر فيغرق أغلب المناطق الآهلة بالسكان، والممتدة حول شواطئ تلك البحار والمحيطات إلى عمق لا يكاد يتجاوز الخمسمائة كيلو مترا في أغلب الأحيان.
وليس هذا من قبيل الخيال عميقا لا يكاد يتجاوز نسبة الخمسمائة أو العدد الخمسمائة كيلو مترا في أغلب الأحيان، وليس هذا من قبيل الخيال العلمي؛ فقد مرت بالأرض فترات كانت مياه البحار فيها أكثر غمرًا لليابسة من حدود شواطئها الحالية.
كما مرت فترات أخرى كان منسوب الماء في البحار والمحيطات أكثر انخفاضًا من منسوبها الحالي؛ مما أدى إلى انحصار مساحة البحار والمحيطات وزيادة مساحة اليابسة، والضابط في الحالين كان كم الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض، وفي قمم الجبال، وفوق بعض الأجزاء الأخرى من اليابسة؛ فكلما زاد كم الجليد انخفض منسوب الماء في البحار والمحيطات؛ فانحصرت عن اليابسة التي تزيد مساحتها زيادة ملحوظة، وكلما قل كم الجليد ارتفع منسوب المياه في البحار والمحيطات وطغت على اليابسة التي تتضاءل مساحتها تضاؤلًا ملحوظًا.
من هنا كان تفسير القسم القرآني بـ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ بأن الله تعالى يمن علينا، وهو صاحب الفضل والمنة بأنه ملأ منخفضات الأرض بماء البحار والمحيطات، وحجز هذا الماء عن مزيد من الطغيان على اليابسة؛ وذلك بحبس كميات من هذا
стр. 190
الماء في هيئات متعددة؛ أهمها ذلك السمك الهائل من الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض، وعلى قمم الجبال، والذي يصل إلى أربعة كيلو مترات في قطب الأرض الجنوبي، وإلى ثلاثة آلاف وثمانمائة من الأمتار في القطب الشمالي.
ولولا ذلك لغطى ماء الأرض أغلب سطحها، ولما بقيت مساحة كافية من اليابسة للحياة بمختلف أشكالها الإنسانية والحيوانية والنباتية، وهي إحدى آيات الله البالغة في الأرض، ووذلك من أجل إعدادها لتكون صالحة للعمران. من هنا كان تفسير القسم بـ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ بمعنى المملوء بالماء المكفوف عن اليابسة ينطبق مع عدد من الحقائق العلمية الثابتة التي تشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق، وتشهد لسيدنا محمد بن عبد الله بالنبوة وبالرسالة عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وهذا التفسير واحد من التفسيرات الأخرى لقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾.
وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
стр. 191
الدرس: ١٥ تابع: شرح قوله تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ - قوله: ﴿ألم نجعل الأرض مهادا ... ﴾.
стр. 192
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(تابع: شرح قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ - قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ... ﴾)
تتمة الحديث عن شرح المفسرين لقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وص حبه ومن والاه، أما بعد:
سنواصل الحديث عن قول الله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (الطور: ٦):
بينا أن البحر المسجور بمعنى المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة، هذا هو إحدى التفسيرات لكلمة ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾.
ثاني ً ا: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ بمعنى القائم على قاع أحمته الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض؛ فجعلته شديد الحرارة، في العقود المتأخرة من القرن العشرين تم اكتشاف حقيقة تمزق الغلاف الصخري للأرض بشبكة هائلة من الصدوع العملاقة المزدوجة، والتي ت كون فيما بينها ما يعرف باسم أودية الخسف أو الأغوار، وأ ن هذه الأغوار العميقة تحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة، ويشبهها العلماء باللحام على كرة التنس مع فارق التشبيه، وتمتد هذه الأغوار في كافة الاتجاهات لعشرات الآلاف من الكيلو مترات، ولكنها تنتشر أكثر ما تنتشر في قيعان محيطات الأرض، وفي قيعان عدد من بحارها، ويتراوح عمق الصدوع المشكِّلة لتلك الأغوار بين ٦٥ و٧٥ كيلو متر ً اتحت قيعان البحار والمحيطات وبين ١٠٠ و١٥٠ كيلو متر ً اعلى اليابسة؛ أي في صخور القارات.
وتعمل هذه الصدوع على تمزيق الغلاف الصخري للأرض بالكامل وتقطيعه إلى عدد من الألواح الصخرية التي تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة، يسميه العلماء باسم نطاق الضعف الأرضي، وهو نطاق لدن عالي الكثافة واللزوجة تتحرك بداخله تيارات الحم ل من أسف ل إلى أعلى حيث تتبرد وتعاود النزول إلى أسفل، وهي بتلك الحركة الدائبة تدفع بكل لوح من ألواح الغلاف
стр. 193
الصخري للأرض إلى التباعد عن اللوح المجاور في أحد جوانبه في ظاهرة تسمى ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات، ومصطدم ً افي الجانب المقابل باللوح الصخري المجاور ل ليكون سلسلة من السلاسل الجبلية، ومنزلق ً اعن الألواح المجاورة في الجانبين الآخرين، وباستمرار تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض تتسع قيعان البحار والمحيطات باستمرار عند خطوط التباعد بينها، وتندفع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجات حرارة تتعدى الألف درجة مئوية؛ لتساعد على دفع جانبي المحيط يمنة ويسرة، وتملأ المسافات الناتجة عن عملية توسيع قيعان البحار والمحيطات بهذه الملايين من أطنان الصهارة الصخرية المندفعة من باطن الأرض على هيئة ثورات بركانية عارمة تحت الماء تسجر قيعان جميع محيطات الأرض، وقيعان أعداد من بحارها مثل البحر الأحمر، وتجدد مادتها الصخرية باستمرار.
وقد أدى هذا النشاط البركاني فوق قيعان كل المحيطات، وفوق قيعان عدد من البحار النشطة إلى تكون سلاسل من الحيود المرتفعة في أواسط تلك المحيطات والبحار تتكون في غالبيتها من الصخور البركانية، وقد ترتفع قممها في بعض الأماكن على هيئة أعداد من الجزر البركانية؛ من مثل: جزر كل من إندونيسيا ماليزيا الفلبين اليابان هاواي وغيرها، وفي المقابل تصطدم ألواح الغلاف الصخري عند حدودها المقابلة لمناطق اتساع قيعان البحار والمحيطات، ويؤدي هذا التصادم إلى اندفاع قيعان المحيطات تحت كتل القارات وانصهارها بالتدريج مما يؤدي إلى تكون جيوب عميقة عند التقاء قاع المحيط بالكتلة القارية تتجمع فيها كميات هائلة من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة التي تطوى وتتكسر؛ لترتفع على هيئة السلاسل الجبلية على حواف القارات؛ من مثل: سلسلة جبال الإمبيز في غربي أمريكا الجنوبية.
стр. 194
وهنا يستهلك قاع المحيط بالتدريج تحت الكتلة القارية، وإذا توقفت عملية توسع قاع المحيط؛ ف إ ن هذا القاع قد يستهلك بأكمله تحت القارة مما يؤدي إلى تصادم قارتين ببعضهما، وينش أعن هذا التصادم أعلى السلاسل الجبلية؛ من مثل: جبال الهمالايا التي نتجت عن اصطدام الهند بالقارة الآسيوية بعد استهلاك قاع المحيط الذي كان يفصل بينهما بالكامل في أزمنة أرضية سحيقة، ويصاحب كل من عمليتي توسع قاع المحيط في محوره الوسطى واصطدامه عند أطرافه بعدد من الهزات الأرضية والثورات والطفوح البركانية التي تبلغ أشدها عند خطوط التصادم، وتبلغ جبال أواسط المحيطات أكثر من أربعة وستين ألف ً امن الكيلو مترات في الطول، بينما يبلغ طول الصدوع العميقة التي اندفعت منها الطفوح البركانية لتكون تلك السلاسل الجبلية في أواسط المحيطات أضعاف هذا الرقم، وتتكون هذه السلاسل أساس ً امن الصخور البركانية المختلطة بالقليل من الرسوبيات البحرية، وتحيط كل سلسلة من هذه السلاسل المندفعة من قاع المحيط بواد خسيف مكون بفعل الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بعمق يتراوح بين خمسة وستين كيلو متر ً اوسبعين كيلو متر ً اليخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل، ويصل إلى نطاق الضعف الأرضي الذي تندفع منه الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجة حرارة تزيد عن الألف درجة مئوية لتسجر قيعان كل محيطات الأرض، وقيعان عدد من بحارها النشطة باستمرار.
ومع تجدد اندفاع الصهارة الصخرية عبر مستويات هذه الصدوع العملاقة يتسع قاع المحيط باستمرار، وتتجدد مادته بدفع الصخور القديمة في اتجاه شاطئ المحيط يمنة ويسرة ليحل محلها أحزمة أحدث عمر ً اتتكون من تجمد تلك الصهارة الجديدة، وتترتب بصورة متوازية على جانب ي أغوار المحيطات والبحار، ويهبط كل جانب من جانبي قاع المحيط المتسع بنصف معدل اتساعه الكلي في وسطه،
стр. 195
وذلك تحت كل قارة من القارتين أو القارات المحيطة بشاطئيه، وب ذلك يمتلئ محور المحيط بالصهارة الصخرية الحديثة المندفعة عبر مستويات الصدوع الممزقة لقاعه فتسجره، بينما تندفع الصخور الأقدم بالتدريج في اتجاه الشاطئين حيث توجد أقدم صخور ذلك القاع، والتي تستهلك باستمرار تحت القارات المحيطة.
وهذه الصدوع العملاقة التي تمزق قيعان كل محيطات الأرض، وقيعان عدد من بحارها؛ مثل: البحر الأحمر؛ توجد أيضا على اليابسة، ولكن بنسب أقل منها فوق قيعان البحار والمحيطات، وتعمل على تكوين عدد من الأغوار والبحار الطولية؛ من مثل: أغوار شرقي إ فريقيا والبحر الأحمر التي تعمل على تفتيت الكتل القارية باتساعها التدريجي؛ لتتحول تلك البحار الطويلة إلى بحار أكبر، ثم إلى محيطات تفصل بين الكتل القارية التي كانت متصلة على هيئة قارة واحدة، وتحاط تلك الخسوف القارية العملاقة بعدد من القمم البركانية السا م قة؛ ب ذلك ثبت ل كل من علماء الأرض والبحر بالأدلة المادية الملموسة أن كل محيطات الأرض بما في ذلك المحيطان المتجمدان الشمالي والجنوبي، وأن أعداد ًا من بحارها؛ من مثل: البحر الأحمر قيعانها مسجرة بالصهارة الصخرية المندفعة بملايين الأطنان من داخل النطاق الضعيف في الأرض عبر شبكة الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بالكامل، وتصل إلى نطاق الضعف الأرضي.
وتتركز هذه الشبكة من الصدوع العملاقة أساسًا في قيعان البحار والمحيطات، وأ ن كم المياه في تلك الأحواض العملاقة على ضخامته لا يستطيع أن يطفئ جذوة تلك الطفوح من الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض إطفاء كاملًا، وأن
стр. 196
هذه الجذوة على شدة حرارتها أكثر من ألف درجة مئوية لا تستطيع أن تبخر هذا الماء بالكامل؛ وذلك لأنه عندما يتبخر الماء باندفاع الصهارة فيه فإنه يرتفع إلى أعلى ليلامس ماء أبرد فيتك ث ف ويعود إلى قاع البحر مرة أخرى؛ ليعاود الكرة من جديد، وهكذا ليبقى هذا الاتزان الدقيق بين الأضداد من الماء والحرارة العالية هو من أكثر ظواهر الأرض إبهارا للعلماء في زماننا، وهي حقيقة لم يتمكن الإنسان من اكتشافها إلا في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين.
ومن الغريب أن رسول الله ﷺ هذا النبي الأمي الذي لم يركب البحر في حياته الشريفة مرة واحدة، فضل ً اعن الغوص إلى أعماق البحار قال في حديث شريف أخرجه كل من الأئمة أبو داود في (سننه) والبيهقي في (سننه) وابن شيبة في (مصنفه) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ما نصه: ((لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله؛ فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا)) وجاء الحديث في (مصنف ابن شيبة) بالنص: ((إن تحت البحر نارا ثم ماء ثم نارا)).
ويعجب الإنسان المتبصر لهذا السبق في كل من القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بالإشارة إلى حقيقة من حقائق الأرض التي لم يتوصل الإنسان إلى إدراكها إلا في نهايات القرن العشرين، هذا السبق الذي لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدر ً اغير الله الخالق الذي أنزل هذا القرآن الكريم بعلمه على خاتم أنبيا ئ هـ ورسله، وعلم هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم من حقائق هذا الكون ما لم يكن لأحد من الخلق إلمام به قبل العقود الثلاثة المتأخرة من القرن العشرين؛ لكي تبقى هذه الومضات النورانية في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ شهادات مادية ملموسة
стр. 197
على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي حفظه تعالى على مدى أربعة عشر قرن ً اأو يزيد، وتعهد بذلك إلى قيام الساعة وحفظه بنفس لغة الوحي اللغة العربية كلمة كلمة وحرف ً احرف ً ابصفائه الرباني وإشراقاته النورانية دون أدنى تغيير أو تبديل أو تحريف.
وأ ن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- كان موصول ً ابالوحي، ومعلَّم ً امن ق بل خالق السموات والأرض، ف سبحان الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا القسم القرآني بالبحر المسجور، وسبحان الذي علم خاتم أنبيا ئ هـ ورسله بهذه الحقيقة فقال قولته الصادقة: ((إن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا)) وسبحان الذي أكد على صدق القرآن الكريم وعلى صدق هذا النبي الخاتم في كل ما رواه عن ربه، فأنزل في محكم كتابه قوله الحق: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٦٦)، وقوله - سبحانه - مخاطب ً اخاتم أنبيا ئ هـ ورسله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان: ٦)، وقوله - سبحانه -: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (النمل: ٩٣)، وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ: ٦)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (يوسف: ١٠٤)، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: ٨٨)، وقوله - سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١، ٤٢)، وقوله - سبحانه -: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣).
стр. 198
عرض موجز لسورة النبأ التي ذكرت فيها الآية
نأتي بعد ذلك إلى قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ: ٦، ٧):
هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في مقدمات سورة النبأ، وهي سورة مكية، وعدد آياتها أربعون آية، ويدور محورها حول قضية العقيدة، والعقيدة هي تلك القضية الغيبية التي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى تصور صحيح بغير هداية ربانية، ومن هنا كانت من قواعد الدين الذي من لوازم صحته أن يكون وحي ً ارباني ًّ اخالص ً الا يداخله أدنى قدر من التصورات البشرية.
ومن أصول العقيدة الإسلامية الإيمان بالبعث وبالحساب والجزاء وبالخلود في حياة قادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا، والإيمان بالبعث هو موضوع سورة النبأ ومحورها الأساسي، وذلك لأن إنكار البعث كان حجة كفار قريش كما كان حجة الكفار والمتشككين عبر التاريخ في نبذهم للدين كفرا برب العالمين، وجهلا بطلاقة قدرته التي لا تحدها حدود، أو قياس ً اللقدرة الإلهية بقدرات البشر المحدودة ظلما وعدوانا وجهلا بمدلول الألوهية الحقة، ومن ثم عجز الكافرون عن تصور إمكانية البعث أو تعاجزوا عنه؛ انصياع ً الشهواتهم التي يرون ممارستها دون أدنى مسئولية أو مساءلة، فانطلقوا في إنكار البعث وما يستتبعه من الحساب والجزاء، وفي التشكيك في كل ذلك، وهو من صلب الدين الذي جاء به آلاف من الأنبياء ومئات من المرسلين، وتكامل في بعثة النبي والرسول الخاتم - صلى الله وسلم وبارك عليه.
ومن أجل التأكيد على حقيقة البعث بعد الموت، وما يستتبعه من حساب وجزاء ابتدأت سورة النبأ باستنكار تساؤل الكافرين عنه تساؤل المنكر له أوالمتشكك في
стр. 199
إمكانية وقوعه، وألمحت بالتهديد القاطع لكل منكر أو متشكك في تلك الحقيقة الربانية الحاسمة، ثم أوردت عدد ً امن الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق لتكون شاهدة على أن الخالق المبدع قادر على إفناء خلقه وعلى إعادة بعثه، ولذلك أكدت السورة على حقيقة يوم البعث وأهواله وسمته باسم يوم الفصل؛ لأنه يوم قد وقته ربنا - سبحانه - للفصل بين العباد حيث سيجمع له كافة الخلق من الأولين والآخرين بعد فنائهم أجمعين، وفناء الكون كله من حولهم؛ وذلك لحسابهم على ما قد قدموا في حياتهم الدنيا، ولجزائهم الجزاء الأوفى على ذلك.
ثم تعرج بنا السورة على بعض صور العقاب الذي أعده ربنا - سبحانه - للطاغين من الكفار والمشركين والمتجبرين في الأرض من المنكرين لدين الله والمكذبين بآياته والغافلين عن حسابه، وذلك بإدخالهم إلى جهنم وبئس المصير التي تترصد بهم وتستعد لاستقبالهم، وفيها من صور العذاب المهين ما نسال الله تعالى أن يجيرنا منه.
وللمقارنة بين مصير هؤلاء الطاغين المكذبين ومصير عباد الله الصالحين تحدثت السورة عن شيء من جزاء المتقين الذي تضمن جنات ونعيم مقيم فضل ً اورحمة من رب العالمين. وختمت السورة الكريمة بتصوير شيء من أهوال يوم القيامة، وبدعوة الناس كافة إلى الاستعداد لهذا اليوم الذي سوف يعود الخلق فيه إلى الله؛ ليقفوا جميع ً ابين يديه للحساب، وأن يأخذوا حذرهم حتى تحسن عودتهم ويهون حسابهم فينجوا من العذاب المهين ويتنعموا في جنات النعيم المقيم. وتضمن ختام سورة النبأ التحذير من عذاب يوم القيامة حيث ينظر كل إنسان صحيفة أعماله في هذه الحياة، وفيها كل ما قد قدمت يداه فيحمد المتقون الله
стр. 200
على حسن هدايته وتوفيقه، ويتمنى كل كافر لو يستحيل ترابا؛ أملا في تحاشي هول هذا اليوم وهول المصير الأسود من بعده، ولكن هيهات هيهات أن يفر أحد من حساب الله وجزائه العادل.
ومن الآيات الكونية التي قدمها ربنا بين يدي سورة النبأ شاهدة له - سبحانه - بطلاقة القدرة في إبداعه لخلقه ومؤكدة إمكانية البعث بل حتميته وحقيقته قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ وهاتان الآيتان يمر عليهما الإنسان دون إدراك حقيقي لفضل الله تعالى في الإنعام بهما ولا بعمق الدلالة العلمية في كل منهما، لأن حقيقة ذلك لم يدركها العلماء المتخصصون إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، وهذا السبق القرآني صورة من صور الإعجاز العلمي في كتاب الله، لكن سنبدأ أولا في شرح الدلالة اللغوية لألفاظ الآيتين الكريمتين، واستعراض سريع لأقوال المفسرين فيهما.
الدلالة اللغوية:
أول ً ا: المهاد والمهد في اللغة العربية الممهد الم وطأ من كل شيء، ويطلق على الفراش لبسطه وسهولة وطئه، يقال: م َ هـ َ د َ الفراش، ويقال: م َ هـ َّ د َ الفراش؛ أي بسطه ووطأه، وا لمهد ما يهيأ للصبي من فراش وث ير، وتمهيد الأمور إصلاحها وتسويتها يقال: مهدت لك كذا؛ أي هيئته وسويته، وتمهيد العذر هو بسطه وقبوله، وقد جاء ذكر لفظ المهد بتصريفاتها في القرآن الكريم خمس مرات على النحو التالي:
١ - ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: ٤٦).
٢ - وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ (طه: ٥٣).
стр. 201
٣ - قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (الروم: ٤٤).
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ (المدثر: ١٤).
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (الذاريات: ٤٨).
ثاني ً ا: الجبال، والأجبال جمع جبل وهو المرتفع عما حوله من الأرض ارتفاعا ملحوظا يجعله يعظم ويطول، ودونه التل، ودون التل الربوة والأك ن ة، ودون الأك ن ة النجد أو الهضبة، ودون الهضبة السهل، ويقال: أجبل القوم؛ أي صاروا إلى الجبال بمعنى وصلوا إليها أو دخلوها وسكنوا فيها، ويقال للحية: ابنة الجبل وأن الجبل مأواها، كما يقال لصدى الصوت: ابن الجبل؛ لأن الجبل يردده، ويقال للداهية: ابنة الجبل؛ لأنها تدخل على النفس كأنها الجبل، والجُبلة والجَبلة والجِب ْ لة والجِبِلة القوة البدنية أو صلابة الأرض، والجبال البدن يقال: فلان مجبول؛ أي خطير أو خ طير الجبال؛ أي عظيم البُدن أو عظيم الب َ دن تشبيها بالجبل، وتجبل ما عنده؛ أي استنظف، والجبل أيضا ساح ة البيت، أو الكثير من كل شيء يقال: مال جبل وحي جبل؛ أي كثير، والجبل الجبلة الجماعة من الناس وفيها قراءات قر ئ بها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا﴾ (يس: ٦٢) بكسر الجيم والباء وتشديد اللام كما قرئ بضم أو فتح الجيم أو تسكين الباء جبْلا جَبْلا وهكذا، والجبلة الخلقة أو الفطرة وأصله الوجه وما استقبلك منه.
والأوتاد جمع وَتَد أو وتِد والكسر أولى، وفعله وتد والأمر منه تد بالكسر، والأوتاد قطع من خشب أو حديد غليظة الرأس مدببة النهاية تثبت بها أركان الخيمة في الأرض بدكها حتى يدفن أغلبها في الأرض ويبقى أقلها ظاهرا فوق السطح، تشد بذلك العمق أركان الخيمة إلى الأرض فتثبتها وتجعلها قادرة على مقاومة فعل الرياح والعواصف الهوجاء. ويأتي التعبير بـ ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ (الفجر: ١٠)
стр. 202
استعارة مجازية بمعنى كثير الجنود والعساكر الذين يشدون الملك ويثبتونه، كما تشد الأوتاد أركان الخيام إلى الأرض فتثبتها نظر ً الكثرة خيامهم التي يضربون أوتادها في أرض معسكراتهم، كما قد تأتي في معنى صاحب الأبنية العظيمة الشاهقة التي تشبه في عمق أساساتها أوتاد الجبال وفي ارتفاعها علو الجبال؛ وذلك من مثل قول الحق: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ (الفجر: ١٠).
أقوال المفسرين في هذه الآية
ذكر ابن كثير ﵀ في تفسير قول الحق: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾؛ أي ممهدة للخلائق ذلول ً الهم قارة ساكنة ثابتة، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾؛ أي جعل لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. وذكر صاحب ا (تفسير الجلالين) غفر الله له ما كلاما متشابها؛ إذ قال ا: " ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ أي فراشا كالممهد صالح ً اللحياة عليها، ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾؛ أي تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد؛ لئلا تميد بكم، والاستفهام للتقرير ".
وقال صاحب (الظلال) ﵀ رحمة واسعة -: "والمهاد الممهد للسير، والمهاد اللين كالمهد، وكلاهما متقارب، وهي حقيقة محسوسة للإنسان في أي طور من أطوار الحضارة ومعرفتها، فلا تحتاج إلى علم غزير لإدراكها في صورتها الواقعية، وكون الجبال أوتاد ً اظاهرة تراها العين كذلك حتى من الإنسان البدائي، وهذه وتلك ذات وقع في الحس حين توجه إليها النفس، غير أن هذه الحقيقة أكبر وأوسع مدى مما يحسه الإنسان البدائي لأول وهلة بالحس المجرد، وكلما ارتقت معارف الإنسان وازدادت معرفته لطبيعة هذا الكون وأطواره كبرت
стр. 203
هذه الحقيقة في نفسه وأدرك من ورائها التقدير الإلهي العظيم، والتدبير الدقيق المحكم، والتنسيق بين أفراد هذا الوجود وحاجاتهم، وإعداد هذه الأرض لتلقى الحياة الإنسانية وحضانتها، وإعداد هذا الإنسان للملائمة مع البيئة والتفاهم معها، وجعل الأرض مهادا للحياة، وللحياة الإنسانية بوجه خاص شاهد لا يمارى في شهادته لوجود العقل المدبر من وراء هذا الوجود الظاهر، فاختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الأرض هكذا بجميع ظروفها، أو اختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الحياة لتعيش في الأرض؛ الاختلال هنا أو هناك لا يجعل الأرض مهادا، ولا يبقى هذه الحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم هذه الإشارة المجملة ليدركها كل إنسان وفق درجة معرفته ومداركه.
وجعل الجبال أوتاد ً ايدركه الإنسان من الناحية الشكلية بنظره المجرد، فهي أشبه شيء بأوتاد الخيمة التي تشد إليها، أما حقيقتها فنتلقاها من القر آن وندرك منه أنها تثبت الأرض وتحفظ توازنها، وقد يكون هذا لأنها تعادل بين نسب الأغوار في البحار ونسب المرتفعات في الجبال، وقد يكون لأنها تعادل بين التقلصات الجوفية للأرض والتقلصات السطحية، وقد يكون لأنها تثقل الأرض في نقط معينة فلا تميد بفعل الزلازل والبراكين والاهتزازات الجوفية، وقد يكون لسبب آخر لم يكشف عنه بعد، وكم من قوانين وحقائق أشار إليها القرآن الكريم ثم عرف البشر طرف ًا منها بعد مئات السنين ".
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 204
الدرس: ١٦ تابع: شرح قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض مهادا ... ﴾ - قوله: ﴿والجبال أرساها ... ﴾.
стр. 205
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(تابع: شرح قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ... ﴾ - قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ... ﴾)
تتمة أقوال المفسرين في هذه الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وص حبه ومن والاه، أما بعد:
سنكمل -إن شاء الله- أقوال بعض المفسرين الآخرين، ونتحدث عن الدلالة العلمية لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾.
ل قد ذكر صاحب (صفوة البيان لمعاني القرآن) ﵀ ما نصه: مهاد ً ا؛ أي فراشا موط أكالمهد لتمكينكم من الاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها والانتفاع بما أودعناه لكم فيها، والمهاد مصدر بمعنى ما يمهد، وجعلت به الأرض مهادا مبالغة في جعلها موطئ ًا للناس والدواب يقيمون عليها أو بتقدير مضاف؛ أي ذات مهاد.
قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ: ٧)؛ أي كالأوتاد للأرض؛ أي أرسيناها بالجبال لئلا تميد وتضطرب كما يرسى البيت بالأوتاد لئلا تعصف به الرياح، والأوتاد جمع و َ ت َ د أو و َ ت ِ د ووفعله كوعد.
وذكر أصحاب (المنتخب في تفسير القرآن الكريم) ما نصه: ألم يروا من آيات قدرتنا أنا جعلنا الأرض ممهدة للاستقرار عليها
стр. 206
والتقلب في أنحائها وجعلنا الجبال أوتادا للأرض تثبتها، وفي تعليق هامش أضافوا ما نصه: يبلغ سمك الجزء الصلب من القشرة الأرضية نحو ٦٠ كيلو متر ً ا، وتكثر فيه التجاعيد فيرتفع حيث الجبال وينخفض ليكون بطون البحار وقيعان المحيطات، وهو في حالة من التوازن بسبب الضغوط الناتجة من الجبال، ولا يختل هذا التوازن إلا بعوامل التعرية فقشرة الأرض اليابسة ترسيها الجبال كما ترسي الأوتاد الخيم ة.
وذكر صاحب (صفوة التفسير) - بارك الله فيه - ما نصه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾؛ أي ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها والتقلب في أنحائها، وجعلناها لكم كالفراش والبساط لتستقروا على ظهرها وتستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المزروعات، ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾؛ أي وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض تثبتها لئلا تميد بكم كما يثبت البيت بالأوتاد، فالله شبه الجبال بالأوتاد؛ لأنها تمسك الأرض أن تميد.
من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين
من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين، وهما: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾.
أول ًَ ا: في قول الحق ﵎: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ استضاءة ب مفهوم ت حرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، وصلت الدراسات الحديثة في هذا المجال إلى أن الأرض بدأت بمحيط غامر، ثم بتصدع قاع ذلك المحيط واندفاع ملايين الأطنان من الصهارة الصخرية عبر تلك الصدوع بدأ تحرك الألواح الصخرية المكونة لذلك القاع متباعدة عن بعضها البعض في أحد أطرافها، ومصطدمة في الأطراف المقابلة، ومنزلقة عبر بقية الأطراف، ونتج عن ذلك تكون أعداد من أقواس الجزر البركانية عند الأطراف المتصادمة، ثم نمت تلك الجزر البركانية بالتدريج إلى القارة الأم أو أم القارات التي تفتت بشبكة هائلة من الصدوع إلى القارات السبع التي نعرفها اليوم.
وظلت هذه القارات في الاندفاع متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أوضاعها الحالية التي لا تزال تتزحزح عنها إلى اليوم، وباستمرار هذه العملية تمايزت ألواح الغلاف الصخري للأرض إلى الألواح المحيطية وتلك القارية، وبتصادم ألواح قيعان المحيطات بكتل القارات تكونت سلاسل الجبال الشبيهة
стр. 207
بجبال الأنديز على الحافة الغربية لأمريكا الجنوبية، وبتصادم ألواح القارات مع بعضها تكونت أعلى السلاسل الجبلية على سطح الأرض؛ من مثل: سلاسل جبال الهمالايا التي نتجت عن اصطدام كتلة الهند بكتلة قارتي آسيا وأوروبا.
ومع تكون الأطراف والمنظومات والسلاسل والأحزمة الجبلية ومجموعاتها المعقدة أصبح سطح الأرض على درجة من وعورة التضاريس لا تسمح بعمرانها، ثم بدأت عمليات التجوية والتحات والتعرية في بر ي تلك المجموعات الجبلية والأخذ من ارتفاعاتها باستمرار، وبنقل الفتات الصخري الناتج عن تلك العمليات إلى أحواض المحيطات والبحار، وبتحرك هذه العمليات بدأت دورة الصخور التي لا تزال تتكرر إلى يومنا الراهن لتكسو منخفضات الأرض بالتربة اللازمة للإنبات والزراعة، ول تركز العديد من الثروات المعدنية ولتزيد من ملوحة البحار والمحيطات بالتدريج حتى تجعلها صالحة لحياة البلايين من الكائنات الحية، ولتحفظ هذا الماء من الفساد ولتركز معادن المتبخرات في صخور الأرض.
ولما كانت عمليات التجوية والتحات والتعرية تزيل كميات كبيرة من الصخور المكونة لمرتفعات سطح الأرض كان من ضرورات الاتزان الأرضي أن تتحرك الصهارة الصخرية تحت الغلاف الصخري للأرض لتعوض فقدان الكتل التي تمت تعريتها، ولتحقق الاتزان الأرضي بتعديل الضغوط في داخل الأرض، ويؤدي ذلك إلى رفع الجبال بطريقة تدريجية، وباستمرار تفاعل تلك القوى المتصارعة من عمليات التجوية والتعرية المقترنة بعمليات تحرك الصهارة الصخرية تحت الغلاف الصخري للأرض وفي داخله، وعمليات رفع الجبال لتحقيق التوازن الأرضي لفترات زمنية طويلة؛ فإنها تنتهي بإنقاص سمك سلسلة الجبال إلى متوسط سمك لوح الغلاف الصخري الذي تتواجد عليه؛ وذلك بسحب جذور الجبال من نطاق الضعف الأرضي ورفعها حتى تظهر على سطح الأرض.
стр. 208
وبخروج جذور الجبال من نطاق الضعف الأرضي الذي كانت طافية فيه كما تطفو جبال الجليد في مياه المحيطات؛ فإن الجبال تفقد القدرة على الارتفاع إلى أعلى، وتظل عوامل التعرية في بريها حتى تسويها بسطح الأرض تقريبا، وحينئذ تنكشف جذور الجبال وبها من الثروات المعدنية ما لا يمكن أن يوجد إلا تحت مثل ظروف أوتاد الجبال التي تتميز بقدر هائل من الضغط والحرارة.
وعلى هذا النحو ف إن الجبال قد لعبت ولا تزال تلعب دورا مهما في بناء قارات الأرض، وفي الزيادة المستمرة لمساحة تلك القارات بإضافة الكتل الجبلية إلى حواف تلك القارات بطريقة مستمرة، ومعنى ذلك أن كل قارات الأرض بدأت بسلاسل من أقواس الجزر البركانية في وسط المحيط الغامر، وأنه باصطدام تلك الجزر كونت القارة الأم التي تفتت بشبكة هائلة من الصدوع إلى القارات السبع التي نعرفها اليوم، والتي ظلت تنزاح متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أماكنها الحالية، والتي لا تزال تتزحزح عنها وبقيت القارات على هيئة أطواف ومنظومات وسلاسل وأحزمة جبلية معقدة، وأن تلك المرتفعات جعلت سطح الأرض على درجة من وعورة التضاريس لا تسمح بعمرانها، ثم بدأت سلسلة من الصراع بين العمليات الأرضية الداخلية البانية للجبال والرافعة لها، والعمليات الهدمية الخارجية التي تعريها، وفي نهاية هذا الصراع تنتصر العوامل الهدمية الخارجية فتسوى الجبال وتخفض من ارتفاعاتها بالتدريج في محاولة للوصول بها إلى مستوى سطح البحر.
ولذلك فإن كل سهول ومنخفضات اليابسة الحالية كانت في يوم من الأيام جبالا شاهقة، ثم عرتها عوامل التجوية والتحات والتعرية حتى أوصلتها إلى مستوياتها الحالية، وأن الكتل الصخرية القديمة التي تعرف باسم الرواسخ أو المجن وهي
стр. 209
كتل مستقرة نسبيا موجودة في أواسط القارات ما هي في الحقيقة إلا جذور السلاسل الجبلية القديمة التي تم تعريتها.
هذه العمليات المعقدة من الصراع بين القوى البانية في داخل الأرض والقوى الهدمية من خارجها؛ هي التي أدت بأمر من الخالق - سبحانه - إلى بناء القارات ورفعها فوق مستوى البحار والمحيطات على هيئة مجموعات من أطواف ومنظومات وسلاسل وأحزمة جبلية شاهقة ظلت تضاف إلى بعضها البعض بانتظام وبطء لتزيد من مساحة القارات التي كانت في بادئ الأمر جبلية وعرة لا تسمح وعورتها بعمرانها، ثم بدأت عوامل التعرية في الأخذ من تلك الجبال الشاهقة بالتدريج حتى حولتها إلى السهول الواسعة والهضاب والنجود المنخفضة والأودية المحفورة والرواسخ الثابتة التي تشكل أواسط القارات اليوم حتى وصلت الأرض إلى صورتها المناسبة للعمران، ولذلك يمن علينا ربنا - سبحانه - بتمهيد الأرض ويلوم المنكرين للبعث بتوجيه هذا اللوم من الاستفهام التقريري التوبيخي التقريعي الذي يقول فيه الحق: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾؛ أي ألم نجعل لكم الأرض فراش ً اموط أكالمهد؛ لتمكينكم من الاستقرار عليها والتقلب في أنحائها، والانتفاع بما أودعناه لكم فيها؛ لأن الأرض لو بقيت جبالا شاهقة الارتفاع متشابكة التضاريس معدومة الممرات والمسالك لما أمكن العيش على سطحها، فسبحان الذي أنزل هذه اللفتة القرآنية المبهرة في محكم كتاب هـ من قبل ألف وأربعمائة من السنين، وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
ثاني ً ا: في قول الحق ﵎: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ من الأمور المشاهدة أن سطح الأرض ليس تام الاستواء، وذلك بسبب اختلاف التركيب الكيمائي والمعدني للصخور المكونة له، وبالتالي اختلاف كثافة الصخور المكونة لمختلف
стр. 210
أجزاء الغلاف الصخري للأرض؛ فهناك قمم عالية للسلاسل الجبلية، وتنخفض تلك القمم السامقة إلى التلال ثم الرواب ي أو الربى جمع ربوة أو رابية أو الآكا م جمع أك م ة أوالنتوءات الأرضية، ثم الهضاب أو النجود، ثم السهول، ثم المنخفضات الأرضية والبحرية، ويختلف مع ذلك متوسط كثافة الصخور المكونة لكل شكل من هذه الأشكال الأرضية، ويبلغ ارتفاع أعلى قمة على سطح الأرض؛ وهي قمة جبل إفرست في سلسلة جبال الهمالايا ٨٨٤٠ متر ً اتقريب ً افوق مستوى سطح البحر، بينما يقدر منسوب أخفض نقطة على سطح اليابسة، وهي حوض البحر الميت بحوالي ٣٩٥ متر ً المستوى م ائة تحت مستوى سطح البحر، بينما يصل منسوب قاعه إلى ٨٠٠ متر تحت المستوى العادي لسطح البحر، ويقدر متوسط منسوب سطح اليابسة بنحو ٨٤٠ متر ً افوق مستوى سطح البحر، ويبلغ منسوب أكثر أغوار المحيطات عمق ً ا ١١٠٢٠ متر ً افي قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين، بينما يبلغ متوسط أعماق المحيطات نحو أربعة كيلو مترات تحت مستوى سطح البحر، ويبلغ الفارق بين أعلى قمة على اليابسة وأخفض نقطة في قيعان المحيطات؛ أي أقل قليلا من ٢٠ كيلو متر ً ا.
وهذا الفارق بين أعلى قمة على سطح اليابسة وأخفض نقطة في أغوار قيعان البحار العميقة والمحيطات إذا قورن بمتوسط نصف قطر الأرض والمقدر بنحو ٦٣٧١ كيلو متر ً ا؛ فإن النسبة لا تكاد تتعدى ٣٠%، وهذه النسبة الضئيلة تلعب دورا مهما في معاونة عوامل التعرية المختلفة على بر ي صخور مرتفعات الأرض، وإلقاء الفتات الناتج عنها في المنخفضات في دورات متعاقبة تعمل على تسوية سطح الأرض، وتكوين التربة، وتركيز الخامات المعدنية، وجعل الأرض صالحة للعمران.
стр. 211
كذلك فإن الأدلة العلمية التي تراكمت على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين تشير إلى أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام، وإذا تعرض هذا التوازن إلى الاختلال في أية نقطة على سطح الأرض؛ ف إ ن تعديله يتم مباشرة بتحرك القدر المناسب من الصهارة في نقاط الضعف الأرضي تحت نقطة الاختلال مباشرة منها أو إليها، ومن هذه الأدلة أن القشرة الأرضية تنخفض إلى أسفل على هيئة منخفضات أرضية عند تعرضها لأحمال زائدة، وترتفع إلى أعلى على هيئة نتوءات أرضية عند إزالة تلك الأحمال عنها، ويتم ذلك بما يسمى التضاغط والارتداد التضاغطي المرتد الذي يتم من أجل المحافظة على الاتزان الأرضي؛ ومن أمثلة ذلك ما ينتج عن تجمع الجليد بسمك كبير على اليابسة، ثم انصهار هـ، أو عند تخزين الماء بملايين الأمتار المكعبة أمام السدود ثم تصريفه، أو بتراكم ملايين الأطنان من الترسيبات أمام السدود ثم إزالتها، أو بتساقط نواتج الثورات البركانية العنيفة حول عدد من فوهات البراكين ثم تعريتها.
ففي العهد الحديث من عمر الأرض بدأت في الانصهار تراكمات الجليد السميكة التي كانت قد تجمعت على بعض أجزاء اليابسة من نصف الكرة الشمالي منذ نحو مليوني سنة، ونتيجة لذلك بدأت الأرض بالارتفاع التدريجي في مناطق الانصهار التدريجي للجليد؛ لتحقيق التوازن التضاغطي المرن للأرض؛ وهو من سنن الله فيها، وقد بلغ ارتفاع الأرض بذلك ٣٣٠ متر ً افي منطقة خليج هتسون في شمال أمريكا الشمالية، ونحو مائ ة من الأمطار حول بحر البلطيق حيث لا يزال ارتفاع الأرض مستمرا، وأمام كثير من السدود التي أقيمت على مجاري الأنهار تسببت بلايين الأمتار المكعبة من المياه وملايين الأطنان من الرسوبيات التي تجمعت أمام تلك السدود في حدوث انخفاضات عامة في مناسيب المنطقة وزيادة ملحوظة في نشاطها الزلزالي، ويؤيد ذلك بأن ألواح الغلاف الصخري المكونة للقارات والتي
стр. 212
يتراوح سمك كل ٍّ منها بين المائة والمائة وخمسين كيلو مترا يغلب على تركيبها صخور ذات كثافة منخفضة نسبيا، بينما يغلب على تركيب ألواح الغلاف الصخري المكونة لقيعان البحار والمحيطات صخور ذات كثافة عالية نسبيا؛ ولذلك لا يتجاوز سمك الواحد منها سبعين كيلو مترا فقط.
وكل من ألواح الغلاف الصخري القارية والمحيطية يطفو فوق نقاط الضعف الأرضي الأعلى كثافة، وهو نطاق مرن شبه منصهر عالي اللزوجة؛ ولذلك فهو يتأثر بالضغوط فوقه ويتحرك استجابة لها.
وفي المقابل فإن قشرة الأرض المكونة لكتل القارات يتراوح سمكها بين ٣٠ و٤٠ كيلو مترا تقريبا، ويغلب على تركيبها الصخور الجرانيتية والتي تغطى أحيانا بتتابعات رقيقة ومتفاوتة السمك من الصخور الرسوبية، ومتوسط كثافة الصخور الجرانيتية يبلغ ٢.٧ جرام للسنتيمتر المكعب، بينما يتراوح سمك قشرة الأرض المكونة لقيعان البحار والمحيطات بين ثمانية وخمسة كيلو مترات فقط، ويغلب على تركيبها الصخور البازلتية التي قد تتبادل مع الصخور الرسوبية، أو تتغطى بطبقات رقيقة منها، ويبلغ متوسط كثافة الصخور البازلتية ٢.٩ جرام للسنتيمتر المكعب؛ ولذلك تطفو كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات.
وبنفس هذا التصور يمكن تفسير الاختلاف في تضاريس سطح الأرض على أساس من التباين في كثافة الصخور المكونة لكل شكل من أشكال تلك التضاريس؛ فالمرتفعات على سطح اليابسة لا بد وأن يغلب على تكوينها صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها، ومن ثم فلا بد وأن يكون لها امتدادات من صخورها الخفيفة نسبيا في داخل الصخور الأعلى كثافة المحيطة بها، ومن هنا كان الاستنتاج بأن الجبال لا بد وأن لها جذورا عميقة تخترق الغلاف الصخري
стр. 213
للأرض بالكامل لتطفو في نطاق الضعف الأرضي، وهنا تحكمها قوانين الطفو كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات، وقد أيدت قياسات عجلة الجاذبية الأرضية هذا الاستنتاج بإشارتها إلى ق م م أقل من المفرو ض نظري ًّ افي المناطق الجبلية، وإلى ق م م أعلى من المفروض في المنخفضات الأرضية وفوق قيعان البحار والمحيطات، وانكشاف جذور الجبال القديمة في أواسط القارات يعتبر من الشواهد المادية التي تثبت حدوث عمليات إعادة التعليل التضاغطي في الغلاف الصخري للأرض؛ وذلك لأنه مع بري عوامل التعرية لقمم تلك الجبال ظلت ترتفع إلى أعلى حتى ظهرت جذورها على سطح الأرض، وبفهم دورة حياة الجبال ثبت أن كل نتوء أرضي فوق مستوى سطح البحر له امتداد في داخل الغلاف الصخري للأرض يتراوح طوله بين ١٠ و١٥ ضعف ارتفاعه الخارجي.
وكلما كان الارتفاع فوق مستوى سطح البحر كبيرا تضاعف طول الجزء الغائر في الأرض امتدادا إ لى الداخل، وعلى ذلك فإن قم ة مثل: إفرست لا يكاد ارتفاعها فوق مستوى سطح البحر يصل إلى تسعة كيلو مترات لها امتداد في داخل الغلاف الصخري للأرض يزيد عن المائة والثلاثين كيلو مترًا، ويختلق هذا الامتداد الداخلي لتلك السلسلة الجبلية الغلاف الصخري للأرض بالكامل ليطفو في نطاق الضعف الأرضي، وهو نطاق شبه منصهر؛ أي مرن عالي الكثافة واللزوجة تحكمه في ذلك قوانين الطفو تمامًا كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات، فكلما برت عوامل التعرية قمم الجبال ارتفعت تلك الجبال إلى أعلى، وتظل عملية الارتفاع تلك حتى يخرج جذر الجبل من نطاق الضعف الأرضي بالكامل؛ وحينئذ يتوقف الجبل عن الحركة، ويتم بريه حتى يصل سمكه إلى سمك اللوح الأرضي الذي يحمله؛ وبذلك يظهر جذر الجبل على سطح الأرض، وبه من الثروات الأرضية ما لا يمكن أن يتكون إلا تحت ظروف استثنائية من الضغط والحرارة لا تتوفر إلا تحت ظروف
стр. 214
مشابهة للبيئة في جذور الجبال.
فسبحان الذي وصف الجبال من قبل ألف وأربعمائة سنة بالأوتاد، وهي لفظة واحدة تصف كلا من الشكل الخارجي للجبل وامتداده الداخلي ووظيفته؛ لأن الوتد أغلبه يدفن في الأرض وأقله يظهر على السطح، ووظيفته التثبيت، وقد جاءت علوم الأرض في العقود المتأخرة من القرن العشرين بالأدلة المادية التي تثبت أنه هكذا الجبال بعد أن ظل وصف الجبال إلى مشارف التسعينات من القرن العشرين قاصرًا على أنها مجرد نتوءات فوق سطح الأرض، واختلفوا في تحديد حد أدنى لارتفاع تلك النتوءات الأرضية اختلافا كبيرا بين ٣١٠ مترا و٦٢٠ مترا، وبين اعتباره تعبيرا محددا أو نسبيا يعتمد على تضاريس المنطقة.
وفي السبق القرآني بوصف الجبال بأنها أوتاد تأكيد قاطع على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولًا بالوحي، ومعلمًا من قِبل خالق السموات والأرض؛ حيث لم يكن لأحد من البشر أدنى إلمام بإمكانية وجود امتدادات داخلية للجبال، أو حتى مجرد التفكير في ذلك الأمر، ولا بدور الجبال في تثبيت الأرض إلا بعد نزول القران الكريم بأكثر من اثني عشر قرنًا، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لهذا العلم غير الله الخالق -سبحانه- الذي أنزله على نبي أمي في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل ألف وأربعمائة سنة فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أيضا هناك آية أخرى في القرآن الكريم تقول:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿(النازعات: ٣٢، ٣٣) الجبل في اللغة هو المرتفع من الأرض ارتفاعا
стр. 215
ملحوظا يجعله يعظم ويطول على ما حوله من الأرض، وجمعه جبال وأجبال، ودونه في الارتفاع التل، ودون التل الربوة أو الرابية أو الأكمة وجمعها آكام، ودون الأكمة الهضبة، ودون الهضبة السهل، ودون السهل المنخفض.
أما أرساها الفعل رسا يرسو فمعناه ثبت وقر، ويستخدم الفعل أرسى مجازا بمعنى تهدئة الأمور، وجاءت لفظة رواسي بهذا المعنى في القرآن الكريم؛ مثل قوله تعالى:﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ﴿(المرسلات: ٢٧) يعني جبال عالية مرتفعة. فإذا تتبعنا أقوال المفسرين في تفسير قول الحق -سبحانه-:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿نجد أن ابن كثير -يرحمه الله- ذكر ما مختصره؛ أي قرها وأثبتها في أماكنها، وهو الحكيم العليم الرءوف بخلقه الرحيم، وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها كل ذلك متاعا لخلقه، ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل.
وجاء في تفسير (الجلالين) ما نصه: أثبتها على وجه الأرض لتثبت، متاعا مفعول له لمقدر؛ أي فعل ذلك متعة أو مصدر؛ أي تمتيعًا لكم ولأنعامكم جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم. وجاء في (الظلال) ما مختصره: وإرساء جبالها متاعا للإنسان وأنعامه، وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع. وجاء في (صفوة البيان لمعاني القرآن) ما نصه:﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿؛ أي أرسى الجبال؛ أي أثبتها في الأرض؛ كي لا تميد وتضطرب، وقوله َ:﴾ أَرْسَاهَا ﴿تفسير للفعل المضمر قبله﴾ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿؛ أي تمتيعا لكم ولأنعامكم. والآية تقريع لكفار مكة المنكرين للبعث زاعمين صعوبته بعد أن بين الله كمال سهولته بالنسبة إلى قدرته. وجاء في (المنتخب): والجبال ثبتها متاعا
следующие страницы →